أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عزالدين محمد ابوبكر - ما وراء الحدود التقليدية: الإمبريالية الإقليمية كضرورة بنيوية















المزيد.....


ما وراء الحدود التقليدية: الإمبريالية الإقليمية كضرورة بنيوية


عزالدين محمد ابوبكر

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 10:05
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


يُعد مفهوم "الإمبريالية الإقليمية" محاولة جريئة لإعادة قراءة الخرائط الجيوسياسية خارج أسر النماذج الكلاسيكية التي ربطت الإمبريالية دائماً بالاستعمار المباشر أو التبعية الاقتصادية الكلية للمركز الرأسمالي العالمي؛ حيث يرى الأستاذ ستار جبار رحمن أن هذه الظاهرة ليست مجرد استعارة مجازية، بل أداة تحليلية مستقلة تفسر سلوك قوى إقليمية صاعدة تمارس هيمنة واسعة في محيطها الجغرافي دون أن تمتلك بالضرورة صفات الإمبراطوريات العظمى، وإنها حالة وسيطة تفرض فيها الدولة نفوذها كمركز مصغر، محولة جيرانها إلى تابعين بنيويين في مساراتها السياسية والأمنية الخاصة.

وتتكون هذه الإمبريالية من اقتران لفظين متنافرين ظاهرياً؛ فالإمبريالية تحمل في جوهرها نزوعاً للتوسع وفرض الإرادة على الآخر كما نقرأ في كتب التاريخ، بينما تحيل الإقليمية إلى المجال الجغرافي المحدود الذي تتحرك فيه هذه القوة، ويجتمعان في مفهوم واحد عندما تتحول "الإقليمية" إلى "أداة للإمبريالية"؛ أي حين تُستخدم القوة لفرض الهيمنة ضمن الحيز الجغرافي المباشر لضمان أمن أو مصالح اقتصادية، فبدلاً من التطلع للهيمنة الكونية، نجد هذا الدمج يعبر عن واقع عالم متعدد الأقطاب؛ حيث تتوزع السلطة وتنشأ مراكز قوى فرعية تعيد إنتاج ديناميكيات السيطرة القديمة بآليات جديدة ومعاصرة.

يُعرف رحمن الإمبريالية الإقليمية بأنها حالة من الهيمنة "المتموضعة جغرافياً"؛ حيث لا تطمح الدولة للهيمنة العالمية، بل تسعى لتثبيت نفوذها كقوة مركزية في فضائها المجاور، ويشير ستار رحمن جبار بوضوح إلى أن هذه الدول "لا تنتمي بالكامل لنموذج الاحتلال المباشر"، بل تستخدم أدوات ( = أذرع) معقدة تشمل الاقتصاد، والسياسة، والضغط الأمني، لإعادة تشكيل محيطها، وهذا التعريف يجعل من المفهوم أداة لفك شفرة سلوك قوى إقليمية لا تكتفي بكونها دولاً مسالمة، بل تتصرف كـ "مراكز قوى" تمارس أدواراً تنافسية تفرض فيها شروطها على الدول المحيطة بها.

وقد ناقش الأستاذ ستار فكرته من خلال تفكيك تلك "الإدعاءات" التي تحيط بسلوكيات هذه القوى، معتبراً أن شرعيتها الزائفة تُبنى عبر الخطاب الإعلامي والسياسي، بينما تُنفذ عملياً عبر القوة الاقتصادية والعسكرية، ويجادل استاذ ستار بأن هذه القوى تمارس أدواراً متناقضة؛ فهي تارةً تقدم نفسها كقوة تحرير أو حماية، وتارةً أخرى كمركز تفرض عليه الضرورات الاقتصادية التمدد في فضائه المجاور، وحجاجه هنا يرتكز على فكرة أن هذه الإمبريالية لا تنشأ في فراغ بل هي نتاج ضرورة بنيوية يفرضها السياق الرأسمالي العالمي الذي يدفع الأطراف للتنافس.

