أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عبدالله تركماني - قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي والماركسي /3 - 3/















المزيد.....

قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي والماركسي /3 - 3/


عبدالله تركماني

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 15:41
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


II ـ نقد الشيوعية العربية و" تعريب " الماركسية
وضع الياس مرقص نفسه في مواقع المحاور الماركسي للحركة الشعبية القومية والديمقراطية ولقيادتها الناصرية، بأمل أن تتلقح الحركة الشعبية بالوعي الماركسي. وقد أدرك أنّ هذا العمل " ثورة كبرى "، كان شرطها توطين الماركسية في الواقع العربي، أي إعادة إنتاجها في هذا الواقع، بحيث تكون ماركسيته دون غيره، ملبية لحاجاته دون سواه، وليست ماركسية المجتمع البورجوازي التي وصلتنا في شكل معاد لماركسية ماركس، هو ستالينية، أيديولوجية الأحزاب الشيوعية في العالم العربي، التي رأت في ثورة بلدانها تكرارا لثورة أكتوبر الروسية. وفي هذا السياق " أعاد الستالينية إلى المكان اللائق بها كأيديولوجيا مقطوعة الصلة بالماركسية والعلم، تفتقر إلى الروح الجدلية والترابط المنطقي والعقلانية، وتضرب عرض الحائط بأسس المعرفة العلمية وبالواقع ".
لقد رفض مرقص الاعتقاد بأنّ الماركسية تتضمن حقائق معصومة، وأخذ يعيد اكتشاف أدواتها في الواقع العربي المتعين في الزمان والمكان العربيين. وقد وجد أنها ستكون حقيقية بقدر ما تعيننا على اكتشاف واقعنا بصورة مطابقة لذاته، وتساعدنا على تقديم قراءات مطابقة له. بهذا المعنى اكتسب واقعنا عنده أولية نسبية على النظرية، واكتسبت هذه قيمتها في نظره من كونها نظريته. لذلك أعاد إنتاج الماركسية عربياً، وأخذ يستخدم ما تتيحه من أدوات علمية متطورة للتعرف على واقع جديد بالنسبة لها هو الواقع العربي، بغرض " ضبط هذا الواقع وجرده " بأكبر قدر ممكن من الدقة والعلمية، وإنتاج الماركسية، حتى من جوانبها الفلسفية، كفلسفة توطنت في الواقع الجديد، الذي أسهمت في التعرف عليه فأسهم في تعيينها وإغنائها بخصوصياته.
وطالما أنّ الماركسية لا تحمل طابعاً إطلاقياً يضعها فوق الواقع، فهذا يعني أنّ الماركسيات قد تتباين بتباين الواقع الذي يتلبسها، وأنّ ماركسية ما ستكون أقرب إلينا من أخرى، لأنّ الواقع الذي تعالجه أقرب إلينا من غيره. إلا أنه يعني أيضاً أنه لم توجد بعد الماركسية التي تغني عن الماركسية العربية، وإنّ " تعريب " الماركسية هو إعادة إنتاج كاملة لماركسية ماركس ولينين في ظروفنا، بحيث نتخلى كلياً أو جزئياً عن ماركسية ماركس أو لينين أو ماوتسي تونغ ...، إما لأننا لسنا موضوعها، أو لأنّ الواقع المسجل فيها لا يشبه واقعنا.
لقد وصّف مرقص مخاطر التيارين الشيوعي الرسمي والقومي التقليدي على حركة الثورة العربية، فهي " تكاد تختنق بين أيديولوجيا ماركسية عظمية تجريدية إقليمية، وأيديولوجيا قومية تاريخية وعاجزة عن تحقيق الأهداف القومية ". وضمن إطار الإشكالية التي وجّهت فكره وعمله (إعادة تأسيس العقلانية في الفكر العربي المعاصر، وإعادة بناء الوعي العربي والارتقاء به من وهدة التأخر والفوات إلى مستوى العصر الحديث)، فقد انتقد الفكر القومي على اختلاف تياراته وتلاوينه، كما كان من السباقين إلى نقد الماركسية، ولا سيما الدوغمائية الستالينية ونسختها العربية، وكشف النقاب عن طابع الأخيرة " الاقتصادوي " ومنهجها الوضعاني.
وكتب مرقص، منذ أواخر الخمسينات، مقالته الشهيرة حول " الستالينية والمسألة القومية "، فنّد فيها نظرية ستالين في الأمة، وبيّن تهافتها وتضاربها مع الواقع التاريخي للأمم المختلفة. حين أهملت الكثير من الحقائق الواقعية، وشوهت العلاقة بين الممارسة والنظرية، خاصة عندما اعتبرتها " جاهزة وكائنة وليست صائرة إلا بنسبة محدودة. وظيفة الممارسة أن تثبتها وتبررها، وهي لا تسهم في تكوينها إلا بقسط محدود ثانوي وتافه ".
