علم الدين بدرية
الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 15:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الفصل الأخير
اِقترب موعد الانتخابات، هي أيامٌ وأسابيعُ تفصلنا عن يوم الحسم، المسرحيّة تشهد في كل يوم جديد فصلاً آخر من فصول الرهان الخاسر في مسيرة السّياسة المحليّة ...!!
السياسة والساسة والمتسيّسون يستغلون الأيام المتبقيّة القادمة في سباق مع الزمن لكي يستخدموها لمصالحهم الشخصيّة ولتنفيذ طموحاتهم وأهدافهم السياسيّة، العدّ التنازلي قد بدأ، لم تتغير المواقف، ولم تتبدل التحالفات، ولن تُنمّق واجهاتهم الحزبيّة بطروحاتٍ وعقائدَ إصلاحيّةٍ، ما زالت الغاية تُبرّر الوسيلة، اِنتقل هؤلاء السياسيون من النقيض إلى النقيض، بمخططاتهم وبرامجهم السياسيّة وأهوائهم ومصالحهم الشخصيّة، تحت تسميات ومسمّيات ديمقراطيّة تتحدث باسم المصلحة العامة والحرص على منفعة الجميع بما فيهم المجتمع والشعب والدولة وربما الكون كله ..!!
لكن هذه المفاهيم الآنيّة والمصلحة العليا، والإرادة الجديدة للتغيير، هي مفاهيم نسبيّة في الشكل وليس في الفحوى والمضمون!!
إنها مقولات تتغيّر وتتبدّل بفعل الزمن التراجعي والواقع الارتدادي، وتحمل معها نفس الجينات الوراثيّة الموبوءة بمرض اللا استقلال واللا استقرار من حكم الأحزاب الارتجاليّة، والقبليّة السياسيّة ومخلّفاتها الرجعيّة، فتفقد هذه الجماعات مصداقيتها وطهرها ونقاءها السياسي، وتُصبح منعزلة بهذا المعنى، ويُصبح السياسي نقيض السياسة، وتحت وطأة المتحوّل غير الثابت، وبحثه عن عمليّة اِسترداد الشرعيّة والهويّة المفقودة والتوازن في اللّعبة السياسيّة المحليّة.. يُصبح في حكم المستحيل ...!!
ما يحدث اليوم هو ترك للسّياسة وعودة إلى السياسي، فشعارات الزمن الضائع لم تعد تعنينا بشيء، وبات كلّ همّنا البحث عن الثوابت والإيمان بطروحات واهية من الدّعايات والمعتقدات الموهومة التي لا تصب في مسار المصلحة العامة..
يجب أن يعي كلّ من يريد تَبَوُّء المناصب القياديّة أن زمن الوقوف على المنابر وإتحاف الجماهير بالخطب الرنّانة قد انتهى، وانتهى زمن الاقتلاع والإتباع، فعهد القطيع قد ولى وابتدأ عهد العودة إلى الفكر والوعي المستقيم الذي يرفض الانتهازيّة بجميع أشكالها ويدعو إلى العودة إلى الذات والبحث عن طريق أمثل للواقع ضمن خطاب سياسي واضح بعيد عن روح القديم البالي، والتّطلع إلى الفعل بمواجهة الكلمة، لتغيير عهد من التبعيّة والتّخلف، والنهوض بالمجتمع بكافة كوادره نحو مستقبل واعد من الحريّة والمساواة بين جميع أفراده، بغض النظر عن انتسابهم الحزبي أو الطائفي، وعن مركزهم المادي أو المعنوي ..!!
ربما نجد شريحة واحدة من شرائح المجتمع وهي الأكثر استعدادًا للنقاش الفكري والحوار الأيديولوجي من بين كوادر العمل السياسي المختلفة على الساحة المحليّة تتمثل في الشباب المثقف، ويعود ذلك إلى عدة أسباب تتعلق بطبيعة هذه الشريحة الاجتماعيّة وظروف تعاملها مع المستجدّات، فهي تميل إلى التضحيّة بمصالحها الشخصيّة فالشباب المثقف والواعي يمرّ من خلال نشاطه بعمليّة تطور شخصي، اجتماعي وسياسي لا يمكن تجاهل أهميته ....
وتعود أهميّة هذا النشاط على الحضور الجريء والمتواصل لهذه المجموعة واعتماد أفرادها على نموذج من المواقف والقضايا المبدئيّة للنقاش الفكري الذي يدور على الساحة المحليّة، كون الشباب هم النواة الأولى لبناء وبلورة الهويّة الجماعيّة للجيل القادم، وكونها قابلة أكثر من غيرها لإثارة الأسئلة الجريئة حول القضايا الجوهريّة فلا بد من إعادة الاعتبار لهذه القضايا المركزية وإثارة النقاش الفكري حولها، وبما أن المستقبل هو للجيل الصاعد، وبما أن الذي عايش الإحباط والنكوص دون أن يُحرّك ساكنًا لا يمكنه أن يقدّم برنامجًا إصلاحيًا ولا يمكنه صنع مستقبل أفضل للأجيال القادمة، فلا بدّ له إذًا من دعم الدور الفعّال لجيل الشباب كي يساهموا هم في صناعة مستقبلهم ومستقبل مجتمعهم المحلي الذي يتراوح اليوم بين اليأس والأمل والخيبة والرجاء ...!!