ودعائم هذه النظرية تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية صاغها أستاذ ستار رحمن جبار وهي كالتالي: أولاً، التميز عن المفهوم التقليدي عبر الإقرار باستقلالية الفضاء الإقليمي عن المركز العالمي. ثانياً، الكشف عن الشروط البنيوية التي تجعل التوسع ليس خياراً سياسياً بل ضرورة للبقاء والمنافسة في عالم محكوم بالتراكم الرأسمالي. ثالثاً، ربط التوسع الإقليمي بآليات التراكم الاقتصادي، مما يخرج المفهوم من حيز التوصيف السياسي السطحي إلى حيز التفسير الاقتصادي العميق، حيث تصبح الدولة الإقليمية مضطرة لفرض نفوذها لتأمين أسواقها ومواردها من أجل استدامة تراكمها الرأسمالي الخاص.

وبالنظر إلى بنيوية الإمبريالية عبر فلسفة شتراوس، يمكن القول إن هذه الظاهرة تعكس الصراع بين "الجوهر" والواقع السياسي؛ حيث تسعى القوة الإقليمية لفرض نظامها الخاص كـ "حقيقة سياسية" لا تقبل النقاش داخل محيطها، ويرى شتراوس (حسب نظريته الانثروبولوجية) أن السياسة هي دائماً صراع على التعريفات والقيم؛ لذا فإن الإمبريالية الإقليمية عند رحمن هي محاولة لفرض "نظام قيم" و"أمن" معينين يخدمان المركز الإقليمي، تحت غطاء الضرورة البنيوية، مما يجعلها تشبه الممارسة الإمبريالية التقليدية في جوهرها السلطوي، رغم تباين أبعادها الجغرافية، وهي بالفعل ظاهرة ملموسة، ويعرفها مقال استاذ ستار بأنها "شكل تتخذه المنافسة الإمبريالية في عصر الاحتكار الكوني؛ حيث لا تتنافس القوى على تقسيم العالم كما في عهد لينين، بل تتنافس أطراف المنطقة لتحديد نفوذها داخل فضائها المجاور"، وهذا التعريف يغلق الباب أمام التشكيك في وجودها، معتبراً إياها نتيجة طبيعية لتركز الرأسمالية في مراكز كبرى، مما يضطر الأطراف لتعويض ضعفها العالمي بالتوسع الإقليمي، وهذه ظاهرة إعادة تموضع للنفوذ في ظل انحسار الهيمنة المطلقة للقوى الكبرى.

وتدعم هذه الأطروحة اقتباسات جوهرية من مقال استاذ ستار مثل قوله في بداية المقال: "لا تبدأ النظرية من فراغ، بل تبدأ دائماً من لحظة احتكاك بين مفهوم قائم ووقائع تتمرد عليه"، وهذا يؤكد طموحه المعرفي، واقتباس آخر: "الإمبريالية الإقليمية هي الشكل الذي تتخذه المنافسة الإمبريالية في عصر الاحتكار الكوني"، وهذا يحدد سياقها التاريخي والاقتصادي بدقة. وهذه الاقتباسات ليست مجرد كلمات في مقال سياسي، بل هي - كما يمكن القول - "دوال" بنيوية تضع المفهوم في مكانه الصحيح كأداة تفسيرية تواكب تحولات الرأسمالية المعاصرة التي لم تعد تُنتج إمبريالية عالمية فقط، بل "إمبرياليات إقليمية" متداخلة.

ومن منظور فلسفي دولوزي (نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز)*، يمكن اعتبار هذه القوى الإقليمية بمثابة (خطوط تصدع)* أو "مناطق تدفق" تحاول فيها الدولة فرض نوع من "الترميم" (Deterritorialization) على محيطها؛ حيث تقوم باختراق الحدود والسيادات لإعادة دمجها ضمن مساراتها الاقتصادية، والقوة الإقليمية هنا ليست مجرد "دولة"، بل هي "آلة إمبريالية" تحاول تجميع الأطراف في "أقليم" جديد خاضع لمركزيتها، وهذا المنظور يرى في التوسع الإقليمي عملية ديناميكية مستمرة وليست حالة ثابتة وهذا صحيح؛ حيث يسعى المركز دائماً لإعادة تشكيل فضائه الحيوي لضمان تدفقات الموارد والسلطة.

