|
|
إشكاليات الثقافة العربية في زمن متغيّر /1 - 2/
عبدالله تركماني
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 00:15
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
إشكاليات الثقافة العربية في زمن متغيّر /1 – 2/ بداية يجدر بنا التأكيد على أنّ المثقف العربي في هذا الزمن المتغيّر يستمد مكانته من مطابقته للقيم العقلانية والإنسانية دائماً، ومن عمق قراءته للتحولات الجديدة. بما يحرره من الأوهام التي تجعله أسير ماضٍ يستحيل أن يعود كما كان عليه، وتخلصه في الآن نفسه من الطوباويات التي تغرقه في أوهام مستقبل لا ينفك يبتعد. وتكمن أهمية وجود مثل هذا المثقف في ظل ما تشهده المجتمعات المعاصرة من تحديات وتحوّلات في هذا الزمن المتغيّر: فمن جهة، هناك الانهيارات السياسية والأيديولوجية التي أصابت العديد من الأفكار والنظم والمشاريع. ومن جهة ثانية، هناك الطفرات المعرفية التي شهدتها الفلسفة وعلوم الإنسان، والتي أسفرت عن انبثاق قراءات جديدة للحداثة وشعاراتها حول العقل والحرية والتقدم. ومن جهة ثالثة، هناك الثورات العلمية والتقنية والمعلوماتية التي ندخل معها في طور حضاري جديد. ولعلَّ أحد أهم ملامح هذه التحوّلات تكمن في محاولة التعرف على عناصر ومكوّنات ثقافة العولمة وأدواتها الوظيفية، وكذلك ما تنطوي عليه من قضايا: الثقافة الوطنية، والهوية الحضارية، والخصوصية. فإزاء كل ذلك، يبدو أنه من الضروري أن يعمل المرء على إعادة صياغة وترتيب أفكاره، بما يمكّنه من فهم وتشخيص هذه التحوّلات العميقة بداية، ومن ثم الانخراط في تغيير الواقع الثقافي في اتجاه التكيّف الإيجابي مع معطيات وتحوّلات هذا الزمن المتغيّر. ويبدو أنّ منبع تجدد الإشكال الثقافي اليوم راجع إلى تصادم حقيقتين بارزتين: أولهما، الالتزام بمقتضيات الكونية الناتجة عن مسار توحد البشرية واقتران مصائر أبنائها، من خلال الثورة الاتصالية والاندراج في الاقتصاد والمجتمع العالميين. وثانيهما، الإقرار بحق الثقافات في الاختلاف والتمايز وتماثلها من حيث القيمة والمشروعية. والواقع أنّ مكمن الإشكال عائد إلى صعوبة صياغة تأليفية لهاتين الحقيقتين. ولكن من المؤكد أنّ أياً من المجتمعات الإنسانية لم يعد رهين ثقافته الخاصة، ومن ثم لم يعد سلوك هذه المجتمعات، أو تفكيرها الجماعي، هما النتاج الطبيعي والضروري لثقافاتها الوطنية فقط. وفي العالم العربي ساهم في طرح إشكاليات الثقافة العربية ومحاولة وضع الحلول لها كل رموز النهضة العربية الحديثة، ومع ذلك فإنّ النتائج كانت مخيبة للآمال: أمية متفشية بلغت 70 مليوناً، وعدد الاختراعات والابتكارات محدود، والمراكز البحثية محدودة. لقد دخلنا بعد نهاية الحرب الباردة، وأكثر بعد غزوة سبتمبر/أيلول 2001، وخاصة بعد سقوط بغداد وفشل ربيع الثورات العربية، في مرحلة جديدة تماماً لم تعد أنساق التفكير النظامية تساعد في فهمها. إذ ثمة ثقافة بكاملها تحتاج إلى المساءلة، بمرجعياتها ومؤسساتها ونماذجها ورموزها وإعلامها وخبرائها، هي ثقافة المكابرة وتبجيل الذات والثبات على الخطأ والتستر على الآفات والهروب من المحاسبة، فضلاً عن القفز فوق الوقائع والخوف من المتغيّرات والتعاطي مع المستجدات بالقديم المستهلك، بل بالأقدم أو