أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين محمد ابوبكر - مفهوم ”الدولة المدنية“؛ حتى التسمية لها سلطة؟















المزيد.....

مفهوم ”الدولة المدنية“؛ حتى التسمية لها سلطة؟


عزالدين محمد ابوبكر

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 14:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


- قراءة في "الدولة المدنية: تفكيك النقد المعجمي الشكلي للظواهر السياسية"

يطرح ستار جبار رحمن في دراسته المنشورة على منصة "رؤى شرق أوسطية" سؤالاً يبدو معجمياً في ظاهره، لكنه سياسي في جوهره؛ حيث يسأل من الذي يملك حق تسمية الممكن؟ وهذا السؤال، وإن صيغ بلغة تحليل المفاهيم، هو في العمق سؤال عن السلطة بالمعنى الهيغلي، إذ لا وجود لمفهوم مجرد يسبق حركته التاريخية الفعلية، وستار يرفض أن تكون شرعية "الدولة المدنية" رهينة ورودها في معجم قديم، ويحوّل النقاش من سؤال الأصل إلى سؤال الوظيفة، وهذا التحول نفسه هو الخطوة الديالكتيكية الأولى؛ حيث نفي النفي، بمعنى رفض السلبية المعجمية بوصفها حكماً نهائياً، تمهيداً لإثبات إيجابي جديد يقوم على الكفاءة التفسيرية، ويمكننا ملاحظة وجود ثلاثة ركائز في دراسته عن الدولة المدنية.

الركيزة الأولى هي ما يسميه الكاتب "مغالطة المطابقة المعجمية"، وهي في بنيتها المنطقية أقرب إلى النزعة الاسمية التي فحصها لالاند فلسفيا، لكن يمكن قراءة هذه النزعة هايدغرياً بوصفها نسياناً لكينونة اللغة ذاتها، فحينما تُختزل اللغة إلى قاموس مغلق، تتحول من "بيت الوجود"، بحسب عبارة هايدغر الشهيرة أثناء محاضراته عن شعر هولدرلين، إلى قبر له، فاللغة عند هايدغر تاريخية بقدر ما هي كاشفة، والدال لا يسبق انكشاف الكينونة بل يلحقها ويحاول اللحاق بها، وستار يلاحظ أنه لا يستخدم هذه المفردة صراحة، لكن استدلاله بأن "دولة" نفسها لم تكن تحمل معناها الحديث قبل القرن التاسع عشر يصب في المجرى نفسه، الدال يتأخر بنيوياً عن انكشاف الظاهرة؛ أما الركيزة الثانية، وهي الأمتن منهجياً، هي تاريخية-مادية بامتياز؛ لأن ستار يستدعي مثال الرأسمالية عند ريموند ويليامز، ومثال الدولة الريعية عند مهدوي والببلاوي ولوتشياني، ليثبت أن العلاقات المادية تعمل وتُنتج تناقضاتها قبل أن تجد اسمها المستقر، وهذا هو جوهر المادية التاريخية عند ماركس؛ حيث الوعي لا يحدد الوجود الاجتماعي بل الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي، والمفردة اللغوية جزء من هذا الوعي المتأخر بنيوياً، خمسون عاماً من دولة ريعية بلا اسم أكاديمي مستقر، كما يذكر الكاتب، ليست شذوذاً تاريخياً بل قاعدة تنسجم تماماً مع أطروحة كوزيليك عن "الفترة التعبية"؛ حيث تتسارع الوقائع وتتأخر مفرداتها؛ ويمكننا هنا إدخال قراءة ألتوسيرية لم يصرّح بها ستار في دراسته لكنها كامنة في بنية حجته، وهي أن تأخر المفهوم عن الواقع ليس فجوة عرضية يمكن ردمها بجهد لغوي إرادي، بل أثر لما يسميه ألتوسير "السببية البنيوية"؛ حيث تُنتَج الأيديولوجيا كمجموعة تمثلات تخدم إعادة إنتاج علاقات الإنتاج، لا كانعكاس شفاف للواقع، وحين يُحتكر حق التسمية من طرف بعينه، فإن الأمر لا يتعلق بتأخر معرفي بريء، بل بجهاز أيديولوجي يعمل على "استدعاء" الأفراد كذوات مسلَّمة بحدود ما هو قابل للتفكير فيه سياسياً، وهذا البعد، رغم غيابه الصريح عن النص، يمنح حجة الكاتب عمقاً بنيوياً اكثر.

