عزالدين محمد ابوبكر
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 00:17
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
يقف العالم اليوم أمام تحول جوهري في بنية التهديدات الأمنية الدولية، فالتطرف لم يعد ظاهرة ميدانية محصورة بجغرافيا بعينها، بل صار كياناً رقمياً هلامياً يتسلل إلى الوعي الجمعي عبر خوارزميات معقدة لا يراها أحد ولا يشعر بأثرها إلا حين يفوت الأوان، وتفرض علينا الفلسفة الكانطية أن ننظر إلى الإنسان بوصفه غاية في ذاته لا وسيلة تُستخدم لغرض آخر، بينما يسعى التطرف الرقمي إلى قلب هذا الأمر تماماً، فيحوّل البشر إلى (أدوات) صماء تُسخَّر لخدمة أيديولوجيات دموية عبر وسائط تقنية متطورة لم تكن متاحة قبل عقد واحد فقط، ولهذا التطرف بنية هيراركية تنظم تدفق الأفكار وتُعيد إنتاجها باستمرار داخل الفضاء السيبراني، وهو ما قد يستدعي منا وقفة تأملية تضع الإنسان وكرامته فوق أي انبهار بالتقنية أو خوف مبالغ فيه من سطوتها، ذلك أن العقل العملي وحده كفيل بأن يملي علينا كيف نحمي الوجود البشري من هذا التآكل البطيء.
وثمة فارق جوهري بين تطرف الأمس وتطرف اليوم، ففي زمن تنظيم القاعدة الذهبي، كانت الدعاية المتطرفة تعتمد على أشرطة مسجلة وبيانات تحتاج إلى وسيط بشري لنقلها، فكان التطرف حينها خطياً في هيكله، يبدأ من قيادة مركزية وينتهي عند أتباع يتلقون رسائل عبر قنوات محدودة يسهل رصدها ومراقبتها نسبياً، أما اليوم فقد انتقل التطرف إلى نمط مغاير كلياً؛ حيث أصبح يعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يُنتج المحتوى الدعائي بشكل ذاتي ومستمر دون حاجة إلى تنظيم هرمي ضخم يسهل تفكيكه، وصار التطرف أفقياً في انتشاره، إذ يستطيع فرد واحد معزول في أي بقعة من العالم أن يساهم في تغذية هذه الآلة دون أن يلتقي بأي قيادة على الإطلاق، وهذا التحول تحديداً هو ما يُعقّد مهمة أجهزة الأمن التي اعتادت طوال عقود على ملاحقة مراكز الثقل التنظيمية التقليدية.
لكن لا يكمن التهديد في التقنية بحد ذاتها، بل في انخفاض عتبة الدخول التي باتت تسمح لجماعات صغيرة، بل حتى لأفراد، بتسخير أدوات معقدة لأغراض استقطابية لم تكن بمقدورهم قبل سنوات قليلة، وتحذرنا الفلسفة - إذا فهمنا كيف نسأل ونرى - من تغييب العقل النظري لصالح أهواء عاطفية، وهذا بالضبط ما يفعله الذكاء الاصطناعي حين يُستخدم لتصميم روبوتات محادثة ومحتوى عاطفي يخاطب الغرائز البدائية لدى الفرد المنعزل عن محيطه الاجتماعي، ويشير التقرير الصادر عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب إلى أن التنظيمات - وعلى رأسها داعش - كانت قد وظّفت هذه التكنولوجيا فعلياً لإنتاج مواد دعائية وترجمتها فورياً، وهو ما كسر حواجز اللغة والثقافة التي كانت تعيق انتشار خطابها في السابق، وهذا الاستغلال يمثل انتهاكاً واضحاً لجوهر ما نصت عليه المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشأن حرية الرأي والتعبير، ذلك أن هذه الحرية تُفهم دائماً في إطار مسؤولية أخلاقية يتعمد المتطرفون تجاهلها كلياً.
