أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبدالله تركماني - مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /1 - 4/















المزيد.....


مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /1 - 4/


عبدالله تركماني

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 16:14
المحور: قضايا ثقافية
    


مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /*/ /4 – 4/
" الكتاب يصنع المعنى والمعنى يصنع الحياة "
رولان بارت
2 – التنمية الثقافية العربية
ارتكزت فلسفة العقد العالمي للتنمية الثقافية على ضرورة الترابط بين الثقافة والتنمية بعدما تبينت أهمية العنصر الثقافي في كل عمل إنمائي، إلى جانب ضرورة إجراء حوار ثقافي بين الشعوب يحترم مقومات الهوية الثقافية الوطنية ويراعي التنوع والتكامل بين الحضارات على أساس وحدة القيم البشرية الجوهرية وكونيتها، من أجل تحقيق تنمية مستدامة مؤسسة على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح والسلم.
وبالنسبة للعالم العربي فإنّ ثقافة مجتمع المعرفة لا تعني بالضرورة الشيء نفسه، ولا تنطوي على التحديات نفسها بالنسبة لكل دولة عربية، الأمر الذي يميّز الثقافة العربية بخصوصيات لا تنفي مفهوم الثقافة العربية بقدر ما تزيده ثراء وخصباً وغنى. ويظل من واجبنا التحذير من إسقاط التشرذم السياسي العربي على البعد الثقافي. وأهم من ذلك اليقظة من خديعة التنكّر للخصوصيات بدعوى الوحدة المنشودة، وكذلك عدم الانخراط في تضخيم الخصوصيات ونفي المشترك باسم الخصوصية.
2 - 1: العرب و " صدمة المستقبل "
إنّ الثورات المعرفية والتكنولوجية والمعلوماتية عرّضت العالم العربي لما يسمــى بـ " صدمة المستقبل "، بكل ما تنطوي عليه من تحديات وأخطار تمس الكيان العربي العميق. وتزداد الأخطار تأثيراً بسبب ما يعانيه من عوامل الضعف المتمثلة في انتشار الأمية، وفقر بعض دوله وافتقادها المال والخبرات والخطط، وتخلّف برامج التربية والتعليم عن حاجات المجتمعات العربية ومتطلبات العصر، ونقص الحريات، وانعدام المشاركة الشعبية الحقيقية والفاعلة، وعدم شمولية السياسات الثقافية، وضعف الصناعات الثقافية بما فيها صناعة ونشر الكتاب العربي، وسيادة الإعلام السطحي. فضلاً عن عوامل أخرى تتصل بالسياسات الثقافية العربية، وضعف التخطيط الثقافي، ومحدودية الاهتمام بالثقافة في النطاق العربي وبإشعاعها خارج العالم العربي وبصلاتها مع الثقافات المعاصرة (7). خاصة أنّ التغيّرات العالمية المتسارعة، التي أفضت إلى اقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة، جعلت من قطاع التصنيع الثقافي أحد أسرع القطاعات الاقتصادية على المستوى العالمي.
2 - 2: مكانة العرب في المعادلة الجديدة
ما هو موقع ومكانة العرب في هذه المعادلة الجديدة؟ وما هي العدة التي أعدتها الدول العربية لمجتمع المعرفة؟ وما هي السياسات التنموية والاستراتيجيات المختلفة التي اعتمدتها للاستفادة من الانفجار المعلوماتي واللحاق بالدول المتقدمة وتفادي التهميش والتأخر؟
للإجابة عن هذه التساؤلات يجب العودة إلى الوراء وإلقاء نظرة نقدية لواقع العالم العربي في المجال العلمي والمعرفي (8):
(1) - يلاحظ أنّ الموازنات التي تخصص للبحث العلمي في العالم العربي لا تكاد تذكر، كما أنّ مؤسسات البحث العلمي تسيطر عليها البيروقراطية والشكليات أكثر من أي شيء آخـر، والشيء نفسه يمكن قوله بالنسبة للبحث العلمي داخل أغلب المؤسسات الجامعية.
