عزالدين محمد ابوبكر
الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 15:47
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يُعد سورين كيركجور علامة فارقة في تاريخ الفكر البشري؛ حيث قد وُلِد في كوبنهاغن وسط مناخ متجهم غارق في الكآبة والشعور العميق بالذنب الديني الذي غرسه والده في وجدانه منذ الطفولة المبكرة، مما جعل حياته تمضي رهينة للتأملات الميتافيزيقية الحادة والصراع الداخلي الصامت بين الإيمان والعقل الذي لا يهدأ أبداً طوال سنوات عمره القصير. فلقد عاش كيركجور حياته وكأنها مسرحية تراجيدية كبرى يختبر فيها أقصى درجات العزلة الفكرية والاضطهاد الاجتماعي الساخر الذي تعرض له من قِبل العامة وأهل مدينته، الذين لم يتحملوا نقده الساخر لمؤسساتهم الدينية والمجتمعية الباهتة.
لقد توطدت علاقة كيركجور بأهل مدينته على التوتر العنيف والقطيعة الفكرية حين سخر من نفاقهم الاجتماعي ورفضهم للالتزام الحقيقي بالدين مكتفين بالشكل الخارجي والطقوس الباردة دون جوهر إنساني حقيقي، مما جعله عرضة للتهكم والرسوم الكاريكاتورية الساخرة في الصحف المحلية التي صورته كشخص غريب الأطوار يمشي شارداً في أزقة كوبنهاغن، وهذه العزلة القاسية لم تكسر شوكته الفكرية، بل غذت لديه رؤية ثاقبة حول مفهوم "الفرد" في مواجهة طغيان الحشد والجمهور الذي يبتلع الوعي الإنساني ويهمش قيمة التجربة الوجودية الذاتية الخالصة التي تبنى الإنسان من الداخل وتعيش تشكيل وعيه المأساوي بالحياة والموت.
فتتجلى عبقرية كيركجور في تأثير كتاباته وخطبه المبكرة التي حملت طابعاً وعظياً وفلسفياً عميقاً يمزج بين الشجن الروحي والنقد الجدلي الصارم؛ حيث استخدم خطابه أداة هدم للبنى العقلانية المجرّدة التي أطاحت بالإنسان الحي وجعلته مجرد رقم في نسق فلسفي ضخم. هذه النصوص لم تكن مجرد كتابات دينية عابرة، بل كانت مختبراً عملياً لنضج فكرته الوجودية التي ترفض النسق المغلق وتنتصر للحرية المطلقة والاختيار القائم على حافة الهاوية؛ حيث يقف الفرد عارياً أمام خالقه ليتحمل مسؤولية مصيره دون وسيط أو دليل عقلاني قاطع يريح ضميره من عناء الشك.
ويمثل النص المترجم الذي بين أيدينا والمأخوذ من كتابات كيركجور حول مراحل على طريق الحياة (Stages on Life s Way) نافذة نادرة تطل على عمق سخريته الفلسفية الرفيعة التي تستهدف تفكيك وهم اليقين العقلاني والمواقف العاطفية المبتذلة للحب البشري؛ لأنه يعرض من خلال شخصية الشاب في المأدبة نقداً لاذعاً ومرحاً في آن واحد لتناقضات العشاق الذين يتحدثون عن المطلق وهم غارقون في النسبية المطلقة، ويكشف لنا هذا النص عن براعة استثنائية في توظيف السخرية لمساءلة المسلمات العاطفية وإظهار الهوة السحيقة بين اللغة التي نحاول بها الإمساك بالتجربة وبين التجربة ذاتها في استعصائها المستمر.