ترتبط هذه الإشكالية حقوقياً بالمادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقرر حق كل فرد في الحياة والحرية والأمان الشخصي، فحين يلجأ متطرفون إلى تقنية التزييف العميق لانتحال صوت وصورة مذيعين إخباريين بهدف تضليل الجمهور، فإنهم لا يضللون فحسب، بل يغتالون الحقيقة نفسها عن طريق تزييفها، تلك الحقيقة التي تقوم عليها حرية الاختيار الإنساني برمتها، وقد أشار النائب أوغست بفلوغر إلى أن الإرهاب صار ساحة معركة رقمية بامتياز، وهذا ما يضعنا أمام سؤال وجودي صعب، وهو كيف نحمي الأمن العام دون أن نضحي بالخصوصية الفردية؟
وتعلّمنا الفلسفة الكانطية أن التشريع لا يكون أخلاقياً إلا حين يكون قابلاً لأن يُطبَّق كقانون كوني على الجميع دون استثناء، وبناءً على هذا فإن أي قانون دولي يُصاغ بشأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون عادلاً وشفافاً، يمنع الاستبداد الرقمي سواء أتى من دول أو من تنظيمات إرهابية، مع التزام كامل بحماية المدنيين من هجمات تُدار عبر خوارزميات لا ضمير لها، والسؤال الأهم هنا هو كيف يمكننا تحويل الذكاء الاصطناعي من معول هدم إلى أداة مكافحة للتطرف؟
تكمن الإجابة في تحويل وظيفته من خوارزميات استقطاب إلى خوارزميات تمييز قادرة على كشف الأنماط الإرهابية في مراحلها الأولى، قبل أن تتحول من كلام إلى فعل ميداني دموي، يتطلب هذا ما قد نسميه فضيلة معرفية، بمعنى أن تعترف شركات التكنولوجيا بمسؤوليتها الفعلية تجاه المجتمعات التي تستخدم منصاتها، تماماً كما يُلزم القانون الأمريكي الخاص بتقييم مخاطر الإرهاب المرتبط بالذكاء الاصطناعي التوليدي الوكالاتِ المعنية بجمع البيانات وتحليلها بشكل دوري، لا بد أن يُستثمر الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات هائلة من البيانات لتحديد المصادر التي يرتوي منها المتطرفون، سواء كانت منصات تواصل أو شبكات تمويل مشبوهة، على أن يظل هذا كله محكوماً بإطار قانوني يحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان ولا يفتح باباً واسعاً أمام مراقبة جماعية تعسفية لا ضابط لها.
ويبدأ تجفيف هذه الينابيع من التعليم النقدي، وهو ما يتسق مع الدعوة الكانطية إلى الخروج من حالة القصور التي يفرضها علينا الآخرون حين نكتفي بالتلقي دون مساءلة، فينبغي علينا أن نُوجَّه قدرات الذكاء الاصطناعي نحو تقديم بدائل معرفية حقيقية، وتفكيك الخطاب المتطرف علمياً، ومخاطبة الفئات الأكثر عرضة للاستقطاب عبر محتوى تفاعلي بنّاء لا يكتفي بالتحذير بل يبني وعياً بديلاً، وكما يذكر الباحث ديفيد ويلز، فإن استثمار الوقت في تعليم الأنظمة كيفية مواجهة أساليب التطرف داخل الألعاب الإلكترونية والموسيقى صار ضرورة لا رفاهية، وقد شددت المادة السادسة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن التربية يجب أن تهدف إلى تنمية الشخصية الإنسانية وتعزيز احترام حقوق الإنسان، فلا يكون الذكاء الاصطناعي هنا مجرد أداة مراقبة صماء تنفذ الأوامر، بل شريكاً حقيقياً في تربية رقمية تحصّن الشباب ضد الانجراف نحو فكر تكفيري يستغل عزلتهم الرقمية ليصنع لهم عوالم بديلة مبنية على الكراهية.