وحدد عناصر الظاهرة الستالينية في عدد من الخصائص: البيروقراطية والقيادة الفردية والشوفينية الروسية والمذهبية الفكرية، حيث وصلت إلى ذروتها في العام 1952 " استشراء البيروقراطية، والإرهاب البوليسي، أزمة خانقة في الزراعة، انخفاض مستوى معيشة الجماهير، جمود وتحجّر في ميادين النشاط الفكري ... أزمة مكبوتة في الدول الاشتراكية وعلاقاتها الاقتصادية. تعثّر في السياسة الخارجية ... الديمقراطية المتمثلة في مجالس السوفييت سقطت منذ زمن بعيد، ثم ألغي دور الحزب الشيوعي ولجنته المركزية، فقد انقضى 13 عاماً بين المؤتمرين الثامن عشر والتاسع عشر، واستعاض ستالين عن المكتب السياسي المؤلف من 13 عضوا بمجلس خماسي أو سباعي يدعوه للاجتماع بين وقت وآخر، مستبعداً الأعضاء الآخرين في المكتب السياسي ".
إنّ أبرز نقد وجهه الياس مرقص للستالينية ورد في كتابه " الماركسية في عصرنا "حول تعريف ستالين للأمة في علائمها الأربع، حيث قال " إنّ هذه العلائم ذات أهمية بالغة. غير أنّ ستالين أحالها إلى علائم مطلقة وكأن العلم الاجتماعي ضرب من الجبر. إنّ مقولة الأمة مقولة مرنة، ديالكتيكية (قابلة للزيادة والنقصان). فالأمة الهندية لا تتوفر فيها وحدة اللغة، وهي مع ذلك أمة... إنّ تعريف ستالين المشتق من تجربة محددة في الزمان والمكان (أوروبا البورجوازية الصاعدة) لا يمكن تحويله إلى أداة عامة كونية. ولا نتحدث هنا عن كل الاستنتاجات التي استُخلصت من هذا التعريف حتى صار طلسماً يُكَرَّرُ على نمط واحد رتيب، فالدين " لا علاقة له "؟ بالأمة لأنه لم يرد في التعريف (ولا يلاحَظ أن التاريخ المشترك هو تاريخ العلائم المشتركة) ... ولكن لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ بعض العلائم الستالينية نسبي تماماً (التكوين النفسي، الثقافة) وهو لا يرتبط بالأمة فقط بل يرتبط بالطبقة أيضاً ".
لقد انطلق الياس مرقص في نقده للأحزاب الشيوعية العربية من وقوعها تحت تأثير الفهم الستاليني للماركسية، حيث قال " وقد دفع خالد بكداش وأقرانه في البلاد العربية منهج التفكير الستاليني إلى نهايته شبه المنطقية. رفضوا القيام بأي دراسة مجدية للأشياء الحسية، واعتبروا الحقائق العامة أمورا تنبثق من الفراغ، فقلبوها إلى صيغ مجردة صرفة، واستنتجوا من هذه الحقائق العامة والصيغ المجردة وضع الشعوب العربية وتاريخها ومستقبلها ". لذلك اعتمدوا على المخطط العام المشتق من دراسة المجتمع الأوروبي، وعزلوا الماركسية عن جذورها التاريخية الواقعية الحسية، وبالتالي فقدت حيويتها وأصبحت ترسيمات ميتة عن مراحل تطور المجتمع الإنساني.
وعلى هذا الأساس، فقد رأى أنّ هذه الأحزاب، عدا استثناءات محدودة، ظلت ترتكب أخطاء جوهرية فيما يتعلق بخطها السياسي وتنظيمها " ليس المهم تبنّي الماركسية قولاً وصراخاً، ولكنّ المهم تمثّل الماركسية ". ثم تساءل عن أسباب فشل الأحزاب الشيوعية في العالم العربي؟ فرأى أنّ الأسباب ذاتية في الدرجة الأولى، لأنّ التحوّل الثوري كان ممكناً، وقد حدث ولكن خارج إرادة هذه الأحزاب وفي غيابها عن ساحة العمل الجماهيري، وإلى حد ما ضدها. وقد استنتج من تجربته في الحزب الشيوعي السوري " أنّ الحزب لن يقدر على محاورة الحركة الشعبية بالزاد الفكري والمعرفي والأيديولوجي الرث الذي يقتات منه، وأنّ تجدده الفكري والثقافي هو شرط نجاحه في الحوار والاندماج في أوسع حركة شعبية عرفها التاريخ العربي ".
لقد كان مرقص يرمي إلى مصالحة الحزب مع مجتمعه ومع الواقع، وكان يتطلع إلى جسر الهوة بينه وبين الشعب، بدفعه نحو تبديل جذري لاختياراته المعرفية والسياسية، وبإحداث قطيعة حقيقية ونهائية بين واقعه القائم وبين ما يجب أن يكون عليه.