الركيزة الثالثة؛ تكشف الجذر اللاهوتي للنزعة الاسمية، وهنا يستحضر الكاتب موازياً فقهياً دقيقاً؛ حيث جدل "سد باب الاجتهاد" في تاريخ الفقه الإسلامي، حين يُعامَل نتاج فكري بشري تاريخي بوصفه سقفاً نهائياً لا يجوز تجاوزه، وهذا التحليل يستدعي بقوة مفهوم اللاهوت السياسي عند كارل شميت؛ حيث كل المفاهيم الحديثة عن الدولة هي مفاهيم لاهوتية علمنت، وسلطة تجميد المعنى هي ذاتها سلطة "السيد" الذي يقرر ما هو استثناء وما هو قاعدة، ومن يغلق باب تسمية "الدولة المدنية" يمارس فعلاً سيادياً بامتياز، الحسم في اللحظة الحرجة بشأن ما هو مسموح بالتفكير فيه، هذا الحسم سابق منطقياً على أي نقاش معرفي أو معجمي، أما معيار غالي عن "المفاهيم المتنازع عليها بجوهرها"، فيستخدمه الكاتب بذكاء ليثبت أن "الدولة المدنية" تستوفي شروط التقييمية والتركيب والتعدد والانفتاح التاريخي، لكن اللافت للنظر أن الكاتب لا يكتفي بهذا المعيار الوصفي، بل يضيف إليه شرطاً معيارياً صارماً ألا وهو الكفاءة التفسيرية التي لا تُقاس بالادعاء الخطابي، بل بالقدرة الفعلية على تفكيك موازين القوى المادية، وهذا التمييز بين الاستخدام الأرشيفي والاستخدام التحليلي-الطبقي هو محاولة لإغلاق ثغرة نسبوية كانت ستجعل من كل استخدام للمصطلح، مهما كان مضمونه، متساوياً في الشرعية بمجرد ادعائه القدرة التفسيرية، وفي هذه النقطة بالذات يظهر البعد الكيركجوري الغائب عن تصريح الكاتب لكنه حاضر في بنية السؤال؛ فالفرد الذي يواجه مفهوماً "منفتحاً تاريخياً" ولم يستقر له تعريف نهائي، كما يصف غالي "الدولة المدنية"، يقف موقف القلق الوجودي أمام الاختيار بلا ضمانة معجمية مسبقة تريحه من عبء الحسم، وهذا يشبه بنيوياً "القفزة" الكيركجورية؛ حيث الالتزام بمفهوم سياسي متنازع عليه هو فعل إيماني-عملي لا يمكن تسويغه بالكامل عقلانياً سلفاً، بل يُختبر في لحظة الفعل ذاته، والفارق هنا هو أن كيركجور يضع الفرد في مواجهة المطلق، بينما يضع ستار الفرد، أو الجماعة، في مواجهة التناقض الطبقي، وهو استبدال دال يستحق تأملاً منهجياً أعمق ونقاش أوسع من قارئ النص...

