أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - تركيا بين الناتو وروسيا: حدود الإستقلالية الإستراتيجية وصراع الجغرافيا السوداء















المزيد.....

تركيا بين الناتو وروسيا: حدود الإستقلالية الإستراتيجية وصراع الجغرافيا السوداء


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 23:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


5 أيلول سبتمبر 2026



تنطلق الكاتبة والباحثة الروسية البروفيسورة يلينا بانينا من تحليل للباحث ياشار أيدين من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، ثم تبني عليه قراءتها الخاصة لمعضلة التوازن التركي بين الناتو وروسيا.

مقدمة: من سياسة التوازن إلى مأزق التوازن

كان إنعقاد قمة حلف الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026 مشهدًا بالغ الدلالة في مسار السياسة التركية. فمن الناحية الشكلية، بدت تركيا أكثر أهمية من أي وقت مضى داخل الحلف: القمة عقدت على الأراضي التركية، والاتحاد الأطلسي كان منهمكًا في إعادة بناء قدراته العسكرية والصناعية، فيما أصبحت أنقرة طرفًا لا يمكن تجاهله في حسابات الأمن الأوروبي والشرق أوسطي والبحر الأسود. وقد أكدت القمة إلتزام الحلف بالدفاع الجماعي، كما شددت على توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية والتعاون العسكري بين الدول الأعضاء.
لكن هذه الصورة تخفي مفارقة أساسية.
فتركيا لم تصبح أكثر أهمية للناتو لأنها تخلت عن سياسة «الإستقلالية الإستراتيجية» التي إنتهجتها خلال السنوات الماضية، وإنما لأن الظروف الدولية جعلت هذه الإستقلالية نفسها أكثر قيمة للغرب.
وهنا تكمن المفارقة التركية الكبرى: أنقرة أصبحت أكثر أهمية للغرب في اللحظة التي أصبح فيها من الصعب عليها الحفاظ على المسافة نفسها من الغرب.
فتركيا تريد أن تكون عضوًا في الناتو، ولكن ليس مجرد عضو تابع؛ وتريد أن تحتفظ بعلاقة عمل مع روسيا، ولكن من دون أن تصبح جزءًا من المحور الروسي؛ وتريد التعاون مع الصين و«بريكس» ومنظمة شنغهاي، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى التكنولوجيا والأسواق ورؤوس الأموال الغربية؛ وتريد بناء صناعة دفاعية وطنية مستقلة، لكنها تحتاج إلى محركات وتقنيات ومكونات وأسواق غربية.
وهذه ليست تناقضات عابرة، بل هي البنية الأساسية للمشكلة التركية الجديدة.


أولًا: ما المقصود أصلًا بالإستقلالية الإستراتيجية التركية؟

من الخطأ تفسير الإستقلالية التركية بإعتبارها مشروعًا للإنسحاب من الناتو أو الإنفصال عن الغرب.
فالسياسة التركية خلال عهد رجب طيب أردوغان لم تكن تقوم على إختيار روسيا بدل الولايات المتحدة، أو الشرق بدل الغرب، بقدر ما كانت تقوم على رفض فكرة أن العضوية في التحالف الغربي يجب أن تحدد السياسة الخارجية التركية بصورة كاملة.
كانت الفكرة أقرب إلى الآتي: تركيا عضو في الناتو، لكنها ليست ملزمة بأن تتبنى في كل قضية الرؤية الأميركية أو الأوروبية.
ولهذا تمكنت أنقرة من التعاون مع روسيا في سوريا، والتنافس معها في ليبيا والقوقاز، وشراء منظومة «إس-400» الروسية، وفي الوقت نفسه بيع الطائرات المسيّرة لأوكرانيا وإغلاق المضائق أمام السفن الحربية وفق أحكام إتفاقية مونترو.
كما تمكنت تركيا من تطوير علاقات متقدمة مع قطر وأذربيجان ودول آسيا الوسطى، والإنفتاح على «بريكس» ومنظمة شنغهاي، من دون أن تغادر المؤسسات الغربية.
هذه ليست سياسة إزدواجية بالمعنى البسيط، بل يمكن تسميتها سياسة تعدد الإرتباطات.
تركيا تريد أكبر عدد ممكن من الخيارات.
لكن المشكلة أن النظام الدولي الجديد بدأ يقلل عدد الخيارات المتاحة.