III ـ نقد الفكر القومي
كان نقد الياس مرقص للشيوعيين يضعه مباشرة في خندق القوميين، ولكنه استخدم الأدوات النظرية نفسها ليدين حملة الفكر القومي على الفكر الماركسي، إذ قال " باسم الفكر القومي انتشرت أيديولوجيا انتقائية، مثالية، غيبية، تحتقر الحياة المادية وتكره الاقتصاد السياسي، منحت نفسها صفة الأصالة العربية. ولم يكن (الفكر القومي الأصيل)، في رده وهجومه على الفكر اللاقومي، إلا مزيجاً من أفكار برغسون وفيخته ونيتشه وشبنغلر وغيـرهم ". وأضاف مؤكدا " في الوطن العربي، هُزمت الأحزاب الشيوعية الستالينية. أما الماركسية الحية فهي تغرس جذوراً قوية في الأرض العربية ".
ويعتبر كتاب مرقص " نقد الفكر القومي - ساطع الحصري " الذي ألّفه مباشرة عقب كتابه " الماركسية في عصرنا "، بداية مشروعه في نقد الفكر القومي، وإعادة تأسيس نظرية الثورة العربية، اعتماداً على نقده للستالينية. وكان حجر الأساس في بناء نقده للفكر القومي هو أنّ القومية مبدأ تقدمي " فقد تضمنت القومية جوهراً إيجابياً هو الطموح إلى الاستقلال القومي والوحدة القومية، النزوع إلى تكوين الدولة القومية كمطلب ضروري من مطالب التقدم التاريخي ". غير أنّ هذا الجوهر محدد في فكر الياس مرقص بحدين: النشوء والتكوّن التاريخي من جهة، وصراع الطبقات من جهة ثانية.
وفي إطار نقده للفكر القومي عند الحصري، أكد أنّ تحقيق الفكرة القومية العربية مندمج في الصيرورة التاريخية لنضال شعوب الأمة العربية، مما يستوجب النظر إلى ماضي الأمة من خلال تاريخها المشخص ... والمطلوب دراسة تاريخ الأمة الواحدة، وبتعبير أدق تاريخ نشوء وتكوّن هذه الأمة، أي تاريخ نشوء وتكوّن مقوّمات الأمة ... والأمة حقيقة تاريخية. فالتاريخ ليس عاملاً يضاف إلى عوامل، إنه طبيعة الوجود، طبيعة وجود كل العوامل، والمطلوب دراسة تكوّن هذه العوامل، ونشوء الأمة التاريخية المستقرة. بينما الحصري يضع الأمم فوق التاريخ، حيث لا نجد في كتبه أمة تتكوّن، فالأمة هي الإطار " الطبيعي " لأحداث التاريخ عنده.
فعن الأرض المشتركة مثلاً، سلّم الحصري بأهمية الأرض لكنه لم يجعلها من مقوّمات الأمة، لأنها - حسبما ذكر - خاضعة لسيادة الدولة وقوتها، فهي من لوازم الدولة الأساسية، في حين أنّ الأمة لا يكون لها أرض مشتركة إلا إذا كوّنت دولة قومية واحدة. في حين أنّ مرقص انتقد موقف الحصري، وأكد على اعتبار الأرض عاملاً من عوامل الأمة " الأرض موضع تمييز بين الأمة وبين الجماعات ما قبل القومية: العشائر، القبائل المتنقلة، واتحادات القبائل شبه المستقرة. إنّ استقرار هذه الجماعات في الأرض وتمازجها واختلاطها مع السكان الأصليين هو بداية تحطّم العلاقات والروابط القبلية، وبداية تكوّن علاقات وروابط جديدة، إقليمية - قومية. إنّ تكوّن الأمم لا ينفصل عن هذا الاستقرار في الوطن القومي ـ وبالنسبة للأمم الأوروبية، إنّ تكوّن اللغات القومية لا ينفصل عن هذا الاستقرار في الوطن القومي.
والفرق بين " الأسرة " و" العشيرة " من جهة، وبين " الأمة " و" الدولة " من جهة ثانية، ليس فرقاً في الحجم بين جماعة صغيرة وجماعة كبيرة، بل هو بالدرجة الأولى فرق في شروط الوجود البشري وفي نوع العلاقات والروابط داخل الجماعة: في العشيرة والقبيلة، إنتاج ما قبل الزراعة، ملكية جماعية، علاقات بطريكية، رابطة الدم. في الأمة إنتاج بضاعي وزراعي وصناعي، تقسيم واسع للعمل، تمايز طبقي كبير، صراع طبقات، روابط وعلاقات قومية. وكما أنّ الأرض تميّز الأمة عن الجماعات ما قبل القومية، كذلك فإنها تميّز الأمم بعضها عن بعض ... فهي المصدر الوحيد للإنتاج، والإطار الطبيعي لحياة الناس اليومية، ولها دور واضح في تكوين ملامحهم النفسية، القومية والإقليمية.
