أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عزالدين محمد ابوبكر - هل نعرف حقًا الاقتصاد السياسي للمعرفة؟















المزيد.....


هل نعرف حقًا الاقتصاد السياسي للمعرفة؟


عزالدين محمد ابوبكر

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 09:18
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


«تبدو ثروة المجتمعات التي يسود فيها نمط الإنتاج الرأسمالي وكأنها "تكدُّس هائل من السلع»
الجملة الأولى من أول فصل، الجزء الأول من كتاب رأس المال؛ تأليف كارل ماركس؛ ترجمة: د. فالح عبد الجبار، وقد جاءت في الصفحة الثالثة من كتاب مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي.

يبرز تساؤل جوهري في عصرنا الراهن يحرك الركود الفكري؛ وهو هل نعرف حقًا الاقتصاد السياسي للمعرفة، أم أننا نستهلك المفاهيم دون وعي بجذورها؟
إن هذا المصطلح لا يشير مجرد إشارة عابرة إلى دراسة كيفية تمويل البحوث العلمية أو توزيع الكتب، بل يعبر في عمقه عن البنية التحتية التي تحكم إنتاج الأفكار وتداولها؛ ويبحث في كيفية تحول الفكر الإنساني الخلاق من أداة للتحرر واستكشاف الوجود إلى ترس في آلة الإنتاج الرأسمالي الضخمة. فالمعرفة هنا ليست مجرد فيض روحي، بل هي نتاج اجتماعي يخضع لشروط مادية قاسية تمليها قوى السوق.

ولقد نجح الأستاذ ستار جبار رحمن في دراسته نجاحًا باهرًا عبر توظيف هذا المصطلح بواسطة المنظور الماركسي الكلاسيكي ببراعة واقتدار، فلم يقف عند السطح الظاهري للمؤسسات الأكاديمية، بل غاص عميقًا ليفكك العلاقات الإنتاجية التي تقبع خلف جدران المختبرات ومنصات النشر الرقمية، فلقد أعاد الأستاذ ستار إحياء الأدوات التحليلية لكارل ماركس، مطبقًا إياها على مادة تبدو في ظاهرها غير مادية وهي المعرفة، وهذا المنظور سمح له برؤية البنية العميقة التي تعيد إنتاج نفسها باستمرار، محولة الفضاء العلمي إلى ساحة صراع طبقي مستتر ومقنن.

ولكي نفهم هذا الطرح بدقة، ينبغي أولًا تحديد ما المقصود بالمعرفة في هذا السياق الفلسفي والاقتصادي المركب؛ المعرفة ليست مجرد تراكم معلوماتي، بل هي الجهد الإنساني الواعي لفهم الطبيعة والمجتمع وتغييرهما عبر أدوات فكرية وتقنية متطورة. وفي دراسة الأستاذ ستار، ترتبط المعرفة ارتباطًا عضويًا بالمنظور الماركسي، والتي تظهر في كتاباته كقوة إنتاجية عامة (General Intellect)، وإن المعرفة المذكورة في الدراسة تتطابق مع الرؤية الماركسية التي ترى في الفكر البشري تجسيدًا للعمل الاجتماعي المتراكم عبر التاريخ، وليس مجرد إلهامات فردية معزولة عن شروطها التاريخية.

ويتضح لنا أن مفهوم الأستاذ ستار يتقارب تمامًا مع مفهوم ماركس، بل يعد امتدادًا طبيعيًا له في عصر الرأسمالية المعرفية؛ فلقد أدرك ماركس مبكرًا أن العلم سيتحول إلى قوة إنتاجية مباشرة، وهو ما التقطه الأستاذ ستار ليحلل واقعنا المعاصر بدقة، وهذا التقارب الفكري يثبت أن القوانين الأساسية لحركة رأس المال لا تتغير بتغير المادة المنتجة، سواء كانت قطنًا أو خوارزميات برمجية؛ فالمنطق التحليلي المشترك بينهما يرى أن المعرفة، في ظل الرأسمالية، تفقد براءتها الأولى وتتحول قسرًا إلى أداة لخدمة التراكم المالي وإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية، ومن هنا، تنفتح قراءتنا على مفهوم "فائض القيمة" وعلاقته بالعمل المعرفي حسب الدراسة المعمقة؛ ففي الاقتصاد التقليدي، ينتج العامل فائض القيمة عبر بذل مجهود عضلي يتجاوز قيمة أجره، وهو تمامًا ما يحدث للباحث المعاصر؛ فالباحث يمضي الساعات الطوال في مختبره لإنتاج معرفة جديدة، لكنه لا يتقاضى إلا أجرًا محدودًا أو تمويلًا مشروطًا، أما فائض القيمة المعرفي، المتمثل في براءات الاختراع وحقوق النشر الاحتكارية، فيذهب مباشرة إلى جيوب الشركات الكبرى والمؤسسات الأكاديمية الرأسمالية التي تمتلك وحدها وسائل إنتاج المعرفة الحديثة.