اقتصادياً، تعكس هذه الفكرة صراع التراكم الرأسمالي في أطراف العالم؛ حيث تصبح الدولة مضطرة لتأمين مساحات أكبر للعمل والإنتاج بعيداً عن تقلبات السوق العالمية، وسياسياً، هي محاولة لتجاوز "الدولة القومية" التقليدية نحو تشكيل "فضاء هيمنة" أوسع، وهذا التقاطع يفسر لماذا تبدو هذه الإمبريالية ضرورة بنيوية؛ فهي ليست مجرد رغبة في القوة، بل هي استجابة لمتطلبات التوسع الاقتصادي السياسي في نظام عالمي تنافسي لا يعترف إلا بالأقوياء، مما يجبر القوى الإقليمية على التوسع لضمان بقائها، والإمبريالية الإقليمية، حسب رؤية استاذ ستار هي المفهوم الأكثر قدرة على تفسير ديناميكيات الصراع في عالم اليوم، وذلك لأنها لا تلغي مفاهيم الماضي، بل تهذبها وتطورها لتناسب واقعاً معقداً لم تعد فيه الهيمنة حكراً على المركز العالمي، ويمكن القول بأنها دعوة لإعادة التفكير في "الحدود" و"السيادة" ليس كخطوط ثابتة، بل كساحات للتنافس والفرض، وإنها أداة ضرورية لكل باحث يريد فهم كيف تعيد القوى الإقليمية كتابة التاريخ السياسي والجغرافي بممارسات قديمة بملابس جديدة.

لكن يجب علينا أن نتحدث عن ماهية الإمبريالية الإقليمية من خلال تحديد ما ليست عليه، وكيف تستمد كينونتها من رحم التناقضات الرأسمالية؛ حيث إنها ليست مجرد "نفوذ خارجي" أو "تداخل"، فهذه المصطلحات تظل قاصرة وعابرة، بينما الإمبريالية الإقليمية هي "بنية" تفرض إعادة إنتاج علاقات التبعية في المحيط الجغرافي المباشر، وهذا التوصيف يخرجها من حيز التوصيف الحيادي للعلاقات الدولية ليضعها في قلب صراعات القوة والسيادة الاقتصادية، وإن ما يميز الإمبريالية الإقليمية ليس مجرد "الحجم" أو "القوة" بحد ذاتها، بل هو الكيفية التي تُوظف فيها هذه القوة لخدمة تراكم النخبة الحاكمة داخل الدولة المتوسعة على حساب شعوب المحيط الخاضع، ويمكن القول بأنها كينونة تنشأ حين تُستغل الجغرافيا كأداة لتجاوز الأزمات البنيوية للرأسمالية المحلية، مما يحول الدول المجاورة إلى أطراف تابعة، ليس فقط سياسياً، بل اقتصادياً وبنيوياً داخل مسارات الدولة المركزية الإقليمية.

وتأخذ الإمبريالية الإقليمية كينونتها من كونها الشكل الوحيد الممكن للمنافسة في عصر "الاحتكار الكوني"؛ فبعد أن أُغلق باب الصعود للمنافسة العالمية أمام القوى المتوسطة، أصبح الفضاء الإقليمي هو الميدان الوحيد المتاح للمنافسة، وهنا يتبلور المفهوم كضرورة حتمية وليست خياراً سياسياً؛ فالدولة "المتوسطة" تجد نفسها مدفوعة للسيطرة على فضائها الجغرافي لضمان استمرارية تراكمها الداخلي، وهو ما يجعلها "آلة" لإعادة إنتاج التبعية في محيطها دون الحاجة للوصول إلى طموح الهيمنة الكونية، وإنها ليست استعماراً كلاسيكياً يهدف لتدمير المحيط أو إدارته مباشرة، بل هي "نمط هيمنة" أكثر استدامة وأصعب مقاومة، لأنه يمزج بذكاء بين الوكلاء المحليين والنفوذ الاقتصادي والضغط الأمني وبذلك، فإنها ترفض النموذج القديم الذي يسعى للهيمنة المطلقة، مفضلةً بقاء المحيط ضعيفاً ومعتمداً لضمان استنزاف فوائده الاقتصادية والسياسية لصالح المركز الإقليمي، وإنها تجسد إرادة القوة في أبهى صورها الميكافيلية؛ حيث تتحول الجغرافيا من حيز للتعاون إلى مساحة للمناورة والهيمنة البنيوية.

