أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء الآلة (2)















المزيد.....

رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء الآلة (2)


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 02:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الجزء الثاني: زلزال الكم وتفتت الموضوعية القاسية
(تداعي الحتمية النيوتنية وظهور الفاعل المعرفي في أنطولوجيا الاحتمالات)
1. التجسير الإبستمولوجي وتفكيك أنطولوجيا المادة
انتهى المطاف بالفكر الكلاسيكي عند ذروة التأسيس النيوتني-الكانطي؛ حيث توَّج نيوتن الوجود بصفته "آلة كبرى" مغلقة تعمل وفق حتمية صارمة، بينما وضع كانط مقولات العقل القبلية لتفسير "الظاهرة". لقد ساد انطباع حاسم بأن المعرفة بلغت مستقراً أنطولوجياً صلباً: واقع خارجي مستقل، وقوانين حتمية معصومة، ومراقب محايد يرصد الحقائق بشكل مباشر.
لقد انهار هذا اليقين الميكانيكي مع مطلع القرن العشرين أثناء التعمق في الفيزياء تحت الذرية. ولم يكن هذا التحول مجرد تعديل في القوانين، لكنه كان تحولاً هيكلياً قاد ثورة إبستمولوجية كشفت أن المادة في أعمق مستوياتها لا تتكون من مكونات صلبة كما كان يُظن، بل من حزمة شبكية من الاحتمالات والترددات الموجية.
لقد حطمت الفيزياء الحديثة والمعاصرة وهم "الراصد المحايد" الذي ينظر للكون عبر جدار مادي غير مرئي فاصل، ففي عالم الكم، يتشكل الواقع لحظة تفاعله مع آلة القياس والوعي البشري. وهنا يبقى الإلكترون مفهوماً هلاميا مائعا ومحتفظاً بكافة احتمالاته الموجية، ولا يتجسد في واقع مادي محدد الإحداثيات إلا عبر فعل الرصد.
2. القاموس الاصطلاحي والرمزي للجزء الثاني
الدالة الموجية (PSI): الصيغة الرياضية التي تصف الحالة الكمومية لنظام ما، وتختزن كافة الاحتمالات الممكنة للجسيم قبل تعريضه لفعل القياس.
• مربع سعة الدالة الموجية 䀒(PSI) : التفسير الرياضي الاحتمالي الذي قدمه ماكس بورن، والذي يعبر عن الكثافة الاحتمالية لوجود الجسيم في مكان وزمان معينين بدلاً من التحديد الحتمي.
• مبدأ اللايقين ( الريبة): صيغة هايزنبرغ التي تثبت أن التغير المحسوب في موقع الجسيم مضروباً في التغير في زخمه وسرعته يكون دائماً أكبر من أو يساوي نصف ثابت بلانك المختزل هذا يعني أنه كلما زادت دقة قياس موقع الجسيم زاد الجهل بزخمه وسرعته والعكس صحيح.
• التراكب الموجي: وجود الجسيم الكمومي في جميع الحالات والمسارات الممكنة في آنٍ واحد طالما أنه لم يخضع للرصد.
• انهيار الدالة الموجية: التحول الأنطولوجي الفجائي للجسيم من حالة الميوعة الوجودية وغير الحاسمة إلى حالة مادية محددة بمجرد تدخّل أداة الرصد والقياس.
• اللازمكانية / التشابك الكمومي: حالة من الترابط الأنطولوجي بين جسيمين متباعدين، بحيث تتحدد حالة الجسيم الثاني فورياً بمجرد قياس الأول دون وجود ناقل مادي للمعلومة.
3. رواد الثورة الكمومية وتفكيك أنطولوجيا المادة
قاد هذه الثورة العلمية التي أحدثت قطيعة فلسفية ثمانية من عمالقة الفيزياء؛ حيث أدى إنجاز كل منهم إلى هدم ركن من أركان الموضوعية الصلبة الصارمة:
1. ماكس بلانك: فجّر الشرارة الأولى عام 1900 باكتشافه كُمّات الطاقة، لينهي وهم الاتصال المادي المستمر في الطبيعة.
2. ألبرت أينشتاين: أثبت واقعية الفوتون والظاهرة الكهروضوئية عام 1905، ليهم مبدا الفصل الصارم بين الكيانات الموجية والجسيمية المادية.
3. نيلز بور: صاغ النموذج الذري ومبدأ التكاملية، موضحاً أن المعرفة العلمية ليست وصفاً لواقع قائم بذاته بمعزل عنّا، بل صياغة لعمق العلاقة بين الوعي والموضوع.
4. لويس دي بروي: عمم الثنائية الموجية-الجسيمية على الأجسام المادية كافة، نازعاً الصفة الصلبة عن الجسيمات ومستبدلاً إياها بوصف الموجات المصاحبة.
5. فيرنر هايزنبرغ: انقض بقوة على فكرة الحتمية الصارمة عبر مبدأ اللايقين، حيث أثبت استحالة التنبؤ الحتمي بمستقبل الجسيم منهيا" أسطورة الراصد المحايد.
6. إرفين شرودنغر: وضع المعادلة الموجية ومفهوم التراكب ودالة PSI، مهملا فكرة المسارات المحددة الكلاسيكية لصالح هلامية احتمالية مفتوحة.
7. ماكس بورن: قدم التفسير الاحتمالي الرياضي لمربع الدالة الموجية، محولاً الفكر البشري رسمياً وفعلياً من التنبؤ الفردي النيوتني إلى الحتمية الإحصائية الاحتمالية.
8. بول ديراك: مازج بين ميكانيكا الكم والنسبية وتنبأ بوجود المادة المضادة، ليثبت أن السببية البنيوية تكمن في التناسق الرياضي الشبكي للكون.
