أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - هل تتحول روسيا إلى «الشريك الأصغر» للصين؟















المزيد.....

هل تتحول روسيا إلى «الشريك الأصغر» للصين؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 23:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


10 سبتمبر أيلول 2026


في مقاله المنشور في الفايننشال تايمز بعنوان: «رهان بكين غير المتوقع على روسيا قد يثبت صوابه» يطرح الباحث الروسي ألكسندر غابويف، مدير مركز كارنيغي للدراسات حول روسيا وأوراسيا، رؤية متشائمة لمسار العلاقة الروسية–الصينية، تقوم على فكرة أساسية مفادها أن موسكو، بفعل الحرب الأوكرانية والقطيعة مع الغرب، تنزلق تدريجياً نحو موقع «الشريك الأصغر» داخل شراكة تميل كفتها أكثر فأكثر لصالح بكين.

المقال ليس مجرد قراءة إقتصادية للعلاقات الثنائية، بل محاولة لتفسير تحوّل أعمق يمس البنية الجيوسياسية والثقافية الروسية نفسها. وغابويف لا يتحدث فقط عن الغاز والتجارة، بل عن إعادة تشكيل الاتجاه الحضاري لروسيا بعد إنهيار الجسور مع أوروبا.

يبدأ الكاتب بمقارنة رمزية لافتة. فهو يستعيد ظاهرة تحدث النخب الروسية باللغة الفرنسية في القرن التاسع عشر، كما صوّرتها رواية «الحرب والسلام» للكاتب ليف تولستوي، قبل أن ينتقل إلى الحاضر مستشهداً بتصريح المتحدث بإسم الكرملين دميتري بيسكوف، الذي قال إن إبنته «تحدثت الصينية قبل الروسية» بسبب مربيتها القادمة من ضواحي بكين.

هذه المقدمة ليست مجرد تفصيل أدبي، بل مدخل لفكرة محورية يريد غابويف ترسيخها: روسيا التي كانت تنظر تاريخياً إلى أوروبا بإعتبارها مرجعاً حضارياً، بدأت – بحسب رأيه – تتحول تدريجياً نحو الصين، ليس فقط إقتصادياً بل ثقافياً ونفسياً أيضاً.

ويكتب غابويف بوضوح: «الصين أمضت ربع قرن تبني نفوذها بصبر، وخرجت بوصفها المنافس الوحيد المكافئ للولايات المتحدة، بينما أهدرت روسيا فرصة التحديث».
ثم يضيف أن الحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية دفعت موسكو إلى «الإرتهان المتزايد» للصين، في علاقة أصبحت «أحادية الجانب بشكل متزايد».

لكن هنا تحديداً تبدأ الإشكالية الأساسية في المقال.
فالنص يعكس بوضوح رؤية مدرسة ليبرالية روسية ترى أن مستقبل روسيا الطبيعي كان يجب أن يبقى مرتبطاً بأوروبا، وأن الصدام مع الغرب أدى إلى إضعافها إستراتيجياً ودفعها إلى أحضان بكين. ولذلك يقرأ الكاتب كل أشكال التقارب الروسي–الصيني تقريباً بإعتبارها دليلاً على التبعية الروسية المتنامية.

أحد أبرز الأمثلة التي يستند إليها هو ملف مشروع «قوة سيبيريا 2»، الذي يفترض أن ينقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً إلى الصين.
غابويف يعتبر أن زيارة بوتين الأخيرة إلى بكين كشفت إختلال التوازن بين الطرفين، لأن الصين – بحسبه – رفضت منح الضوء الأخضر الكامل للمشروع رغم حاجة موسكو الماسة إليه بعد خسارة السوق الأوروبية.
ويكتب في هذا السياق: «الحقيقة أن الصين تستطيع أن تختار من قائمة مشاريع التعاون التي تعرضها روسيا ما يناسبها فقط».