ثانيًا: صناعة الدفاع التركية... نجاح الإستقلال الذي يكشف حدود الإستقلال

ربما لا يوجد مجال يوضح هذه المفارقة أكثر من الصناعات الدفاعية.
خلال العقدين الماضيين، بنت تركيا قاعدة صناعية عسكرية مثيرة للإعجاب. وإنتقلت من دولة تعتمد بدرجة كبيرة على إستيراد السلاح إلى دولة تنتج الطائرات المسيّرة والسفن الحربية والعربات المدرعة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي، وتدخل تدريجيًا مجال الطائرات المقاتلة.
وفي عام 2025 تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية والفضائية التركية 10 مليارات دولار، بزيادة تقارب 48% عن العام السابق. كما إرتفعت قيمة العقود الجديدة إلى نحو 17.8 مليار دولار.
وهذا إنجاز إستراتيجي حقيقي.
لكن المفارقة أن نجاح الصناعة الدفاعية التركية جعلها أكثر إرتباطًا بالأسواق الغربية، لا أقل.
فحوالي 5.6 مليارات دولار من صادرات القطاع في 2025، أي نحو 56%، ذهبت إلى الإتحاد الأوروبي ودول الناتو والولايات المتحدة. وفي الفترة الممتدة من يونيو/حزيران 2025 إلى مايو/أيار 2026، بلغت حصة دول الناتو وحدها 57.3% من صادرات القطاع.
إذن هناك فرق جوهري بين مفهومين: الإستقلال في الإنتاج، والإستقلال في المنظومة.
قد تستطيع تركيا تصنيع طائرة مسيّرة محليًا، لكنها تحتاج إلى أسواق ومكونات وتكنولوجيا وتمويل وشراكات ومعايير إنتاج دولية.
وقد تنتج سفينة حربية محلية، لكنها تحتاج إلى منظومة إلكترونيات ومكونات متقدمة.
وقد تطور المقاتلة «كآن»، لكن مشكلة المحركات تظل مثالًا صارخًا على أن الإستقلال الصناعي لا يعني بالضرورة الإستقلال التكنولوجي الكامل.
وهكذا أنتجت تركيا صناعة دفاعية وطنية قوية، لكنها لم تنتج بعد منظومة دفاعية مكتفية ذاتيًا بالكامل.
وهذا بالضبط هو الحد المادي للإستقلالية الإستراتيجية.


ثالثًا: أوروبا هي الفرصة... وهي أيضًا القيد

هنا تظهر أهمية قمة أنقرة.
تركيا تريد الإستفادة من الموجة الأوروبية الجديدة لإعادة التسلح.
أوروبا تنفق أكثر، وتريد زيادة الإنتاج العسكري، وتبحث عن موردين وشركاء صناعيين، وتركيا تملك شركات قادرة على تقديم منتجات ذات أسعار تنافسية وسرعة في التسليم وخبرة ميدانية واسعة.
وقد إرتفعت قيمة صادرات الصناعات الدفاعية والفضائية التركية إلى أكثر من 11 مليار دولار على أساس سنوي في 2026، في وقت أصبحت فيه دول الناتو السوق الأكبر للصناعة التركية.
لكن هنا تظهر مشكلة أخرى: السوق الأوروبية ليست سوقًا محايدة.
فالإتحاد الأوروبي يريد بناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية، وإستخدام الإنفاق العسكري الجديد لتعزيز الشركات الأوروبية وسلاسل التوريد الأوروبية.
ومن ثم فإن تركيا تريد الدخول إلى سوق يتوسع بسرعة، لكنها ليست عضوًا في الإتحاد الأوروبي.
وهذا يضع أنقرة أمام معادلة صعبة: كلما زادت حاجتها إلى السوق الأوروبية، زادت حاجتها إلى ترتيبات سياسية ومؤسسية مع الإتحاد الأوروبي.
لكن كلما إقتربت من الإتحاد الأوروبي، أصبحت بعض خياراتها المستقلة أكثر كلفة سياسيًا.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل آلية SAFE الأوروبية مهمة بالنسبة لأنقرة. فالمشكلة ليست فقط في بيع الأسلحة إلى أوروبا، وإنما في الدخول إلى منظومة التمويل والإنتاج والتطوير العسكري الأوروبية.
وهنا لا يكفي أن تكون تركيا حليفًا عسكريًا؛ بل يجب أن تكون جزءًا من البنية الصناعية.
وهذا ما لم تحققه قمة أنقرة بصورة حاسمة.