ومن المعلوم أن هيراركية التطرف الرقمي تعتمد في جوهرها على خلق أوهام هوياتية زائفة، فقد نجح المتطرفون في توظيف الذكاء الاصطناعي لصناعة صور ذهنية مزيفة عن خلافة موهومة أو عدو متخيَّل، وصور تفتقر إلى أي سند أنثروبولوجي أو تاريخي حقيقي لكنها تبدو مقنعة لمن لا يملك أدوات النقد، والتحدي الأخلاقي الحقيقي أمامنا هو كيف نستعيد سلطة الحقيقة في زمن باتت فيه المعلومة المضللة أسرع انتشاراً من الحقيقة نفسها، ويقتضي منا هذا الالتزام بالقيم الحقوقية أن نرفض أي محاولة لتقييد الإنترنت بشكل شمولي، لأن ذلك في ذاته انتصار غير مباشر للمتطرفين الذين يكرهون الانفتاح أصلاً، ويكمن الحل في سيادة رقمية مسؤولة، تتعاون فيها المنظمات الدولية مع المجتمع المدني على إنشاء مرصد عالمي للذكاء الاصطناعي الأخلاقي، يضمن بقاء الخوارزميات خاضعة للمساءلة القانونية والأخلاقية، بحيث لا تُستخدم أبداً في التحريض أو التجنيد.
لكن تظل مسألة المسؤولية حجر الزاوية في أي طرح كانطي جاد، فالمسؤول الأخلاقي لا يمكنه أن يتنصل من تبعات أفعاله بحجة الحياد التقني، ويجب اليوم تحميل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية أخلاقية حقيقية عن المحتوى الذي تنتجه خوارزمياتها وتُروّج له، فلا يجوز لها أن تختبئ خلف شعار الحياد بينما تستفيد مادياً من انتشار محتوى متطرف يزيد من تفاعل مستخدميها، ويؤكد تقرير المركز الأوروبي أن تراجع معايير الإشراف في منصات مثل إكس ساهم فعلياً في انتشار محتوى منخفض الجودة لكنه بالغ الضرر على أرض الواقع، وتقتضي حقوق الإنسان بيئة رقمية آمنة، وهذا يفرض على الشركات التقنية أن تدمج مبادئ حقوق الإنسان في صلب تصميم الكود البرمجي نفسه، لا أن تكتفي بإضافتها كإجراء شكلي لاحق، بحيث تراعي الخوارزمية القيم الإنسانية الأساسية لا مجرد زيادة التفاعل والعائد الإعلاني.
وقد أثبتت التجربة الميدانية أن تنظيمات مثل ولاية خراسان تستخدم الذكاء الاصطناعي فعلياً في التخطيط لعمليات دموية خارج حدودها التقليدية، وهذا يثبت أن التطرف الرقمي ليس مجرد ثقافة تُستهلك بل أداة حرب تهدف إلى القتل المباشر، ويتداخل هنا الحق في الأمن مع الحق في الحياة تداخلاً لا يمكن تجاهله، فلا سبيل لتفوق الحكومات على المتطرفين إلا حين تصبح أكثر ذكاءً منهم في توظيف التقنية، عبر آليات تبادل معلومات عابرة للحدود، تلتزم بالشفافية وتخضع لرقابة قضائية حقيقية لا صورية، ويعتمد نجاح مواجهة هذه التهديدات على تعزيز التنسيق الدولي، وتفعيل تشريعات كالقانون الأمريكي الذي يُلزم الوزارات بتقديم تقييمات دورية للكونغرس، وهو نهج جدير بأن يُعمَّم دولياً حتى لا يبقى للإرهاب ملاذ آمن في الفضاء الرقمي.
ويتمثل الخطر القادم في تفاعل الذكاء الاصطناعي مع البيولوجيا، فقلق وزارة الأمن الداخلي الأمريكي من استغلال التطورات في التعديل الجيني لتطوير أسلحة بيولوجية يضعنا أمام واقع مرير؛ فالتطرف لم يعد يكتفي بالكلمة، بل صار يسعى للسيطرة على المادة والحياة نفسها. وتعتبر الفلسفة الكانطية أي تعدٍّ على الحياة البشرية خروجاً نهائياً عن دائرة الأخلاق، وهذا يستدعي ميثاقاً عالمياً يمنع وصول التكنولوجيا الحيوية المتقدمة إلى أيدي المتطرفين، وهذا قد يتطلب رقابة صارمة على الأبحاث والمواد التي قد تُستخدم في تطوير عوامل كيميائية أو بيولوجية، مع ضمان حق الشعوب في التمتع بالتقدم العلمي لأغراض سلمية، كما نصت عليه المادة السابعة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تؤكد حق كل فرد في المشاركة في التقدم العلمي والاستفادة من ثماره.