وإذا انتقلنا إلى بعد أكثر عمقًا، يمكننا التحدث استناداً إلى ثيودور أدورنو وجورج لوكاش عن تحويل المعرفة إلى علاقة اجتماعية مشيأة (Reified)؛ فلقد حذرت النظرية النقدية من أن "صناعة الثقافة" والعلم المعاصر يحولان كل ما هو إنساني ونفسي إلى أشياء ميتة قابلة للتبادل التجاري. فالمعرفة المعاصرة، وفق هذا المنظور، لم تعد حوارًا حيًا بين الذوات البشرية، بل تشيأت تمامًا لتصبح أرقامًا، ومعاملات تأثير، ومؤشرات قياس كمية جافة. ويمكن القول إن الباحث قد اغترب عن نتاجه الفكري، وباتت الفكرة الجميلة تُعامل كسلعة معروضة في واجهة السوق، مقطوعة الجذور عن قيمتها التحررية الأصلية.

هذا التشيؤ يقودنا مباشرة إلى خضوع الفكر لمنطق الزمن الاجتماعي الضروري للاستغلال الرأسمالي؛ فالرأسمالية لا تكافئ المفكر بناءً على عمق فكرته، بل بناءً على سرعة إنتاجها وتوافقها مع الزمن المتوسط السائد في السوق. فالباحث الذي يستغرق سنوات في تأمل ظاهرة فلسفية أو علمية يُهمّش تمامًا ويُعتبر غير منتج وفق المعايير النيوليبرالية القاسية، ولقد أصبح الفكر محكومًا بساعة ضبط الرأسمالية؛ حيث يجب على العقل أن ينتج سلعًا معرفية سريعة وقابلة للتسليع الفوري، وإلا أُلقي به خارج حلبة المنافسة المعرفية.

وإذا نظرنا إلى هذا المشهد من زاوية وجودية تلامس قلق الإنسان المعاصر واغترابه في هذا العالم المادي؛ يجد المفكر نفسه في مواجهة سؤال الوجود الحقيقي: هل أنا ذات حرة مفكرة، أم مجرد أداة لإنتاج فائض القيمة؟
وإن تسليع المعرفة يسلب المفكر أصالته الوجودية والشغف لمواصلة حلمه، ويحوله إلى صانع أفكار ممتثل يفصّل النظريات بناءً على طلب الجهات المانحة والشركات العابرة للقارات، وهذا الاغتراب الوجودي يولد شعورًا بالعبث الشبيه بالتجربة السيزيفية؛ حيث تصبح الحقيقة، التي هي غاية الوجود الإنساني، مجرد وسيلة لتحقيق أرباح مادية لآخرين لا يعنيهم الفكر في جوهره.

بالمقابل، يوفر لنا المنظور الماركسي الكلاسيكي أدوات قوية لفهم الشروط المادية التي تحيط بعملية التفكير الإنساني داخل المجتمع؛ فالأفكار لا تسقط من السماء، بل تنبت في تربة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد شكل الوعي البشري في كل عصر. فعندما يمتلك رأس المال المختبرات، والمكتبات الرقمية، ومنصات النشر، فإنه يمتلك بالضرورة توجيه مسار البحث العلمي نحو مصالحه الخاصة. الرأسمالية لا تمنع التفكير، بل تعيد صياغته وهيكلتها ليكون متوافقًا مع منطق السوق، ومفرغًا من أي شحنة ثورية قد تهدد استقرار النظام القائم.

