|
|
سؤال الكونية والواقع المعيشي في حقوق الإنسان
عزالدين محمد ابوبكر
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 22:18
المحور:
حقوق الانسان
تتأرجح فكرة حقوق الإنسان على حافة الوجود بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن فعلياً في واقعنا المعيشي، لتشكل لنا واحدة من أعقد الإشكالات الفلسفية والحقوقية التي قد شغلت الفكر الإنساني عبر تاريخه الطويل، فحين نتطرق إلى هذا السؤال الجذري عما إذا كانت هذه الحقوق ملازمة لكل كائن بشرى في كل زمان ومكان لمجرد انتمائه للنوع الإنساني، فإننا ندخل في منطقة فكرية تتداخل فيها الميتافيزيقا بالأخلاق والسياسة والتاريخ، وتكون الإجابة البسيطة بنعم أو لا ناقصة لأن المفهوم نفسه يحمل في طياته تناقضات عميقة بين المطلق التاريخي والنماذج الثقافية المتعددة التي تصوغ وعي الإنسان بذاته وبمحيطه الاجتماعي، ومن هنا يصبح التفكير الفلسفي المرتبط بالظاهراتية أو الفينومينولوجيا ضرورة ملحة للغوص في الوعي المعيش للحقوق، بعيداً عن القوالب الجامدة أو النظريات المجردة التي تنفصل عن وجود وشعور الإنسان، وإننا لا نبحث هنا عن مدونات قانونية جافة مدفونة في أرفف المنظمات الدولية، بل نبحث عن ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الكائن البشري بجذوره الوجودية، وكيف يتأتى له أن يعلن عن وجوده وكرامته في وجه كل قوى الإماتة والتهميش المارقة في التاريخ البشري، مما يجعل هذا السؤال ممرًا إلزاميًا لكل من يرغب في فهم كنه الوجود الاجتماعي والسياسي للإنسان المعاصر الذي يحيا وسط متناقضات هائلة وصراعات لا تهدأ على حدود الهوية والحرية.
وتتطلب منا الإجابة عن أصل هذه الحقوق وتجذرها في الكيان البشري تفكيك المعنى الفلسفي للفظة حقوق نفسها، بعيداً عن استخداماتها الخطابية السطحية المنتشرة في وسائل الإعلام الحديثة، فعندما نلفظ كلمة حقوق فإننا لا نشير إلى هبات تمنحها السلطات الحاكمة أو الدساتير المؤقتة للأفراد، بل نشير إلى ذلك الامتياز الوجودي الأصيل الذي يمثل شرطاً مسبقاً لأي حياة إنسانية جديرة بهذا الاسم، فالحق هو انعكاس مباشر للذات الإنسانية وهي تعلن عن حريتها واستقلالها في مواجهة العبث والفوضى، وإذا استعنا بالتحليل اللساني فإن كلمة حقوق تمثل دالاً لغوياً يحيل على مدلول عميق ومتغير عبر التاريخ؛ حيث تتشكل دلالاتها وفقاً للبنية الاجتماعية والسياق الثقافي الذي يُنتجها ويستهلكها في آن واحد، وذلك لأن العلاقة بين الدال والمدلول هنا ليست علاقة طبيعية مطلقة، بل هي علاقة اعتباطية تأسيسية يتوافق عليها المجتمع لتنظيم علاقات القوة والعدالة والحرية بين أفراده، وحين ينفصل الدال عن معناه الواقعي، يتحول الحق إلى شعار أجوف تقوم الألسنة بذكره دون أن يمس جوهر الوجود الإنساني أو يخفف شيئاً من وطأة المعاناة اليومية التي يعيشها الإنسان البسيط في مختلف بقاع الأرض، مما يجعلنا بحاجة ماسة لإعادة ربط الكلمات بأشياء العالم الفعلي لكي تستعيد الحقوق معناها الحقيقي والفاعل في حياتنا.