والتطرف الرقمي في جوهره انغلاق، بينما حقوق الإنسان في جوهرها انفتاح على الآخر وعلى العالم، وتحاول الجماعات المتطرفة حصر الفرد داخل فقاعات خوارزمية تمنعه من رؤية الحقيقة الإنسانية الأوسع التي تجمعنا جميعاً رغم اختلافاتنا، ولاحظ كانط أن العقل هو ما يميز الإنسان عن الحيوان كما لاحظ ذلك أي إنسان آخر (أنا وأنت مثلاً!)، وبناءً عليه فإن استغلال الذكاء الاصطناعي لتغييب عقل الشباب وتحويلهم إلى أدوات قتل هو جريمة ضد الإنسانية بمعناها الكامل، وتتطلب مواجهة هذا التطرف استراتيجية تنوير رقمي، تمكّن الفرد من مهارات النقد الرقمي، وتساعده على فهم كيفية عمل الخوارزميات، وتمنحه القدرة على التمييز بين الحقائق والأوهام المصنَّعة بعناية عندها فقط، حين يمتلك الفرد استقلاله الفكري، يمكننا القول إننا جففنا ينابيع التطرف من جذورها العميقة، وحمينا الحقوق الإنسانية من التآكل البطيء.
لم يعد التعاون مع القطاع الخاص خياراً بل ضرورة أمنية وأخلاقية في آن واحد. تقع على شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي مسؤولية جسيمة في تطوير ضوابط تمنع إساءة استخدام أدواتها لأغراض إرهابية، ويجب أن يقوم حوار مستمر بين السلطات وهذه الشركات لفهم السلوكيات الإجرامية وتحديدها في وقت قياسي قبل أن تتحول إلى فعل. وفي الوقت ذاته، يجب أن يظل هذا التعاون محكوماً بمبدأ سيادة القانون، فلا تُمنح الشركات صلاحيات أمنية مطلقة تتجاوز صلاحيات الدولة، ولا تُمنح الدول بدورها صلاحية انتهاك الخصوصية باسم محاربة الإرهاب، وتتطلب حقوق الإنسان توازناً دقيقاً يحمي المواطن من الإرهابيين، ويحميه في الوقت نفسه من استبداد تقني قد تستخدمه بعض الأنظمة لقمع المعارضة تحت غطاء مكافحة التطرف.
والإرادة السياسية الدولية هي المحرك الأساسي لتغيير مسار هذه الحرب الرقمية ضد الإرهاب، وتتطلب التحديات التي يشير إليها التقرير، من سرعة التطور التكنولوجي إلى تعدد التطبيقات، آليات استجابة مرنة ومستمرة لا تجمد عند نص قانوني واحد. فلا يمكننا أن نظل معتمدين على تشريعات قديمة في مواجهة تهديدات تتجدد يومياً بوتيرة لم يعرفها العالم من قبل، وينبغي أن تتبنى الأمم المتحدة إطاراً دولياً ملزماً ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الفضاء السيبراني، ويحدد بوضوح ما هو مقبول وما هو محظور دون لبس، ويجب أن تكون مبادئ حقوق الإنسان هي المرجعية العليا التي تحكم جميع هذه التطبيقات التكنولوجية، وحين تضع الحكومات هذه المبادئ نصب أعينها، ستدرك أن مكافحة الإرهاب الرقمي ليست صراعاً ضد التقنية بحد ذاتها، بل معركة من أجل كرامة الإنسان وحريته في التفكير بمنأى عن ضغوط الاستقطاب.
