أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى نوح مجذاب - توقف الوعي - mute














المزيد.....

توقف الوعي - mute


يحيى نوح مجذاب

الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 20:15
المحور: الادب والفن
    


تَوَقُّفُ الوَعْيِ Mute
رُبَّما تكون الكلمة الإنكليزية Mute هي الأنسب والأدق في وصف هذا العنوان الصارخ والتعبير عنه.
بعد احتدامه بالأفكار الملوّنة والسوداء، صعودًا وهبوطًا في مستويات الهرمونات والإنزيمات: الأدرينالين، والدوبامين، والأوكسيتوسين، والسيروتونين، والإندورفين؛ غطَّ في نومة عميقة انقطع فيها عن سيل الحياة العارم.
كان الوقت عصرًا، ولأن الأمور لم تعد مواتية أو ملائمة في منزل تحكمه الأضداد، وهو المتصف بالصبر والروية والأناة في التفكير الأخلاقي الواقعي المتجذّر، فقد هرب بكليته من بؤرة الحيف والألم المضني إلى حيث تنزوي الصراعات اللامتكافئة بعيدًا عن حلبات النقائض.
وعندما فتح عينيه، أراد أن يضع ذاته في مسارها اللحظي-المكاني، لكن كل شيء كان قد تسرّب وانزلق إلى الفراغ والعدم.
لقد فقد، في دقيقة واحدة أو ربما أقل من ذلك، خطَّ البوصلة الذي تنتظم فيه الإحداثيات والجسيمات الكمومية، في لحيظات سهم الزمن المتبرقع بواقع لم يسبره بعد.
لم يكن يعرف أو يحدّد، متسائلًا: مَن هو؟ وأين هو؟ وما هذا العالم الغاطس في كينونته؟
أراد أن يستجمع معقولية الأفكار وينسجها في نسق مُدرَك، لكن مسعاه خاب وفشل، فضاعت منه المعاني والتفسيرات كلها، وأمسى أشبه بثقب في جدار صلد لا لون له ولا شكل.
في بواكير صباه الأوّل، لا ينسى أبدًا، وهو يتذكر، حيث ما زالت تلافيف المخ تسعفه، أحداثًا مقترنة بمشاعر مكثّفة، وقد انطبعت كمخزونات في القرص الصلب.
حوادث غريبة في سياقات المعقول، لم يستسغها كعُرف اجتماعي في طور غريب.
عندما كانت تنتابه حالة الانسلاخ من الذات، ويحسّ كما لو كان أشبه بفقاعة طافية في وجود مبهم، كان يقول لأمه ببراءة طفل: أشعر أني لست أنا.
كانت تندهش من كلامه؛ فهي لا تدرك معنى أن يكون الشخص ليس هو، بل الآخر.
كانت تحنو عليه وتخاف من هذه الحالة الغريبة، والجزع يملؤها.
كانت هذه الحالة تتكرر عنده بين الفينة والأخرى، وعزاؤه أن ما يحصل لا يستغرق من الوقت طويلًا.
وعندما اشتدّ عوده، وشقَّ طريق العمل، كان غريبًا في سلوكه مع أقرانه وأشقائه وشقيقاته.
عندما كان يزمع الخروج إلى العمل، يختار أن يسلك الدرب الأبعد؛ فهو ليس في عجلة من أمره أبدًا، ما دامت التوقيتات الزمنية لن تُعدِّل المصائر.
هو لا يعرف السر الذي يحرّك الأفراد ويجعلهم يلتقون بعد غياب طويل.
صاحبته السمراء كانت تقول له، في خلوات التسامر الصوفي: عندما أشتاق،
ترسل إليَّ السماء مبتغاي، فيتبلّل الشوق الظامئ بعد غياب.
إنه يتساءل: أين تذهب الأحداث اليومية للبشر؟
فهو لم يكن في بحبوحة فكر تسمح له بأن تتواصل مسارات المصفوفات المتزاحمة لترسم له طريق الحقيقة.
ظلّ السؤال يلحّ عليه، لا بوصفه فكرة عابرة، بل كجرحٍ يتّسع كلما حاول أن يلمسه: إلى أين تمضي الأيام التي نعيشها؟ أين تذهب ساعات البشر حين تنقضي، ولياليهم حين تنطفئ، والوجوه التي تعبر حياتنا ثم تبتعد كأنها لم تكن؟
منذ أن خطت الحياة خطوتها الأولى، هل ظلّت الأحداث كلّها معلّقة في مكان ما، محفوظة في سجلّ خفيّ لا يضيع منه شيء؟ أم أن ما نعيشه يتسرّب لحظةً بعد أخرى إلى هاوية العدم، فلا يبقى منه سوى أثر باهت؟
كان يتخيّل أن هناك شريطًا هائلًا، لا يُرى ولا ينقطع، يسجّل كل شيء: الأحداث العظيمة، والحروب، وصعود المشاهير وسقوطهم، وانتصارات العظماء وانكساراتهم، وحياة الناس العاديين؛ ضحكاتهم الصغيرة، وخيباتهم التي لا يشهدها أحد، ومتعهم العابرة، وحرمانهم الطويل، والعلاقات التي مرّت في صمت ثم تركت في الروح أثرًا لا يُرى.
هل تُخزَّن كل هذه التفاصيل في قرص كونيّ لا يفنى؟ وهل سيأتي يوم يُعاد فيه بثّ ذلك التسجيل الغامض، فتستعيد الأشياء أصواتها، وتعود الوجوه إلى أماكنها، وتنهض اللحظات من سباتها الأبدي؟
ومن الذي يحفظ كل هذا؟ أهي القدرة العليا التي لا يغيب عنها شيء، أم أن هذه الفكرة ليست سوى محاولة يائسة من العقل كي يقاوم رعب الفناء، فيخترع للوجود ذاكرةً أبدية، ويمنح للأشياء وعدًا خفيًا بألا تختفي تمامًا؟
كان قد تعلّم من قوانين الفيزياء ألّا شيء يُفنى أو يُستحدث من العدم، وأن التحوّل هو جوهر الوجود. لكنه لم يكن يعرف إن كان هذا القانون ينطبق على الذكريات أيضًا، على الأحاسيس التي عبرت ثم انطفأت، وعلى الحيوات التي مضت دون أن يلتفت إليها أحد.
وبينما كانت المصفوفات المتزاحمة في ذهنه تتداخل وتتباعد، أخذت عيناه تنسدلان ببطء، كأن النوم كان يفتح له ممرًا آخر؛ ممرًا لا يقود إلى العدم، بل إلى بحار الأبدية.