وإن الكتابة الصادقة تفرض علينا ألا نكتفي بالنقد، بل أن نفكك الآليات المؤسساتية التي تدير هذا التحول الخطير؛ فالنشر الأكاديمي التجاري، على سبيل المثال، يمثل ذروة الاقتصاد السياسي للمعرفة؛ حيث تدفع الجامعات مبالغ طائلة للاطلاع على بحوث أنتجها علماؤها، وهذه الحلقة المفرغة توضح كيف ينجح النظام في تحويل الجهد البشري المجاني إلى ملكية خاصة تدر أرباحًا هائلة. إنه احتكار قانوني ومؤسساتي يحرم المجتمعات الفقيرة من ثمار التقدم العلمي، ويجعل المعرفة حكرًا على من يملك القدرة على الدفع والنفاذ.

ومن خلال ما سبق، يتضح وجود رابط بين هذه الظواهر المعقدة؛ حيث تظهر أمامنا بنية واحدة متكاملة الأركان والأهداف؛ فمن النجار الذي يفرز عمله الحي في الخشب، إلى الباحث الذي يفرز عقله في البرمجيات ولغاتها، تظل الديناميكية الرأسمالية واحدة لا تتغير، وإن الرسالة التي نوجهها للقارئ ليست دعوة لليأس، بل هي صرخة لوعي الذات واستعادة المساحات المستقلة للفكر الحر أو ما تبقى منها، ويجب علينا أن نعيد تعريف المعرفة باعتبارها ملكية مشاعة للبشرية جمعاء، وتخليصها من أسر القيمة التبادلية وضغوط السوق التي تشوه جوهرها الإنساني.

وخلال هذا التطواف الفلسفي نعود للسؤال الأول: هل نعرف حقًا الاقتصاد السياسي للمعرفة؟

والإجابة تكمن في مدى قدرتنا على مقاومة هذا التشيؤ اليومي، والبحث عن آفاق جديدة تحرر العقل البشري من شروط الاستغلال، وإن دراسة الأستاذ ستار جبار رحمن تفتح لنا بابًا واسعًا لرؤية ما وراء الستار، وتمنحنا الأدوات النقدية اللازمة لمساءلة هذا الواقع؛ فالمعرفة الحقيقية هي تلك التي تدرك شروط إنتاجها أولاً، لتملك بعد ذلك القدرة على تفكيكها وتغييرها من أجل إنسان أكثر حرية وأصالة.

وتقتضي منا محاولة تفكيك آليات تسليع العلم المعاصر، في ظلال الاقتصاد السياسي، العودة أولاً إلى الأساس النظري الرصين الذي وضعه كارل ماركس حول مفاهيم القيمة والعمل والإنتاج؛ فالأستاذ ستار جبار رحمن ينطلق في أطروحته من هذه القواعد الصلبة، مؤكداً أن «الماركسية، ببساطة، لا تنشغل بما يظهر على السطح من ظواهر، بل تحاول دائمًا النفاذ إلى ما تحتها»، وإن هذه العودة الفلسفية المنهجية ليست ارتداداً للماضي، بل هي ضرورة بنيوية لفهم الحاضر؛ فالرأسمالية المعرفية، رغم قشرتها التكنولوجية الحديثة، ما زالت تحكمها ذات القوانين الجوهرية التي صاغها ماركس في كتابه رأس المال بدقة وتفصيل.

وتتبدى رؤية الأستاذ ستار للأمر في كونه يرى تسليع المعرفة تعبيراً عن بنية اقتصادية اجتماعية تعيد إنتاج نفسها باستمرار عبر السيطرة على العمل وتوجيهه، وهنا يتجاوز الكاتب التفسيرات السطحية التي تعزو تحولات العلم إلى مجرد تطور تقني محايد أو إعادة هيكلة مؤسساتية عابرة؛ فالتقنية ليست كائناً مستقلاً ينمو في الفراغ، بل هي وليدة علاقات الإنتاج، وحين يجري توجيه المعرفة لخدمة التراكم الرأسمالي، فإنها تفقد غايتها الإنسانية الكلية، وتتحول قسراً إلى قطاع إنتاجي يهدف إلى تعظيم الأرباح واحتكار الفكر وتنميطه.