تدور الفكرة الرئيسية للنص حول الطبيعة المتناقضة للحب الإنساني الذي يعجز العقل البشري عن الإمساك بتلابيبه أو صياغته في تعريف جامع مانع؛ حيث يرى كيركجور عبر هذا الخطاب أن الحب الحقيقي يرتطم دائماً بصخرة المفارقة والتناقض الذاتي؛ حيث يتحول المحبوب إلى رمز لما هو لا يوصف ولا يمكن اختزاله في صفات مادية أو عاطفية عابرة، وهذا الاستعصاء الدلالي يعكس بامتياز الأزمة الوجودية الكبرى التي يعيشها الكائن البشري الباحث عن المعنى وسط عالم يصم أذنيه عن النداءات العميقة للروح ويختزل الوجود في استهلاك يومي باهت ومكرر بلا طعم أو غاية.
ويحتل هذا النص المترجم مكاناً هاناً في إطار الفلسفة الوجودية لكيركجور لأنه يجسد بوضوح مرحلة من مراحل الوجود البشري، وهي المرحلة الجمالية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالرغبة والشهوة والبحث عن المتعة والدهشة المؤقتة، ويوضح النص كيف أن الإنسان الجمالي يظل أسيراً للتناقض والعبث حين يحاول أن يجد المطلق في النسبي والفاني. وهذا تمهيد ضروري للانتقال نحو المراحل الأعلى للوجود، وهي المرحلة الأخلاقية ثم المرحلة الدينية التي يختبر فيها الفرد القفزة في ظلام الإيمان المطلق حيث يسقط العقل وتتلاشى التناقضات أمام جلال الحضور الإلهي الخالص، ومن المثير للإنتباه أن كيركجور لم يطلق على نفسه قط لقب "وجودي"، بل كان يرفض هذه التصنيفات المدرسية الجامدة تماماً مثلما رفض كارل ماركس أن يُسمى ماركسياً رغم أنه المؤسس الأساسي لفلسفته. فلقد كان كيركجور يرى في نفسه مؤمناً متأزماً ومفكراً مسيحياً فريداً يحاول إنقاذ الإيمان الحي من أيدي اللاهوتيين الأكاديميين الذين حولوه إلى نظام عقائدي جامد، وإن تصنيفه كأب للوجودية جاء بأثر رجعي من قِبل الفلاسفة اللاحقين في القرن العشرين الذين استلهموا تمرده على النسق وفلسفته في القلق والاختيار الحر.
فلقد تمرد كيركجور على الفلسفة النسقية السائدة في عصره والتي كانت تتعامل مع الإنسان كفكرة كليّة في مسار التاريخ متجاهلة الوجود الفردي الملموس الذي ينزف ويتألم ويخاف من الموت؛ فبالنسبة له، كانت الحقيقة ذاتية وليست موضوعية مجردة، فالحقيقة هي ما يعيشه الإنسان بدمه وروحه ودموعه وليس ما يثبته البرهان المنطقي البارد في قاعات الدرس الجامعية. هذا الموقف الجذري هو الذي جعل فلسفته تخرج من أسوار الأكاديمية لتلامس جراح الإنسان الحي في صراعه اليومي مع العدم والشك والمصير الغامض الذي ينتظره في نهاية المطاف.
يتأطر فكر كيركجور حول مفاهيم مركزية تحدد ملامح الوجود البشري، وهي القلق والحرية والاختيار؛ فالقلق عند كيركجور ليس مرضاً نفسياً عابراً بل هو الدليل القاطع على حرية الإنسان المطلقة لأنه دوار الحرية الذي يصيب الروح حين تتطلع إلى الهاوية وتدرك قدرتها على الفعل والانتقاء؛ وهذا الفهم العميق للنفس البشرية جعل كتاباته أشبه بتشخيص دقيق لأزمات الروح الإنسانية، ومحاولة شجاعة لكشف مأزق الإنسان المعاصر الذي قطعت حداثته صلته بالجذوره الروحية وأغرقته في ماديتها المفرطة.
