أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله تركماني - حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /*/ /2 - 3/















المزيد.....


حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /*/ /2 - 3/


عبدالله تركماني

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 22:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية (*) (2 - 3)

نماذج من حضور رقابة سلطة الدولة
يبدو أن الأمل بخروج الحياة العربية من محنتها الحالية لن تتحقق سريعاً كما كان يأمل بعض المتفائلين، فالظن بأنّ التحولات التي يشهدها هذا العالم ستعجل بإطلاق حرية التفكير والبحث والتعبير لتعاطٍ عربي مجدٍ مع المخاطر والتحديات، تتحول - على أرض الواقع - إلى مجرد وهم خلقته كثرة التمنيات بمستقبل بلا سجون أو محاكم تفتيش. إذ إنّ رقابة ومصادرة الكتب أصبحت علامة مميزة لأغلب الدول العربية، التي يمكن أن تبيح كل شيء باستثناء التفكير الحر، بسبب خطورته المفترضة على سلطتها. فلا يماثل تعدد أجهزة الرقابة على الإبداع وتكاثرها في عالمنا العربي إلا تعدد عمليات المصادرة لمنتجات هذا الإبداع وتكاثرها‏،‏ فلا يمر يوم إلا ونسمع عن مصادرة كتب في كثير من معارض الكتب‏،‏ أو الاعتراض على فيلم أو مسرحية أو ... الخ
وفي تقديرنا أنّ عقلية المنع والمصادرة شاعت في عالمنا العربي نتيجة طبائع الاستبداد التي تغلبت بمعانيها السياسية والاجتماعية والفكرية والدينية،‏ مقترنة‏ (1): أولاً،‏ بغياب الديموقراطية في الممارسة السياسية وتحوّل الدولة إلى دولة تسلطية معادية للرأي الآخر‏،‏ قامعة للاختلاف معها أو عنها‏.‏ وثانيا‏،‏ بالبنية التراتبية الأبوية المتصلبة التي تستأصل ما يتناقض ومبناها الهرمي‏،‏ فلا حراك ولا انتقال ولا مغايرة لما هو مستقر من الأعراف أو التقاليد التي جمدت علي ما هي عليه‏.‏ وثالثا،‏ بالتعصب الفكري الذي هو الوجه الآخر من الاستبداد السياسي والتأخر الاجتماعي،‏ فلا اجتهاد ولا ابتكار ولا قياس إلا على ما مضى وما هو مقبول في الأعراف المفروضة‏.‏ ولا ينفصل التعصب الفكري‏ عن التعصب الديني الذي هو من نواتج التطرف في التقليد الذي يتحول إلي قمع موازٍ للقمع السياسي للاستبداد،‏ ومتآزر معه‏،‏ وملازم للتصلب الاجتماعي والفكري‏.‏
وتتأصل عقلية المنع والمصادرة في المجموعة الحاكمة‏،‏ متلازمة مع طبائع استبدادها المستنسخة من المستبد الأول في كل مجال‏،‏ المستبد الذي يزرع استبداده في النخبة المحيطة به فترعاه‏،‏ وتشيعه فيما حولها‏،‏ وذلك على النحو الذي ينتقل من القمة إلى السفح بما يعدي الجميع، وبما يجعل من طبائع الاستبداد طبائع للأمة كلها‏.‏ وعندئذ‏‏ تغدو طبائع الاستبداد الأصل في عقلية المنع والمصادرة التي تتجاوب ما بين الحاكمين والمحكومين تجاوبها ما بين السبب والنتيجة التي سرعان ما تغدو سبباً لنتيجة أخرى غيرها إلى ما لانهاية‏.‏
وإذا كانت عقلية المنع والمصادرة تكشف عن طبائع الاستبداد التي هي أصلها‏،‏ في مدى الخوف من تغيير الأوضاع القائمة وفرض الثابت الماضوي على الناس‏،‏ حماية لهم وسوء ظن بهم في الوقت نفسه‏،‏ فإنّ هذه العقلية لا تخلو من جهالة التخلف الذي يدفن رأسه كالنعامة في الرمل،‏ متجاهلاً كل ما يحدث حوله من متغيّرات الدنيا الحديثة التي تؤكد انتهاء زمنه وانكشاف عوراته وفساد مبرراته وهوانها على الناس‏.‏
إنّ مصادرة الكتب التي يتصدى لها من لا يدرك أهمية الكتاب تدفع في الألفية الثالثة إلى السؤال: هل ينفع منع الورق عندما تصبح الكتابة هواء يطير من بلد إلى آخر؟ لأنّ ما يتم منعه رقابياً وشطبه يدوياً تنقله لنا شبكات التواصل الاجتماعي حيث لا حسيب ولا رقيب ولا قرارات منع وتحريم، ولأنّ الرقابة تتبع آليات تقليدية تعود إلى عدة قرون خلت يصبح المنع والحظر والتحريم مجرد عمل روتيني لموظفين لا يعيشون في الألفية الثالثة.