... الجغرافيا لا تصنع الأمم، ولا تقرر تاريخها وأحوالها، ولكنّ الأمم وتاريخها وأحوالها تبقى سراً مغلقاً بدون الجغرافيا ... الأرض شيء هام في حياة البشر، إنها أحد قطبي الإنتاج. والأمة تعيش مستقرة في الأرض، في أرض قومية مميزة ... تتكوّن تاريخياً، وليس المقصود هنا التكوّن الجيولوجي للأرض ... إنما المقصود الاستقرار التاريخي للأقوام المكوّنة للأمة، بتخالطها في أرض مميّزة تسمى الأرض القومية أو الوطن القومي، وتكون الإطار الجغرافي لتكوّن الأمة، ولتكوّن اللغة القومية أو انتشارها ".
أما التكوين النفسي المشترك، فإنّ الحصري يقول: إنّ السجايا القومية لا تتعلق بالطبقات، فقد نشأت قبل الطبقات، ولا تتعادل مع اللغة، فالإنكليز والأمريكان مختلفون. وهي تشمل على نحو ما الوعي والشعور والعادات والتقاليد والآمال، فهي تعني الأوصاف السيكولوجية للأمة التي تتجلى في بعض خصائص الثقافة كالمشيئة والدين، وكلاهما يؤثّر في الروابط القومية، لكنه يقرر أنّ الرابطة الدينية وحدها لا تكفي لتكوين القومية. ويوافقه مرقص على ذلك " إنّ الملاحظات التي سجلها الحصري حول الدين والقومية صحيحة - إلى حد كبير - ولعلها من أفضل ما كتبه "، لكنه شعر أنّ الحصري قد ضاءل من دور الدين في تكوين القومية، ومن الدور الذي يلعبه في حياة الأمم وحتى في الوحدة القومية أو عدمها، لذلك قـال " على الصعيد النظري العام يمكن القول: لقد كان الدين الأيديولوجيا الوحيدة للشعوب، في عصر تكون الأمم الأوروبية. وعلى هذا الأساس، فقد أعطى هذه الشعوب عدداً من العناصر التي دخلت في شخصيتها القومية ".
IV ـ الديمقراطية والمجتمع المدني
لقد أقام مرقص نظريته في الديمقراطية على ثلاث أفكار أساسية: أولاها، الفرد الحر المستقل ركيزة بناء الأمة وتطورها، بحيث يكون غياب الـ " أنا أفكر" سبب ضياع الـ" نحن" وتبديده، وبالتالي فالأمة توافق بين الأفراد. وثانيتها، الديمقراطية لا الليبرالية، فالديمقراطية ليست هدفاً وطريقاً وأداة في العمل السياسي وحسب، بل هي أيضاً، موقف في نظرية المعرفـة. هي موقف اعتراف بالكائن والواقع، بذات الواقع والتاريخ، موقف اعتراف بالبشرية الأمية صانعة التاريخ. وفي هذا الإطار يفرق بين الديمقراطية والليبيرالية " سياسيا، الليبيرالية هي موقف اعتراف بنخبة، بطبقة وسطى، ببورجوازية، بمثقفين وأحزاب، بدائرة حديثة من مجتمعنا، أي بشكل من أشكال (شعب الله المختار) حديث وأيديولوجي. كنخبوية من السهل أن تنقلب هذه الليبيرالية إلى فاشستية. الديمقراطية هي موقف اعتراف بجماهير هي كتل كبيرة مهمشة ويجب أن تتحول إلى ذات تاريخية وسياسية ". وثالثتها، المجتمع المدني، باعتباره قضية الشعب، وكينونة المجتمع ذاتها، وهي أيضاً قضية الوحدة القومية، الوحدة العربية.
إنّ مفهوم الأمة عند مرقص مؤسس على مفهوم الديمقراطية، بكل منطوياتها المعرفية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، الديمقراطية بما هي حقوق الإنسان والمواطن، وفكرة الأكثرية الانتخابية الحرة التشكلية، وحق الاجتماع وحق تشكيل الجماعات، وحق الاختلاف.
لقد أيقن مرقص أنّ الماركسية لا يمكن أن تتضمن كل الحقيقة، ولا يمكن أن تكون الحد الذي تتوقف عنده المعرفة الإنسانية، فقد كان ماركسياً متحرراً من صنمية النص، لأنّ انتسابه إلى هذا الفكر لم يكن انتساباً عصبوياً. وفي الوقت نفسه انتقد مثالية وذاتية النظرية القومية. كما سعى، بفكره وتنظيره، إلى تقديم تركيب نظري بين القومية والماركسية، إذ اكتشف أنّ المسألة القومية قد جرت معالجتها بشكل خاطىء من قبل كثير من المفكرين الماركسيين، ومن قبل الأحزاب الشيوعية، ومن قبل الحركات التي حملت راية القومية. وقد يكون مصدر نجاحه أنه كان باحثاً عن الحقيقة وليس ساعياً وراء السلطة.

