أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى نوح مجذاب - القاعة














المزيد.....

القاعة


يحيى نوح مجذاب

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


القاعة هائلة، لا من حيث الفخامة أو الحجم، وإنما لأنها تبدو وكأنها تنتمي إلى عوالم غير مألوفة لأهل الأرض. المقاعد مرصوفة بتنسيق مريح، ومتجهة جميعها في اتجاه واحد، نحو شاشة عملاقة لم توجد بعد، أو ربما نحو مسرح طليعي لم يصممه البشر بعد.
يتوافدون إلى القاعة، رجالاً ونساءً. ملامح بعضهم قوقازية، وبعضهم الآخر من شمال أفريقيا؛ قمحيو البشرة، ذوو شعور متموجة أو مجعدة، ورؤوس تبدو، في حجمها، أكبر قليلاً مما اعتاده هو بين بني الإنسان. هل هو الذكاء الفائق يا ترى أم هي شفرات الوراثة المطبوعة في الجينات؟
لم يجد وقتاً طويلاً للتفكير في الأمر؛ فالوسامة الخارقة كانت صفتهم السائدة، تليها كياسة غريبة يصعب تفسير مصدرها، كان الارتياح يبدو عليهم جميعاً، وكذلك تفاؤل عجيب، كما لو أنهم يعرفون شيئاً لا يعرفه هو، هل يضمرون شيئاً في سرائرهم؟
كان وحده الآسيوي الجزيري الغريب بينهم.
ومع ذلك، لم يشعر بالغربة، ولم يستشعر في الأمر ما يدعو إلى الامتعاض. صحيح أن شيئاً ما كان يجري بعفوية غريبة، لكن المفاجآت لم تعد تستفزه.
اعتاد أن يترك للأحداث حقها في أن تقع، وأن يتعامل معها بعقلية واقعية لا تهول غرائبية الأشياء لمجرد أنها تتجاوز المألوف.
جلسوا جميعاً.
اتجهت وجوههم نحو بؤرة متسعة من الفراغ الشاسع، كأن وجوههم كشافات ضوئية تبحث عن شيء لا يقع ضمن مجال الرؤية المعتاد.
لم يكن يفقه شيئاً مما يجري أمامه، لكنه كان مأخوذاً بتلك القدرة الغامضة التي طوقت المكان والزمان، وجعلت منهما نسقاً هارمونياً عاصفاً، لا يستقر على صورة واحدة. لم يستبعد كل الاحتمالات الواردة في مسارات الكينونة؛ فقد تعلم أن الإدراك لا ينحصر في المنطق الإقليدي وحده، وأن العالم، إذا ما تجاوز حدود المحسوس، قد تفرض عليه قوانين أخرى، وربما قوانين كمومية لا تزال عقول البشر عاجزة عن الإحاطة بها.
كان يعرف، أو يظن أنه يعرف، أن العقول وحدها ليست الحاكمة في عملية الإدراك.
وربما ما كان يحدث أمامه دليلاً على أن الإدراك نفسه ليس سوى طبقة واحدة من طبقات الكينونة.
خفتت الأضواء بهدوء مرن رافقها صعود مدوزن لسيمفونية الخلود، كانت منبعثة كشلال يتماوج مع إيقاعات الجلو وضربات الدرامز المدوية كتدافع جبلين فوق محيط الماء، وحين خفتت ضربات الطبل انسل بخفة سحرية سوبرانو صوت سيدة غجرية من قبائل الكاليه جيتانوس وهي تشق جدران القاعة بصوتها الفاجر المتمرد منبعثاً من وراء الآكام.
هو لا يرى أحداً فالصوت الذي غمر كل شيء عطل حواس الرؤية فلم تعد ذات بال حتى اختصر الكينونة والوجود بأكمله.
تحسس أصابع يديه يريد أن يتأكد أنه ليس في عالم الرؤيا وأن مجريات الأحداث قد لا تتسلل بمنطقها المعهود. أسرّ في ذاته بوشيش خفي؛ نحن أسرى المشهد اليومي الرتيب حيث كل شيء متوقع وله خانة مبوبة في أشرطة الوعي والإدراك حتى الكوارث والآفات، واليوم حريته المكتومة أخرجته من سجن الرتابة إلى محجر القاعة المتلألئ.