ولتحليل جزئية كيف نفهم القيمة في النظام الرأسمالي بشكل بنيوي ماركسي كلاسيكي، يجب علينا الانطلاق من تحليل مفهوم السلعة أولاً كعلاقة اجتماعية مشيأة تلبس شكل الشيء؛ فالسلعة في السوق تبدو كائناً مستقلاً، لكن التحليل البنيوي يكشفها كـ "تكثيف للعمل البشري" المتجسد فيها، وإن القيمة التبادلية لأي سلعة، مادية كانت أم معرفية، لا تنبع من خصائصها الذاتية أو منفعتها الطبيعية كما توهمنا الليبرالية، بل تتحدد حصراً عبر "كمية العمل الاجتماعي الضروري لإنجاز إنتاجها"، وهذا التحديد البنيوي هو المفتاح الأساسي الذي يسمح لنا بالولوج إلى عالم المعرفة وتفكيك شروط تسليعها.

ويعرض الأستاذ ستار في مقاله "حالة النجار في ورشته" كمدخل لفهم كيفية إنتاج القيمة في الاقتصاد القائم على المعرفة حالياً؛ حيث النجار حين يصنع قطعة أثاث، لا يعمل بيديه العاريتين، بل يتداخل "عمله الحي" المباشر مع "عمل ميت متجسد في الأدوات" التي صنعها آخرون سابقاً. ما يقصده الكاتب بهذه الحالة هو تبيان الثنائية المركبة للقيمة؛ فالآلات لا تخلق قيمة جديدة من تلقاء نفسها، بل تنقل قيمتها الكامنة إلى المنتج النهائي، بينما يظل العمل الحي هو المصدر الوحيد والفعلي لولادة أي قيمة تمايزية مضافه داخل السوق.

وإن أطروحة النجار تثبت صحتها عند تطبيقها بنيوياً على واقع الباحث أو العالم المعاصر داخل جدران المختبر أو أروقة الجامعة الحديثة؛ فالباحث المعاصر هو "النجار الجديد"، حيث لم تعد أدواته مناشير تقليدية بل أصبحت منصات بحثية وخوارزميات رقمية معقدة، وهي أدوات تمثل في جوهرها "عملاً اجتماعياً سابقاً ومستوعَباً". فحين يكتب الباحث مقالاً أو يسجل براءة اختراع، فإن عمله الحي يتشابك عضوياً مع هذا العمل الميت الكامن في البنية التحتية، وإن هذه المقاربة الذكية من الكاتب تكشف بوضوح أن إنتاج الفكر يخضع لذات آليات الإنتاج المادي تماماً.

وعبر هذا الربط الموفق، يناقش الأستاذ ستار كيف تنقل وسائل إنتاج المعرفة قيمتها إلى السلعة الفكرية النهائية دون زيادة أو نقصان بذاتها؛ فالبرمجيات وقواعد البيانات الضخمة التي يستخدمها المفكر هي نتاج مجهودات بشرية متراكمة لتقنيين وعلماء آخرين، والقيمة الجديدة الصافية تصاغ فقط عبر الجهد الفكري الحي الذي يبذله الباحث في لحظة الإبداع الفعلية، لكن المأساة البنيوية تكمن في أن هذا المزيج المعقد يجري استلابه وتجريده من أصالته، ليوضع في قالب تجاري محكم يخدم الشركات الكبرى ومؤسسات الاحتكار العالمي.

لقد نجح الأستاذ ستار في توظيف مفهوم ماركس حول "الزمن الاجتماعي الضروري" ليثبت مدى صحة أطروحته حول التمييز بين الإنتاج الفردي والإنتاج الرأسمالي المعاصر؛ فإذا كان نجار يستخدم منشاراً يدوياً وآخر يستخدم منشاراً كهربائياً، فإن السوق لا يعترف إلا بالزمن المتوسط السائد للإنتاج، وهذا المنطق يمتد بدقة إلى الحقل المعرفي؛ فالأكاديمي الذي يفتقر للبرمجيات المتطورة أو التمويل المؤسسي الضخم يجد نفسه عاجزاً عن المنافسة، وإن قيمته الفردية تتبدد أمام المعايير الرأسمالية التي تقيس جودة الفكر وفائدته بمدى سرعة إنتهائه ومطابقته لمتطلبات التراكم المالي.