وإن القارئ لخطاب الشخص الشاب يلمس بوضوح كيف وظف كيركغور أسلوب الحكاية والمونولوج المسرحي لتقريب الأفكار الفلسفية المعقدة دون الإخلال بعمقها الأكاديمي الصارم. فهو لم يكن كاتب أطروحات مدرسية جافة، بل كان كاتباً فذاً وفيلسوفاً مأساوياً يكشف عن خبايا النفس البشرية بدقة تشريحية مذهلة أثرت بشكل عميق في لاحقيه من المفكرين والأدباء الذين تناولوا قضايا الحرية والتمرد والأخلاق والدين في عالم يبدو أحياناً وكأنه خالٍ من المعنى الظاهر، وفلسفة كيركجور ليس مجرد فلسفة أو حكمة قد مر عليها الزمان، بل هي دعوة متجددة لقراءة هذا الفيلسوف الفذ الذي تنبأ بأزمات الإنسان الحديث وبقي صوته يتردد في ضمير الثقافة الإنسانية كجرس إنذار دائم يرفض السقوط في فخ اليقين الزائف والجمود الفكري.
حياة كيركجور القصيرة والمفعمة بالصراع المرير انتهت بانهيار صحي ليرحل عن عالم لم يفهِمه جيداً إلا بعد رحيله بعقود طويلة؛ حيث أصبحت أفكاره مناراً لكل الفلاسفة الوجوديين لاحقاً ممن نهلوا من معين نقده الجذري للعقلانية المجرّدة وانتصارها للإنسان الفرد الملموس، فلقد ترك خلفه تراثاً فكرياً خالداً يعلمنا كيف نحيا بشجاعة على حافة الهاوية وكيف نتحمل مسؤولية حريتنا الكاملة في عالم يعج بالتناقضات والشكوك القاتلة التي تحيط بالوجود البشري من كل جهة، وتبقى فلسفة كيركغور نافذة أمل مضيئة لكل إنسان يعاني من اغترابه الروحي في هذا العالم المعقد - على الأقل بالنسبة لي - لأنها تذكرنا دائماً بأن الإنسان ليس مجرد ترس في آلة ضخمة بل هو كائن حر يمتلك القدرة على الاختيار والتحول والقفز نحو الإيمان الأصيل رغم كل الصعاب والشكوك، وبذلك يظل سورين كيركجور هو ذلك الصوت المتفرد الذي سيظل مرشداً أميناً لكل من يبحث عن المعنى والحقيقة والحرية في زمن ضاعت فيه المعالم وتاهت فيه الخطوات نحو المجهول.
وهذه هي الترجمة:
خطاب الشخص الشاب
نهض الشخص الشاب وأعلن أنه شعر بقوة النبيذ، التي كانت ظاهرة بالفعل إلى حد ما؛ فقد كان الدم ينبض بقوة في صدغيه، ولم يكن مظهره جميلًا كما كان قبل الوجبة. وتحدث قائلًا:
"إذا كان هناك صدق في كلمات الشعراء، أيها الزملاء في المأدبة، فإن الحب غير المتبادل هو، في الواقع، أعظم الأحزان. ولو طلبتم أي برهان على ذلك، فلن تحتاجوا إلا إلى الاستماع إلى خطاب العشاق. إنهم يقولون إنه الموت، الموت المحقق؛ وفي المرة الأولى يعتقدون ذلك — لمدة أسبوعين. وفي المرة التالية يقولون إنه الموت؛ وفي النهاية يموتون في وقت ما — كنتيجة للحب غير المتبادل. وعن ذلك الحب الذي قتلهم، لا يمكن أن يكون هناك أدنى شك. وأما اضطرار المحبين إلى المحاولة ثلاث مرات للتخلص منهم، فهذا لا يختلف عن اضطرار طبيب الأسنان إلى الشد ثلاث مرات قبل أن يتمكن من تحريك ذلك الضرس المتجذر بقوة. ولكن، إذا كان الحب غير المتبادل يعني الموت المحقق، فما أسعدني أنا الذي لم أحب قط، وآمل، ألا أحقق الموت إلا في وقت ما."