رابعًا: العقدة الأميركية... إس-400 ما زال حاضرًا

إذا كانت أوروبا تمثل المستقبل الصناعي المحتمل لتركيا، فإن الولايات المتحدة تمثل العقدة التكنولوجية والسياسية.
فالخلاف حول منظومة «إس-400» الروسية لم ينتهِ.
شراء تركيا للمنظومة أدى إلى عقوبات أميركية بموجب قانون CAATSA، كما أدى إلى إستبعادها من برنامج «إف-35».
واليوم تريد أنقرة العودة إلى مسار الطائرة الأميركية والحصول على محركات وتقنيات مرتبطة ببرنامج المقاتلة التركية «كآن».
لكن واشنطن لا تنظر إلى القضية بإعتبارها مسألة تجارية فقط.
بالنسبة للولايات المتحدة، هناك سؤال أوسع: هل تستطيع دولة عضو في الناتو أن تمتلك منظومة روسية متقدمة، وتحتفظ في الوقت نفسه بمكان كامل داخل منظومة التكنولوجيا العسكرية الغربية؟
أما بالنسبة لتركيا فالسؤال مختلف: لماذا يجب أن تؤدي عضوية الناتو إلى حرمانها من حق تنويع مصادر السلاح؟
وهنا تصطدم رؤيتان للإستقلال الإستراتيجي.


خامسًا: روسيا... الشريك الذي لا تستطيع أنقرة التخلي عنه

مع ذلك، سيكون من الخطأ الإستنتاج بأن تركيا ستعود ببساطة إلى «المعسكر الغربي».
روسيا بالنسبة إلى تركيا ليست مجرد دولة منافسة.
إنها دولة جارة، وقوة بحرية في البحر الأسود، وشريك إقتصادي وطاقوي مهم، ولاعب أساسي في سوريا والقوقاز وليبيا.
وفي بعض الملفات تتنافس أنقرة وموسكو بصورة مباشرة.
في ليبيا، مثلًا، دعمت كل منهما أطرافًا مختلفة.
وفي جنوب القوقاز، ساهم الدعم التركي لأذربيجان في تغيير ميزان القوى على حساب الدور الروسي التقليدي.
وفي سوريا، تعاون البلدان في بعض المراحل، بينما إختلفا في مراحل أخرى.
أما في أوكرانيا، فقد قدمت تركيا دعمًا عسكريًا لكييف، خصوصًا عبر المسيّرات، لكنها في الوقت نفسه لم تنضم إلى العقوبات الغربية الشاملة على موسكو، وحافظت على قنوات الإتصال مع القيادة الروسية.
هذه القدرة على التعاون والصراع في الوقت نفسه هي جوهر السياسة التركية.
لكن الحرب الأوكرانية جعلت الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة.


سادسًا: البحر الأسود... المكان الذي ستختبر فيه الإستقلالية التركية

إذا كان لا بد من إختيار مسرح واحد سيكشف مستقبل السياسة التركية، فهو البحر الأسود.
لأن البحر الأسود يجمع كل عناصر المعضلة التركية في مساحة جغرافية واحدة.
تركيا هنا:
1. عضو في الناتو.
2. دولة مشاطئة للبحر الأسود.
3. تسيطر على البوسفور والدردنيل.
4. دولة تملك علاقات إقتصادية وإستراتيجية مع روسيا.
5. دولة تدعم أوكرانيا في بعض المجالات.
6. دولة ترفض أن يتحول البحر الأسود إلى بحيرة عسكرية تابعة لأي قوة خارجية.
ومن هنا تأتي أهمية اتفاقية مونترو.
فالمضائق التركية تمنح أنقرة قدرة إستراتيجية لا تملكها معظم دول الناتو.
وقد أثبتت تركيا خلال الحرب الأوكرانية أنها تستطيع إستخدام هذه الورقة بطريقة تحقق عدة أهداف في الوقت نفسه: دعم الأمن التركي، الحفاظ على توازن البحر الأسود، وتجنب الإنخراط المباشر في الحرب الروسية ـ الأوكرانية.
لكن السؤال هو: إلى متى يمكن إستمرار هذه المعادلة؟
كلما زادت عسكرة البحر الأسود، وكلما زاد إندماج تركيا في التخطيط العسكري للناتو، أصبح الحفاظ على موقع «الوسيط» أكثر صعوبة.
فإذا أصبحت أنقرة جزءًا كاملًا من البنية العسكرية الأطلسية الخاصة بالبحر الأسود، فإن هامشها في التعامل مع روسيا سوف ينكمش بالضرورة.