سيوف الرقابة والمصادرة على أعناق الكتب
الرقابة سرطان قديم – جديد، ولطالما حاولت مقصلة الرقيب أن " تعدم " هذا الكتاب أو ذاك، لاسيما في ظل الأنظمة الشمولية التي لم تفتأ ترتكب مجازر " أدبية " لا تُحصى، والطغاة الذين يستغلون نفوذهم لقولبة أذهان الشعوب على هوى هوسهم الديكتاتوري.
فنادرا ما يمر موسم ثقافي عربي على خير، من دون أن نسمع عن منع هذا البحث أو حظر تلك الرواية أو " إخصاء " هذه المسرحية. فهل الرقابة شر لا بد منه، كي لا يخرج قطار الحريات عن سكته في شكل مأسوي؟ وإذا كان الأمر كذلك، مَن – وماذا - يخوّل المخوَّلين حق اتخاذ القرارات في هذا الشأن؟ (2).
تعتبر الرقابة على الكتب من العوائق التي تحدُّ من حركة الكتاب، ففي غياب معايير أو ضوابط محددة لهذه العملية، فإنّ المزاجية أو الفوضى هي التي تتحكم في عقلية الرقيب. كما أنّ مصادرة الكتب هي الوجه الآخر لعملية التعصب أو التطرف، فالمتعصب أيضا يعاني من نفس مرض اليقين بأنك على خطأ وأنه فقط هو الذي يمتلك الصواب.
لقد كانت البداية مع كتاب " الإسلام وأصول الحكم " الصادر في سنة 1925 والذي كتبه الشيخ علي عبد الرازق قاضي محكمة المنصورة الابتدائية الشرعية حينذاك. ولم يكد يمضي عام حتى انفجرت قضية الكتاب الثاني، ففي سنة 1926 صدر كتاب " في الشعر الجاهلي " للدكتور طه حسين المدرس حينذاك بالجامعة المصرية، إذ قامت القيامة على الكتاب ومؤلفه لا بسبب الموضوع بل بسبب منهج الشك الديكارتي الذي زلزل الثوابت والبديهيات، وحاول أن ينفض الكسل العقلي عن المجتمع ويوقظه من تخدير الأفكار الراسخة. وفى سنة 1959 حدثت أشهر المصادرات وأكثرها غموضاً، إنها مصادرة رواية " أولاد حارتنا " لنجيب محفوظ، وهي من أبدع رواياته ومن أهم حيثيات حصوله على جائزة نوبل للآداب في العام 1988 والتي أشير في نصها إلى " موضوع الرواية غير العادية أولاد حارتنا ". وفي أوائل العام 2006 وافق أحد الرموز الإسلامية في مصر المفكر أحمد كمال أبو المجد على كتابة مقدمة للرواية نزولاً عند رغبة الروائي نجيب محفوظ الذي أصر عليها، مثل إصراره على نيل رضا الأزهر قبل صدور الرواية في طبعتها " الشرعية " الأولى، بعد قرابة 47 سنة على نشره فصولاً منها متسلسلة في صحيفة " الأهرام " عام 1959.