الأسوأ من المفاهيم والتقاليد أو الوسائل والأدوات والمؤسسـات. وإذا كنا قد تخلّفنا وتأخرنا كثيراً، فالأمر لم يعد يحتمل المزيد على الإطلاق، وذلك لأسباب عديدة: أولها، أننا غادرنا قرناً مليئاً بالإنجازات والإحباطات، ودخلنا الربع الثاني من القرن حاسماً في تاريخ البشرية كما لم يحدث من قبل. وثانيها، أنّ تحدي مجتمع المعرفة هو استمرار لتحد أسبق في مجالات الحداثة والتقدم العلمي والتكنولوجي. وثالثها، إذا كان العرب قد تأخروا عن غيرهم، فالواجب عليهم أن يبحثوا لهم عن مكان معقول في زمننا المتغيّر. أهم خصائص الزمن الثقافي المعاصر يشهد العالم مرحلة إعادة نظر جذرية في قضية الثقافة، بل إعادة اعتبار لها من زاوية استراتيجيات المستقبل، خاصة وأنّ التطورات الجارية تبشر بمستقبل جديد على مستوى الإنجاز المادي والتقدم التكنولوجي، ومراكز البث الإلكتروني، وبرامج التنفيذ في مجالات الإدارة والعمل الوظيفي، ناهيك عن المؤسسات التي تقتضي طبيعة عملها صرامة متناهية في التنفيذ. لقد أصبح مصطلح ثورة المعلومات وغيره من المفاهيم، كالمجتمع المعلوماتي ومجتمع المعرفة ومجتمع الحاسوب ومجتمع ما بعد الصناعة ومجتمع ما بعد الحداثة، ومجتمع اقتصاد المعرفة والمجتمع الرقمي وغيرها من المصطلحات، المميّز الرئيسي لحقبة تاريخية هامة من تاريخ البشرية. بما ينطوي على عدة أبعاد، أهمها: (1) - البعد الاقتصادي، إذ تعتبر المعلومة في مجتمع المعرفة هي السلعة أو الخدمة الرئيسية والمصدر الأساسي للقيمة المضافة وخلق فرص العمل وترشيد الاقتصاد، وهذا يعني أنّ المجتمع الذي ينتج المعلومة ويستعملها في مختلف شرايين اقتصاده ونشاطاته المختلفة هو المجتمع الذي يستطيع أن ينافس ويفرض نفسه. (2) - البعد التكنولوجي، إذ إنّ مجتمع المعرفة يعني انتشار وسيادة تكنولوجيا المعلومات وتطبيقها في مختلف مجالات الحياة: المصنع والمزرعة والمكتب والمدرسة والبيت .. (3) - البعد الاجتماعي، إذ يعني مجتمع المعرفة سيادة درجة معينة من الثقافة المعلوماتية في المجتمع وزيادة مستوى الوعي بتكنولوجيا المعلومات وأهمية المعلومة ودورها في الحياة اليومية للإنسان. ولذا سنشهد ولادة فاعل بشري جديد هو الإنسان الذي ينتمي إلى عمال المعرفة (ذوي الياقات البيضاء) الذين يردمون الهوة بين العمل الذهني والعمل اليدوي، إذ لا فاعلية في العمل من غير معرفة قوامها الاختصاص والقدرة على قراءة رموز الشاشات، مما سيطرح إطاراً جديداً هو " العمالة المعرفية ". (4) - البعد الثقافي، إذ يعني مجتمع المعرفة إعطاء أهمية معتبرة للمعلومة والمعرفة والاهتمام بالقدرات الإبداعية للأشخاص وتوفير إمكانية حرية التفكير والإبداع والعدالة في توزيع العلم والمعرفة والخدمات بين الطبقات المختلفة في المجتمع، كما يعني نشر الوعي والثقافة في الحياة اليومية للفرد والمؤسسة والمجتمع ككل. (5) - البعد السياسي، إذ يعني مجتمع المعرفة إشراك المواطنين في اتخاذ القرارات بطريقة رشيدة وعقلانية أي مبنية على استعمال المعلومة، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث إلا بتوسيع حرية تداول المعلومات وتوفير مناخ سياسي مبني على الديمقراطية والعدالة والمساواة وإقحام الجماهير في عملية اتخاذ القرار والمشاركة السياسية