(2) - في معظم الدول العربية لا تعتمد الحكومات على بيانات ومعلومات ودراسات في اتخاذ قراراتها، وهذا يعني أنّ المعلومة كمصدر قوة لا تعني شيئاً بالنسبة للكثير من أصحاب القرار في العالم العربي، وهذا يتناقض - أساساً - مع روح وفلسفة مجتمع المعرفة.
(3) - في معظم الدول العربية مازالت وسائل الإعلام تعاني من الرقابة والولاء الأعمى للحكومات، وهذا يعني أنّ مصدراً من المصادر الرئيسية للمعلومات يعتبر مبتوراً ولا يقوم بدوره في المجتمع كما ينبغي. وهنا يجد المواطن العربي نفسه أمام خطاب إعلامي لا يتفاعل ولا يتماشى مع روح مجتمع المعرفة.
(4) - تهميش المواطن العربي وعدم إشراكه في الحياة السياسية وفي عملية اتخاذ القرار، وهذا الموقف منه ينفي أساساً فكرة أهمية المعلومة وكونها مصدر قوة في المجتمع.
(5) - ضعف البعد الاستشرافي والاستراتيجي في العديد من الدول العربية حيث معالجة الأوضاع والقضايا يتم بطريقة يومية روتينية.
(6) – إنّ مستقبل الثقافة العربية يعني بالأساس مستقبل الفئات الشابة والناشئة من أبناء العالم العربي، فهم يشكلون قاعدة ديمغرافية واسعة يجب أن تتجه إليها كل البرامج والسياسات. ومن ثم فإنّ عملية تشكيل الرأسمال الثقافي العربي يجب أن تؤخذ بقدر عالٍ من الاهتمام والانتباه.
لقد أصبحت المعرفة العلمية والتكنولوجية عنوان العصر، والمفارقة التي يعاني منها العالم العربي تتمثل في أنه لم يحقق النموذج الكلاسيكي للتنمية، نموذج الثورة الصناعية الثانية، في الوقت الذي هو مضطر فيه إلى تحقيق نموذج الثورة الصناعية الثالثة، أي الثورة المعرفية والتكنولوجية وثقافة مجتمع المعرفة.
2 - 3: المستلزمات الضرورية لمجتمع المعرفة في العالم العربي
مما تقدم يتوجب على الدول العربية أن تفكر بعمق في الإشكاليات التي يطرحها مجتمع المعرفة وما هي المستلزمات الضرورية التي يجب أن تسهر على توفيرها حتى تشارك في هذا المجتمع وتصبح فاعلة فيه وليست متفرجة تتلقى ولا تحرك ساكناً.
(1) - من أولى الأولويات التي تنتظر العالم العربي ضرورة وضع استراتيجية معلوماتية على مستوى كل دولة عربية ومن ثم على مستوى العالم العربي ككل أو على الأقل على مستوى بلاد الشام والمنطقة المغاربية ووادي النيل ومجلس التعاون الخليجي، والمنظور الاستراتيجي هذا يجب بطبيعة الحال النظر إليه في إطار التنمية الشاملة بمختلف أبعادها وحيثياتها.
(2) - ضرورة تحديد وتوفير البنية التحتية الضرورية لتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها وخدماتها.
(3) - توفير حرية الصحافة وحرية التعبير وحرية الرأي وتكريس حق المواطن في الإعلام والمعرفة والحصول على المعلومات، وبهذا نضمن مشاركة وإقحام أفراد المجتمع في المساهمة في الحياة السياسية واتخاذ القرار.
(4) - وضع استراتيجية لإنتاج المعدات والبرمجيات حتى نتمكن من تحديد مصيرنا بأنفسنا والحد من التبعية والاعتماد على الغير.
(5) - تطوير النظم التعليمية وفق مقتضيات مجتمع المعرفة وضرورة إشراك مراكز الدراسات والأبحاث والجامعات والمعاهد العليا في صناعة المعلومات.
(6) - غرس قيم وأفكار جديدة في المجتمع تتماشى وروح العصر الجديد.