4. مواضع انهيار الاستلزام السببي والحتمي
تجلت الآثار الفلسفية للفيزياء الكمومية في انكسار الاستلزام المنطقي التقليدي عند ثلاث نقاط مفصلية:
أولاً: مواضع انهيار الاستلزام الحتمي:
1. حالة التراكب الموجي: ترفض الدالة الموجية الاستلزام النيوتني القائل بأن الحاضر يستلزم بيقين مطلق حالة واحدة محددة في المستقبل ، حيث تكون جميع الحالات قائمة في وقت واحد.
1. لحظة انهيار الدالة الموجية: عند القياس، تنتقل الحالة من الميوعة والهلامية إلى التجسد المادي بشكل غير متصل، دون وجود أي معادلة تفاضلية تستلزم لماذا تحققت النتيجة الأولى دون النتيجة الثانية.
2. مبدأ الريبة: انكسر استلزام معرفة الموقع اللحظي للقدرة على التنبؤ بالزخم والسرع ، إذ إن دقة تحديد الموقع تستلزم رياضياً جهلاً مطلقاً بالسرعة.
ثانياً: مواضع انهيار الاستلزام السببي الميكانيكي:
1. التشابك الكمومي: ينهار الاستلزام السببي المحلي، إذ يتحدد وضع الجسيم المشابك فورياً عبر مسافات شاسعة، دون وجود أي سبب مادي أو إشارة تعبر المكان والزمان.
2. القفزة الكمومية داخل الذرة: عند انتقال الإلكترون بين المدارات، يتلاشى من مدار ويظهر في آخر دون قطع المسافة بينهما، مما يكسر الاستلزام السببي للمسار المتصل.
3. التفكك الإشعاعي التلقائي: لا يوجد سبب مادي مسبق أو متغير خفي يجعل ذرة مشعة معينة تتفكك في لحظة محددة بينما تنتظر المجاورة لها لآلاف السنين، مما أسقط فرضية وجود سبب فردي مباشر لكل حدث.
• خلاصة التحول: انكسر قانون الاستلزام الحتمي الصارم الذي ينص على أن (المقدمات تستلزم حتماً النتائج النيوتنية المحددة)، وحل محله الاستلزام الاحتمالي الشبكي الذي ينص على أن (المقدمات الحاضرة تستلزم توزيعاً إحصائياً للاحتمالات المتعددة).
5. تداخل الأنطولوجيا بالإبستمولوجيا: الوعي كشريك في صياغة الكينونة
من مظاهر ذلك دمج النتائج الدراماتيكية لمفاهيم الكم الإبستمولوجيا بالأنطولوجيا في شبكة واحدة لا تتجزأ:
• انهيار الفاصل بين الذات والموضوع: لم تعد المعرفة (الإبستمولوجيا) مجرد صورة محايدة تعكس الواقع الأنطولوجي الساكن، بل أصبحت فعل إنتاج وتجسيد لهذا الواقع. فالذات الراصدة وأداة القياس تدفعان النظام الكمومي من ليونة الاحتمالات إلى حالة مادية محددة.
• أنطولوجيا العلاقات بدلاً من أنطولوجيا المضامين الجوهرية: كشفت الفيزياء الحديثة أن الجسيمات الأولية لا تملك جوهراً ثابتاً بمعزل عن علاقاتها. فالوجود الكمومي أصبح بطبيعته وجوداً شبكياً علاقاتياً أي أن الجسيم تتحدد خصائصه فقط عبر التفاعل والشبكة التي يندمج فيها.
6. تعدد الأبعاد وتصور الكون المعاصر
أعاد التحول الكمومي تشكيل التصور الشامل لنشأة الكون ونظريات أبعاده العميقة:
• انزياح البُعد الزمكاني التقليدي: لم يعد "الزمكان" مسرحاً فراغياً ثابتاً، بل تشير النظريات المعاصرة (كالجاذبية الكمومية) إلى أن الزمكان ظاهرة انبثاقية ناتجة عن التشابك الكمومي للمعلومات في المستويات الأدنى.
• تعدد الأبعاد والأكوان المتعددة: فتح التفسير الكمومي فهم الكون عبر أبعاد غير مسكونة بالحدس التبسيطي:
1. تفسير العوالم المتعددة: يقترح أن الدالة الموجية لا تنهار، بل يتشعب الكون عند كل قياس إلى عوالم متوازية تنحاز لكل نصيب من الاحتمالات.
2. نظرية الأوتار والأبعاد الفائقة: تطرح فرضية وجود عشرة أو أحد عشر بُعداً؛ حيث تتذبذب الأوتار الكمومية في أبعاد مجهرية ملتفة، مما ينسف الفكرة الكلاسيكية عن المكان الثلاثي الأبعاد.
.الكون كمعالِج بيانات ومعلومات: تحول التصور المعاصر للكون من آلة مادية إلى شبكة هائلة لمعالجة المعلومات الكمومية؛ حيث تعبّر المادة والطاقة عن أنماط تشفير وتحول للمعلومات في فضاء الوجود.
7. التمهيد للجزء الثالث
أثبت زلزال الكم أن الحقيقة ليست ثابتة باعتبارها اشبه بمنحوتة صخرية صلبة نكتشفها بالكامل،انما هي بناء شبكي احتمالي يتشكل في المساحة الفاصلة بين الوعي البشري والعالم المادي.
ومع هذا الانكسار في الهيكل الطوطمي للموضوعية الصلبة، انتقل التشكيك المعرفي من مختبرات الفيزياء إلى ساحات الفلسفة واللغة؛ فإذا كان الواقع المادي نفسه غير صلب، فكيف سنضمن صلابة المعاني والسرديات التي يصنعها الإنسان بلغته!
وهذا ما ينقلنا مباشرة إلى الجزء الثالث: التفكيك وتشظي السرديات (المعرفة في فضاء ما بعد الحداثة والعولمة).