ويؤكد استاذ ستار أن هذا المفهوم لا ينبغي الخلط بينه وبين "شبه الإمبريالية" عند ماريني؛ حيث يختلفان في طبيعة التبعية للمراكز الكبرى وفي أهداف التوسع، بينما تحاول التفسيرات التقليدية والأكاديمية أيضاً رؤية هذه القوى كأدوات بيد الكبار، يصر كاتب المقال على استقلاليتها كفاعل يبحث عن دور خاص، وهذا التمييز جوهري حقًا، فهو يحرر التحليل من انحيازات التبعية ويضع القوى الإقليمية في حجمها الحقيقي كلاعبين يمتلكون أجنداتهم الخاصة القائمة على تراكمهم الداخلي، ويمكننا أن نرى في الإمبريالية الإقليمية تجسيداً لما سماه دولوز بـ "آلة الحرب"، التي تسعى لتفتيت "إقليمية" الدولة المجاورة وإعادة تركيبها داخل "إقليم" جديد خاضع لهيمنة المركز الصاعد؛ حيث إنها عملية "إزالة إقليمية" (deterritorialization) تتبعها "إعادة إقليمية" (reterritorialization) قسرية للموارد والسياسات، وهذه الكينونة هي نتاج تفاعل معقد بين الضرورة الاقتصادية والنزوع السياسي للسيطرة؛ حيث تتحول الدولة إلى مركز إشعاع هيمني يحاول إعادة تشكيل الفضاء المحيط به وفقاً لمتطلبات تراكمه الخاص ومصالحه الأمنية الاستراتيجية، وتعكس هذه الظاهرة "أزمة التراكم"؛ فعندما يضيق السوق الداخلي ويصبح الاستثمار العالمي مغلقاً أمام القوى المتوسطة، تضطر هذه القوى لتحويل محيطها الجغرافي إلى "امتداد بنيوي"، وهذا التحويل ليس عفوياً، بل هو استراتيجية واعية لتأمين الأسواق والموارد، ومن الناحية السياسية هي محاولة لتجاوز مأزق الدولة القومية عبر خلق "فضاءات نفوذ" تتجاوز الحدود التقليدية، مما يمنح الدولة الإقليمية قدرة على المناورة والمقاومة أمام التحديات الدولية، معيدةً بذلك صياغة مفهوم السيادة في عصر العولمة.

هذه "الإمبريالية الإقليمية" إذن هي نتاج وعي بالنقص؛ نقص القدرة على التأثير عالمياً، مما يولد رغبة عارمة في التعويض إقليمياً، ويمكنني القول متأثراً بهيدجر بأنها "كينونة مأزومة" تبحث عن كمالها في الهيمنة على الجيران، وكما يوضح استاذ ستار، فإن هذا المشروع ليس مجرد "رغبة" بل هو ضرورة تفرضها بنية النظام الكوني، وهنا تكمن خطورتها، فهي تفرض نفسها كأمر واقع لا يملك المحيط خياراً سوى التعايش معه أو مقاومته عبر بناء تحالفات مضادة أو تقوية الذات الوطنية، وإن فهم هذه البنية يقتضي منا التحرر من الأفكار المسبقة حول "التحرر" و"الاستقلال"، فكثير من حركات القوى الإقليمية اليوم تُسوق تحت شعارات رنانة، بينما باطنها هو السعي لفرض "نظام هيمنة" داخلي، وإن الكينونة الحقيقية للإمبريالية الإقليمية تكمن في قدرتها على تغليف مصالح النخب المتوسعة ببريق الضرورة الوطنية أو التاريخية، مما يجعلها تتغلغل في النسيج السياسي للمحيط دون أن تثير دائماً الانتباه الكافي، محولةً الهيمنة إلى جزء من "النظام الطبيعي" للمنطقة، وأستاذ ستار جبار رحمن يقدم لنا مفتاحاً تحليلياً دقيقاً لفك شفرة الواقع الجيوسياسي المعاصر لأن الإمبريالية الإقليمية هي المفهوم الذي يجمع بين التناقضات كالديالكتيك، بين المحلية والكونية، بين التبعية والسيادة، لتشكل نمطاً فريداً من السيطرة. هي ليست ماضياً يستعاد، بل هي حاضر يُصنع بأدوات جديدة تدمج بين القوة الصلبة والناعمة، لتضمن بقاء المركز الإقليمي في الصدارة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار وازدهار فضائه المجاور، الذي يصبح مجرد حقل تجارب لمشاريع توسعية لا تعرف التوقف.