إنّ مجتمع المعرفة لا يقتصر على إنتاج المعارف وتداولها فحسب، وإنما يحتاج إلى ثقافة تقدّر وتحترم من ينتج هذه المعارف ويستغلها في المجال الصحيح. الأمر الذي يتطلب إيجاد محيط ثقافي واجتماعي وسياسي يؤمن بأهمية ودور الكتاب، باعتباره أحد أهم مصادر المعرفة في الحياة اليومية للمجتمع.
2 - 4: أهم جوانب التغيير الثقافي المطلوب
للخروج من الحالة الضعيفة للثقافة العربية، خاصة في ظل مجتمع المعرفة وثقافة العولمـة، لا بدَّ من التأكيد على مجموعة جوانب مترابطة للتغيير الثقافي، الذي يمكّننا من القطيعة مع التأخر والانطلاق إلى مسارات النمو والتنمية الذاتية، والتحرر من المحنة العربية (9):
(1) - مبدأ الحرية والاختيار، لأنّ الحرية ترتبط بالمسؤولية وتنفي الحتمية أو الجبرية، وتجعل من الضروري إلقاء الضوء على فعل الاختيارات الممكنة تاريخياً، وصنع الاختيار انطلاقاً من الوعي بالتكلفة. والواقع أنّ الحرية بهذا المعنى هي أصل كل فعل اجتماعي، ومن ثم أصل كل فلسفة. ولم يعد الاعتراف بمركزية قيمة الحرية أمراً اختيارياً بحتاً، أو حتى ضرورة فلسفية فحسب، فالدولة لم تعد هي الجسم الوحيد في الفضاء المجتمعي، وتتعلق الآمال الأعظم للتحرر باستنهاض المجتمع المدني واضطلاعه بجانب عظيم ومتزايد من المسؤوليات الجسام للتقدم، وهو ما يحتّم إنهاء الاستبداد السياسي وتكريس معنى الحرية في الثقافة السياسية، وفي التكوين الثقافي للمجتمع بشكل عام.
(2) - النسبية والتنوع والاعتراف بالآخر، فكل حقيقة نسبية، ولكل فكرة تجلياتها الجزئية، ومن حق المجتمع أن يطّلع على كل الاختيارات المتاحة، التي صُنعت بحرية، وأن يختار من بينها. وإنّ جزءاً لا يتجزأ من الإقرار بحرية أي طرف يتمثل في الاعتراف بحق كل طرف آخر في التعبير عن نفسه بحرية.
(3) - ثقافة العلم وحسن الاختيار، إذ يترتب على القول بنسبية كل حقيقة أنّ أي اختيار يكون صائباً بقدر ما يتفق مع معطيات الواقع، ويحلُّ بعض أهم معضلاته بالنسبة للمجتمع في مرحلة تاريخية ما، وبينما يجب أن يكون المجتمع في مجموعه هو صاحب الاختيار لأنه هو الذي يتحمل تبعاته، فإنّ العلم هو الإنارة اللازمة لحقل الاختيار، حيث يمثل الحصيلة الموثقة للمعارف المتاحة بالواقع، والمنظور الملائم للتعرف على مزايا ومثالب كل اختيار. وفي عصرنا، انتشرت الثقافة المواتية للعلم، وصارت جزءاً لا يتجزأ من منظومة مجتمع المعرفة، مما يستوجب إعادة التأكيد على قيمة ودور الثقافة العلمية في ثقافتنا العربية.
(4) - ثقافة الدور أو الواجب الحضاري، أي إحياء فكرة الإعمار التي هي من أهم الأرصدة الثقافية للحضارة العربية - الإسلامية، بما هي واجب الإنسان في الكون. خاصة وأنّ القول قد حل محل الفعل في أداء رسالة الدور الحضاري في ثقافتنا العربية، حين اطمأن العرب إلى دورهم في الماضي، فعكفوا على تمجيده، دون الإضافة إليه.
إنّ الواجب الحضاري ليس خطبة فارغة، وليس عظة أخلاقية مجرّدة، كما أنها ليست فرضاً للرأي بالعنف، ولا ادّعاء صارخاً بالتفوق، إنها الإضافة الحقيقية إلى رصيد الإنسان من المعارف ودوافع الخير ووسائل الإعمار.