سابعًا: لماذا لا تريد تركيا إخراج روسيا من النظام الأوروبي؟

هذه نقطة شديدة الأهمية في فهم الموقف التركي.
تركيا لا تنظر إلى روسيا بالطريقة نفسها التي تنظر بها بعض العواصم الأوروبية الشرقية إلى موسكو.
بالنسبة إلى أنقرة، روسيا حقيقة جغرافية لا يمكن إلغاؤها.
يمكن إضعاف روسيا.
يمكن منافستها.
يمكن الضغط عليها.
لكن لا يمكن ببساطة حذفها من الخريطة الأمنية لأوروبا والبحر الأسود والقوقاز.
وهذا يفسر جانبًا من السياسة التركية تجاه الحرب الأوكرانية.
أنقرة تريد أوكرانيا قوية بما يكفي لمنع الهيمنة الروسية، لكنها لا تريد بالضرورة روسيا مدمرة أو مطرودة إلى الأبد من منظومة الأمن الأوروبية.
لأن روسيا الضعيفة جدًا قد لا تكون بالضرورة في مصلحة تركيا.
وقد تنتج عنها فوضى إستراتيجية في البحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى.
وهنا تختلف الحسابات التركية عن الحسابات التي ترى أن الحل النهائي للمشكلة الروسية هو إقصاء موسكو طويلًا من النظام الأمني الأوروبي.


ثامنًا: إسرائيل عامل لا يمكن تجاهله

وهذه نقطة في النص الروسي تحتاج إلى توسيع وتحليل.
إن تصور أن تركيا تنظر إلى إسرائيل بإعتبارها أحد مصادر التهديد الرئيسية للأمن القومي التركي يعكس تحولًا مهمًا في البيئة الإستراتيجية لأنقرة.
فتركيا لا تنظر إلى الصراع في الشرق الأوسط بإعتباره منفصلًا عن توازن القوى الإقليمي.
وهي ترى أن تنامي القدرات الإسرائيلية، وتحول إسرائيل إلى لاعب عسكري إقليمي واسع النفوذ، والحرب في غزة، والصراع حول سوريا وشرق المتوسط، كلها عوامل تؤثر في ميزان القوى الذي تعمل داخله تركيا.
وهذا يجعل من الصعب على أنقرة أن تتبنى بالكامل الرؤية الغربية التي تضع روسيا في مركز التهديد الإستراتيجي.
بالنسبة إلى بعض الدول الأوروبية، الأولوية هي روسيا.
أما تركيا فتتعامل مع عدة دوائر تهديد في الوقت نفسه:
روسيا في الشمال؛
الصراع السوري في الجنوب؛
القضية الكردية؛
إيران؛
إسرائيل؛
شرق المتوسط؛
القوقاز؛
وأمن الطاقة.
وهذا يفسر لماذا تحتاج أنقرة إلى مساحة مناورة أكبر من تلك التي تحتاجها معظم الدول الأعضاء في الناتو.