وتحيلنا دلالة كلمة الإنسان المتبوعة لكلمة حقوق إلى متاهة أنثروبولوجية وفلسفية كبرى تتعلق بتعريف الكائن البشري ذاته بعيداً عن الانتماءات القومية أو الطبقية أو الدينية الضيقة؛ فالإنسان هنا ليس مجرد كائن بيولوجي يستهلك الموارد ويتكاثر فحسب، بل هو كائن ناطق ومفكر وواعٍ بذاته وبفنائه، كائن قادر على طرح الأسئلة الكبرى حول مصيره ومعنى وجوده على هذه الأرض، وإننا عندما نقول حقوق الإنسان، فإننا نفترض وجود جوهر مشترك يوحد جميع البشر بغض النظر عن ألوانهم أو لغاتهم أو جغرافيتهم، وهو جوهر يتجاوز الاختلافات الظاهرية ليلامس تلك النواة الصلبة التي تسمح للإنسان بأن يشعر بالآخر وبآلامه كأنه يعانيها بنفسه. وهنا يبرز البعد الفينومينولوجي لهوسرل بوضوح من خلال مفهومي التبادلية والقصدية، حيث لا تنفصل الأنا عن الآخر في إدراك المعنى، بل تتأسس الذات الإنسانية في علاقتها الحية بالغير داخل العالم المعيش، والإنسان المذكور هنا هو ذلك الكائن الذي يعيش التجربة بكامل قسوتها وبهجتها، وهو الكائن الذي يملك القدرة على الدهشة والألم والحلم، وهو أيضاً ذلك الكائن الذي يتعرض للقهر والقمع حين تبتلعه آليات الحداثة الصلبة وتجرده من فرادته وخصوصيته، محولة إياه إلى مجرد رقم إضافي في دفاتر الإحصاءات الرسمية!
تتأسس فلسفة حقوق الإنسان على ركيزة أساسية تتمثل في فكرة الكرامة الإنسانية التي لا تقبل المساومة أو البيع أو التنازل تحت أي ظرف من الظروف التاريخية أو السياسية، وهذه الفلسفة ليست وليدة الفكر الغربي الحديث فحسب، كما يظن البعض خطأً، بل هي ثمرة تراكم طويل من التأملات البشرية التي بدأت بالمناسبة من مصر القديمة حول العدل والحرية والمساواة في مواجهة الاستبداد بكل أشكاله، وإنها محاولة عقلية وأخلاقية مستمرة لتأسيس مجال مشترك يستطيع فيه الجميع العيش بسلام وكرامة، وهنا يلتقي الفكر الكيركجوري الوجودي بالفلسفة المعاصرة في التأكيد على فرادة الفرد البشري وقيمته المطلقة التي لا يمكن اختزالها في مجموعات أو قطيع مجرد، فالفرد عند كيركجور يعيش لحظة القلق والاختيار الحر، وهو المسؤول الوحيد عن مصيره الأخلاقي أمام الحقيقة الكبرى، والفلسفة هنا ليست ترفاً ذهنياً نخبوياً، بل هي درع واقٍ يحمي كرامة الإنسان الضعيف ويمنحه صوتاً مسموعاً في عالم يعج بالأصوات العالية التي تسعى لإسكات كل صوت ينشد الحرية الحقيقية والعدالة الاجتماعية المنشودة.
والإقرار بأن حقوق الإنسان هي ملك للجميع نظرياً لا ينفي وجود فجوة هائلة بين هذا الإعلان الكوني وبين الواقع التطبيقي المعاش في مختلف مجتمعات العالم، مما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى عمق هذا الانتماء الفعلي، فنظرياً يولد كل إنسان حراً ومساوياً لغيره في الكرامة والحقوق، كما تنص على ذلك المواثيق الدولية وأبرزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي صاغتها الإنسانية بعد ويلات الحروب الكبرى، ولكن واقع الحال يشهد بأن هناك تفاوتاً في التمتع الفعلي بهذه الحقوق، حيث توجد شعوب وجماعات بأكملها تعيش على هامش التاريخ والكرامة الإنسانية، محرومة من أبسط مقومات العيش الكريم كالماء والغذاء والصحة والتعليم، وهذا التناقض الصارخ بين المبدأ الكوني والتطبيق العملي يعود إلى اختلال موازين القوى السياسية والاقتصادية على المستوى العالمي؛ حيث تتحكم قوى الهيمنة في مصائر الشعوب وتوزع الحقوق والامتيازات وفقاً لمصالحها الاستراتيجية الضيقة، ومن هنا يتحول الحديث عن كون هذه الحقوق ملكاً للجميع إلى مجرد وعد مؤجل أو حلم يراود المقهورين والمهمشين في ظلمات العزلة والنسيان، مما يستدعي منا وقفة نقدية جادة لفحص الأسباب البنيوية والسياسية التي تحول دون تحقق هذه الحقوق لكل إنسان على وجه الأرض دون استثناء أو تمييز مقيت.