ويتبين لنا من خلال هذا التحليل الرصين أن المعرفة لم تعد نشاطاً منزهاً عن الغايات، بل جرى ترويضها لتخضع لشروط السوق القاسية، واقتباساً من المقال: «ما يحدث داخل المختبر أو الجامعة ليس منفصلًا عن البنية الاجتماعية الأوسع للإنتاج الرأسمالي، بل يعيد إنتاجها بشكل مختلف». يثبت هذا القول أن استقلال المؤسسات العلمية مجرد وهم أيديولوجي؛ فالجامعات تحولت إلى مصانع لإنتاج سلع معرفية قابلة للتداول والتبادل، والباحث لم يعد يبحث عن الحقيقة المطلقة، بل بات مجبراً على إنتاج مادة تلبي شروط الممولين، وتخضع بالكامل لمنطق الربح والخسارة التجاري.

وعند فحص حجج المقال، نجدها تتسم بالاتساق المنطقي والعمق الفلسفي المبسط الذي يسهل على الجميع استيعابه والاشتباك المعرفي معه بيسر؛ فالكاتب لم يغرق في التجريد النظري المعزول، بل جعل من مثال النجار جسراً واقعياً يعبر فوقه القارئ نحو فهم أعقد الظاههر الاقتصادية المعاصرة. وإن صحة هذه الحجة تتأكد يومياً عندما نرى كيف يجري تسعير الأبحاث الطبية وبراءات اختراع الأدوية؛ حيث تُحرم المجتمعات النامية منها لأن منطق القيمة الرأسمالي يقدّم احتكار الشركة وحقوقها المالية على حساب الحاجات الإنسانية الحيوية والوجودية الأساسية.

تتضح أصالة المشروع الفكري للأستاذ ستار في كونه يعيد صياغة النقد الماركسي الكلاسيكي ليتلاءم مع شروط النيوليبرالية المعاصرة دون تشويه للمتن الأصلي، وهو يوضح بجلاء كيف أن "وسائل الإنتاج لا تُضيف قيمة جديدة بذاتها، بل تنقل فقط ما تحمله من قيمة إلى السلعة"، وهذا المبدأ الماركسي يظل صحيحاً في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فالخوارزمية بحد ذاتها عمل ميت، ولا تُبعث فيها الحياة إلا عبر التفاعل الحي مع العقل البشري. الرأسمالية تحاول جاهدة إخفاء هذه الحقيقة لتبخس المفكر حقه وتستأثر بالفائض.

إن مناقشة هذه الأطروحة تقودنا إلى الإقرار بأن تسليع العلم يمثل التحدي الأخلاقي والفلسفي الأكبر في القرن الحادي والعشرين دون منازع؛ عندما تتحول الأفكار والنظريات إلى وحدات كمية تقاس بمعامل التأثير والمردود السوقي، فإننا نواجه موتاً تدريجياً للبحث الحر النزيه، ولقد أصاب الأستاذ ستار في جعل منطق القيمة هو المدخل الإلزامي لتفكيك هذا الواقع البائس؛ فبدون فهم شروط الإنتاج المادية، يظل أي حديث عن إصلاح التعليم أو حرية الفكر مجرد لغو شعاراتي أجوف لا يغير من الواقع شيئاً.

وفي ما قبل نهاية هذا التحليل المبسط، نرى أن العودة إلى ماركس، برؤية الأستاذ ستار، تقدم لنا بوصلة نقدية هادية في زمن التيه المعرفي. ولقد أثبتت الدراسة، عبر حجة متماسكة ومترابطة، أن منطق رأس المال يسري على الفكر سريانه على المادة، محولاً الإبداع الإنساني الحُر إلى مجرد ترس في آلة التسليع الشاملة. وإن استعادة براءة العلم وإمكاناته التحررية تقتضي أولاً وعي شروط إنتهائه، والنضال من أجل تخليص العقل البشري من أسر القيمة التبادلية، وإعادة المعرفة إلى حضنها الإنساني المشاع كحق أصيل لكل البشر.