(5) - ثقافة الامتياز والإنجاز، إذ إنّ الفائزين في المنافسة الحضارية هم من يسعون لتحقيق أعلى معدلات وأرقى مستويات الأداء في مجالات الحضارة المختلفة، وبخاصة مجالات الإنتاج والاقتصاد. وتتطلب ثقافة الأداء والامتياز التأكيد على معنى رئيسي وهو أنّ العالم قد هجر التفاخر بالأصل، والنوع، والهوية، وجعل القيمة الحقيقية اللازمة للاحترام والهيبة هي الإنجاز. وتستطيع كل أمة التعبير عن هويتها ورصيدها من المعرفة والأخلاق من خلال التفنن في الإبداع الجمالي والتكنولوجي، ومن خلال الإتقان في الإنتاج والإنتاجية.
(6) - الانفتاح والمبادرة الإيجابية، حيث أنّ الانكماش واتخاذ موقف الدفاع حيال ما يسميه البعض بـ " الغزو الثقافي " هو استراتيجية بائسة وفاشلة تماماً، فلم تعد الاستراتيجيات الدفاعية والفصامية قادرة على إنقاذ الذات الحضارية من الهزيمة أو التبعثر، وإنما صار الأمل الحقيقي في الصمود رهناً بالتعلم واستيعاب وإتقان ما لدى الآخرين من رصيد المعارف وفنون الإنتاج، ثم في الثقة بالذات والشعور بالواجب الحضاري، وإصلاح شؤوننا الداخلية بعدما فسدت وتدهورت بدءاً من أنظمة الحكم ومروراً بنظام الجامعات ومواقع الإنتاج والخدمات.
(7) - المؤسساتية، إذ تحتاج الثقافة العربية احتياجاً أساسياً وعميقاً لامتصاص واستيعاب أهم منجزات الحداثة وهي المأسسة. فالمأسسة تعني، قبل كل شيء، الاهتمام بتمييز الخط الفاصل بين الشخصي والعام، وخاصة فيما يتعلق بالدور، ولكن أيضا فيما يتعلق بالملكية والسلطة. كما تعني المأسسة شيئاً من الاتصال والديمومة في أداء الوظائف.
وتعاني الثقافة العربية من ضعف في استيعاب فكرة المؤسّسة، مما يجعلها تحتاج إلى عدة معطيات مهمة للمؤسساتية: الدقة البالغة في تعيين الاختصاص والتمييز بين الأدوار، وتقسيم العمل، وإحداث التكامل بين الوظائف والاختصاصات عبر آليات مستقلة – نسبياً - عن الأشخاص.
كما تُعنى فكرة المؤسساتية بالكفاءة، وبإمكان وضرورة النظرة العملية التي تقيم علاقة وطيدة بين الغايات والوسائل، وبين الأهداف والوسائل، وبين القيم وآليات العمل المادية وغير المادية. وتتيح فكرة المأسسة إقامة تلك العلاقة على نحو وطيد ومتصل في الزمان والمكان، وهو ما تحتاج إليه الثقافة العربية. فقد عرفت تلك الثقافة مؤسسات بعينها، ولكنها مالت للتركيز الشديد على العموميات والمطلقات في مقابل التركيز على النسبيات والجزئيات.
(8) - التصحيح المستمر والنظر للمستقبل، فبسبب المساحة المهيمنة للمطلقات، والتعلق الشديد بالماضي، لا يحتل المستقبل المساحة الجديرة به في الثقافة العربية، فالمستقبل " ليس سوى مجرد استمرار للماضي، بل أنّ أفضل مستقبل هو ما يتقيد بأفضل ما في الماضي "، وكأن الزمن لا يفعل سوى إعادة إنتاج نفسه في نموذج مثالي سرمدي مطلق الصلاحية والحضور.