واقولها إننا أمام تحول نوعي في تاريخ الإمبريالية؛ حيث لم تعد القوى العظمى هي الوحيدة التي ترسم خرائط العالم، بل أصبح لكل قوة إقليمية إمبرياليتها الخاصة، وهذا التعدد في مراكز القوى يعيد إنتاج علاقات السيطرة القديمة بأسلوب أكثر تعقيداً وذكاءً، وإن فهم هذه الكينونة، بما تحمله من تناقضات، هو السبيل الوحيد أمام الشعوب المحيطة لوعي حقيقة وضعها، وإدراك أن ما يواجهونه ليس مجرد "سياسات جوار"، بل هو "بنية هيمنة" تستهدف إعادة تشكيل مستقبلهم وفقاً لمصالح الآخرين، لكن كل هذا ونحن لم نشرح ما هي شروط نشوء هذه الإمبريالية!

- الشروط البنيوية لنشوء الإمبريالية الإقليمية

لا تبدأ هذه الإمبريالية من فراغ (مثلما أشار استاذ ستار في بداية مقاله)، بل من شروط بنيوية تجعل التوسع ضرورة لا خياراً، حيث تفرض الرأسمالية الكونية بنية تعيد إنتاج التبعية، والشرط الأول هو وجود "فائض" لا يجد استيعاباً داخلياً، مما يدفع الدولة للبحث عن أسواق خارجية لا تشبع من السلع، بل تمثل حاجة ملحة لامتصاص هذا الفائض، وهذا الهروب نحو الخارج هو محاولة لتعويض عجز الاستهلاك المحلي وتجنب أزمات التراكم التي قد تطيح بالنخب الحاكمة، والشرط الثاني يتمثل في تحول الدولة إلى "جهاز أمني" يمارس دوراً اقتصادياً استثنائياً؛ حيث لا تكتفي السلطة بالوظيفة السياسية بل تدير التراكم الخاص، ففي غياب بورجوازية صناعية مستقلة، تصبح المؤسسات الأمنية هي الفاعل الاقتصادي المهيمن، مستغلةً امتيازاتها لضمان ولاء النخب وتأمين مسارات التوسع، وهذا التداخل بين القوة الصلبة والمنطق الاقتصادي يخلق دولة مقاول تفرض هيمنتها على الفضاء المحيط لضمان بقاء مصالحها المالية وتمدد نفوذها، والشرط الثالث هو وجود "فضاءات هشّة" أو "دول فاشلة" في المحيط المباشر، توفر بيئة خصبة للاختراق دون مقاومة تذكر، وتستغل الدولة الإقليمية هذا الفراغ السياسي والأمني، ليس فقط لفرض نفوذها، بل لإعادة إنتاج التبعية عبر تغذية الانقسامات العرقية والطائفية التي تخدم مصالحها، وإنها عملية استراتيجية مدروسة لتحويل هذه الدول المجاورة إلى مجرد توابع تدور في فلك المركز، مما يضمن استمرارية الهيمنة دون الحاجة لادعاء استعمار تقليدي مرفوض.