تاسعًا: تركيا لا تريد الإختيار بين الشرق والغرب

من أكثر الأخطاء شيوعًا في تحليل السياسة التركية وضعها أمام سؤال ثنائي:
روسيا أم الناتو؟
السؤال الحقيقي مختلف: هل تستطيع تركيا الإستمرار في إستخدام الناتو والغرب وروسيا والصين والشرق الأوسط كدوائر متعددة في سياسة واحدة؟
حتى الآن كانت الإجابة نعم.
لكن الظروف تغيرت.
الحرب الأوكرانية أدت إلى إعادة عسكرة ضخمة في أوروبا.
الولايات المتحدة تريد من حلفائها زيادة مساهماتهم الدفاعية.
أوروبا تريد بناء قاعدة صناعية دفاعية أكثر إستقلالًا.
روسيا أصبحت في مواجهة إستراتيجية أعمق مع الغرب.
البحر الأسود تحول إلى مسرح عسكري شديد الحساسية.
والتكنولوجيا العسكرية أصبحت مرتبطة أكثر فأكثر بسلاسل توريد وتحالفات سياسية.
وهذا كله يعني أن الحياد النسبي أصبح أكثر كلفة.


عاشرًا: المفارقة الكبرى — قوة تركيا هي التي تضيق هامشها

المفارقة التاريخية هي أن تركيا لم تواجه هذه المعضلة لأنها ضعفت، بل لأنها أصبحت أقوى.
عندما كانت تركيا تعتمد بشدة على السلاح الغربي، كان هامش المناورة محدودًا.
ثم بنت صناعتها العسكرية.
وتوسعت في إفريقيا وآسيا والقوقاز والشرق الأوسط.
وطورت أدواتها العسكرية.
وأصبحت لاعبًا في أوكرانيا وليبيا وسوريا والقوقاز.
وأصبحت دولة لا يستطيع الناتو تجاهلها.
لكن النتيجة كانت أن القوى الكبرى أصبحت تريد تركيا أكثر.
والدول التي تريدك أكثر، تطلب منك في المقابل مواقف أكثر وضوحًا.
وهكذا يتحول النفوذ إلى إلتزام.
وهذه هي معضلة تركيا في المرحلة القادمة.

الحادي عشر: ثلاثة سيناريوهات للمستقبل

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للسياسة التركية.
▪️السيناريو الأول: عودة تركية كاملة إلى الغرب
وهو السيناريو الذي قد ترغب فيه بعض الدوائر الغربية.
تقترب تركيا من الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتحل مشكلة «إس-400»، وتعود إلى برامج التسليح الغربية، وتنسق بصورة أكبر مع الناتو في البحر الأسود.
لكن هذا السيناريو يواجه عقبة أساسية:
أن تركيا نفسها لم تعد تريد العودة إلى موقع الدولة التابعة.
لقد تغيرت رؤيتها إلى مكانتها الدولية.

▪️السيناريو الثاني: تعميق الشراكة مع روسيا والشرق

هذا السيناريو يفترض أن تتجه تركيا بصورة أكبر نحو روسيا والصين وبريكس ومنظمة شنغهاي، وتقلل إعتمادها على الغرب.
لكن هذا السيناريو يصطدم بحقيقة الإقتصاد والصناعة.
فالناتو ليس مجرد تحالف عسكري بالنسبة لتركيا.
دول الناتو تستحوذ على جزء ضخم من التجارة التركية؛ ففي 2025 بلغت صادرات تركيا إلى دول الناتو نحو 150.3 مليار دولار، كما بقيت هذه الدول شريكًا تجاريًا مركزيًا لتركيا في النصف الأول من 2026.
لذلك فإن الإنفصال عن الغرب سيكون مكلفًا إقتصاديًا وصناعيًا.

▪️السيناريو الثالث: إستمرار سياسة التوازن ولكن بصورة أكثر صعوبة
وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا.
ستبقى تركيا في الناتو.
وستحاول الحصول على أكبر قدر ممكن من التكنولوجيا والأسواق الغربية.
وفي الوقت نفسه ستحتفظ بعلاقاتها مع روسيا.
وستواصل الاإنفتاح على آسيا.
وستحتفظ بقنواتها مع الصين.
وستستخدم قوتها العسكرية والإقتصادية لتوسيع نفوذها الإقليمي.
لكن الفرق أن تكلفة هذه السياسة سترتفع.
وسيكون على أنقرة أن تختار في كل أزمة أين تقف وإلى أي مدى.