الفعالة. ومهما كان الأمر فإنّ ما سوف يميّز الزمن الراهن هو زيادة الانفتاح الثقافي والاجتماعي الذي سيشمل الاقتصاد والسياسة وأساليب التفكير، بحيث تتصل كل مجتمعات العالم بعضها ببعض بما يحقق التبادل الثقافي على أوسع نطاق. وسوف يساعد هذا الانفتاح والاتصال على معرفة الثقافات المختلفة في العالم، وإدراك كنهها ومعرفة رموزها ومعاني هذه الرموز، مما يؤدي إلى احترام ثقافة الآخرين والنظر إلى كل ثقافة منها على أنها منظومة واحدة تتفق، في مبادئها العامة، مع المنظومات الثقافية الأخرى رغم اختلاف العناصر الجزئية التي تدخل في تكوينها. وسوف تزداد المطالبة بالحقوق المدنية لكل بني البشر، وإعادة صياغة وتأويل الثوابت التقليدية المتوارثة. ورغم سقوط الحواجز الثقافية بين مجتمعات العالم، وازدياد التقارب الثقافي بين مختلف الشعوب، فسوف تظهر الرغبة في إبراز وتأكيد التمايز والاختلاف. وبذلك سيشهد العالم درجة أكبر من التسامح بين الثقافات، وهو تسامح يقوم على أساس المعرفة والفهم لتلك الثقافات ومبررات وجودها، ومعاني رموزها، والسلوكيات المرتبطة بها، والقيم التي تكمن وراءها. وهو الأمر الذي سيجعل التسامح قيمة من قيم المستقبل، رغم اختلاف الفكرة والسلوك والمعتقد. وهذا من المؤشرات الهامة على أنّ قيم المستقبل ستكون قيماً إيجابية فاعلة أكثر منها مواقف سلبية انفعالية، حيث سيجري الاهتمام بالمستقبل والنظر إلى الأمام، واحترام قوى التقدم والنجاح والإنجاز أكثر من النظر إلى الوراء وتمجيد الماضي والارتباط به أو الاستكانة للأمر الواقع، ومحاولة إيجاد مبررات لقبوله. وإن كان هذا لا يعني التنكر للتراث الثقافي، وإنما يعني مراجعته وإحياءه من خلال إبراز الجوانب الإيجابية فيه التي تضيف إلى الحضارة الإنسانية. ومن أجل ذلك، فلنجرؤ على توكيد وجود مشتركات إنسانية، هي تلك التي ألهمت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948. فعلى العكس من مزاعم أعداء الحرية والأصوليين من كل حدب وصوب، ليست هذه المشتركات نموذجاً غربياً، بل إنها ميّزة إنسانية. وهي ميّزة كل الشعوب، وكل الأمم، وكل الديانات. والحال أنّ مختلف المنظومات الثقافية العالمية تتحسس الحاجة الموضوعية إلى صياغة وتقنين مقتضايات الكونية، حتى ولو اختلفت، جزئياً، في ضبط معايير ومحددات هذه الكونية. بيد أنّ الاعتراض لا يصل إلى قاعدتها القِيَمِيّة: تفعيل لحقوق الإنسان، وضمان للحريات العامة، وتكريس لأخلاقيات التسامح، والدفاع عن مبادئ السلم والتضامن الإنساني. إنّ أشد ما يقلق البعض في القضايا التي يثيرها مجتمع المعرفة هو ما لها من آثار على الهوية والخصوصيات الثقافية، وهو قلق له ما يبرره في ظل ما نراه من محاولات قوى الهيمنة الاقتصادية تنميط سلوكيات البشر وثقافتهم في المجتمعات كافة وإخضاعها لنظام قيم وأنماط سلوك سائدة في المجتمع الأميركي، إذ يحمل فيض الأفكار والمعلومات والصور والقيم القادمة إلى كثير من المجتمعات إمكانية تفجّر أزمة الهوية، التي أصبحت من المسائل الرئيسية التي تواجه التفكير الإنساني على المستوى العالمي. وفي سياق هذه الأزمة تنبعث العصبيات القبلية والطائفية والمذهبية والقومية الضيقة، وتزداد الرغبة في البحث عن الجذور وحماية الخصوصية.