ويُعد هذا التفاعل بين الفائض والوظيفة الأمنية والفراغ الجغرافي "ثلاثية بنيوية" لا يمكن فهم الإمبريالية الإقليمية خارجها، فهي ليست حدثاً عابراً، بل هي نتيجة حتمية لنمط إنتاج يبحث عن مجالات حيوية جديدة لضمان استقرار التراكم الرأسمالي في ظل نظام كوني يضغط على الأطراف، وهذا الفهم يخرجنا من التحليلات السطحية التي تفسر التوسع برغبات القادة، ليضعنا أمام حقائق اقتصادية صلبة تحرك الجيوش والسياسات خلف شعارات أيديولوجية براقة، وإن الإمبريالية الإقليمية هي "بنية" متكاملة تستمد شرعيتها من عجز النظام العالمي عن استيعاب طموحات القوى المتوسطة التي تسعى لتعويض قصورها، ومن خلال السيطرة على الفضاء الإقليمي، تحاول هذه القوى خلق "مناطق نفوذ" خاصة بها، بعيداً عن تقلبات المنافسة الدولية، وهكذا، تصبح هذه الشروط البنيوية هي المحرك الخفي لكل النزاعات والتحالفات التي نشهدها في محيطنا الإقليمي، حيث تعاد صياغة العلاقات الدولية وفق منطق القوة البنيوية.

والتراكم المشوه يصف لنا نمطاً من التراكم الرأسمالي يفتقر للقدرة على خلق إنتاج حقيقي مستدام، وذلك لأن الثروة ترتكز في قطاعات ريعية أو خدمية محدودة، وهذا النمط يعجز عن تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، مما يؤدي إلى استمرار الاستهلاك النخبوي على حساب التنمية الشاملة التي تفتقر للأسس الصحيحة، ففي ظل هذا التشوه، تجد الدولة نفسها في حلقة مفرغة؛ حيث يصعب تعويض ضعف السوق الداخلي بزيادة الإنتاج المحلي، مما يضعها أمام ضرورة التوسع الخارجي، وتأتي الخطوات التوسعية لهذا التراكم عبر أربع مراحل متتابعة؛ أولها تركز الفائض في النخبة، وثانيها محاولة تصدير هذا الفائض للمحيط لتجاوز ضيق السوق، ثالثاً، تعمل الدولة على فرض نفوذها عبر أدوات القوة، لتأمين أسواق تستهلك الفائض وتمدها بالموارد اللازمة لاستمرار التراكم؛ أخيراً، تصبح عملية الهيمنة نفسها وسيلة لخلق "فضاء تابع" يؤمن للمركز استقراراً اقتصادياً هجيناً، يرتكز على استنزاف موارد المحيط وتهميش تنميته الخاصة لخدمة مصالح النخب المركزية.

في هذا السياق، تظهر العلاقة الجدلية بين تحول الجهاز الأمني إلى "فاعل اقتصادي" وبين فشل التنمية الوطنية، مما يعمق أزمة التراكم، ويفرض هذا الواقع على النخب استخدام القوة العسكرية لتأمين المصالح الاقتصادية، محولةً الدولة إلى "آلة توسع" تفتش عن الموارد والمساحات خارج حدودها، وهذا التداخل يفسر لماذا يصبح التوسع ضرورة وجودية؛ فهو الأداة الوحيدة لضمان بقاء النظام المأزوم الذي لا يمتلك أدوات التنافس الحقيقي في السوق العالمي، وإن التساؤل حول "الإستقلال" في ظل هذه البنية يكشف عن وهم السيادة؛ فالدولة الإقليمية تظل رهينة لمنطق الكارتيل الإمبريالي الكوني، وهي لا تسعى للاستقلال الكامل بقدر ما تسعى لإيجاد "مساحة نفوذ" خاصة تتيح لها إعادة تدوير فائضها المأزوم في فضاءات تابعة، وهذا هو "الدور المزدوج" الذي يميز الإمبريالية الإقليمية؛ فهي تابع للمركز الكوني ومهيمن على محيطها الإقليمي، محاولةً التوفيق بين هذه الأطراف المتناقضة في آنٍ واحد، ويؤكد أستاذ ستار جبار رحمن أن الإمبريالية الإقليمية ليست مجرد سياسة توسعية، بل هي نتيجة ضرورة بنيوية يفرضها نمط تراكم رأسمالي مشوه، وهي أيضاً ليست خياراً أيديولوجياً بقدر ما هي استجابة لأزمات داخلية خانقة تدفع الدولة لفرض سيطرتها على محيطها، وإن فهم هذه الحقيقة هو المفتاح الوحيد لفك شفرة الصراعات الإقليمية التي ترتدي رداء الهوية والسياسة، بينما هي في جوهرها انعكاس للصراع على الموارد والمساحات الحيوية للتراكم.