ومن سياسة مصادرة الكتاب الواحد إلى المصادرة بـ " الزنبيل " وقد حدثت هذه المصادرة في منتصف يناير/كانون الثاني 1992 حينما صادرت إدارة البحوث والتأليف بالأزهر ثمانية كتب من معرض القاهرة الدولي الرابع والعشرين للكتاب: خمسة من هذه الكتب للمستشار سعيد العشماوي (الإسلام السياسي، والخلافة الإسلامية، وأصول الشريعة، ومعالم الإسلام، والربا والفائدة في الإسلام) والكتب الثلاثة الأخرى: " قنابل ومصاحف " لعادل حمـــودة، و " خلف الحجاب " لسناء المصري، ورواية " العراة " لإبراهيم عيسى.
وفي العام 2000 قام " مجمع البحوث الإسلامية " بمنع ومصادرة رواية " وليمة لأعشاب البحر " للروائي السوري حيدر حيدر. وفي العام 2003 عاد المفكر المصري الدكتور نصر حامد أبو زيد إلى ساحة الجدل مجدداً، بعد أكثر من سبع سنوات على صدور حكم قضائي بتكفيره وتفريقه عن زوجته مما جعله يفر من مصر ويلجأ إلى هولندا. إذ أصدر المجمع نفسه قراراً قضى بمنع تداول كتاب أبو زيد " الخطاب والتأويل " في مصر ومصادرة ما وزع من نسخه في الأسواق، بعد أكثر من ثلاث سنوات على صدور طبعته الأولى عن المركز الثقافي العربي بالمغرب.
وفي العام 2004 اتسعت المواجهة بين الكتّاب المصريين من جهة وبين الأزهر من جهة أخرى على خلفية قرار أصدره المجمع بمصادرة رواية الكاتبة نوال السعداوي " سقوط الإمـام ". حيث أشاد بيان اتحاد الكتاب الذي حمل عنوان " إدانة واحتجاج " بالسعــداوي لـ " مكانتها الأدبية وريادتها لحركة الإبداع الأدبي في العالم العربي ". وقال " لأنّ الكتابة وحرية التعبير مكفولتان في الدستور والقانون، فإنّ لجنة الحريات في اتحاد الكتاب راعها العودة إلى مصادرة الكتب الأدبية التي لا يجوز الحجر على إبداعها ولا على أفكارها "، ولفت إلى الطبعة الأولى للرواية التي صدرت منذ 20 عاماً، ثم توالت طبعاتها وترجمتها إلى عدة لغات. وفي مارس/آذار 2005 أوصى الأزهر بمصادرة " رواية " لنوال السعداوي أيضاً، وقالت السعداوي: إنّ الطبعة الأولى من " الرواية " صدرت عن " دار الهلال " المصرية الحكومية في نهاية العام 2004، وتساءلت: " كم حكومة لدينا؟ ومع من نتعامل ". كما أصدرت " دار الآداب " في لبنان طبعة ثانية من " الرواية "، التي تؤكد السعداوي أنها لم تحوِ ما يخالف الدين، وأنها " خيال يصوّر حال الفقر والأغنياء في مجتمعات أبوية تسحق الفقير ".
ومن آخر وقائع المصادرة في أواخر العام 2005 هي منع الأزهر إدخال كتاب بالإنكليزية عنوانه " الإسلام الوهابي من الثورة والإصلاح إلى الجهاد العالمي "، تأليف الأمريكية ناتانا ديلونغ الباحثة في مركز التفاهم الإسلامي - المسيحي في جامعة جورج تاون. إذ أرسل المجمع تقريراً إلى ميناء بور سعيد بمنع تسليم نسخ الكتاب. وفي تقرير المجمع إشارة إلى أنّ الكتاب " يتضمن معلومات لا تتفق ومبادئ الإسلام "، والمفارقة أنّ المؤلفة قد تلقت اتصالات ذات طابع إيجابي من باحثين سعوديين، كما ألقت محاضرة عن الكتاب في السعودية.