ويثير الخطاب المناهض لحقوق الإنسان الذي يصفها مراراً وتكراراً بأنها صناعة غربية بحتة، إشكاليات كبرى تتعلق بالهوية الثقافية وصراع الحضارات في عالمنا المعاصر المليء بالتوجس المتبادل، فينطلق المناهضون من فرضية مفادها أن المنظومة الحالية لحقوق الإنسان هي نتاج تاريخي لثقافة الأنوار الأوروبية، وأنها تُفرض قسراً على بقية الثقافات والحضارات بوصفها نموذجاً استعمارياً مقنعاً بعباءة الأخلاق والكونية، وفي هذا السياق يمكننا توظيف مقاربة تحليلية لفهم البنية الدلالية للغة السياسية المستعملة في هذا الصراعات؛ حيث تتحول المفاهيم إلى أدوات أيديولوجية تُستخدم للصراع والتنافس على الشرعية والسيادة، فالغرب يستخدم مفهوم حقوق الإنسان كأداة لفرض هيمنته الثقافية والسياسية والتدخل في شؤون الدول الأخرى، بينما يستخدم المناهضون هذا التاريخ الاستعماري لرفض المنظومة برمتها والالتفاف حول الخصوصيات الثقافية المحلية، والتي قد تُستغل أحياناً لتبرير الاستبداد والقمع الداخلي.
ولتفكيك مقولة إن حقوق الإنسان صناعة غربية يتطلب الأمر منا قراءة تاريخية موضوعية لا تسقط في فخ التعميم الأعمى ولا في فخ الإنكار المطلق للجذور الثقافية المتعددة للمفاهيم الأخلاقية، فصحيح أن الصياغة القانونية المعاصرة لهذه الحقوق تبلورت في السياق الأوروبي الحديث نتيجة لتطور الصراعات الاجتماعية والفلسفية هناك، إلا أن تطلع الإنسان نحو العدالة والكرامة والحرية ليس حكراً على حضارة دون أخرى، وإن جذور هذه القيم تتوزع في كل التراثات البشرية العميقة، من الشرق الأدنى القديم إلى الفلسفات الآسيوية والأفريقية والإسلامية التي طالما مجدت الإنسان واعتبرته خليفة الله أو جوهر الكون، ومع ذلك فإن الخطاب الرسمي لحقوق الإنسان عندما يُطرح بصيغة متعالية تتجاهل تنوع التجارب الإنسانية، فإنه يمنح المناهضين ذريعة قوية لرفضه ووسمه بالاستعمار الثقافي، وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام الفلاسفة والحقوقيين الحقيقيين اليوم، وهو إعادة تأسيس كونية حقوق الإنسان على أساس الحوار الخلاق والتفاعل الندّي بين الثقافات، لا على أساس الإملاء الأحادي الذي يلغي الآخر ويصادر صوته المستقل في صياغة مستقبله وكرامته الخاصة داخل عالمه المعيش ومتعدد الأبعاد.
لا يقتصر الأمر على النقد الخارجي الموجه لحقوق الإنسان، بل يمتد أيضاً ليشمل ظاهرة محيرة تتمثل في أن بعض البشر لا يقدرون حقوقهم حق قدرها بل وقد يتنازلون عنها طوعاً في كثير من الأحيان* ويعود هذا الموقف الملتبس إلى عدة أسباب عميقة تتداخل فيها النفسية البشرية بالظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بالفرد، ولا سيما في المجتمعات التي تعاني من وطأة الفقر والقهر والاستبداد المزمن، فعندما يعتاد الإنسان على العيش في ظل القمع لجيل بعد جيل، يتشكل لديه وعي زائف يجعل الخنوع والاستسلام أمراً طبيعياً، بينما تبدو الحرية وممارسة الحقوق كأنها تهديد مباشر لاستقراره الهش وسلامته الجسدية والنفسية، وهنا يقدم لنا الفيلسوف سورين كيركجور تحليلاً عميقاً لمفهوم الحرية بوصفها عبئاً ثقيلاً يهرب منه الكثيرون نحو الارتماء في حضن القطيع لأن حرية الاختيار تفرض على الفرد مسؤولية كبرى لا يقدر الجميع على تحمل تبعاتها، فالإنسان هنا يفضل الأمان الزائف والعبودية المقنعة على خوض غمار الحرية المجهولة المليئة بالمخاطر والتحديات، وهذا الخوف الدفين من الحرية هو العدو الخفي لحقوق الإنسان، وهو ما يفسر لماذا يفرّط البعض بسهولة في حقوقهم الأساسية متى ما شعروا بأن الحفاظ عليها يتطلب ثمناً باهظاً يعجزون عن دفعه في ظل ظروفهم القاسية والمعيشة اليومية المرهقة والصعبة للغاية.