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- أثر الحجر
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان ( ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (4)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (3)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)
- أيلول.. الدور الثالث والغش العلني
- البوهيمية (6): نقد المسلك ومآلات التمرد
- البوهيمية (5): عرائس الضوء وصعاليك النغمة والقصيدة والخشبة
- البوهيمية (4): ثوار العرش وشهداء الموقف
- البوهيمية (3) صلاة خارج المعبد
- البوهيمية (2) شويخ من ارض مكناس..
- البوهيمية (1)
- نظرة في نظرية الفساد


المزيد.....




- صاعقة تضرب رجلًا لكنه يتمكن من السير مباشرة للاحتماء في منزل ...
- مع تعثر الدبلوماسية.. ترامب يعيد طرح فكرة تغيير النظام في إي ...
- العيش البطيء، حياة أبسط أم ترند جديد؟
- لا يمكن لبريطانيا أن تشيح بنظرها عن المستوطنات الإسرائيلية - ...
- جسر أوروبا… من رمز بلا حدود إلى معبر تحت المراقبة
- إسبانيا: لا دليل قطعي على تدبير المغرب عبور مهاجرين إلى سبتة ...
- بعثة أممية تتهم كيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال بإذ ...
- محمد رمضان يعلن مشاركته في أحد أعرق المهرجانات على مستوى أم ...
- إسرائيل تسلم الجيش اللبناني أسيرا عبر الصليب الأحمر (صورة)
- 4 بلدات أخرى في خاركوف ودونيتسك تحت سيطرة الجيش الروسي (فيدي ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء الآلة (2)