أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علم الدين بدرية - المنظومة التربويّة بين الاعتدال والتّسيس















المزيد.....

المنظومة التربويّة بين الاعتدال والتّسيس


علم الدين بدرية

الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 14:43
المحور: قضايا ثقافية
    


عندما تبدأ المجتمعات البشرية بالانهيار والتفكك غالبًا ما تكون الأسباب عوامل من الداخل، حين تضعف منظومة القيم الأخلاقيّة، وتغيب العدالة الاجتماعيّة، وتتآكل الثقة بين الأفراد ومؤسساتهم، تتفكك المجتمعات الإنسانيّة وتنهار ليس بعوامل خارجيّة، بل يبدأ الهدم والتفتيت من داخل هذه المجتمعات نفسها، عندما تُهدم الأسرة ويقوّض التعليم وتزيّف القدوة ويضيع النبراس، مما يجعل العوامل الخارجيّة قشّة تقضم ظهر البعير ومجرد قاضٍ يوقع شهادة وفاة لمجتمع أنهكه المرض الداخلي مسبقًا!!
لا تندثر وتسقط المجتمعات فجأة، بل تُهدم بهدوء، بصمت، ومن الداخل. تبدأ القضية بتفكك نواة المجتمع وهي الأسرة، حين تُفرّغ من معناها كمكان أمان ومجلس حوار ومعبد للقيم والأخلاق، وتتحوّل إلى ساحة صراعات، أو إلى صمت بارد يُذكّرنا بصمت القبور، أو إلى تربية هجينة زائفة تُترك للهواتف المحمولة والشّاشات الملوّنة وقشور الحضارة البرّاقة الزائفة لتسيطر على واقع الحال، من هنا، تبدأ أول شروخ البُنية وانهيار القيم!!
ثم يأتي عبر هدم التّعليم وتقويض أركانه وأسسه لا حين تغيب المناهج فقط وتؤطر الفعاليات، بل حين تُقتل الرغبة في التّعلم واكتساب العلم، وحين يتحوّل المعلم إلى موظف ينتظر راتبه أول الشهر، وحين يُصبح الطالب متلقيًّا بلا شغف او تحفيز او منافسة على كسب العلم والتفوق، وحين تمسي المعلومة لغوَ اجترارٍ وحشوًا فارغًا لا يُصنع به وعي ولا ترقى به أخلاق، المدرسة ليست مجرد مبنى وصفوف ومقاعد وطاولات، هي عقل مجتمع وروحه المتوقدة، فإذا انهارت أهدافها ورؤيتها، انهارت العقول معها واندثرت.
وأخطر أنواع الهدم هو هدم القدوة، حين يُسحب البساط من تحت أقدام الرموز التي كانت تمثّل النور والاستقامة، ويُسلّط الضوء على رموز الزيف، الشهرة السريعة، والسطحيّة اللامعة، حينها يتوه الجيل الناشئ بين ما يجب أن يكون وما يُقدَّم له كصورة للنجاح أو نموذج للإنسان المثالي المتطور الخلاّق.
إذا أردنا إنقاذ مجتمعنا، فلنبدأ بإصلاح الأسرة أولاً وجعلها النواة الأساسيّة الصالحة لبناء رعيل يتحدّى الأمم بالرقي والتقدم والأخلاق، يستطيع تحدّي الصعاب ومواجهة المجهول والوقوف بوجه الرّياح والأخطار التي تعصف بنا، ولنجعل بيوتنا مساحات للحوار لا للتحكّم، وللمحبة لا للتسلّط.
ثم لننظر إلى التّعليم كوسيلة للنهضة لا مجرد شهادة فنغرس في تربية أطفالنا قيمة السؤال وفضيلة البحث وقداسة الفهم، ولنُحسن اختيار من نحتفي بهم، من نسمّيهم رموزًا تسير على خطاهم الأجيال لأن ما يُبنى في أذهان الأبناء، يتحوّل لاحقًا إلى أفعالٍ تُطبّق في محيط الحياة وفي واقع مساحة الوطن!! لا تنهار المجتمعات فجأة، بل عندما نصمت أمام ما يُهدم على مرأى منّا، وندفن رؤوسنا تحت الرّمال ونقول "حايده عن ظهرنا بسيطة"!!
بما أننا في بداية موسم الدّراسة الجديد فمن المتعارف عليه في كل المجتمعات الإنسانيّة أن التربية والتعليم صمّام الأمان وعنصر الوقاية والتوازن الاجتماعي، لا تخضع لمعايير الصراعات الحزبيّة والسياسيّة والعائليّة ومماحكاتها، بل تبقى محميّة بقوة القانون والمصلحة العامة ويقظة المجتمع وصحوة الضمير، في مجتمعنا المحلي اختلطت المعايير وتداخلت المفاهيم حتى امتطت المفاهيم والقيم الغوغائيّة والفلسفة النفعيّة البرامج والمشاريع العائليّة والممارسات السياسيّة، وتنافس الفرقاء في الساحة على عرقلة مسيرتنا الحضاريّة ابتداء من لجان أولياء الأمور وانتهاءً بالأهالي ومرشحي العضويّة والرئاسة للمجالس المحليّة، الأمر الذي جعلهم جميعًا يعملون ليل نهار على احتواء المؤسّسة التربويّة والتعليميّة وتوجيهها بما يخدم مصالح وأيديولوجيّة هذه الفئة أو أهداف تلك الجبهة إن كانت لها أهداف، دون مراعاة الحقيقة وحساسيّة وتأثير وأهميّة هذه المؤسّسة الأساسيّة التي ينبغي أن تكون بعيدًا عن الاحتواء الحزبي والتسابق السياسي الرخيص.
الفساد السياسي والغثاء العائلي وارتقاء المصلحة الشخصيّة فوق المصلحة العامة وغياب الوعي الاجتماعي وانعدام الضمير والحس الجماهيري والمهني لدى النُخب التربويّة من معلمين وإدارات مدرسيّة ورجال تربية ومسؤولين في الأقسام الإداريّة وفي مواقع القرار كانت ومازالت وراء هذا التدهور المخيف الذي يجتاح هذه المؤسّسة الهامة، أجيالنا تم تجهيلها وإفسادها بتعمد، لأن إفساد المجال التربوي والتعليمي يعني كتابة السيناريو أو المشهد الأخير لأي مجتمع!!
الممارسات التعسفيّة وغير المهنيّة التي تشهدها قرانا في هذا الموضوع، كشفت بوضوح عن ذلك التدهور والفساد في المؤسّسات التربويّة، ظهرت الولاءات الحزبيّة والعائليّة كفاعل أساسي في العمليّة التربويّة والتعليميّة، انعدام الولاء للمصلحة العامة، حوّل المدارس إلى أماكن مهجورة وميادين للصراع الحزبي والشخصي الذي لا تحكمه القيم الإنسانيّة بل المنفعة الشخصيّة والآنيّة ضاربة بعرض الحائط مصلحة الأجيال القادمة والمسؤوليّة الأخلاقيّة والتربويّة لمن تواجد في موقع القرار، القيم التربويّة تحولت إلى شعارات ليس إلا، تسييس العمل التربوي أفقد المدرسة في مجتمعنا عظمة رسالتها، دفــع بالأجيال الناشئة إلى الفوضى والإهمال واللامبالاة، الأمر الذي عكس نفسه بشكل سلبي وتلقائيّ على المستوى العلمي والتحصيلي للطالب.
لا شك أن المنظومة التربويّة تحتاج إلى إصلاحات في ترسيخ قيم الحوار واعداد أجيال قادمة قادرة على التحليل والتمييز والابتكار في اعتمادها على معايير علميّة وبيداغوجيّة بحتة لا تخضع لعملية التأرجح القائمة على منهج الاعتدال والتّسيس والتي لا تخدم المسيرة التربويّة وتسير بها إلى مُنعطفات ضيقة وآنية.
إعادة الاعتبار للمؤسّسة التربويّة والتعليميّة ضرورة إن لم تكن فريضة إنسانيّة وواجب وطني، لأن حاضر ومستقبل أولادنا مرهون بنظافة وسلامة هذه المؤسّسة ويقظة وضمير كل الفاعلين فيها حتى لا نجد أنفسنا يومًا ما بلا هويّة أو حاضر أو مستقبل أو تاريخ يسجل لنا علامات حضاريّة ونبوغ وارتقاء.