- نظرة على كل ما سبق

يتضح أن التحليل السوسيولوجي لظاهرة الإمبريالية الإقليمية بمنظور دوركايمي، يضعنا أمام حقيقة اجتماعية بنيوية تفرض نفسها كضرورة مفروضة من النظام العالمي الرأسمالي على الدول المتوسطة، وهذه الإمبريالية ليست مجرد رغبات سياسية طارئة، بل هي نتاج "وعي جمعي" نخبوي يسعى لتأمين استقرار التراكم الاقتصادي عبر خلق تبعية هيكلية في المحيط المجاور، وإنها تعيد إنتاج علاقات التضامن القسري؛ حيث تُكره الدول التابعة على الدوران في فلك المركز الإقليمي لضمان بقائها تحت مظلة أمنية واقتصادية تفرضها "القوة المركزية"، وهنا ومن منظور فيبري، يمكن اعتبار الإمبريالية الإقليمية "فعلاً اجتماعياً" عقلانياً يستند إلى المنطق البيروقراطي-الأمني الذي يغلف المصالح الاقتصادية للنخب الحاكمة، ويظهر هنا "الاحتكار الكوني" كقوة ضاغطة تدفع الدولة للتحول إلى "آلة هيمنة"؛ حيث يتم عقلنة التوسع تحت شعارات الأيديولوجيا أو الأمن، وهذا السلوك هو تجسيد لـ "الهيمنة المشروعية" التي يسعى المركز الإقليمي لفرضها، مستخدماً أدوات القوة والضغط لخلق نظام إقليمي خاضع يخدم استمرارية تراكم رأس المال المأزوم في الداخل.

لكن، تكمن الإشكالية الجوهرية في هذا الطرح في "التناقض البنيوي" بين ادعاءات التحرر الوطني وممارسات الهيمنة الإقليمية التي تكرس تبعية من نوع جديد؛ حيث يواجه المفهوم تحدي إثبات ذاته أمام الخلط الشائع مع مفاهيم "النفوذ" أو "شبه الإمبريالية"، مما يجعله يعيش في حالة من (الاغتراب المفاهيمي)*، والإشكالية هنا لا تتعلق فقط بتعريف المصطلح، بل بقدرته على تفسير ديناميكيات القوى التي ترفض النموذج الاستعماري الكلاسيكي ولكنها تمارس استعماراً "بنيوياً" أكثر استدامة وتخفياً داخل فضائها الحيوي، وتتحدد حقيقة وجود المصطلح كأداة تحليلية مستقلة بمدى قدرته على فك شفرة "المنافسة في عصر الاحتكار الكوني"، وذلك لأن"الإمبريالية الإقليمية" ليست مجرد تسمية، بل هي توصيف لواقع جيوسياسي تشكل بعد انغلاق أبواب الصعود العالمي للقوى المتوسطة. حقيقة هذا الوجود تتجلى في السلوكيات العملية لهذه الدول التي لا تطمح للهيمنة العالمية، بل تعيد صياغة "جغرافية التبعية" في محيطها لتكون هي المركز الآمن الوحيد، مما يجعلها ظاهرة حقيقية تتطلب منا منهجية تحليلية تبتعد عن التعميمات السطحية.