(*) - ولد الياس مرقص في مدينة اللاذقية في العام 1929، ودرس فيها " مدرسة الفريـر "، وحصل على شهادة البكالوريا - قسم ثاني في العام 1945. سافر إلى بلجيكا ضمن عداد أول بعثة سورية في عصر الاستقلال، حيث درس في جامعة بروكسل الحرة. حصل على شهادة مجاز في علم الاجتماع والتربية، وعمل في مجال التعليم في الفترة ما بين سنتي 1952-1979 في اللاذقية. انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري في أواخر الأربعينات وتركه، أو طرد منه، في العام 1957. ساهم في مجلة " دراسات عربية "، وإنشاء " دار الحقيقة "، وإصدار مجلة " الواقع " في بيروت، وتأسيس مجلة " الوحدة " في الرباط، إضافة إلى العديد من الندوات الفكرية عربياً وعالمياً. توفي بتاريخ 26 يناير/كانون الثاني 1991. بدأ التأليف والترجمة في العام 1955 (انظر الملحق في الجزء الأول).
لم يترك مرقص لحظة من حياته إلا ووظفها فيما كان يسميه " جرد الواقع " والتعرف عليه، وفي التحصيل المعرفي والفكري، الذي حوله إلى متابع لتظاهرات الواقع العربي والعالمي في حياة ووعي الإنسان، وإلى طالب معرفة لا يكلُّ، يصل ليله بنهاره في عمل عقلي دائب، قاده إلى طرق جميع مجاهل ودروب المعرفة على وجه التقريب، وإلى العمل طيلة نيف وأربعين عاماً بوتيرة لا يكاد المرء أن يصدق أنّ لها مثيلاً في حياتنا، تعرّف خلالها إلى التاريخ والاقتصاد والفلسفة والمنطق وعلم النفس والاجتماع والسياسة واللاهوت وتاريخ الفن والرياضيات.
لقد كان الرجل يعتبر نفسه مناضلاً من أجل الحقيقة أكثر مما كان يرى في ذاته مناضلاً سياسياً، وكان يرفض رفضاً قاطعاً أي تنازل يمس علاقته بما يعتقد أنه الحقيقة. ومن يقرأ كتبه سيجد أنه قال أكثر الأفكار جرأة وخطورة دون خوف أو تردد، وأنه انتقد الواقع العربي والوطني بصراحة وقسوة لا مثيل لها في لغة السياسة العربية المعاصرة.