الآن أستطيع أن أشرب كأسي حتى الثمالة بعدما أسُدل الستار عن المشهد الأخير، دون أن يُعيق تفكيري متطفلٌ، أو متخاذل، أو متشائل!! محتفلاً بتعدد الاجتماعات الانتخابيّة، وقاعات السيرك الجماهيريّة، كيف لا.. ونحن قد وصلنا إلى قمّة من الوعي الاجتماعي والسياسي تسمح لنا بتعدّد اللجان والحلقات الفكريّة والسياسيّة والحركات الثوريّة في مجتمعاتنا المحليّة، فبعد فشل تركيب قائمة عربيّة رباعيّة مشتركة تشكلت قائمة عربيّة ثلاثيّة مشتركة بين الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة والتّجمع الوطني الديمقراطي والحركة العربيّة للتّغيير وشعارها المعلن عبر تصريح لأحمد الطيبي "الغاية تُبرّر الوسيلة" وهناك من يراهن على فوزها بعشرة مقاعد في الكنيست!! في المقابل أعلنت القائمة العربيّة الموحّدة عن الاتفاق مع عضو الكنيست المستقيل من حزب يش عتيد "يوآف سيغالوفيتش" للانضمام لقائمتها الانتخابيّة في المكان الثاني !!هل هذا هو التغيير الذي كان ينتظره المواطن العربي؟! وهل في هذا التّشكيل يوجد بديل سياسي يُرضي الجميع ويحلّ الأزمات العالقة ويؤثر في صانعي القرار؟! لا أظن ذلك!!
أكمل ما تبقّى في كأسي شبه الفارغة، مترنحًا بين الصراع الإيديولوجي والطبقي الحزبي التي مازالت جذوره متمسّكة عميقة فينا، خاصة وأنّ هذا الصراع يُعلن عن وجهه البغيض في ممالكنا العامرة التي تزيّن مرشحيها بالعلم والمعرفة والدمج والمقدرة.. والتّغيير والتّنفير، والتّشهير والتّشمير، والغوص في مستنقع التّنوير، حسب الاستيعاب والتّعبير، والمعلن عبر الأثير، كل هذا جميل، لكن المضمون لا يرقى إلى مستوى المسؤوليّة حين تطغى عليه المصلحة الشخصيّة والحزبيّة، فكيف يقتنع المواطن بنزاهة المرشّحين وسعيهم للمصلحة العامة، وهم يضعون في سلّم أولوياتهم الفرضيّة الحزبيّة ومكانتها الاجتماعيّة وثقلها الصوتي والسياسي؟!
الاتفاقات والائتلافات السياسيّة، لا نستطيع أن نغلّفها بأهداف نبيلة من أجل المصلحة العامة ومن أجل المجتمع.. نحن ضد الانقسامات بين أفراد المجتمع، ومع التوحيد والقيادة السليمة والوفاق بين جميع أطيافه وأواصره الاجتماعيّة والسياسيّة.. لكنّنا ضدّ التسيس الحزبي والطائفيّة السياسيّة الهدّامة التي لم ولن تحلّ مشاكلنا المحليّة على الإطلاق لا من النّاحية السياسيّة ولا الاجتماعيّة وإنما تسعى إلى خدمة مصالحها الشخصيّة وأهدافها الفرديّة الآنيّة.. ومن البديهي التساؤل كيف من الممكن لكتل تعتمد هذا الفكر وتعمّق هذا النهج وتجذّره في عقل وذهن الجيل الناشئ كيف من الممكن لها أن تجد حلولاً واقعيّة وعلاجات فعّالة لأمراض مستعصيّة في مجتمع يُعاني من مشاكل وإشكاليات عديدة وتحديّات مصيريّة ومن مخلّفات التبعيّة البغيضة التي أدّت وتؤدّي إلى تقهقر واضمحلال مجتمعاتنا وتخبّطها في الحضيض ...؟!!كيف يُمكنها صياغة آليات كفيلة بتفكيك الأزمات المستعصيّة والحدّ من المعضلات المتفاقمة؟ ما هي السُبل المنهجيّة المتاحة أمامها لابتكار حلول ناجعة لأزمات بنيويّة ومشكلات مستفحلة وكيف يتسنى لها مجابهتها واحتواء تداعياتها القائمة؟!!
واسمحوا لي في النهاية أن أدعو إلى الوفاق بين جميع شرائح وطبقات المجتمع بغض النظر عن انتمائهم الطائفي أو السياسي أو الحزبي.. لنبني معًا مجتمعًا خاليًا من العنصريّة والتزمّت وروح التفرقة القبليّة البالية، التي لا تقبل التغيير والتبديل في العقليّة الجماعيّة والفرديّة بما يناسب العصر ويجاري الواقع المتمدّن والراقي، الذي يرقى بأفراده إلى مستوى من المسؤوليّة والوعي الاجتماعي والسياسي، وكل انتخابات وأنتم بألف خير.
#علم_الدين_بدرية (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