نحن نعيش اليوم في عصر يمكن وصفه بالهشاشة التكنولوجية؛ حيث تستطيع آلة صغيرة أو خوارزمية بسيطة أن تغير مصير دول بأكملها، وهذا الوعي بالهشاشة هو أول خطوة نحو الأمان الحقيقي، لا الوهمي، ويجب علينا أن نرسخ في وعي الجيل الجديد أن التكنولوجيا أداة لخدمة الإنسان لا للسيطرة عليه، وأن الممارسة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي شكل من أشكال الواجب الأخلاقي الكانطي الذي يفرض علينا الحفاظ على المجتمع البشري ككيان متضامن لا مجموعة أفراد متناثرين، فحقوق الإنسان ليست شعارات مكتوبة على ورق، بل ممارسات يومية تتجسد في طريقة تعاملنا مع التكنولوجيا كل لحظة، وحين نختار أن نكون مواطنين رقميين واعين، فإننا نحرم المتطرفين من أهم سلاح يملكونه، وهو الجهل واللامبالاة، فالتوعية هنا ليست نشاطاً عابراً بل خط الدفاع الأول في معركة فكرية طويلة الأمد.
وفي تحليل هذا التطرف المتطور، تجدر الإشارة إلى أننا لا نواجه عدواً تقليدياً، بل نواجه تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع نفسه، فالإرهاب الذي كان يعتمد على الدماء صار يعتمد اليوم على البيانات بالدرجة الأولى، غير أن لكل تكنولوجيا نقاط ضعفها، وللتطرف الرقمي ثغراته أيضاً، وأهمها أنه يقوم على الخديعة والاستغلال، وهما أمران قابلان للكشف متى توفرت الأدوات المناسبة، فإذا نجحنا في تعزيز الشفافية، وتقوية المؤسسات، وتفعيل الدور الأخلاقي للشركات والأفراد على حد سواء، فسنتمكن من تحويل هذا التحدي إلى فرصة لبناء مجتمع عالمي أكثر وعياً وأماناً. تظل الحقوق الإنسانية البوصلة التي تقودنا وسط هذا البحر الرقمي المتلاطم، فبدونها لن نجد طريقنا وسط أمواج المعلومات والتهديدات المتلاحقة.
والمراجعة الدورية للسياسات الأمنية تمثل وفق ما يقتضيه القانون الأمريكي المذكور، نموذجاً يمكن القياس عليه لضمان مساءلة مستمرة لا تتوقف عند لحظة إقرار القانون، ويمنع التقييم الدوري الترهل الأمني ويتيح التكيف مع سرعة التغير التقني الذي لا ينتظر أحداً. وتفرض حقوق الإنسان أن تخضع هذه التقييمات لتدقيق عام، لضمان ألا تتجاوز السلطات حدودها في مراقبة الفضاء الرقمي بحجة الأمن، وتظل الشفافية أقوى سلاح في مواجهة التطرف، فالمتطرفون يزدهرون في الظلام بينما تتنفس الإنسانية في الضوء. يقلل تعزيز المواطنة الرقمية عالمياً من المساحات التي ينمو فيها الفكر المتطرف، ويخلق مجتمعات أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة أي محاولة لتمزيق نسيجها الاجتماعي عبر محتوى رقمي مسموم.
فلسفة الحقوق الإنسانية تقوم على أن التغيير ممكن دائماً مهما بدت التحديات معقدة، فالإرهاب الرقمي، مهما تشعبت أدواته، لا يملك القدرة على إلغاء الطبيعة البشرية التواقة للحرية والعيش بكرامة، فإذا استطعنا دمج القيم الأخلاقية في قلب التكنولوجيا، وإذا نجحنا في بناء تحالف دولي حقيقي لا شكلي ضد التطرف الرقمي، فإن المستقبل سيبقى للإنسان لا للآلة، ولا لمن يسخّر الآلة لقتل الإنسان. نحن مدعوون جميعاً، حكومات وشركات وأفراداً، لنكون حراساً لهذا الفضاء الرقمي، نحميه من دنس التطرف، ونضمن أن يبقى ساحة للابتكار وتبادل الأفكار الحرة المسؤولة، بعيداً عن أيديولوجيات الموت التي تحاول استغلال التطور التقني لفرض رؤيتها المظلمة على العالم.
المصدر:
- المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات. "مكافحة الإرهاب ـ تطور الذكاء الاصطناعي تهديداً جديداً للأمن الدولي." 8 يناير 2026.
#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