يمثل غياب الوعي الحقوقي والتعليم النقدي الجاد عاملاً حاسماً في عدم تقدير البعض لحقوقهم؛ حيث تساهم المؤسسات التقليدية في إعادة إنتاج الجهل وتكريس التبعية عبر قنوات التنشئة المختلفة، فعندما لا يتعلم الطفل في المدرسة أو البيت كيف يفكر بشكل نقدي وكيف يعبر عن رأيه بثقة واحترام، فإنه ينشأ راشداً يفتقر تماماً للقدرة على إدراك قيمة الحقوق التي يمتلكها بحكم إنسانيته، وهنا تلعب اللسانيات دوراً تفسيرياً هاماً لتوضيح كيف تساهم المنظومة اللغوية والخطابية السائدة في تشكيل وعي الأفراد وتوجيه سلوكياتهم دون أن يدركوا ذلك بوعي كامل، فاللغة المستخدمة في وسائل الإعلام والخطابات الرسمية غالباً ما تكون مصممة لتخدير العقل وتعطيل التفكير النقدي، مستخدمة شعارات جوفاء تربط الطاعة بالفضيلة وهكذا أمور، وفي ظل هذه البيئة المشحونة بالتضليل يفقد الإنسان الإحساس بقيمته الذاتية وبأنه كائن يستحق الاحترام والتقدير، مما يجعله ينظر إلى حقوقه نظرة شك واستخفاف، معتبراً إياها ترفاً لا يخص معاناته اليومية في تأمين لقمة العيش.
ووسط هذه التعقيدات الكبرى، يبرز لنا السؤال الجوهري حول ماهية صفة الإنسانية ذاتها التي تجمعنا جميعاً وتؤسس لوحدة المصير والكرامة بغض النظر عن كل الفروق العرضية والظاهرية، فالإنسانية هنا ليست تصنيف بيولوجي يعتمد على الحمض النووي أو التشريح الجسدي، بل هي حالة شعورية ووجدانية وأخلاقية تتشكل من خلال الانفتاح على الآخر والاعتراف به كشريك متساوٍ في الوجود والمصير، وإنها القدرة الفريدة على الشعور بألم الإنسان الآخر، بغض النظر عن لغته أو دينه أو مكان ولادته، والتصرف بناءً على هذا الشعور، وفي الفينومينولوجيا الهوسرلية تُعرف هذه الخاصية بـ التبادلية أو الإدراك المشترك للعالم؛ حيث ندرك أننا لسنا وحدنا في هذا الكون، بل نحن جزء من نسيج بشري واسع تتأثر أجزاؤه بعضها ببعض بشكل عميق وخفي، وصفة الإنسانية الحقيقية تتجلى في لحظات التضامن العفوي، وفي تلك القدرة العجيبة التي يمتلكها الأفراد على الوقوف في وجه الظلم دفاعاً عن كرامة إنسان لا يعرفونه سوى أنهم يشاركونه نبض الحياة ذاتها، وهذه الصفة هي اللصق الخفي الذي يمنع تفتت العالم الإنساني.