لكن في عالم الأكاديميا المعاصر تتحكم ديناميات معقدة تُعرف باحتكار النشر العلمي؛ حيث تسيطر دور نشر عالمية محدودة على تدفق المعرفة الإنسانية وتوجيهها ومراكمتها، وتبدأ هذه الديناميكية عندما يقوم الباحثون بإنتاج المعرفة مجانًا عبر جهودهم الذاتية وتمويل جامعاتهم، ثم يتنازلون عن حقوق ملكيتهم الفكرية لهذه الشركات دون مقابل مادي يُذكر. وبعد ذلك، تخضع البحوث لعملية التقييم والتحكيم التي يقوم بها أساتذة آخرون متطوعون بالمجان أيضًا، والمفارقة الصارخة تكمن في أن دور النشر تبيع هذه البحوث ذاتها للجامعات والمكتبات بأسعار اشتراك باهظة وشروط مجحفة للغاية.

وتتجلى هذه الديناميات المؤسساتية في خلق حلقة مفرغة من الاستغلال القانوني والمالي المقنن، دون الوقوع في أي مخالفات تشرع للمساءلة القضائية؛ فالنظام يعتمد على صياغة عقود إذعان شرعية تضمن نقل الملكية الفكرية من المنتج الفعلي إلى المؤسسة الاحتكارية بموافقة الطرفين قانونًا، وهذا النموذج التجاري يحول الجهد البشري العام والمدعوم حكوميًا في كثير من الأحيان إلى سلع خاصة تدر أرباحًا هائلة للشركات الاحتكارية، وإن هذه الآلية تمنع النفاذ الحر للمعلومات، وتجعل المعرفة حكرًا على المؤسسات الغنية، مما يعمق الفجوة العلمية والتنموية بين المجتمعات المتقدمة والنامية عالميًا.

ولمواجهة هذا الواقع، يبرز تساؤل جوهري حول كيفية مساءلة الخطابات السائدة التي تروج لحيادية البحث العلمي وقدسية قوانين السوق المعاصرة؛ حيث إن مساءلة الخطابات تقتضي تفكيك البنية اللغوية والأيديولوجية التي تختبئ خلفها المصالح الاقتصادية الكبرى للشركات الرأسمالية المهيمنة. فعندما يتحدث خطاب ما عن "الجودة الأكاديمية" أو "معامل التأثير"، يجب علينا إزاحة هذا الستار البراق للكشف عن آليات الإقصاء الطبقي الكامنة تحته، والمساءلة النقدية تعني تتبع مصادر التمويل بشكل قانوني، ورصد المستفيد الفعلي من حجب المعرفة، وتبيان كيف يسهم الخطاب الرسمي في شرعنة الاستغلال الرأسمالي وتحويل الفكر الحر إلى تجارة مربحة.

وإن ممارسة هذه المساءلة الفكرية تتطلب منا أدوات نقدية صارمة تكشف زيف الادعاءات التي تفصل العلم عن سياقه المادية والاجتماعي والتاريخي؛ فالخطاب الاحتكاري يحاول دائمًا تصوير شروط النشر الحالية كقوانين طبيعية لا يمكن تجاوزها أو التمرد عليها بحال من الأحوال. ومن خلال تحليل هذه الخطابات ببساطة وعمق، يمكننا توعية الباحثين بضرورة استعادة منصاتهم المستقلة، ودعم حركات الوصول الحر للمعلومات كبديل شرعي وأخلاقي، وإن تفكيك الخطاب هو الخطوة الأولى نحو تحرير العقل البشري، وننزع الشرعية الفلسفية عن مؤسسات الاحتكار التي تحول الأفكار التحررية إلى مجرد أرقام حسابية.