أهم إشكاليات الثقافة العربية المعاصرة بالنسبة للعالم العربي، تنطوي الثورات المعرفية والتكنولوجية والمعلوماتية المعاصرة على تحديات وأخطار وفرص تمسه مباشرة، وتعرّضه لما يسمى بـ " صدمة المستقبل ". وتزداد الأخطار تأثيراً بسبب ما يعانيه الكيان العربي نفسه من عوامل الضعف المتمثلة في: انتشار الأمية، وتخلّف برامج التربية والتعليم عن حاجات المجتمعات العربية ومتطلبات العصر، ونقص الحريات، وعدم شمولية السياسات الثقافية، وضعف الصناعات الثقافية، وسيادة الإعلام السطحي. ومع العصر الرقمي والانفجار المعلوماتي ومجتمع المعرفة يبدو أنّ إشكاليات اليوم تتجاوز النهضة إلى ما بعدها، ولذا لا غنى عن تجديد المصطلحات وإعادة صياغة الإشكاليات. فليست المسألة الآن كيف ننهض من السبات أو كيف نجدد النهضة، أو كيف نندرج في الحداثة، بالرغم من أهمية كل ذلك، بل التكيّف الإيجابي مع عالم اليوم الذي يكاد يتحول إلى عالم جديد من فرط انكشافه وفيض معلوماته وفائق أدواته. المسألة أننا لم نحسن الخروج من عجزنا وقصورنا لكي نتحول إلى مشاركين في صياغة حاضر ومستقبل العالم بصورة غنية وخلاقة. ولعلَّ ما أعاقنا عن ذلك هو الحمولات الأيديولوجية والمسبقات الدوغمائية التي منعتنا من استثمار طاقاتنا على الخلق والتحوّل، بقدر ما حملتنا على أن لا نعترف بإنجازات الغرب والتعلم منه، أو التي جعلتنا نتعامل مع هذه الإنجازات بعقلية تقليدية شعاراتية عقيمة وغير منتجة. أما الآن، فمن أجل تجسيد خروجنا من حالة العجز بات من التبسيط والتضليل مقاربة إشكاليات الثقافة العربية من خلال فكر أحادي الجانب والمستوى، فالعالم هو في بناه ونظامه وصيرورته من التعقيد والتشابك والتحوّل، بحيث لا تفي بفهمه نظرية واحدة ولا ينجح في تغييره نموذج أوحد. الأجدى أن تتضافر المقاربات والمعالجات، عبر استثمار نتائج الدراسات العلمية والإبداعات المعرفية في مختلف الاختصاصات، وبما يؤول إلى صياغة الاستراتيجيات وإبداع الآليات والوسائل التي تسهم في بلورة رؤى ثقافية مستقبلية. إنّ واقع الثقافة العربية المعاصرة يسمح لنا بأن نطرح السؤال المقلق الذي أثاره الأمير شكيب أرسلان في مطلع القرن العشرين: لماذا تراجع العرب وتقدم غيرهم؟ وتفسير عبدالله العروي لأزمة الثقافة العربية المعاصرة بأنها اختلال العلاقة بين الوعي والفعل، بين الوعي المنقوص والفعل العاجز، بين التوفيقية الملتبسة وافتقاد القدرة على الحسم. وهكذا، نعتقد أنّ أهم إشكاليات الثقافة العربية في هذا الزمن المتغيّر هي: (1) – إنّ الثقافة العربية السائدة تمر في مرحلة انحطاط وردة واضحين، فهناك تراجع عن الفكر العلمي لفائدة الفكر الخرافي، وهناك استفحال ظاهرة الخطاب الماضوي الذي يجهد في محاولة إرجاع العالم العربي إلى العصور المظلمة، ويحفّزه على التشبث بمرجعية ماضوية، وكأن الماضي ينبغي أن يحكم الحاضر والمستقبل. مما يجعلنا نميّز بين نوعين من الوعي الثقافي حسبما أورد الدكتور جابر عصفور: وعي ماضوي تقليدي، ووعي مستقبلي استشرافي. الوعي الأول وعي أصولي، نقلي، يحاول أن يشد حياتنا إلى الوراء، وذلك على نحو يغدو معه سؤال المستقبل سؤالاً غائباً في حياتنا وليس عنصراً تكوينياً من عناصرها الحيوية. وأما الوعي الثاني فهو نقيض الوعي الأول، لأنه وعي يقيس على الحاضر في حركته إلى المستقبل، ولا ينشغل بالماضي إلا بوصفه عنصراً من عناصر الحاضر الذي يقبل التحوّل والتطور والمساءلة. ولذلك فهو وعي حداثي بالضرورة، لا يعرف الحلول الجاهزة أو الإجابات