استكشاف هذه الصفة الإنسانية الجامعة يقودنا حتماً إلى إدراك أن حقوق الإنسان ليست أفكاراً مستوردة بل هي التعبير الأمثل عن هذا التضامن الوجودي العميق بين البشر في مواجهة قوى الطبيعة القاسية ومخاطر الاستبداد البشري المتكرر عبر التاريخ، فالإنسان ككائن واعٍ يدرك هشاشته وضعفه أمام تقلبات الزهر ومفاجآت القدر، ولذلك فهو يحتاج إلى أخوة حقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات لكي يستطيع مواصلة رحلته العبثية في هذا الكون الفسيح بأقل قدر ممكن من الألم والقهر، وهنا تتقاطع الرؤى الفلسفية المختلفة لتؤكد على أن الحفاظ على حقوق الإنسان هو في صميمه حفاظ على إنسانية الإنسان ذاتها، لأن انتهاك حق أي فرد في أي مكان هو في الحقيقة خدش لكرامة الإنسانية جمعاء ونزع لجزء من روحها المشتركة، ومن هنا يأتي الإلحاح الدائم على ضرورة ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في وجدان الأجيال الناشئة، لا باعتبارها مجرد نصوص قانونية، بل بوصفها قيماً حية ونبضاً أخلاقياً يوجه الأفعال والخيارات اليومية، ويمنح الحياة معناها الأسمى والأنبل في عالم يكاد يغرق في لغة المصالح المادية البحتة والأنانيات الفردية والجماعية الضيقة التي تهدد مستقبل النوع البشري بأسره.
ولكن كيف يمكننا حماية هذه الحقوق وترسيخها في واقعنا المعيش دون أن تظل مجرد كلمات حبر على ورق أو شعارات استهلاكية ترفعها المنظمات في المؤتمرات الدولية دون طائل عملي حقيقي؟
الإجابة تكمن في تحويل الحقوق من مفاهيم مجردة إلى ممارسات يومية وثقافة شعبية حية تنبع من صميم احتياجات الناس وتطلعاتهم المشروعة نحو حياة أفضل وأكثر عدالة، ويتطلب هذا التحول صياغة جديدة للخطاب الحقوقي تتخلص من التعالي الأكاديمي والتبعية الغربية أو الإقليمية، وتتحدث بلغة بسيطة وقريبة من وعي الإنسان العادي وبأدوات تعبير مستمدة من واقعه المعيش وثقافته الحية، وهنا يمكننا الاستعانة بالتحليل اللساني مرة أخرى لنؤكد أن تجديد الدال اللغوي للحقوق يجب أن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتغيير الواقع المادي للمجتمعات، بحيث يلمس المواطن البسيط أثر هذه الحقوق في توفير لقمة عيش كريمة وتعليم جيد وعلاج منصف وحرية في التعبير، وإن الحقوق التي لا تحمي الضعيف ولا توقف الظلم ولا تمنح الإنسان شعوراً حقيقياً بالأمان والكرامة هي حقوق ناقصة ومفرغة من مضمونها الفلسفي والإنساني الأصيل، مما يجعلنا بحاجة ماسة إلى ثورة ثقافية وأخلاقية تعيد الاعتبار للإنسان الفرد كغاية مطلقة لا كوسيلة عابرة لتحقيق غايات أخرى مهما كانت نبيلة في ظاهرها.
تتجلى أهمية التفكير الفلسفي في هذه المرحلة بالذات حين يعاني الإنسان المعاصر من اغتراب غير مسبوق وسط شبكات التكنولوجيا العابرة للقارات، فالفلسفة هنا ليست ترفاً أو هروباً من الواقع، بل هي صرخة وعي متجددة تذكرنا بأن الإنسان يظل دائماً أكبر وأعمق من كل الأطر والنماذج الجاهزة التي تسعى لاختزاله أو تسليعه، وإن استعادة الإنسان لوعيه بحقوقه تمر عبر استعادة فردانيته وقدرته على الاختيار الحر والمواجهة الأخلاقية، في حين يدرك الفرد أنه ليس وحيداً في موقفه من أجل الكرامة، بل يتقاسم هذا الشعور الوجودي مع ملايين البشر في كل أنحاء العالم، وهذه اللحظة الوجودية الفارقة هي التي تحول حقوق الإنسان من نصوص قانونية إلى حركة تحرر إنسانية كبرى تعيد صياغة العالم على أسس أكثر عدالة وإنسانية، مما يجعل السؤال حول ماهية هذه الحقوق وجذورها سؤالاً مفتوحاً بلا نهاية، لأنه يواكب تطور الوعي البشري ذاته في سعيه الدؤوب نحو الحرية والتحقق الأبدي على هذه الأرض.