وبالنظر الشامل إلى كل ما سبق، يتضح لنا جليًا ماهية وأهمية الاقتصاد السياسي للمعرفة كأداة تحليلية لا غنى عنها أبدًا؛ لأن هذا الحقل المعرفي الهام يعيد التذكير بأن الأفكار ليست كيانات هائمة في الفراغ الروحي، بل هي نتاج شروط مادية وعلاقات إنتاج واضحة. وتكمن أهميته القصوى في كونه يمنحنا القدرة على رؤية الخيوط الخفية التي تربط بين سلطة المال وصناعة الوعي البشري في عصرنا، وبدون هذا المنظور، نصبح عاجزين عن فهم سبب خصخصة التعليم، وتسليع البحوث، وتحويل الجامعات العريقة إلى مؤسسات شبيهة بالشركات التجارية التي تقيس النجاح بالمردود المالي الصافي.

وهنا تبرز فلسفة كارل ماركس كمرجعية كلاسيكية ملهمة وصالحة لتفكيك هذه التحولات البنيوية العميقة التي طالت الحقل العلمي والأكاديمي المعاصر؛ وكارل ماركس هو فيلسوف واقتصادي وعالم اجتماع ألماني شهير، عاش في القرن التاسع عشر، وركز جل حياته على دراسة آليات النظام الرأسمالي وصراعاته الطبقية. وتتميز فلسفته، المعروفة بالمادية التاريخية، بأنها لا تكتفي بتفسير العالم بل تسعى بوضوح إلى تغييره وتحرير الإنسان من أشكال الاستلاب، ولقد اعتبر ماركس أن البنية التحتية الاقتصادية للمجتمع هي التي تحدد بدقة شكل البنية الفوقية التي تشمل الثقافة والقانون والسياسة والعلم والوعي.

لقد قدم ماركس في أطروحاته الشهيرة حول نقد الاقتصاد السياسي رؤية بنيوية متكاملة تفسر كيف يتحول العمل الإنساني إلى قوة غريبة تواجه المنتج وتستلبه تمامًا في السوق؛ فالفلسفة الماركسية ترى أن الرأسمالية تنزع عن الأشياء قيمتها الاستعمالية المباشرة لتلبسها قسرًا قناع القيمة التبادلية الخاضعة كليًا لقوانين العرض والطلب والمضاربة. هذا التحليل ينطبق حرفيًا على المعرفة المعاصرة التي تخلت عن دورها التنويري لتصبح سلعة قابلة للتداول والاحتكار، وإن استخدام هذه الفلسفة يتيح لنا فهم الاغتراب الذي يعيشه الباحث الأكاديمي اليوم، عندما يرى ثمرة فكره وعقله الحي وقد تحولت إلى ملكية خاصة لشركات النشر الكبرى.

وإن القيمة الحقيقية للبحث العلمي، من منظور ماركسي، يجب أن تقاس بمدى قدرتها على تلبية الحاجات الإنسانية الحيوية وتحرير المجتمعات من الجهل والفقر، لكن منطق رأس المال يعيد تنظيم شروط التفكير البشري ليتوافق بدقة مع الزمن الاجتماعي الضروري لتحقيق أعلى معدلات الربح وفائض القيمة. هذا الخضوع القسري يحرم العقل من عفويته وإبداعه الحر، ويجبره على الدوران في فلك الأبحاث التطبيقية السريعة ذات المردود التجاري الفوري، وإن ماركس يذكرنا دائمًا بأن تحرير الفكر لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحرير الشروط المادية والاجتماعية التي تنتج هذا الفكر وتمنحه أبعاده الوجودية.

وعندما نربط بين ديناميات احتكار النشر المعاصر وفلسفة ماركس، نكتشف أن الآلة الاحتكارية تعيد إنتاج ذات علاقات الإنتاج القديمة بصور تكنولوجية مستحدثة؛ فالشركات الكبرى لا تمتلك فقط المصانع والآلات الثقيلة، بل باتت تمتلك الخوادم الرقمية، وقواعد البيانات، والمجلات العلمية المحكمة التي يمر عبرها العقل. هذا الاحتكار الجديد يثبت صحة التحذيرات الماركسية حول نزوع الرأسمالية الشامل نحو تسليع كل ما هو بشري وإنساني وإلقائه في آتون السوق، وإن السرد المنطقي للأحداث يؤكد أننا أمام معركة فكرية وأخلاقية تتطلب وعيًا حادًا بطبيعة الصراع الدائر حول ملكية المعرفة الإنسانية.