المسبقة، ولا يؤمن بالمطلقات الإنسانية التي تشل الحركة، أو الدوائر المغلقة للفكر. وسؤال المستقبل عنصر تكويني في هذا الوعي وعلامة عليه، سواء في حرصه على الارتقاء بالإنسان من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، أو الانتقال بالمجتمع من وهاد التأخر إلى ذرى التقدم. (2) - أدى الخطاب الماضوي إلى تصاعد نزعات التعصب والتطرف، وتزايد عمليات الإرهاب التي تتمسح بالدين الحنيف، وارتفاع درجة العنف الذي صاحب الدعوة إلى الدولة الدينية، أو صاحب الاتجاهات التقليدية الجامدة التي تصف التحديث ببدعة الضلالة المفضية إلى النار. هكذا، رأينا الاعتداء على المواطنين الأبرياء، ورموز السلطة المدنية، وتهديد المثقفين المستنيرين بكل وسيلة ممكنة. وأضيف إلى ذلك تحوّل هذا الإرهاب إلى إرهاب دولي، إضافة إلى كونه إرهاب داخلي. ومن المؤكد أنّ أصحاب نزعة التعصب والعنف لم يدركوا التراث العربي - الإسلامي في كماله وصراعاته واختلافاته وتعدده في تنوعه، ولم يدركوا لماذا كان هناك المعتزلة والأشاعرة، ولكنهم أخذوه كما هو في مظهره السطحي وتضاريسه الخارجية. بسبب غلبة الوعي الأصولي النقلي على تفكيرهم، وذلك على نحو يغدو معه سؤال المستقبل سؤالاً غائباً عن حياتهم وليس عنصراً تكوينياً من عناصرها الحيوية. والنتيجة هي قياس كل شيء على الماضي، والعودة بكل جديد إلى أصل يبرره من القديم، والنظر إلى التغيير في ريبة، وإلى التجديد بعين الاتهام. في حين أنّ الثقافة التراثية ثقافة متنوعة لا ينبغي أن نأخذها في مظهرها السطحي، وعلينا نحن أبناء القرن الواحد والعشرين ألا نتبنى هذا التراث بطريقة مطلقة، وإنما نتعقله في سياقه التاريخي، وكيف ظهر وانتهى في زمنه، ثم بعد ذلك نضيف إليه بحسب عصرنا وظروفه، وبرؤية عقلانية نقدية، وبذلك يصبح التراث قيمة متحركة، ويخرج عن إطار الجمود أو أن يكون مجرد ماضٍ. (3) - إنّ الخطاب الثقافي العربي المعاصر الذي ينظر، في بعض أنماطه المرجعية، للحضارة الغربية باعتبارها حضارة مادية لا يجوز الاقتباس من أفكارها، هو خطاب مأزوم مضاد لعملية حوار الثقافات التي دارت طوال التاريخ. فكما أنّ تلك النظرة إلى الثقافة الغربية، بحسبانها كتلة واحدة صماء، تعجز عن التفرقة الواجبة بين تياراتها المتعددة المتنوعة، فإنّ الثقافات التي تظن أنها مكتفية بذاتها ولا تستمع إلى الثقافات الأخرى ولا تتعلم منها ولا تقتبس الصالح من أفكارها وإبداعاتها ولا تتأثر برؤيتها، هي ثقافات مقضي عليها بالجمود والفناء. (4) - من الشواهد البارزة على وجود الأزمة على المستوى الثقافي العربي أنّ المجتمعات العربية لم تصبح بعد مجالاً هاماً لإنتاج العلوم النظرية والمعارف العملية، كما كان الحال ماضياً في عصور الازدهار التي شهدتها الحضارة العربية – الإسلامية، وكما هي الحال في المجتمعات الحديثة التي تحولت إلى مصدر للإنتاج الفكري في مختلف فروع المعرفة والثقافة، بقدر ما اشتغلت على نفسها بالدرس والتحليل العلمي وبالنقد والفحص العقلاني. (5) - لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة أنّ العجز العربي الذي بدا واضحاً في السنوات الأخيرة يعود إلى أسباب عديدة تغور في أعماق الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية العربية، ويبدو أنّ من أهم هذه الأسباب العلاقة الخاطئة بين المستويين الثقافي والسياسي، أو القطيعة العميقة بين أصحاب الرأي وأصحاب القرار. ويعكس هذا الوضع أزمة خطيرة في الحياة العامة، فهو لا يشير إلى