ومن ثم، فإنّ الركود له أساس قوي في ثقافتنا، والتحرر من الركود مرهون بتغيير وتجديد نظرتنا للمستقبل، فالمستقبل يحمل جديداً وليس مجرد إعادة إنتاج متواصل للماضي، ولذلك يجب أن نصحّح باستمرار ما نعرفه وما نملكه وما نصنعه، وهو ما يعيدنا للقول بنسبية كل حقيقة بشرية وإخضاعها للنقد والتمحيص. إنّ هذا يخلّصنا أيضاً من عبادة الفرد الحاكم، ومن النزعة للتملق والنفاق، وهو ينتزع مساحة معقولة للنقد الذاتي والنقد الموضوعي وللاختيار الجماعي المتجدد في ثقافتنا.
(9) - استعادة ثقافة المساواة والحق، فمثلاً ما لم ننجح في اجتيازه هو إقرار حق المرأة في المساواة، وما زالت تلك الضرورة والحتمية متعثرة في الوعي وفي الممارسة على السواء، ونحن نعتقد أنّ تحرير المرأة والإقرار بحقها في المساواة هو شرط مهم لتحرير عقولنا جميعاً، بل ولتحرير تاريخنا من الركود.
(10) - جدلية التعاون والتنافس، إذ يجب أن نغرس في الثقافة العربية فكرة أنّ التطور رهن للتنافس والتعاون معاً، ومن ثم أولوية النضال السلمي من أجل حل التناقضات حلاً عادلاً، ودون إخلال بالحق.
وهكذا، يبدو واضحاً أننا أحوج ما نكون إلى إعادة صياغة الخصوصية الثقافية العربية، بمعنى أننا في أمسِّ الحاجة إلى عملية إحياء ثقافي، فالثقافة العربية الراهنة تمر في مرحلة انحطاط وردة واضحين. فهناك تراجع عن الفكر العلمي لفائدة الفكر الخرافي، وهناك استفحال ظاهرة الخطاب الماضوي الذي يجهد في محاولة إرجاع العالم العربي إلى العصور المظلمة، ويحفزه على التشبث بمرجعية ماضوية، وكأن الماضي ينبغي أن يحكم الحاضر والمستقبل.
وإذا كنا قد خسرنا العديد من لحظات الانتماء والفعل في التاريخ الثقافي - المعرفي الكوني، خاصة في العصر الحديث، فإننا في الوقت الراهن كيف نساهم في مجتمع المعرفة ونحن لم نحقق المعاصرة والحداثة واكتفينا بالدوران في حلقات الأصالة وحدها؟
2 – 5: دور التعليم في تنمية الموارد البشرية العربية
في العالم العربي، الذي يحاول منذ القرن التاسع عشر تلمس بداية نهضة حقيقية، جدير أن ينظر للتعليم، كهدف ومنهج ووسائل، باعتباره الأساس في تنمية الرأسمال البشري. فليس من شك في أنّ مستقبل العالم العربي سيكون أكثر إشراقاً وأبعث على الأمل كلما ارتقى مستوى التعليم، وكلما زاد تدريب وإعداد التلاميذ علمياً وتربوياً. ويندرج هذا الجهد ضمن إطار محاولة توسيع خيارات الإنسان العربي، خاصة الحصول على المعرفة وضمان مستوى معيشي لائق، إذ ارتكز مفهوم التنمية البشرية على ثلاثة أبعاد (10):
(1) – تكوين القدرات البشرية من خلال تحسين المستوى الصحي والمستوى المعرفي وتجويد المهارات الفردية والجماعية.
(2) – استخدام البشر لهذه القدرات للمساهمة في الأنشطة الإنتاجية والثقافية والاجتماعية والسياسية.
(3) – استخدام مستوى الرفاه البشري الذي وقع بلوغه لإثراء القدرات البشرية والقدرات المعرفية.
وفي الواقع، فإنّ مجتمع المعرفة لا يقوم بدوره إلا على أساس منظومة واستراتيجية للعلم والمعرفة من خلال التعلم مدى الحياة، أي الاستثمار في الموارد البشرية. وهنا يبرز السؤال عن أبعاد التحرك المستقبلي نحو امتلاك ناصية العلم والمعرفة في عصر مجتمع المعرفة. إذ تظل مقولة التعليم هو الحل، في مواجهة التحديات الكونية، صحيحة. لأنه هو الذي يتمكن من الإسهام في تنمية بشرية كفيلة ببعث الحيوية والتجدد في مجتمعاتنا.