وتكمن أهمية هذا المصطلح في كونه "كاشفاً بنيوياً" يحمي التحليل السياسي من الانحيازات الأيديولوجية التي قد تقع فيها الدراسات التقليدية، فهو يسمح للباحث بتجاوز ثنائية "المستعمر والمستعمر" ليشرح تعقيدات "مركز-طرف" إقليمي متداخل، مما يمنحنا رؤية أدق لصراعات المنطقة، وإن أهميته تبرز في قدرته على الربط بين "ضرورة التراكم الاقتصادي" و"استراتيجيات الهيمنة الأمنية"، مما يجعله بوصلة أساسية لفهم كيف تعيد النخب المحلية تشكيل خرائط النفوذ لضمان بقائها في ظل نظام عالمي ضاغط، والرأي الأنثروبولوجي في هذا الأمر يميل لرؤية الإمبريالية الإقليمية كعملية "إعادة تشكيل للمجال الثقافي والاجتماعي" للشعوب التابعة، فالهيمنة لا تقتصر على الاقتصاد أو الأمن، بل تمتد لتفتيت الهويات الوطنية والمحلية وإعادة دمجها في "نمط حياة" أو "إطار قيم" يفرضه المركز الإقليمي، وهذه العملية هي نوع من "الاستلاب الثقافي" القسري؛ حيث يتم تذويب الخصوصيات في هوية هيمنة إقليمية واحدة، مما يجعل الهيمنة ليست مجرد قرار سياسي بل "سلوكاً اجتماعياً" يومياً يتغلغل في بنية العلاقات الإنسانية والسياسية داخل الإقليم، وإن هذه النظرة التراكمية تؤكد لنا أن "الإمبريالية الإقليمية" هي التوصيف الأكثر دقة لتحولات القوة في عالمنا المعاصر، وإنها دعوة للتحرر من "الأوهام النظرية" والنظر للواقع كما هو؛ حيث بنية متغيرة تتطلب فكراً نقدياً يربط بين التاريخ، والاقتصاد، والاجتماع، وإننا أمام تحدٍ تحليلي يستوجب منا استمرار البحث وتطوير الأدوات المعرفية لنفهم كيف تعيد القوى الإقليمية صياغة العالم من حولنا، محولةً آمال الشعوب إلى وقود لمشاريع الهيمنة التي لا تعرف التوقف إلا في حدود توازنات القوة الجديدة.

- رابط دراسة الأستاذ ستار جبار رحمن:
https://mevp.ecmes.academy/sattar/5977/



#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- موت الفيلسوف، ومعرفة أعماله - إدغار موران -
- «لقد كلمنا زرادشت مراراً نحن النساء، ولكنه لم يتكلم عنا مرة ...
- سؤال الفناء وهايدجر
- هل يوجد مفهوم للسحر؟
- هل هناك علاقة بين غاية الحياة ووجود حقوق الإنسان عند مي زياد ...
- صيف في الجزائر - ألبير كامو
- ما الفرق بين القانون الطبيعي والوضعي، وما علاقة حقوق الإنسان ...
- ما الذي يجعل شيئاً ما حقًا من حقوق الإنسان؟
- وقفة وجودية مع دولوز من أجل العود إلى الفلسفة
- يوم الكتاب بصحبة نيتشه
- رسالة رواقية ومواضيع وجودية
- هل هذا موجه لنا؟
- بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!
- الإنسان أولاً: دليل المصريين لفهم الحق في الوجود والكرامة
- نور والحائط المفقود
- الحصيري: أو عن الوجود المتشظي واللا-سكون في الفكر والمكان!
- أدب محفوظ: في وقفات أنطولوجة قلقة!
- وهل الفلسفة الوجودية ”فلسفة أرشية“؟: نحو مقاربة مفاهيمية شعر ...
- ”الإنسان ليس إلا قصبة“: مقاربة وجودية بين الرومي وباسكال
- عن الفلسفة والتفكير، وخطر الأيديولوجية الإرهابية


المزيد.....




- تصعيد عنيف.. شاهد هجمات روسية ليلية واسعة النطاق في مختلف أن ...
- كيف يتم اختيار أزياء الملكة رانيا؟ خبيرة بروتوكول تكشف الكوا ...
- الكويت.. وزير الداخلية يأمر بالتحرك بعد هروب 3 نزلاء من المؤ ...
- ترامب: إسرائيل وحزب الله وافقا على وقف القتال
- ترمب: اتفاق إطاري مع إيران قد يُبرم خلال الأسبوع المقبل
- -أنت مجنون ولولاي لكنت في السجن-.. أسوأ اتصال لترمب مع نتنيا ...
- هذا ما سيؤدي لتلاشي وانهيار قوات الدعم السريع
- حريق بمصفاة نفط روسية ومقتل 9 بهجوم روسي على أوكرانيا
- مسلح يقتل 6 من عائلته بولاية أيوا الأميركية قبل أن ينتحر
- صحيفة: أميركا تدرس توسيع نشر أسلحتها النووية في أوروبا


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عزالدين محمد ابوبكر - ما وراء الحدود التقليدية: الإمبريالية الإقليمية كضرورة بنيوية