أما في الأردن فيكفل الدستور حرية التعبير، وتنص المادة 3 من قانون المطبوعات والنشر على أنّ " الصحافة والطباعة حرتان، وحرية الرأي مكفولة لكل أردني، وله أن يعرب عن رأيه بحرية بالقول والكتابة والتصوير والرسم وغيرها من وسائل التعبير والإعلام "، غير أنّ المفارقة أنّ المادتين 31 و35 من هذا القانون تفرضان الرقابة المسبقة على كل مطبوعة تستورد من الخارج أو تنتج في الأردن، وهذا شأن يرى فيه البعض تناقضاً من حيث المبدأ. لكنّ واقع الرقابة في الأردن أكثر مفارقة من ذلك، فإذا صح أنّ الدستور ديموقراطي في نصه وروحه، فإنّ التجربة العملية للكتاب والناشرين مليئة بالفواجع على صعيد حرية التعبير.
فقد شهد الأردن خلال الأعوام الماضية حالات لمنع كتب تعد نموذجاً قوياً لواقع الحال، تتصل بموضوعات سياسية ودينية وأدبية، أشهرها ما يمكن وصفه بـ " محنة موسى " التي كان بطلها الشاعر موسى حوامدة، صاحب ديوان " شجري أعلى "، والتي تجاوزت قضيته حدود منع الكتاب، إذ تواصلت محكمته طوال أربع سنوات بتهم أخطرها " الردة عن الدين " بما يتضمنه ذلك من مطالبة بتفريقه عن زوجته بدعوى الكفر. المفارقة أن محنة الحوامدة تجاوزت حدود الرقابة القانونية لدائرة المطبوعات والنشر - التي كانت أجازت المخطوطة الأصلية " استحق اللعنة " بشرط تغيير العنوان مع شطب الجمل الإشكالية - إلى النظر في قضيته التي حرّكها أفراد لأسباب دينية بحسب ما جاء في ادعائهم.
ومن المفارقات الصارخة في " معجزات " الرقابة أنها كانت قد منعت رواية " سيرة الفتى العربي في أمريكا " للروائية رفقة دودين التي حازت جائزة اللجنة الوطنية العليا لإعلان عمان عاصمة للثقافة العربية 2002، لأسباب بدا أنها سياسية. ذلك أنّ الرواية تؤرخ لزمن انتفاضة الخبز والحرية عام 1989 والتي يسميها الأردنيون " هبة نيسان "، وكانت بداية التحوّل نحو الحياة الديموقراطية آنذاك، وقد شكل منع الرواية نكتة سوداء في مدينة تحتفل بكونها عاصمة للثقافة العربية.
ولا يفرق الرقيب في منعه بين حدود ما يسمى " المعارضة " و " الموالاة "، فقد منع كتاب " الديموقراطية المقيدة " للدكتور علي محافظة الذي يعتبر واحداً من ألمع الأكاديميين الأردنيين، بل هو ديبلوماسي سابق، وقد تولى رئاسة جامعة مؤتة العسكرية والتي تعد الأبرز في تخريج الكوادر العسكرية.