انعدام التواصل بين النخب العربية المختلفة التي يتوقف على تفاهمها تحقيق الأهداف الرئيسية للمجتمعات وصوغ الرأي العام فحسب، ولكنه يطرح أسئلة كثيرة حول أسلوب بناء السياسات العربية ذاتها. فهو يعكس إلى أي حد يؤدي عدم التواصل بين النخب الثقافية والنخب السياسية إلى تفريغ السياسة ذاتها من محتواها، مما يعني أنها سياسات تقتصر على التلمس الذاتي الإرادوي للأوضاع والمشاكل والحلول ولا تقوم على أسس سليمة من التأمل النظري والتفكير الموضوعي، وتفتقر بالتالي للرؤية البعيدة والشاملة.
#عبدالله_تركماني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /*/ /
...
-
حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /*/ /
...
-
إشكالية الدولة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر
-
حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /1 -
...
-
مظاهر التنافس التركي - الإسرائيلي على سوريا ومآلاته /*/
-
الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية /3 - 3/ /*/
-
الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية /2 - 3/ /*/
-
ألم يكن من الأجدى جمعية تأسيسية توافقية؟ /*/
-
مخاطر التماهي بين الدولة والسلطة في سوريا /*/
-
ما الذي يمكن أن تتعلمه سوريا الجديدة من النموذج التركي؟ /*/
-
الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية /1 - 3/
-
قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي
...
-
قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي
...
-
قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي
...
-
في الحاجة إلى مقاربة جديدة للاجئين السوريين في أوروبا /*/
-
مخاطر ضعف الخبرة في إدارة الدولة /*/
-
أهم دروس الهزيمة الكبرى في 5 من حزيران 1967 /*/
-
ماذا بعد حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية؟ /*/
-
الإسلام السياسي يتحدى الدولة الوطنية ويهدد بتفكيك المجتمعات
...
-
مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /1 - 4
...
المزيد.....
-
انقلبت رأسًا على عقب.. نجاة طيار بعد تحطم طائرته في المحيط
-
ليلة رقص تنتهي بإطلاق نار وسقوط ضحايا في سويسرا
-
الدفاع الروسية: إسقاط 494 مسيرة أوكرانية غربي البلاد
-
الرئيس اللبناني يجدد تأكيد حصرية السلاح بيد الدولة والجيش عل
...
-
الدفاع الروسية تعلن تحرير بلدتين جديديتين في سومي شرقي أوكرا
...
-
أطعمة تساعد على تهدئة أعراض الصدفية.. وأخرى يُفضل الحد منها
...
-
سويلم يلتقي عددًا من أعضاء مجلس النواب لمناقشة مطالب المواطن
...
-
وزير النقل يتفقد الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع
...
-
التعليم العالي تطلق سلسلة “اعرف الحقيقة” لتصحيح المفاهيم الم
...
-
إيسلندا: تقدّم الرافضين لاستئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحا
...
المزيد.....
-
تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ألمانيا..الحياة والمجهول
/ ملهم الملائكة
-
كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي
/ غازي الصوراني
-
نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي
...
/ زهير الخويلدي
-
Express To Impress عبر لتؤثر
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف
...
/ زهير الخويلدي
-
قضايا جيوستراتيجية
/ مرزوق الحلالي
-
ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال
...
/ حسين عجيب
المزيد.....
|