أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله تركماني - مخاطر التماهي بين الدولة والسلطة في سوريا /*/














المزيد.....

مخاطر التماهي بين الدولة والسلطة في سوريا /*/


عبدالله تركماني

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 20:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة خلط شائع بين مفهومي الدولة والسلطة يؤدي إلى تهديدهما معًا، إذ يكثر أنصار السلطة الانتقالية التحدث عن الدولة وباسمها، كأنّ الدولة هي السلطة، في حين أنّ الدولة المطلوبة لسوريا بعد أربعة عشر عامًا من الصراع الدامي هي دولة الحق والقانون والمؤسسات، التي تضمن التوازن بين المصلحة العامة ومصالح المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات، باعتبارها فضاء عمومياً حيادياً عن الإيديولوجيات والأديان والأحزاب. في حين أنّ السلطة متغيّر، والثابتان الآخران في الدولة هما الأرض والشعب باعتباره مصدراً للسيادة. بينما أتاح الإعلان الدستوري للرئيس الانتقالي إدارة سوريا الجديدة وفق خيارات هيئة تحرير الشام، بحيث أضحت دولة الرئيس المؤقت، الذي يديرها بالمراسيم طبقاً لمبدأ التغلّب "من يحرر يقرر".
في حين أنّ أيّ سلطة شرعية هي نتيجة قبول المواطنين التنازل عن جزء من حقوقهم لصالح السلطة للقيام بمهامها الأساسية، طبقاً لمبادئ الحق والقانون، خاصة توفير الحاجات الأساسية لهم من أمن وغذاء وعمل وسكن وتعليم وصحة، بما يضمن الانتقال إلى مستوى أفضل في معيشتهم.
ففي الدولة الحديثة الإدارة والمؤسسات والحوكمة الرشيدة أهم سلاح للتقدم، بما يضمن قدرة ممثلي المجتمع على المشاركة في تلك الإدارة وتجديدها. وبعد سنة ونصف على التغيير تتجاهل السلطة الانتقالية هذه التشاركية، متذرعة بـ "الخصوصية" السورية التي تقتضي وصاية مشايخها على الحريات الفردية للمواطنين والمواطنات، باعتبارهم جهاز "حاكمية إلهية"، وليسوا جهاز إدارة الدولة، ممّا يدلل بوضوح على التماهي بين الدولة والسلطة، بما يتجاوز التجارب الناجحة لبناء الدول بعد إسقاط الأنظمة الاستبدادية، وبالتالي ابتعادنا عن التطور الطبيعي للمجتمعات.
في حين أنّ السوريين اعتقدوا، بعد التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، أنّهم بصدد بناء دولة تتجاوز أساليب حكم النظام البائد ولا تعيد إنتاج ما ثارت عليه، بل تؤسس لسوريا المستقبل من خلال توظيف الموارد البشرية والاقتصادية في برامج وسياسات عملية قابلة للمتابعة والقياس، طبقاً لحاجات المواطنين وتقدمهم.
وممّا يؤسف له أنّ أغلب السوريين لم يدركوا الفرق بين الدولة والسلطة، بعد 54 سنة من حكم الاستبداد الذي كان حريصاً على التماهي بينهما، وهو ما ساعد على ديمومة سلطة آل الأسد، عبر عملية تغييب الحياة السياسية والمجتمعية المستقلة، ممّا ساعد على إقامة نظام شمولي وضع نفسه فوق مصالح الشعب السوري. ولكنّ السلطة الانتقالية تتعمد إبقاءه في حالة من الترقب لمآلات الوعود بالازدهار، دون توفير مرتكزاته الحقيقية. فما زال السوريون ينتظرون آليات عمل المؤسسات التي تتمثل بالقضاء العادل الذي يتمظهر خاصة في عدالة انتقالية، ليست انتقائية أو انتقامية، وأيضاً في مؤشرات حقيقية لتوفير الأساسيات للمواطنين، بما فيها فرض القانون على الجميع، فهل يُعقل أن يبقى الشيخ الذهبي الذي يجمع المختطفات في "بيت الأخوات"، ويفرض النقاب الأفغاني على الطالبات في جامعة دمشق خارج إطار القانون؟
إنّ الدولة تقوم على سياسات معلنة وقوانين لإدارة الاختلافات في المجتمع، بما يضمن الحريات الفردية والعامة، دون فرض أيّ معتقد على الناس. ففي حين أنّ الدولة تمثل الثبات والاستقرار فإنّ السلطة تمثل التغيير، على أن يتم التوازن بينهما لتحقيق مصالح المواطنين وتحقيق خياراتهم. أي أنّ الدولة تتكون من مؤسسات تتقاسم الحكم، تتمثل في ثلاث سلطات مستقلة، القضائية والتشريعية والتنفيذية. أمّا السلطة، باعتبارها الذراع العملية للدولة، فهي تستمد شرعيتها من إرادة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات، من خلال تداولها وفقاً لآليات متوافق عليها بين ممثلي المكوّنات الاجتماعية والسياسية. ومن هنا فإنّ إعلان ممثلي السلطة الانتقالية بأنّهم ممثلو الدولة تجاوز لحقيقة الواقع، لأنّها لم تتمكن من السلطة عبر آليات انتخابية شفافة ونزيهة. ومن المؤكد أنّ اعتماد العصبية والقوة في الاستيلاء على السلطة، كما هو الحال معها في سوريا الجديدة، سيؤدي إلى تهديد السلم الأهلي في مجتمعنا المتميّز بتعدد مكوّناته عبر التاريخ، ممّا يهدد الوطنية السورية الجامعة.
إنّ الدولة ليست مجرد مصطلح في علم الاجتماع السياسي، وإنّما هي للكل المجتمعي وتجسيد فعلي للسيادة. وفي حالتنا السورية فإنّ نجاحنا في عملية الانتقال السياسي مرهون بضرورة الفصل بين شخصنة السلطة وبناء المؤسسات الفاعلة ذات الديمومة بغضّ النظر عن تغيير السلطة والحكومات، وإذا لم يكن الأمر كذلك فإنّ عملية الانتقال سوف تتعثر وتنتج المزيد من الهشاشة والتفكك. ففي الدول الحديثة لا تُستمد الشرعية من الوحي الإلهي، وإنّما من الحق والقانون باعتبارهما المصدر الأساسي الذي تُبنى عليه سلطة الحاكم وشرعية الدولة. وعندما يحصل التماهي بينهما تهيمن السلطة على الدولة، بحيث تصبح دولة السلطة، ممّا يمهد للاستبداد وتآكل تمفصل السلطات الثلاث، وبالتالي ضعف سيادة القانون وتهديد الحريات العامة والخاصة.
وما يقطع الطريق على هذه المآلات هو التشاركية مع الكفاءات السورية، وتفعيل الحياة السياسية والاجتماعية، والتخلّي عن عقلية الغلبة والانتصار، وإعطاء الأولوية لدولة المؤسسات والثبات وليس لسلطة متغيّرة. أي التمييز الواضح بين الدولة والسلطة، والإقلاع عن النموذج الذي يعتمد على عناصر الدولة التقليدية، خاصة جماعات الفزعات الأهلية، وكذلك خطر الاعتماد على الخارج وإهمال متطلبات الداخل.