هذه العبارة تلخص جوهر الرؤية الغربية الحالية للعلاقة الروسية–الصينية: بكين باتت تمتلك رفاهية الإختيار، بينما أصبحت موسكو الطرف الأكثر إحتياجاً.
غير أن الصورة الفعلية أكثر تعقيداً مما يوحي به المقال.
فالمشروع لم يعد مجرد فكرة مؤجلة، إذ جرى بالفعل توقيع تفاهمات وإتفاقات مهمة خلال 2025، لكن الخلافات ما تزال قائمة حول الأسعار والتمويل والتفاصيل النهائية. أي أن الصين لا ترفض المشروع من حيث المبدأ، بل تتفاوض من موقع قوة للحصول على أفضل شروط ممكنة.

وهنا تكمن نقطة مهمة جداً: العلاقة بين موسكو وبكين ليست علاقة «تحالف أيديولوجي»، بل شراكة براغماتية باردة بين قوتين كبيرتين لكل منهما مصالحه الخاصة.
الصين تدرك أن روسيا بحاجة إلى الأسواق الصينية أكثر مما تحتاج هي إلى الغاز الروسي، ولذلك تستخدم عامل الوقت لتحسين شروطها الإقتصادية. لكن في المقابل، تدرك بكين أيضاً أن روسيا تمثل عمقاً إستراتيجياً هائلاً للصين في مواجهة الولايات المتحدة، سواء من ناحية الطاقة أو الأمن أو الجغرافيا السياسية.

المقال يلفت الإنتباه كذلك إلى مسألة شديدة الحساسية داخل العقل الروسي: الخوف من التحول إلى «شقيق أصغر» للصين.
ويحذر غابويف من أن إستمرار العزلة الروسية عن الغرب قد يدفع موسكو بعد سنوات إلى خيارين لا ثالث لهما: إما «الخضوع للصين»، أو التحول إلى نموذج إنعزالي شبيه بكوريا الشمالية يحاول الحفاظ على إستقلاله عبر الإكتفاء الذاتي.
لكن هذه المقارنة تبدو مبالغاً فيها إلى حد بعيد.
فروسيا، مهما تراجع وزنها الإقتصادي مقارنة بالصين، تبقى: قوة نووية عظمى، دولة ذات إستقلال عسكري كامل، وصاحبة تقاليد إمبراطورية لا تتقبل بسهولة فكرة التبعية لدولة أخرى.
ولهذا فإن السيناريو الأقرب ليس تحول روسيا إلى تابع صيني مباشر، بل نشوء علاقة غير متكافئة إقتصادياً، مع إستمرار موسكو بمحاولة الحفاظ على هامش واسع من الإستقلال الإستراتيجي.

الأكثر عمقاً في المقال هو حديثه عن «القوة الناعمة» الصينية داخل روسيا.
غابويف يرى أن بكين تستغل الفراغ الذي خلّفه إنهيار العلاقات الروسية–الأوروبية لكي تعيد دمج روسيا تدريجياً داخل فضائها الثقافي والعلمي. ويشير إلى: المنح الجامعية، التعاون البحثي، الرحلات بدون تأشيرة، إنتشار اللغة الصينية، وإتساع التبادل الثقافي.
ويكتب: «الصين تسعى إلى أن تصبح رمز التقدم بالنسبة للأجيال الروسية الجديدة، وأن تحل محل أوروبا في دورها التقليدي».

هذه الفكرة بالذات تكشف جوهر القلق الغربي الحالي.
فالقضية لم تعد مجرد تجارة أو طاقة، بل إحتمال تشكّل فضاء أوراسي جديد تقوده الصين إقتصادياً بينما تؤمن روسيا له العمق العسكري والموارد الطبيعية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تحظى مثل هذه المقالات بإهتمام كبير داخل الصحافة الغربية النخبوية.
فهي لا تتحدث فقط عن روسيا، بل تعبّر أيضاً عن مخاوف الغرب من تشكل كتلة أوراسية ضخمة خارج الهيمنة الغربية التقليدية.
لكن المفارقة الكبرى التي لا يتوقف عندها غابويف بما يكفي، هي أن الغرب نفسه ساهم بقوة في دفع روسيا نحو الصين.