2 - 6: ضرورة الاستثمار في صناعة المعرفة
الاستثمار في صناعة المعرفة مسؤولية الجميع، إذ إنّ التطورات التكنولوجية الحديثة وفرت الفرصة للجميع ليمسكوا بأسباب التقدم، غير أنها من جهة أخرى، أدت إلى بروز مجموعتين متمايزتين: مجموعة منتجة وأخرى مستهلكة. الأولى، تمسك بخيوط التقدم وتوجهه أنّى أرادت، بما يناسب مصالحها ورؤاها وقيمها، لأنها تحتكر إنتاج وصناعة المعرفة وتمتلك الثروة وتمسك بأسباب التنمية. والثانية، تكتفي بدور المشاهد العاجز، لا شأن لها غير ترديد ببغائي لما يقع التكرم به عليها وبما يخدم المجموعة الأولى.
إنّ مجتمع المعرفة هو ورشة حقيقية يضطلع ويسهم في إطارها الجميع، كل من موقعه واختصاصه ونزعته الفكرية وانتمائه السياسي والفكري، ذلك أنّ الثروة الحقيقية للأمم في القرن الحادي والعشرين تتمثل في الذكاء والاختراع وتوظيف الوسائط التكنولوجية الجديدة والتي يتوقف عليها بناء مجتمع المعرفة، وأنّ هذه الوسائط تشكل المصدر الجوهري للرأسمال الثقافي والعلمي للإنسان.

ثالثاً - دور الكتاب في مجتمع المعرفة
مرت البشرية، من زاوية الكتابة والكتاب، بثلاث مراحل تاريخية: أولها، مرحلة المشافهة التي قوامها الذاكرة، كقناة للتواصل ونشر المعارف والقيم والرموز الثقافية من جيل إلى جيل. وثانيها، مرحلة الكتابة التي قوامها التدوين، كأداة تواصل لغوي وثقافي تصون الذاكرة الجمعية وتخلّد المآثر وتحفظ أسس العلوم. وثالثها، مرحلة مجتمع تكنولوجيا المعلومات وثورة الاتصالات، حيث سادت المكتبات الافتراضية والنصوص العليا والكتاب اللامادي (11).
واليوم، يشكل نشر الكتاب الحجر الأساس في صناعة المعرفة، ومن هنا تأتي ضرورة الاهتمام بهذا القطاع تعريفاً وترويجاً. ثم أنّ ما يطبق على الكتاب يطبق على أوعية المعلومات الأخرى، إذ إنّ وسائط الإنترنت يجب تعميمها للجميع بقطع النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الثقافية أو الحضارية أو السياسية، إنها علامة العولمة المعرفية بامتياز، بما حققته من سرعة فائقة واختراق الحدود، وبالتالي تسهيل الوصول إلى مصادر المعلومات في أوقات قياسية.
وفي العالم العربي تعاني أغلب شعوبه الأمية والفقر، والتعليم المتعثر، والحرية المفقودة، إضافة إلى كون المكتبات العامة فقيرة جداً في أغلب البلدان العربية.
3 - 1: إشكاليات صنع المعرفة في العالم العربي
تتعدد الإشكاليات التي تعترض ملف صنع المعرفة والسبل الكفيلة بتبني استراتيجية مستقبلية وخطة مدروسة على المدى البعيد لتنفيذ تلك الاستراتيجية في العالم العربي، من أهمها (12):
(1) - التشريع والقوانين، إذ إنّ هناك حقائق ثابتة وجب أخذها في الاعتبار اليوم واستخلاص الدروس والعبر منها في دعم صناعة المعرفة، إذ إنّ أهم التحديات التي ستواجهنا هي إيجاد القوانين والتشريعات لبعث المؤسسات الكبرى الخاصة، وقد آن الآوان لأن نكف عن مطالبة الحكومات العربية بتأمين كل شيء. وعليه وجب السعي إلى توفير القوانين والتشريعات الخاصة في هذا المجال لتوجيه وإقناع الخواص، من أفراد وشركات ورجال أعمال، وتشجيعهم على الاستثمار في المعرفة.