وإن اعتبار هذه الحقوق ملكاً لجميع البشر في كل زمان ومكان ليس مجرد أمنية ميتافيزيقية حالمة، بل هو بوصلة أخلاقية وواقعية توجه خطواتنا نحو المستقبل وتمنحنا المعيار الذي نقيس به مدى تقدم مجتمعاتنا أو تخلفها الفكري، وإن أي مجتمع يتغاضى عن حقوق أضعف أفراده هو مجتمع يتقوض من الداخل ويفقد مسوغ وجوده الأخلاقي والإنساني، بغض النظر عن مظاهر التقدم المادي والتكنولوجي الظاهري التي قد يتباهى بها، ولا توجد خاتمة افضل من من يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق..
#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التطرف الرقمي وهيراركيته: إشكالية التكنولوجيا في ميزان الأخل
...
-
مركز العدالة الدولي لدراسات حقوق الإنسان والتنمية الفكرية: ا
...
-
كيركجور: ”كلما سعى تفكيري إلى تحديد الحب، لا يبدو أن هناك سو
...
-
حنة أرندت: أثر هايدغر، وميراث أوغسطين في فكرها المبكر
-
انكشاف الحقيقة وجذور اللوغوس: قراءة هايدجر الظاهراتية لمنطق
...
-
العلاقة بين الوعي والمصلحة الطبقية
-
مفهوم ”الدولة المدنية“؛ حتى التسمية لها سلطة؟
-
الفكر السياسي؛ أزمات وتحديات
-
هل نعرف حقًا الاقتصاد السياسي للمعرفة؟
-
عن مقال الشعراء مساكين.. إذا قورنوا بالفلاسفة!
-
النظر التأملاتي في العلم كسلعة
-
قيمة الفلسفة ونفعها المجتمعي في فكر وليم جيمس
-
ما وراء الحدود التقليدية: الإمبريالية الإقليمية كضرورة بنيوي
...
-
موت الفيلسوف، ومعرفة أعماله - إدغار موران -
-
«لقد كلمنا زرادشت مراراً نحن النساء، ولكنه لم يتكلم عنا مرة
...
-
سؤال الفناء وهايدجر
-
هل يوجد مفهوم للسحر؟
-
هل هناك علاقة بين غاية الحياة ووجود حقوق الإنسان عند مي زياد
...
-
صيف في الجزائر - ألبير كامو
-
ما الفرق بين القانون الطبيعي والوضعي، وما علاقة حقوق الإنسان
...
المزيد.....
-
صحيفة: اعتقال فتى في ألمانيا للاشتباه بقتل والده الذي قاتل إ
...
-
اليونيسف: أطفال السودان يعيشون أوضاعا إنسانية بالغة الصعوبة
...
-
اليونيسف: أكثر من 8 ملايين طفل خارج التعليم في السودان جراء
...
-
مخاوف من ارتفاع قتلى فيضانات نيبال لـ 7 آلاف وسط شح الإغاثة
...
-
حملة -صولة الفجر-..العراق يعلن استرداد أكثر من مليار دولار ف
...
-
حوكموا عسكريا.. كيف علّق الليبيون على إعدام 11 سجينا في بنغا
...
-
اعتقال مهاجرين مغاربة في سبتة بعد رشق جنود إسبان بالحجارة أث
...
-
بري: لا بديل عن الحضور الدولي في الجنوب.. البديل لـ-اليونيفي
...
-
الأونروا تدين اقتحام الاحتلال لمركز تدريب قلنديا وتتمسك باست
...
-
الأمم المتحدة تعرب عن قلقها إزاء منع طلاب السويداء من الوصول
...
المزيد.....
-
اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا
...
/ محسن العربي
-
مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي
/ عبد الحسين شعبان
-
حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة
/ زهير الخويلدي
-
المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا
...
/ يسار محمد سلمان حسن
-
الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نطاق الشامل لحقوق الانسان
/ أشرف المجدول
-
تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية
/ نزيهة التركى
-
الكمائن الرمادية
/ مركز اريج لحقوق الانسان
المزيد.....
|