الخاتمة: هل إنتهت الإستقلالية التركية؟

لم تنتهِ الإستقلالية الاستراتيجية التركية.
لكنها دخلت مرحلة جديدة.
فالإستقلالية في العقد الماضي كانت تعني أن تركيا تستطيع التحرك بين القوى الكبرى مع الحفاظ على قدر كبير من حرية القرار.
أما الإستقلالية في المرحلة المقبلة فستعني شيئًا أصعب: كيف تحافظ تركيا على حرية القرار وهي في الوقت نفسه أصبحت جزءًا لا غنى عنه من منظومة الأمن الغربي؟
وهنا يصبح البحر الأسود الإختبار الأكبر.
فإذا إستطاعت أنقرة أن تحافظ على دورها داخل الناتو، وأن تدعم أمن الحلف، وأن تستفيد من إعادة التسلح الأوروبية، وأن تطور صناعتها الدفاعية، وفي الوقت نفسه أن تحافظ على قناة إستراتيجية مع موسكو، فستثبت أن «الإستقلالية الإستراتيجية» ما زالت قابلة للحياة.
أما إذا إضطرت إلى الإختيار بين إلتزاماتها الأطلسية وعلاقاتها الروسية، فسوف يتبين أن الإستقلالية التركية كانت تعتمد، في جزء كبير منها، على وجود مساحة بين القوى الكبرى.
وهذه المساحة تضيق الآن.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستختار تركيا الناتو أم روسيا؟
السؤال الأدق هو: هل تستطيع تركيا أن تجعل من موقعها داخل الناتو أداة للإستقلال الإستراتيجي، بدل أن يتحول الناتو إلى قيد على هذا الإستقلال؟
وهذه معادلة لن تُحسم في بروكسل ولا في واشنطن ولا في موسكو.
ستُحسم أولًا في البحر الأسود.
لأن البحر الأسود هو المكان الذي تلتقي فيه الجغرافيا التركية، وعضوية الناتو، والعلاقة مع روسيا، وأوكرانيا، وإتفاقية مونترو، ومشروع القوة التركية في نقطة واحدة.
ومن هنا، فإن مستقبل السياسة التركية لن يكون عودة إلى الغرب ولا إنتقالًا إلى الشرق.
بل سيكون معركة للحفاظ على المسافة الإستراتيجية بين الإثنين.
والسؤال الأصعب: هل ما زال النظام الدولي يسمح لتركيا بهذه المسافة؟



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ستة أشهر من الحرب على إيران: كيف إنقلب الرهان الأمريكي على إ ...
- ألكسندر دوغين - الحداثة المشوهة (الأركيومودرن)، النخب والعمل ...
- الولايات المتحدة الإسرائيلية؟
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 ...
- ألكسندر دوغين - He did it his way – لقد فعلها على طريقته - ب ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 9 ...
- ألكسندر دوغين - بين السيادة والإكتفاء الذاتي
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 8 ...
- ألكسندر دوغين - نعود من جديد إلى ميدان كوليكوفو* (برنامج إيس ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 7 ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 6 ...
- بمناسبة مرور 35 عاماً على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 4 ...
- جون ميرشايمر - مذكرة التفاهم ماتت! هل يستطيع الحصار إنقاذ ال ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3 ...
- لماذا تحارب إسرائيل؟
- بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب ...
- من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر ...
- بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو ...
- ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر


المزيد.....




- شاهد لحظة انفجار ضخم داخل قاعدة عسكرية في بوليفيا
- مسؤول روسي يوجه رسالة لإدارة ترامب بشأن -الحقائق على الأرض- ...
- شاهد.. ناجٍ يخرج حياً من نفق في نيبال بعد 10 أيام من الكارثة ...
- هل يطفو؟ جولة داخل أول متحف مخصّص لفن السرد البصري
- ملثمون يغلقون ميناء دوفر البريطاني (فيديو)
- إعلام إيراني: ضربة أمريكية تستهدف ناقلة نفط قرب جزيرة خارك
- ترامب يجهّز -شرق أوسط جديد- بعد الحرب.. السعودية وإيران وغزة ...
- التاريخ الخفي وراء -موزة- ثمنها 6 ملايين دولار
- ترامب بدل هرمز.. هل يعاني الرئيس الأمريكي من -النرجسية المكا ...
- اليمن.. معارك طاحنة غرب تعز والطيران الحربي يدخل خط المواجهة ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - تركيا بين الناتو وروسيا: حدود الإستقلالية الإستراتيجية وصراع الجغرافيا السوداء