وإذا كانت حكاية الرقابة قليلة نسبياً وقديمة في لبنان منذ رُفعت دعوى في ستينيات القرن الماضي ضد كتاب " نقد الفكر الديني " للدكتور صادق جلال العظم وتمت تبرئته بحكم قضائي، فإنّ هذه الرقابة تتبدل فتقوى أو تضعف بحسب تعاقب الحكومات والحكم وبحسب " الرأس الأمني " الذي يديرها. وفي مرات قليلة ونادرة، منع الأمن العام اللبناني كتاباً بناء على انتماء كاتبه السياسي. وفي الغالب، يثير كتاب ما حفيظة جماعة أو مرجعية دينية فيعمد الأمن العام مباشرة إلى منع الكتاب. هكذا يتم التحالف بين الشرطي ورجل الدين، إذ يكفي أن يعتبر رجل دين أنّ أي كتاب مسيء إلى الأخلاق العامة حتى يكون المنع. كما حدث مع كتاب " حديقة الحواس " لعبده وازن الذي يُعد عملاً جمالياً ولغوياً وأدبياً مفتوحاً على جسد المرأة، وكان الأمن العام منع الكتاب عام 1993 بتهمة التعرض للأخلاق العامة.
ويكفي أن نشير إلى محاكمة مارسيل خليفة لغنائه قصيدة محمود درويش " أنا يوسف يا أبي "، وقيل يومها إنّ جماعة إسلامية من طرابلس رفعت تقريراً إلى الأمن العام الذي استشار بدوره مرجعاً دينياً أفتى بتحريم تلحين القرآن. وفي النهاية برّأ القضاء اللبناني مارسيل خليفة ليمنع تقليداً كان يمكن تعميمه في الثقافة اللبنانية إسوة بدول عربية يتناوب عليها الرقيبان الأمني والاجتماعي.
وفي سوريا العهد البائد، لا شيء ينمو ويستمر بشكل طبيعي في ظل سيطرة الحس الأمني والرقابي، فكيف إذا كان الموضوع يتعلق بالرقابة على الثقافة وأعمال الأدب والفن؟ حيث لا يمكن القيام بأي عمل من دون اللجوء إلى المؤسسة الرسمية، بكل تشعباتها المعقدة. إذ إنّ نشر صفحة واحدة وطرحها في الشارع، يستلزم الحصول على إذن من دائرة الرقابة في وزارة الإعلام أو اتحاد الكتاب العرب أو وزارة الثقافة أو القيادة القطرية لحزب البعث، التي تتولى الإشراف على الكتب والمخطوطات في مجال الدراسات السياسية أو الدينية أو اللغوية أو التاريخية ومراقبتها... الخ.
لقد نكلت رقابة اتحاد الكتاب بعدد كبير من المؤلفين السوريين بفضل السطوة التي حظيت بها، من دون أن يكون هناك من يراقب أداء هذه المؤسسة التي تشطب وتلغي وفق مزاج الرقيب فيها. ومن المرات التي " أبدعت " فيها تلك الرقابة، حين تقدم الروائي السوري علي عبدالله سعيد، الفائز بجائزة رياض الريس عن روايته " اختبار الحواس "، بمخطوط روايته الجديدة " الخراب " ليحصل على إذن بطباعتها. لم يكتفِ " القرّاء " في اتحاد الكتاب بمنع المخطوط بل عمدوا أيضاً إلى الكتابة فوق حواشي المخطوط وكيل الشتائم للمؤلف ولعائلته وأصوله وأخلاقه. أما الروائية السورية روزا ياسين، التي تدخل الرقيب في إعادة كتابة روايتها " أبنوس " ونشرها من دون الرجوع إليها، فتقول: " إنّ الكتابة في هذا المناخ تصبح مستحيلة، لكنّ أهم ما يميز جيلنا هو تخطي كل تلك العقبات والتحرر تماما من الذهن الذي يرافقك وأنت تكتب ".