#عبدالله_تركماني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي ...
- قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي ...
- في الحاجة إلى مقاربة جديدة للاجئين السوريين في أوروبا /*/
- مخاطر ضعف الخبرة في إدارة الدولة /*/
- أهم دروس الهزيمة الكبرى في 5 من حزيران 1967 /*/
- ماذا بعد حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية؟ /*/
- الإسلام السياسي يتحدى الدولة الوطنية ويهدد بتفكيك المجتمعات ...
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /1 - 4 ...
- مقاربة روّاد النهضة العربية للحداثة السياسية /*/
- حول التعاطي السطحي مع التحديات /*/
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /3 - 4 ...
- قراءة نقدية للحديث عن الشراكة السورية - الأوروبية /*/
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في الثقافة العربية /2 - 4/ /*/
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /*/ /1 ...
- نحو ضمانات للاستقلال السوري الثاني /*/
- تداعيات الحرب على التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط /*/
- معوّقات عودة الكفاءات من أوروبا إلى سوريا الجديدة
- واقع وتحديات اللاجئين السوريين في أوروبا /*/
- نحو ثقافة سياسية متجددة في سوريا الجديدة /*/
- واقع المسألة الكردية في سوريا وآفاقها /*/


المزيد.....




- بلا كهرباء ولا غذاء.. كيف تعيش أسرة كوبية من أربعة أجيال بـ6 ...
- مفتوح حول “السياسات الطبقية: السياسة التعليمية وأزمة البحث ...
- سجن وسوار إلكتروني.. حكم جديد على زعيمة اليمين المتطرف في فر ...
- Past, Present, and Future Dead
- What Happens When the Dream Explodes?
- The Defiant Republic: the Ideological Imperative of a Strong ...
- America 250 Flyovers: a Celebration of Militarization
- World Cup Trump Cards: Infantino, FIFA and the Meddlesome US ...
- Marxism for Activists, Activists’ Marxism
- فرنسا/ إدانة مارين لوبان: أبرز ما تضمنه حكم الاستئناف بحق زع ...


المزيد.....

- نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية / رزكار عقراوي
- كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عبدالله تركماني - قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي والماركسي /3 - 3/