الصوت الغجري ما زال هو سيد المشهد وقد ملأه بالحبور ونشوة صوفية رائقة كزلال الماء هو لا يدرك معاني الكلمات لكن الشعور الذي أسره جعله يتيقن أن في الوجود لغة أسمى من الحروف المنطوقة.
في الجانب الآخر من المشاهد المتداخلة شريط سينمائي بالأسود والأبيض ينبعث بجذل متنامي، كانت هي بصورة أثيرية تستعيد أمامه مشهداً من فيلم قديم، كل شيء فيه واضح المعالم، وهي تدرك بعفوية أن الأبيض والأسود لا يلغي الألوان بل يفضحها، ويجعل العاطفة أشد عرياً ونصاعة فلكأن الضوء اعتراف دامغ لا يمتلك وضاعة البهتان. هو لا يتذكرها بوصفها امرأة خاصة بل لكونها طريقة كاملة في خفايا الوجود. كلما دخلت عليه المكان تبدل إيقاعه ويصير هو أقل قدرة على ادعاء البرود، ففي حضورها كان جسده يسبق فكره حتى يتسلل لاحقاً ليفهم دهشته. إنها لم تكن في لحظة ما موضوعاً للرغبة الفاجرة بل شاهداً صادقاً وبيقين قاطع أن وجوده المجرد لا يكتمل في الانزواء والعزلة وأن الإنسان لا يحتاج إلى الآخر لسد النقص بل لأن المعنى ذاته يحتاج دوماً إلى من يشهده ويباركه.
حين يفكر فيها لا يستعيدها وحدها جسداً وروحاً، بل يستعيد نفسه بكل خفاياها، وهو يجرؤ بقوة على الحب دون ضمانات مكفولة، لذلك لم يكن وجودها ذكرى عابرة، بل ارتعاشه باقية. شيء من ضحكتها مازال يضيء فيه كضوء سينمائي قديم لا يعرف أن العرض أوشك على النهاية.
لقد أراد جاهداً مستصرخاً طاقاته الكامنة أن يلملم هذه المشاهد الهيولية، لكنه عجز عن ذلك في مسارات المنطق المعهود.
إن شيئاً ما قد حصل أربك سلالم الوعي وخانات الإدراك.
أغمض عينيه عاقداً العزم في استكمال الصور المرئية والمختزنة.
كانت البرودة الصاقعة تسري في أوصاله وصوت الغجرية أخذ يتلاشى رويداً رويداً، ومجاميع البشر تصلبت صورهم نحو بؤرة العدم.
كان كل شيء يبدو محض أفكار مختزنة في قبو قديم رسخته النجوم منذ أزمان قصية.



#يحيى_نوح_مجذاب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مالك القلب ( أوراق منسية في قبو - 7 )*
- امرأة أخرى ( أوراق منسية في قبو -6 )
- الفراشة الهائمة (أوراق منسية في قبو -5 )*
- سكين القطيعة ( أوراق منسية في قبو -4 )*
- عصارة العشق(أوراق منسية في قبو-3)*
- غلالة التعب (أوراق منسية في قبو -2 )*
- إستفاقــــــة (أوراق منسية في قبو -1)*
- الصخور البيضاء(أوراق منسية في قبو)*
- أعناق النخيل
- هاوية اللارجعة
- بدون استئذان
- اندفاع الأحداث
- جرعة الحب الأخيرة
- لسعة المرض
- غطسة العدم
- السماء الأولى
- صراع البقاء ومعركة الفناء
- الجدران الأربع
- صانع الرموز
- الأماني الضالة


المزيد.....




- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...
- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...
- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...
- 4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ ...
- اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى نوح مجذاب - القاعة