#يحيى_نوح_مجذاب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جبلان / تلقائية الوعي الباطن
- القاعة
- مالك القلب ( أوراق منسية في قبو - 7 )*
- امرأة أخرى ( أوراق منسية في قبو -6 )
- الفراشة الهائمة (أوراق منسية في قبو -5 )*
- سكين القطيعة ( أوراق منسية في قبو -4 )*
- عصارة العشق(أوراق منسية في قبو-3)*
- غلالة التعب (أوراق منسية في قبو -2 )*
- إستفاقــــــة (أوراق منسية في قبو -1)*
- الصخور البيضاء(أوراق منسية في قبو)*
- أعناق النخيل
- هاوية اللارجعة
- بدون استئذان
- اندفاع الأحداث
- جرعة الحب الأخيرة
- لسعة المرض
- غطسة العدم
- السماء الأولى
- صراع البقاء ومعركة الفناء
- الجدران الأربع


المزيد.....




- تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
- -بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال ...
- باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
- مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي ...
- فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
- ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)
- التعليم العالي: السينما والفنون والتراث تواصل إثراء فعاليات ...
- التعليم العالي: اليوم الموعد النهائي لتسجيل رغبات طلاب الشها ...
- أفلام الحروب تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينمائ ...
- يروي الإبادة بعيون طفلة.. فيلم -غزة 13- في مهرجان تورنتو الس ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى نوح مجذاب - توقف الوعي - mute