وفي ختام هذا التطواف الفلسفي يصبح من الواضح أن فهم الاقتصاد السياسي للمعرفة ليس ترفًا فكريًا كما يروج البعض بل هو ضرورة وجودية ملحة، وإن مساءلة الخطابات الاحتكارية والعودة إلى الجذور النقدية لفلسفة ماركس يمثلان البوصلة الهادية لاستعادة براءة العلم وإمكاناته التحررية المشاعة للبشرية جمعاء. يجب على الجامعات والمفكرين في كل مكان التكتل لكسر هذه القيود القانونية والمؤسساتية، وإعادة الاعتبار للمعرفة كحق إنساني أصيل غير قابل للتسليع أو الاحتكار التجاري، وإن الوعي بشروط الإنتاج المادية هو الخطوة الحقيقية الأولى نحو بناء عالم أكثر حرية، وعدالة، وإنسانية، وأصالة فكرية.

- مقال مقدمات في الإقتصاد السياسي للمعرفة: من العمل إلى التسليع، المنشور على منصة رؤى شرق أوسطية؛ بتاريخ 12 يوليو 2025؛ كتابة الأستاذ ستار جبار رحمن:

https://mevp.ecmes.academy/sattar/5698/



#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن مقال الشعراء مساكين.. إذا قورنوا بالفلاسفة!
- النظر التأملاتي في العلم كسلعة
- قيمة الفلسفة ونفعها المجتمعي في فكر وليم جيمس
- ما وراء الحدود التقليدية: الإمبريالية الإقليمية كضرورة بنيوي ...
- موت الفيلسوف، ومعرفة أعماله - إدغار موران -
- «لقد كلمنا زرادشت مراراً نحن النساء، ولكنه لم يتكلم عنا مرة ...
- سؤال الفناء وهايدجر
- هل يوجد مفهوم للسحر؟
- هل هناك علاقة بين غاية الحياة ووجود حقوق الإنسان عند مي زياد ...
- صيف في الجزائر - ألبير كامو
- ما الفرق بين القانون الطبيعي والوضعي، وما علاقة حقوق الإنسان ...
- ما الذي يجعل شيئاً ما حقًا من حقوق الإنسان؟
- وقفة وجودية مع دولوز من أجل العود إلى الفلسفة
- يوم الكتاب بصحبة نيتشه
- رسالة رواقية ومواضيع وجودية
- هل هذا موجه لنا؟
- بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!
- الإنسان أولاً: دليل المصريين لفهم الحق في الوجود والكرامة
- نور والحائط المفقود
- الحصيري: أو عن الوجود المتشظي واللا-سكون في الفكر والمكان!


المزيد.....




- سيارة ذاتية القيادة تعيق المرور قرب موقع انفجار مميت في تكسا ...
- إيران.. الوسيط الباكستاني يلتقي عباس عراقجي.. ماذا نعلم؟
- الهجوم الإسرائيلي منح حزب الله جرأةً أكبر زاعما أنه المدافع ...
- -الإبادة لم تتوقف-: رئيسة سلوفينيا ترفع العلم الفلسطيني بالق ...
- فشل ترامب في الحفاظ على وقف إطلاق النار يعد جزءاً من الفوضى ...
- رهان جيوسياسي بين روسيا وأوروبا في الانتخابات البرلمانية في ...
- هجوم بإطلاق نار يسفر عن قتيل و5 مصابين بوسط إسرائيل
- شقيقة كيم: برنامج كوريا الشمالية النووي -غير قابل للتفاوض-
- ملف جديد يلاحق إسرائيل في لاهاي بعد استهداف -أسطول الصمود-
- كيف تحول ملف الأموال المجمدة إلى مفتاح لتقدم المفاوضات الأمر ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عزالدين محمد ابوبكر - هل نعرف حقًا الاقتصاد السياسي للمعرفة؟