أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد كوره جي - جناية الأيديولوجيا على النص














المزيد.....

جناية الأيديولوجيا على النص


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 00:14
المحور: الادب والفن
    


جناية الأيديولوجيا على النص: قراءة تفكيكية في النقد الاستئصالي لتجربة سعدي يوسف


لا تتعرض التجربة الأدبية لتشوهٍ أشد خطراً من ذلك الذي تمارسه القراءات الاستئصالية، حين تعمد إلى دمج العارض السياسي العابر بالجوهر الجمالي الخالد. فمتى ما تخلى النقد عن أدواته المعرفية في تفكيك النص، وتحول إلى محكمة تفتيش أيديولوجية، غدت مسيرة المبدع بأكملها عرضة للإلغاء المجاني. وهذا المنزلق المنهجي هو ما يتجسد بوضوح في مقاربة الناقد لؤي التميمي لتجربة الشاعر سعدي يوسف؛ حيث جرى اختزال مسيرة تمتد لستة عقود من الحداثة والتأسيس الشعري في ردود أفعال سياسية آنية، في مسعى واضح لاغتيال قامة شعرية كبرى بحجة الخلاف حول موقف أو مقال.

وينطلق هذا الخلل من تعامٍ مقصود عن الذرى الإبداعية التي نهض عليها المعمار الشعري لسعدي يوسف. فكيف لنقدٍ يدّعي الموضوعية أن يقفز فوق علامات فارقة أعادت توجيه بوصلة الشعر العربي الحديث؟
إن استبعاد نصوص ذات كثافة بصرية وسياسية كـ «تحت جدارية فائق حسن»، أو تجاهل البناء الدرامي في تجربة القناع عبر «الأخضر بن يوسف ومواطنه»، وصولاً إلى «النهروان»، لا ينم إلا عن قصور في الرؤية. كما أن تسطيح هذا المنجز الزاخر واختزاله في ثيمتي "الخمر والنساء" يمثل تشويهاً متعمداً لمشروع جمالي حمل على عاتقه أسئلة المنفى، وتصدعات الذاكرة الوطنية، وتحولات المكان، وتشظيات الكينونة الإنسانية.

وتتبدى الفجوة المنهجية الأعمق في هذا الخطاب النقدي من خلال الخلط التعسفي بين اليوميات السياسية أو المادة الصحفية وبين المشروع الإبداعي. لا شك أن سعدي يوسف اتخذ في سنواته الأخيرة مواقف حادة، وصاغ نصوصاً غاضبة ومباشرة انتقد فيها مرارة التشظي الطائفي والمحاصصة في عراق ما بعد 2003. غير أن اتخاذ هذه اللحظات الانفعالية أو الشطحات السياسية معياراً أحادياً لنسف ستين عاماً من المنجز الشعري، يُعد ارتهاناً أيديولوجياً بائساً. فالشاعر ليس كياناً سياسياً معصوماً، والمقالة العابرة لا تلغي أثر القصيدة الباقية؛ فبمجرد أن يتحرر النص الجمالي من سلطة مبدعه ويخرج إلى النور، تسقط عنه وصاية المواقف الشخصية.

يتضافر هذا الشحن الأيديولوجي مع عجزٍ واضح في استيعاب التحولات الجمالية لدى الذائقة الكلاسيكية المحافظة؛ تلك الذائقة التي لا تزال أسيرة الصوت الخطابي الزاعق، والتراكم البلاغي، والفخامة اللفظية المفتعلة. وأمام "قصيدة اليومي" التي كرسها سعدي يوسف، تقف هذه الذائقة عاجزة عن التقاط شعريتها، لتَصِمَ الاقتصاد اللغوي، والتوظيف السينمائي الخافت للتفاصيل المهمشة، بـ "الهشاشة" أو "التكسر اللغوي". لقد غاب عن هذا النقد أن النزول بالشعرية إلى نبض الحياة اليومية العادية، وتجريد اللغة من زوائدها، لم يكن عجزاً أدبياً، بل انقلاباً جمالياً وحداثياً أرسى دعائم قصيدة جديدة ذات بناء خافض، تركت أثرها العميق في مسار أجيال متعاقبة من الشعراء العرب.

في التحليل الأخير، يتطلب النقد الرصين وعياً شجاعاً يفصل بين غبار السياسة وجوهر الفن. نحن هنا لا نسعى إلى تبرئة الخيارات السياسية لسعدي يوسف أو إضفاء طابع القداسة على شخصه، بل نؤكد أن قامة الشاعر لا تُقاس بزلة أو موقف خلافي، بل بما استطاعت نصوصه أن تنتزعه من براثن الزمن. ستخبو حتماً أصوات الصخب الأيديولوجي، وتتلاشى الخصومات العابرة، ولن يتبقى في المشهد سوى الحقيقة النقدية الأنصع: تخلد القصيدة الشاهقة، ويرحل النقاد الاستئصاليون.