وقد شدني مثال القرضاوي الذي أورده الكاتب؛ حيث يستحق وقفة خاصة، لأنه يمنح النص اختباراً عملياً لمعياره، فحين يعرّف القرضاوي الدولة الإسلامية بأنها "دولة مدنية تقوم على الاختيار والبيعة والشورى"، ويرى الكاتب أن هذا مجرد استبدال مفردة بمفردة داخل الإطار المعرفي نفسه الذي يُنتج الأزمة أصلاً، لا تفسيراً حقيقياً لها، وهذا الحكم متماسك مع معيار/نسق الكاتب، لكنه يفترض ضمناً أن الإطار المادي-الطبقي وحده قادر على تجاوز الأزمة، وهو افتراض يحتاج تبريراً إضافياً لم يقدَّم بالكامل في هذا الجزء من الدراسة، ويُترك، كما يشير الكاتب نفسه، لأقسام لاحقة، وإن أولى الملاحظات التي تخص الحسم الطبقي المطلق الذي يقدَّمه الكاتب كمعيار وحيد للشرعية الأبستمولوجية؛ هي حين يُختزل التمييز بين الاستخدام "الأرشيفي" والاستخدام "التحليلي-الطبقي" إلى معيار واحد صارم، يغيب احتمال أن يكون البعد السياسي، بالمعنى الشميتي، مستقلاً نسبياً عن البنية الاقتصادية، لا مجرد انعكاس لها، وكارل شميت نفسه يصر على أن التمايز بين الصديق والعدو تمايز سياسي أصيل لا يُختزل بالكامل إلى تناقض طبقي، وهذا يفتح ثغرة أمام من يتهم النص، رغم قوته المنطقية، بميل اقتصادوي يقلل من استقلالية الحقل السياسي-الرمزي*؛ لكن يقدّم النص إنجازاً حقيقياً بتفكيكه المنهجي المحكم لمغالطة الأصل المعجمي، مستنداً إلى شواهد تاريخية-سياسية دقيقة من ويليامز ومهدوي وكوزيليك، ومقروناً بأفق فلسفي تحليلي يمتد من فيتغنشتاين إلى غالي، إلا أن اختزال المعركة بأكملها إلى معيار طبقي وحيد، وإن كان مشروعاً من موقع المادية التاريخية، يستدعي تلطيفاً يعترف باستقلالية نسبية للحقل السياسي بالمعنى الشميتي، ووعياً وجودياً بالمعنى الكيركغوري بأن الحسم في تسمية المفاهيم فعل التزام لا يكتمل تبريره أبداً بالكامل، وهذا لا ينفي قيمة الأطروحة، بل يفتحها على حوار فلسفي أرحب مما رسمه لها الكاتب نفسه؛ حيث يمكن مناقشة هذا الأمر بشكل أوسع.

رابط دراسة ستار جبار رحمن؛ "الدولة المدنية: تفكيك النقد المعجمي الشكلي للظواهر السياسية":
- https://mevp.ecmes.academy/sattar/6054/



#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفكر السياسي؛ أزمات وتحديات
- هل نعرف حقًا الاقتصاد السياسي للمعرفة؟
- عن مقال الشعراء مساكين.. إذا قورنوا بالفلاسفة!
- النظر التأملاتي في العلم كسلعة
- قيمة الفلسفة ونفعها المجتمعي في فكر وليم جيمس
- ما وراء الحدود التقليدية: الإمبريالية الإقليمية كضرورة بنيوي ...
- موت الفيلسوف، ومعرفة أعماله - إدغار موران -
- «لقد كلمنا زرادشت مراراً نحن النساء، ولكنه لم يتكلم عنا مرة ...
- سؤال الفناء وهايدجر
- هل يوجد مفهوم للسحر؟
- هل هناك علاقة بين غاية الحياة ووجود حقوق الإنسان عند مي زياد ...
- صيف في الجزائر - ألبير كامو
- ما الفرق بين القانون الطبيعي والوضعي، وما علاقة حقوق الإنسان ...
- ما الذي يجعل شيئاً ما حقًا من حقوق الإنسان؟
- وقفة وجودية مع دولوز من أجل العود إلى الفلسفة
- يوم الكتاب بصحبة نيتشه
- رسالة رواقية ومواضيع وجودية
- هل هذا موجه لنا؟
- بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!
- الإنسان أولاً: دليل المصريين لفهم الحق في الوجود والكرامة


المزيد.....




- الأردن يستدعي القائم بأعمال السفارة الإيرانية: أوقفوا الهجما ...
- فيديو متداول لـ-حريق محطة كهرباء بالكويت بعد هجوم إيراني-.. ...
- إسرائيل تحذّر من وصول صواريخ إيران إليها، ومخاوف من العودة إ ...
- ليبيا تنضم إلى نظام الدفع الصيني لتسهيل التحويلات وتقليص الا ...
- إسرائيل تتوعد إيران برد قوي واستعدادها للتحرك هجوميا ودفاعيا ...
- دعم تحالف الراغبين لكييف واستنزاف أوروبا
- مسؤول ليبي سابق بـ-الكهرباء- لـRT: غياب التخطيط الاستراتيجي ...
- البحر الأحمر ونهر النيل.. تحركات مكثفة للقاهرة لـ-حماية الأم ...
- الأردن.. موانئ العقبة تواصل أعمالها التشغيلية بشكل اعتيادي د ...
- السفير الأمريكي في بيروت: لا أؤيد التدخل العسكري السوري في ل ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين محمد ابوبكر - مفهوم ”الدولة المدنية“؛ حتى التسمية لها سلطة؟