فبعد 2022 لم تقتصر القطيعة على العقوبات الإقتصادية، بل امتدت إلى: الجامعات، الأبحاث، الثقافة، السفر، والروابط الإنسانية.
هذا خلق فراغاً طبيعياً سارعت الصين إلى ملئه.
بمعنى آخر، فإن ما يصفه الكاتب بأنه «نجاح صيني» هو أيضاً نتيجة مباشرة لسياسات العزل الغربية.

في النهاية، يقدم مقال غابويف قراءة ذكية ومتماسكة من داخل المنظور الليبرالي الغربي، لكنه ليس نصاً محايداً بالكامل. فهو ينطلق من إفتراض ضمني يعتبر أن إبتعاد روسيا عن أوروبا يمثل خسارة حضارية وإستراتيجية تاريخية، وأن التقارب مع الصين يحمل في جوهره مساراً نحو التبعية.

ومع ذلك، يبقى المقال مهماً لأنه يسلط الضوء على قضية حقيقية لا يمكن تجاهلها: ميزان القوة داخل الشراكة الروسية–الصينية يتحول تدريجياً لمصلحة بكين، والسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت هذه الحقيقة موجودة، بل إلى أي مدى تستطيع موسكو التكيف معها دون أن تفقد إستقلالها الإستراتيجي على المدى البعيد.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصهيونية الليبرالية في مرآة كيتلين جونستون
- من باب المندب إلى القطب الشمالي: حين تعود الجغرافيا لتصنع طر ...
- بين الحياد المستحيل و«إقتصاد الحرب»: لماذا يقترب رأس المال ا ...
- ألكسندر دوغين و«الحرب الحضارية» ضد الغرب
- تركيا بين الناتو وروسيا: حدود الإستقلالية الإستراتيجية وصراع ...
- ستة أشهر من الحرب على إيران: كيف إنقلب الرهان الأمريكي على إ ...
- ألكسندر دوغين - الحداثة المشوهة (الأركيومودرن)، النخب والعمل ...
- الولايات المتحدة الإسرائيلية؟
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 ...
- ألكسندر دوغين - He did it his way – لقد فعلها على طريقته - ب ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 9 ...
- ألكسندر دوغين - بين السيادة والإكتفاء الذاتي
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 8 ...
- ألكسندر دوغين - نعود من جديد إلى ميدان كوليكوفو* (برنامج إيس ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 7 ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 6 ...
- بمناسبة مرور 35 عاماً على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 4 ...
- جون ميرشايمر - مذكرة التفاهم ماتت! هل يستطيع الحصار إنقاذ ال ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3 ...


المزيد.....




- أسعار الوقود في الولايات المتحدة تسجل أكبر ارتفاع منذ أكثر م ...
- -استعادة السلاح وفرض السيطرة-.. إسرائيل تتحدث عن تحركات جديد ...
- حرب إيران تشعل تكاليف الطاقة في العالم العربي.. لماذا تفاوتت ...
- استطلاع: لماذا يفضل الطلاب الأجانب الدراسة والبقاء في ألماني ...
- إيران منددة بالهجمات الأمريكية على ناقلات نفط لها: سنرد بالش ...
- الحرس الثوري يهدد بفرض عقوبات على السفن التي تعبر منطقة محظو ...
- مصر تحذر من عروض وهمية للحج والعمرة
- -الضربة بـ20-.. الحرس الثوري يعلن شروط إيران لفتح مضيق هرمز ...
- الأكثر كفاءة في تاريخها.. -أودي- تكشف عن سيارتها الكهربائية ...
- مراسلنا: مقتل شخص بغارة إسرائيلية استهدفت دراجة نارية جنوب ل ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - هل تتحول روسيا إلى «الشريك الأصغر» للصين؟