ومن المفارقات العجيبة التي يمكن ذكرها أنّ ثمة تقريرين كتبهما اثنان من لجنة القراءة في اتحاد الكتاب حول المخطوط الشعري الذي تقدم به الشاعر السوري فرج بيرقدار إلى الاتحاد بتاريخ 15 يناير/كانون الثاني 2003، وقد سجله الاتحاد تحت رقم 80. وقال الشاعـر بيرقدار (3):
" لقد صادرت السلطة من عمري نحو أربعة عشر عاماً في السجن، فهل يريد كاتب التقرير أن يصادر حتى المكان الذي وضعتني السلطة فيه؟ ألا تبدو السلطة أقل بخلاً من هذا المثقف؟ لا أدري لماذا شعرت وأنا أقرأ تقريري الكاتبين، بأني أمام اتهامات شديدة الشبه بتلك التي واجهتها في محكمة أمن الدولة العليا، مع بعض الفوارق في الحالتين. فاتهامات المحكمة كانت في عام 1992 بينما جاءت اتهامات الكاتبين بعد أكثر من عشر سنين، مرت خلالها مياه ودماء كثيرة في ذلك النفق السوري المعتم. ولكن يبقى الفارق الأبرز والأهم أنّ محكمة أمن الدولة مؤسسة سلطوية أمنية استثنائية بامتياز، في حين أنّ اتهامات التقريرين جاءت من طريق شخصين، يفترض أنهما مبدعان وحائزان عضوية اتحاد الكتاب.
كنت اعتقد أنّ فروع المخابرات (العسكرية، السياسية، الجوية، أمن الدولة) تكفي شعبنا وتزيد، ولكن يبدو أنّ اتحاد الكتاب العرب انتبه إلى ضرورة وجود شعبة مخابرات ثقافية. ولأنّ السلطة لم تُحدث شعبة من هذا النوع، فقد أخذ الاتحاد على عاتقه القيام بهذا الدور، بل جعل منه واحداً من أهم أهدافه عمليا. وهو إذ يفعل ذلك، إنما يفعله تطوعاً، أو بالوكالة لا بالأصالة ".
وتستطيع في المملكة العربية السعودية أن تكتب بحرية كبيرة، ويستطيع الرقيب الإعلامي أن يضع خطوطاً حمراء على ما كتبته بحرية كبيرة أيضاً، لكن لا تنسَ أنّ كتابك في النهاية هو الخاسر: هذه هي خلاصة الموضوع مع نُظُم إجازة المطبوعات في المملكة. أمام هذا النمط من المحاسبة الشديدة للكتاب، يضطر الكاتب السعودي إلى اتخاذ واحد من خيارات ثلاثة: أن يتوقف نهائياً عن النشر ويكتب لنفسه فحسب، أو أن يقبل بالأمر الواقع ويسلّم بما تفرضه قوانين النشر مع أمل أن تتطور إلى حال أفضل في المستقبل، أو أن يلغي الخيارين السابقين من قائمته ويعتنق الخيار الثالث وهو النشر خارج البلاد. هذا الأخير هو الذي عمل به عدد غير قليل من الكتّاب، بيد أنّ معضلته الرئيسية تكمن في أنّ الكتب المنشورة تحت هذا المعيار لا يُسمح لها بالدخول إلا نادراً.
وفي المغرب ليس هناك رقابة مباشرة، وليس هناك قيود على حرية الطباعة والنشر. لا توجد مثلاً رقابة في المعنى الشائع في الأدبيات العربية، تتمثل في جهاز قائم متحكم، له وحده صلاحيات الفصل في ما يجب أن ينشر على العموم. كان هذا النوع من الرقابة سائداً لفترة حتى نهاية الستينيات، في مرحلة لاحقة، وخصوصا في أوج الصراع والاحتقان السياسي والاجتماعي الذي عرفه المغرب من بداية السبعينيات إلى حدود التسعينيات، صار التقليد المتبع هو الرقابة الإدارية، وهي ربما الأسوأ. إذ لا تخضع في الواقع لأي ضابط قانوني، ولا تكلَّف الجهة المسؤولة عنها تبرير أي قرار من قرارات المنع والمصادرة الكثيرة التي طالت عدداً كبيراً من الصحف والمجلات والكتب، لعل أشهرها رواية " الخبز الحافي " لمحمد شكري التي منعت منذ بداية الثمانينات حتى سنة 2000، ورواية " كان وأخواتها " للكاتب عبد القادر الشاوي، وهو أول كتاب عن تجربة الاعتقال السياسي صدر ومُنع في الثمانينات أيضاً. كما تعرضت المجموعة القصصية المكتوبة بالفرنسية للكاتب والصحافي محمد البرينــــي " أغلال الماضي "، للمنع الكلي بسبب خوضها في " المقدس " السياسي، ورواية " مسعودة " للكاتب عبد الحق سرحان لكونها تضمنت ايحاءات جنسية مباشرة.