/*/ - نُشرت في موقع منصة " حفريات " – 20 يوليو 2026.



#عبدالله_تركماني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما الذي يمكن أن تتعلمه سوريا الجديدة من النموذج التركي؟ /*/
- الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية /1 - 3/
- قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي ...
- قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي ...
- قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي ...
- في الحاجة إلى مقاربة جديدة للاجئين السوريين في أوروبا /*/
- مخاطر ضعف الخبرة في إدارة الدولة /*/
- أهم دروس الهزيمة الكبرى في 5 من حزيران 1967 /*/
- ماذا بعد حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية؟ /*/
- الإسلام السياسي يتحدى الدولة الوطنية ويهدد بتفكيك المجتمعات ...
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /1 - 4 ...
- مقاربة روّاد النهضة العربية للحداثة السياسية /*/
- حول التعاطي السطحي مع التحديات /*/
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /3 - 4 ...
- قراءة نقدية للحديث عن الشراكة السورية - الأوروبية /*/
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في الثقافة العربية /2 - 4/ /*/
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /*/ /1 ...
- نحو ضمانات للاستقلال السوري الثاني /*/
- تداعيات الحرب على التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط /*/
- معوّقات عودة الكفاءات من أوروبا إلى سوريا الجديدة


المزيد.....




- نظرة على شكل الحياة التي عاشها الناجون من كارثة بومبي
- ياقة مهرّج وحذاء مستوحى من السجاد.. ممثل أمريكي يخرج عن المأ ...
- الكرملين يتنبأ بالرسالة القادمة من واشنطن عبر ويتكوف وكوشنر ...
- الناخبون الألمان قد يبعثون بإشارة لتغيير جذري بمسار السياسة ...
- أحزاب ساكسونيا أنهالت.. حملات انتخابية مكثفة وكفاح من أجل كل ...
- سابقة طبية لافتة.. رجل يعيش لأشهر بكلية خنزير قبل زراعة كلية ...
- الإمارات تنفي تسليح أطراف النزاع في السودان وتدعو لتوسيع حظر ...
- لبنان.. تكبيرات في سجن رومية فرحا عقب توقيع رئيس الجمهورية ق ...
- وزير الدفاع البريطاني يؤكد سيادة لندن على جزر فوكلاند ردا عل ...
- وزير التعليم: تنمية مهارات القراءة والكتابة والحساب تمثل ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله تركماني - مخاطر التماهي بين الدولة والسلطة في سوريا /*/