(2) - الدعم المحلي والدولي واستراتيجية الشراكة المعرفية، إذ إنّ وضع استراتيجية لتفعيل الاستثمار في المعرفة يتطلب استشرافاً عميقاً وواعياً لملف البحث العلمي والاستثمار في المعرفة.
3 - 2: أهم مشكلات صناعة وتسويق الكتاب العربي
1 - تعتبر المصادرة هي الوجه الآخر للتعصب أو التطرف، إذ إنّ الكتب المصادرة تعبّر عن ضيق أفق لأننا سنبحث عنها ونتداولها سراً. فقد كانت البداية مع كتاب " الإسلام وأصول الحكم " الصادر في سنة 1925 والذي كتبه الشيخ علي عبد الرازق قاضي محكمة المنصورة الابتدائية الشرعية حينذاك. ولم يكد يمضي عام حتى انفجرت قضية الكتاب الثاني، ففي سنة 1926 صدر كتاب " في الشعر الجاهلي " للدكتور طه حسين المدرس حينذاك بالجامعة المصرية، إذ قامت القيامة على الكتاب ومؤلفه لا بسبب الموضوع بل بسبب منهج الشك الديكارتي الذي زلزل الثوابت والبديهيات، وحاول أن ينفض الكسل العقلي عن المجتمع ويوقظه من تخدير الأفكار الراسخة. وفى سنة 1959 صودرت رواية " أولاد حارتنا " لنجيب محفوظ، وهي من أبدع رواياته ومن أهم حيثيات حصوله على جائزة نوبل للآداب في العام 1988 والتي أشير في نصها إلى " موضوع الرواية غير العادية أولاد حارتنا هو البحث الأزلي لإنسان عن القيم الروحية، فآدم وحواء وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء والرسل بالإضافة إلى العالم المحدث يظهرون في تخف طفيف " (13).
ومن سياسة مصادرة الكتاب الواحد إلى المصادرة بـ " الزنبيل " وقد حدثت هذه المصادرة في منتصف يناير/كانون الثاني 1992 حينما صادرت إدارة البحوث والتأليف بالأزهر ثمانية كتب من معرض القاهرة الدولي الرابع والعشرين للكتاب: خمسة من هذه الكتب للمستشار سعيد العشماوي (الإسلام السياسي، والخلافة الإسلامية، وأصول الشريعـة، ومعالم الإسلام، والربا والفائدة في الإسلام).
2 – الرقابة، وهي كذلك من العوائق التي تحد من حركة الكتاب، ففي غياب معايير أو ضوابط محددة لهذه العملية، فإنّ المزاجية أو الفوضى هي التي تتحكم في عقلية الرقيب، وهي مسألة تؤرق الناشر الذي يطالب بإلغائها والاكتفاء بـ " رقابة الضمير ".
الخاتمة
كي لا نستمر في إعادة إنتاج الفراغ نقول: المشكلة التي نواجهها الآن هي أنّ اللحظة التي يعيشها العالم لن تسمح إطلاقاً بأي قدر من الخمول والتراخي، لذا علينا أن نعيد ترتيب أوراقنا بحثاً عن آفاق مغايرة. العملية تحتاج إلى جد واجتهاد ومثابرة وعمل، لأن مجتمع المعرفة لا يرحم ومن يتأخر عن الركب سينساه الزمن إلى الأبد، والأمر بكل أبعاده وخلفياته يحتاج إلى دراسات وإمكانيات ووسائل وإرادة قوية من جميع مكونات المجتمع: سلطة ومؤسسات عامة وخاصة وشعب.
ويبقى السؤال الهام هو: كيف نصنع مجتمعا قارئاً؟ وهنا يبرز دور الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام والدولة في تنمية عادة القراءة، وخاصة دور المكتبات المنزلية والمدرسية إضافة إلى المكتبات العامة في المدن والأرياف.
الهوامش
7 - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: الخطة الشاملة للثقافة العربية، الطبعة الثانية – تونس – 1996، ص ص 31 – 41.