الهوامش
(1) - د. جابر عصفور: عقلية المنع والمصادرة – عن صحيفة " الأهرام " المصرية – 21/2/2005.
(2) – عن صحيفة " النهار " اللبنانية – 28 و 29/11/2005.
(3) – حديث الشاعر فرج بيرقدار إلى الملحق الثقافي لصحيفة " النهار " اللبنانية – 2/11/2003.
(*) – في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة " الرقباء والرقابة بين السياسي والديني في المجتمعات العربية " بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات " بالتعاون مــع " مؤسسة كونراد أديناور " – تونس، في الفترة ما بين 22 و24 يونيو/حزيران 2006.
وقد أعدت صياغتها على ضوء حاجتنا في سوريا، بعد التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إلى نجاح المرحلة الانتقالية، خاصة بناء الدولة السورية الوطنية الحديثة.



#عبدالله_تركماني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكالية الدولة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر
- حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /1 - ...
- مظاهر التنافس التركي - الإسرائيلي على سوريا ومآلاته /*/
- الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية /3 - 3/ /*/
- الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية /2 - 3/ /*/
- ألم يكن من الأجدى جمعية تأسيسية توافقية؟ /*/
- مخاطر التماهي بين الدولة والسلطة في سوريا /*/
- ما الذي يمكن أن تتعلمه سوريا الجديدة من النموذج التركي؟ /*/
- الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية /1 - 3/
- قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي ...
- قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي ...
- قراءة في كتابات المفكر السوري إلياس مرقص حول التيارين القومي ...
- في الحاجة إلى مقاربة جديدة للاجئين السوريين في أوروبا /*/
- مخاطر ضعف الخبرة في إدارة الدولة /*/
- أهم دروس الهزيمة الكبرى في 5 من حزيران 1967 /*/
- ماذا بعد حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية؟ /*/
- الإسلام السياسي يتحدى الدولة الوطنية ويهدد بتفكيك المجتمعات ...
- مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية /1 - 4 ...
- مقاربة روّاد النهضة العربية للحداثة السياسية /*/
- حول التعاطي السطحي مع التحديات /*/


المزيد.....




- إلى جانب أردوغان وخامنئي.. لماذا يضع نتنياهو ممداني في قلب م ...
- -عراقجي استغرب الهجوم-.. اتصال بين وزيري خارجية إيران والعرا ...
- بينهم 186 في غزة.. 350 عاملا في المجال الإنساني قُتلوا في ال ...
- مهلة أسابيع لواشنطن.. طهران تلوّح بهجوم عسكري لكسر الحصار ال ...
- التفشي الأكثر فتكاً بتاريخ البلاد.. إيبولا يحصد حياة شخص كل ...
- لقاء نتنياهو كوشنر.. توافق على نزح سلاح حماس بإشراف ضابط أمر ...
- وزيرة التنمية المحلية والبيئة تترأس اللجنة العليا للقيادات ل ...
- النائبة عبير عطا الله: معلمو الحصة «حل سريع» لسد عجز المدرسي ...
- قيادي بالجبهة الوطنية: توجيهات الرئيس بالارتقاء بالمنظومة ال ...
- قواعد روسية سرية وضربات في العمق.. حرب المسيّرات تقترب من ال ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله تركماني - حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /*/ /2 - 3/