#علم_الدين_بدرية (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدّروز وصراع البقاء بين نار السّنّة وأتون التّشييع
- أزمة الحكم المعاصر في سوريا... بين التطرف والانفتاح
- بزوغ فجر جديد
- قالت وقال 7
- قيمة الإنسان بين العقليّة الماديّة والدجل السياسي
- الإعلام بين النفاق وصحافة الانزلاق
- اِرتقاءٌ في أسلوب التعامل ومنهج التفكير
- أضغاث
- يوم ماتت العروبة
- قَالَتْ وَقَال (6)
- موازين وفصول
- بَيْنَ الْعَدَمِ وَالْوُجُودْ
- احتضار أم ولادة ؟
- الانتماء بين الاستبداد والانفتاح
- ليلة عاصفة
- الدّين بين التّطرف والعقلانيّة
- سيمفونيّة الخلود
- حجابُ الصّمت
- اِنْتِظَارٌ عَلَىَ أَرْصِفَةٍ خَالِيَةٍ
- الدروز وصراع البقاء بين نار السّنّة وأتون التشييع


المزيد.....




- اليمن.. العليمي يتوعد بضرب مراكز القيادة الحوثية في مختلف ال ...
- -فعلتموها مجددا-.. الشرع يهنئ الشعب السوري بقرار إزالة اسم س ...
- وزير أوكراني: الشتاء المقبل سيكون صعبا لأن روسيا تشن حرب است ...
- الصين: النزاع في أوكرانيا أظهر أن الأمن في أوروبا غير قابل ل ...
- غزة.. اللجان الشعبية تمنع -الطائرات الورقية- في مخيمات النزو ...
- محكمة أمريكية تؤجل محاكمة ليبي متهم في تفجير طائرة بان آم 10 ...
- ترامب يمدد الحظر التجاري على كوبا عاما آخر
- المجلس الأعلى للتربية والتعليم: حلّ لأزمة التربية أم تعميق ل ...
- النظام الجمهوري: المفهوم، والمآلات من الحكم البورقيبي إلى ال ...
- قتل طفلا في الخامسة وأحرق جثته.. الدرك الجزائري ينشر صورة ال ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علم الدين بدرية - المنظومة التربويّة بين الاعتدال والتّسيس