8 – د. برهان غليون: الثقافة وفشل العرب في الاندماج في الثورة العلمية – عن صحيفة " الوطن " السعودية – 22 يونيو/حزيران 2003.
9 - د. محمد بن أحمد: الثقافة والتنمية في عصر العولمة – عن كتاب: السياسات الثقافية ... المرجع السابق، ص 21.
10 - د. حامد عمار: نحو تعليم المستقبل- عن مجلة " العربي " الكويتية، العـــدد (494) - يناير/ كانون الثاني 2000.
11 – راجع الهادي المزوغي: الكتاب العربي في العصر الوسيط/عوامل ازدهاره وحدود انتشاره - عن مجلة " الحياة الثقافية "، العدد (147)، وزارة الثقافة – تونس – سبتمبر/أيلول 2003، ص 15و 16.
12 – د. آدم مهدي أحمد عبدالله: الاستثمار في مجال مشروعات التصنيع الثقافي في الوطن العربي - عن كتاب: السياسات الثقافية ... المرجع السابق، ص 314.
13 – أوردته صحيفة " الشرق الأوسط " اللندنية من مراسلها في فرانكفورت تحت عنوان " العرب ضيوف شرف في الدورة القادمة لمعرض فرانكفورت " – 12 أكتوبر/تشرين الأول 2003.

/*/ - إعادة صياغة لورقة قُدمت في إطار الندوة التي أقامتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في مقرها بتونس يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول 2003 تحت عنوان " دور الكتاب في تركيز مجتمع المعرفة ".



#عبدالله_تركماني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقاربة روّاد النهضة العربية للحداثة السياسية /*/
- حول التعاطي السطحي مع التحديات /*/
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /3 - 4 ...
- قراءة نقدية للحديث عن الشراكة السورية - الأوروبية /*/
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في الثقافة العربية /2 - 4/ /*/
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /*/ /1 ...
- نحو ضمانات للاستقلال السوري الثاني /*/
- تداعيات الحرب على التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط /*/
- معوّقات عودة الكفاءات من أوروبا إلى سوريا الجديدة
- واقع وتحديات اللاجئين السوريين في أوروبا /*/
- نحو ثقافة سياسية متجددة في سوريا الجديدة /*/
- واقع المسألة الكردية في سوريا وآفاقها /*/
- معوّقات انتقال سوريا إلى دولة حق وقانون
- المخاطر المحدقة بوحدة سوريا وكيفيات التعاطي المجدي معها /*/
- مخاطر الطائفية السياسية على مستقبل سوريا الجديدة
- تداعيات انكشاف هشاشة بنية منظومة الأمن السورية
- كونية حقوق الإنسان واختبارها في الحالة السورية
- مرتكزات انتقال سوريا الجديدة إلى دولة تنموية /3 - 3/
- جدل الهوية والمواطنة في سوريا الجديدة
- مرتكزات انتقال سوريا الجديدة إلى دولة تنموية /2 - 3/


المزيد.....




- لماذا تُبحر سفن الرحلات البحرية إلى وجهة وهمية لا تظهر على أ ...
- ردا على إغلاق -المركز الإسلامي-.. إيران تستدعي سفير ألمانيا ...
- تقارير: أموال وثروات ضخمة لملالي إيران في ألمانيا وأوروبا
- -أسطول غزة-: منع الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير من دخول ال ...
- الطيران الخليجي يسجل أعلى معدلات التشغيل منذ اندلاع حرب إيرا ...
- سيارات كهربائية خارقة وإس يو في عربية.. أبرز مفاجآت السيارات ...
- مفاعلات الثوريوم.. التقنية التي تراهن على نووي أكثر أمانا
- عاجل | ترمب ينشر على منصة تروث سوشال خريطة إيران مظللة بالعل ...
- عامل صيانة يتغلب على ارتفاع أسعار الوقود بطريقة مبتكرة.. شاه ...
- ستة حيوانات نادرة من نوع اعتُقد أنه انقرض تبصر النور في حديق ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبدالله تركماني - مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /1 - 4/