أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 7. الربذة — العزلة السياسية وسؤال استمرار الذاكرة














المزيد.....

أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 7. الربذة — العزلة السياسية وسؤال استمرار الذاكرة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 02:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إذا كانت دمشق هي اللحظة التي تحول فيها خطاب أبي ذر من وعظ أخلاقي إلى مساءلة سياسية، فإن الربذة هي اللحظة التي حاولت فيها السلطة إنهاء هذا التحول بإخراج صاحبه من المجال العام. لكن السؤال الذي تطرحه هذه المقالة ليس "ماذا حدث لأبي ذر في الربذة؟" فحسب، بل "ماذا تفعل السلطة بمعارض لا تستطيع قتله ولا تستطيع تحمله؟" و"هل تنجح العزلة الجغرافية في تحييد خطاب يحمل قابلية للانتشار؟"

تختلف الروايات في تفاصيل انتقال أبي ذر من دمشق إلى المدينة ثم إلى الربذة، لكنها تتفق على مسار عام: بعد تصاعد الخلاف في الشام، استُدعي أبو ذر إلى المدينة في عهد عثمان، ثم أُبعد إلى الربذة حيث أمضى سنواته الأخيرة ومات هناك. وتتفاوت الروايات في تحديد الجهة التي بادرت فعلياً بقرار الإبعاد وتفاصيل تنفيذه، وهو ما ستتناوله المقالة القادمة بنماذج محددة. لكن المسار العام الذي تتفق عليه المصادر يكشف عن منطق سياسي أوسع في التعامل مع الخصوم الذين لا يمكن قتلهم بسهولة ولا يمكن تركهم في دائرة التأثير. فالإبعاد إلى الربذة لم يكن عقاباً عشوائياً، بل اختياراً محسوباً: مكان هامشيّ، بعيد عن مراكز القرار والتجمع السكاني، حيث يفقد الشخص قدرته على مخاطبة جمهور عريض، وحيث يتحول حضوره من حدث سياسي إلى ذكرى تبهت مع الوقت.

غير أن هذا التفسير لا ينبغي أن يُقدّم كحقيقة يقينية عن نوايا السلطة، فالروايات لا تقدم محضر قرار يشرح هذا الحساب. لكن يمكن قراءة منطق الإجراء نفسه بوصفه نمطاً متكرراً في تعامل السلطات مع معارضين لا يمكن قتلهم بسهولة: لا القمع المباشر الذي قد يخلق أبطالاً، بل الإبعاد الهادئ الذي يُفرغ الخطاب من قوته الجماهيرية. وسواء كان هذا حساباً واعياً من صناع القرار أو نتيجة غير مقصودة لمنطق إبعاد المعارضين إلى الأطراف، فإن أثره العملي كان واحداً: فصل أبي ذر عن جمهوره وعن مراكز التأثير السياسي، وتقليص حضوره إلى دائرة ضيقة لم تعد تسمح لخطابه بأن يكون حدثاً عاماً.

وهنا تظهر فعالية العزلة السياسية كأداة احتواء. فالسلطة لم تقتل أبا ذر، فتصنع منه شهيداً يُلهب الغضب؛ ولم تسجنه، فتمنحه جمهوراً جديداً. اختارت بدلاً من ذلك أن تذيبه في الهامش الجغرافي، فتفصل الخطاب عن حامله دون أن تمنحه فرصة التحول إلى رمز فوري. بهذا المعنى، كانت العزلة فعالة على المستوى المباشر بلا شك.

لكن السؤال الأعمق هو: هل نجحت العزلة في تحقيق وظيفتها السياسية بالكامل؟ الجواب ليس بسيطاً. على المستوى المباشر، نجحت السلطة في إخراج أبي ذر من المجال العام، وفي منعه من مواصلة خطابه في مراكز التجمع السياسي مثل دمشق والمدينة. لكن على المستوى الآخر، لم يختفِ الخطاب باختفاء صاحبه. فالروايات التي وصلت إلينا عن أبي ذر، رغم تفاوت درجات ثبوتها، تحمل أثراً لموقف ظل حياً في الذاكرة، ليس لأنه كان محفوظاً في سجلات رسمية، بل لأن التناقض الذي عبّر عنه ظل قائماً بعد وفاته، يعيد إنتاج نفسه في كل جيل يواجه السؤال نفسه: من يملك حق الثروة الفائضة؟ وما حدود سلطة الحاكم في التصرف بمال الجماعة؟

وهنا تظهر المفارقة التي ينبغي أن تقود إلى المقالة التالية: العزلة الجغرافية تنجح في تحييد الفرد، لكنها تفشل في تحييد التناقض الاجتماعي الذي أنتج ذلك الفرد. فاستمرار ذكرى أبي ذر لم يكن نتيجة "خلود البطل" بمعنى أسطوري، بل نتيجة أن الأسئلة التي طرحها ظلت مفتوحة، وأن الفئات التي وجدت في خطابه تعبيراً عن إحساسها بالغبن ظلت بحاجة إلى صوت يشرع رفضها للتفاوت. وهنا يصبح السؤال: كيف وصلت إلينا قصة أبي ذر؟ وما الذي نعرفه يقيناً مما نُقل عنه، وما الذي دخلته التأويلات اللاحقة؟ هذا هو الباب الذي ستدخل منه المقالة الثامنة إلى تعدد الروايات وصراع التأويلات في المصادر القديمة والحديثة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي. ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
- أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإ ...
- 20. ملحق المفاهيم الأساسية والمراجع
- 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليا ...
- 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة
- 17. البرنامج الانتقالي (3).. السيادة المالية وفك الارتباط وإ ...
- 16. البرنامج الانتقالي (2).. الاقتصاد الوطني والتحرر من اقتص ...
- 15. البرنامج الانتقالي (1).. وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع م ...
- التسوية التي أعادت إنتاج اختلال القوة
- 14. الأزمة الإنسانية.. الاقتصاد السياسي للجوع في الحرب السود ...
- 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطب ...
- 12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك
- 11. الحوكمة.. إصلاح الدولة أم إعادة إنتاج الرأسمالية؟
- 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟
- ملف المفقودين وصراع السرديات
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟


المزيد.....




- عراقجي يبحث مع نظيريه السعودي والتركي الاستقرار الإقليمي وأم ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن مهاجمة زورق أمريكي مسير
- الدفاع الروسية: تزايد استخدام جنود أوكرانيين رموز QR للتواصل ...
- -لا تملك أي سيطرة على حدودها-.. ترامب يصف وضع إسبانيا بالمحز ...
- إندونيسيا: رماد بركان أناك كراكاتاو يوقف 209 رحلات في مطار ج ...
- الجيش الإسرائيلي يصدر إنذارا عاجلا لسكان عربصاليم جنوب لبنان ...
- الجيش الإسرائيلي يجري مناورة مفاجئة للتعامل مع سيناريو متعدد ...
- هانتر بايدن لا يستبعد الترشح للرئاسة الأمريكية ويحدد الشريحة ...
- بعد 4 أيام من الترقب.. انتشال جثة الطفل أيوب من بئر في الجزا ...
- عاجل | مراسل الجزيرة: غارتان إسرائيليتان على بلدة النبطية ال ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 7. الربذة — العزلة السياسية وسؤال استمرار الذاكرة