تُمثّل قصيدة «تحت جدارية فائق حسن» نموذجاً مكتملاً لبلوغ التجربة الشعرية ذروة نضجها؛ حيث يتجاوز النص الوصف الخارجي للأثر الفني ليُعيد بناء المكان البغدادي عبر تقاطع السرد الشعري مع التشكيل البصري.
يتأسس المعمار الفضائي للنص على جدلية حركية بين بؤرتين: الفضاء المرجعي الثابت حيث الجدارية (في ساحة الطيران ببغداد) بوصفها أثراً سيراميكياً خالداً يُجسّد قيم الحرية والنهوض والعمل. والفضاء اليومي المتحرك المتمثل بالشارع، وحركة السيارات، والمارة العابرين بوجوههم اليومية وأحمالهم الصغيرة.

فقد صنع هذا التقاطع دراما مكانية لا تُبنى على التأمل الذهني المباشر، بل على نزول النص بالرمز الملحمي من علياء اللوحة إلى أسفلت المدينة، ليصبح الفن معايشاً للصخب الإنساني اليومي بدلاً من أن يكون متحفياً صامتاً.
يتعامل سعدي يوسف مع المعمار الشعري بصفته "عدسة" تحاور ألوان فائق حسن وخطوطه إذ لا يكتفي الشاعر برصد عناصر الجدارية (الخيول، حمائم السلام، العمال، الأمهات)، بل يمنحها زَمَناً حركياً؛ فالخيول البرونزية والبيضاء لا تُشاهد كحجر، بل تُحسّ وكأنها تكرّ في أفق الساحة. وبدلاً من إطلاق الشعارات الوطنية الجاهزة حول الحرية، يُفكك النص المعنى السياسي لصالح التقاطات بصرية خافضة، متيحاً للوحة أن تُفصح عن دلالتها من خلال ظلال المارة الشاحبة تحتها.
يستعير الشاعر تقنيات المونتاج السينمائي لربط الفن التشكيلي بالنص الشعري عبر مستويين من التصوير، هما اللقطة الكلية بمسح شامل للساحة والمدى البغدادي، يُحدد إطار المكان ومرجعيته التاريخية والسياسية واللقطة القريبة بتركيز مجهري على حركة بسيطة (تفاصيل يد، خطوة متعبة، نظرة عابرة نحو الجدار)، مما يخلق تعارضاً شاعرياً بين عظمة الرمز الفني وبين انكسار الإنسان اليومي تحت هذا الرمز.
تثبت هذه القصيدة أن المشروع الشعري لسعدي يوسف لم يكن مجرد تدوين للخواطر العابرة، بل كان عملية جمالية معقدة لإعادة صياغة المكان العراقي عبر لغة متقشفة تدمج الفن التشكيلي بالنبض الإنساني الحي، ما يجعل النص وثيقة حداثية عصية على المحو أو الاختزال.

مالمو
2026-09-11



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استراتيجية الغياب كبديل للشرعية التقليدية
- سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي 2
- سكرتارية الحزب والجمود: ضرورة القيادة الشبكية في العصر الرقم ...
- المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ
- سلام الحكومات وحقوق الشعوب
- كيف أمكن للنظام القمعي أن يشجع الشعر الأكثر راديكالية ونقداً ...
- غورباتشوف أم نابليون؟
- من الاستبداد الأيديولوجي إلى البراغماتية الأمنية
- إشكالية قراءة ماركس بين العلم والأيديولوجيا
- تشكيل صورة كارل ماركس عبر الزمن
- مخيّم الآمال العظمى
- من طبقة النومنكلاتورا إلى الأوليغارشية
- قانون الإصلاح الزراعي وتدمير الزراعة
- مرايا الغبار المتمرد
- ما وراء هرمز
- من -الزمهرير- إلى -القيظ-
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من ا ...
- حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتم ...


المزيد.....




- السيناريست المصري هيثم دبور: لا أكتب الأفلام لأغازل الغرب بل ...
- كريم الشناوي مخرجًا للجزء الثاني من فيلم -سهر الليالي-
- محمد قطان.. صوت من زمن التأسيس يرحل وتبقى حكاياته في ذاكرة ا ...
- -100 سنة غنا-.. علي الحجار وعمر خيرت يعيدان فتح خزائن الموسي ...
- للمكان نفسه حكاية أخرى.. ماذا يحدث لذاكرة فضاءات مراكش حين ت ...
- بين الخراب والإبداع، كيف أعادت الحروب تشكيل الثقافة العربية؟ ...
- فيلم -نازا-.. شهادات إسرائيلية تكشف آلية استهداف الأطفال وال ...
- رشيد مشهراوي عن عرض الأفلام فوق أنقاض غزة: المكان قد يدمر لك ...
- لبنان: أكثر من 22% من أراضي الجنوب تضررت جراء الهجمات الإسرا ...
- في 4 محافظات.. التربية السورية تحدد مدارس تعليم اللغة الكردي ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد كوره جي - جناية الأيديولوجيا على النص