وليس من حب غير متبادل!
ولكن ربما تكون هذه هي أعظم مصيبة، على حد علمي، وكم أنا بائس حينها!
وإن جوهر الحب ربما (لأني أتحدث كأعمى عن الألوان) يكمن في نعيمه؛ وهو ما يعني، بعبارة أخرى، أن انقطاع الحب يجلب الموت للمحب، وأنا أفهم هذا جيدًا كطبيعة فرضية تربط بين الحب والموت. ولكن، إذا كان الحب مجرد فرضية، فما بال العشاق يعرضون أنفسهم للسخرية بسبب وقوعهم الفعلي في الحب؟ أما إذا كان الحب شيئًا حقيقيًا، فيجب على الواقع أن يؤكد ما يقوله العشاق عنه، ولكن هل سمع أحد في الحياة الواقعية، أو لاحظ، أن مثل هذه الأشياء قد حدثت، حتى لو كانت هناك إشاعات بهذا المعنى؟ هنا أدرك واحدة من التناقضات التي يقع فيها الإنسان؛ إذ أن هذا الأمر يختلف بالنسبة لهؤلاء الذين خاضوا التجربة؛ ولكن يبدو بالتأكيد أن الحب يورط الناس في أكثر التناقضات غرابة.
فلا توجد علاقة أخرى بين البشر تفرض مثل هذه المطالب على مثالية المرء كما يفعل الحب، ومع ذلك لم يرَ أحد الحب قط، ولهذا السبب وحده سأكون خائفًا من الحب؛ فأنا أخشى أن تكون لديه القدرة على جعلني أتحدث بغموض عن نعيم لم أشعر به وعن حزن لم يكن لدي، وأقول هذا هنا لأنني مُطالب بالتحدث عن الحب، على الرغم من أنني غير مطلع عليه — أقول هذا في محيط يروق لي كسمبوزيوم (كـ مأدبة)* يوناني؛ فأنا لا أرغب في إفساد سعادة أي شخص، بل بالأحرى، أنا راضٍ بأفكاري الخاصة. ومن يدري، ربما تكون هذه الأفكار محض حماقات وتخيلات باطلة — ربما يُفسر جهلي بحقيقة أنني لم أتعلم قط، ولم أرغب في أن أتعلم من أي شخص، كيف يقع المرء في الحب؛ أو من حقيقة أنني لم أتحدَّ امرأة بنظرة قط — وهو أمر يُفترض أن يكون ذكاءً — بل كنت دائمًا أخفض عينيَّ، غير راغب في الخضوع لانطباع قبل أن أكون قد تأكدت تمامًا من طبيعة القوة التي تقع في نطاقها مغامرتي."
وفي هذه النقطة قاطعه "قسطنطين" الذي عاتبه لأنه، باعترافه الصريح بأنه لم يقع في الحب قط، قد حرم نفسه من الكلام. فأعلن الشخص الشاب أنه في أي وقت آخر سيطيع بكل سرور أمراً بهذا المعنى لأنه غالبًا ما اختبر كم هو متعب أن يضطر إلى إلقاء خطاب؛ لكنه في هذه الحالة سيصر على حقه؛ حيث إن حقيقة أن المرء لم يمر بتجربة حب، كما قال، تشكل أيضًا تجربة حب؛ ومن يستطيع أن يؤكد هذا عن نفسه يحق له التحدث عن "إيروس" (Eros) تحديدًا لأن أفكاره كانت ملزمة بالتصدي للنوع البشري ككل وليس للأفراد. وقد مُنح الإذن بالكلام وتابع:
"وبما أن حقي في الكلام قد تم الطعن فيه، فقد يخدم هذا في إعفائي من سخريتكم؛ فأنا أعلم جيدًا أنه، تمامًا كما لا يُعتبر الشخص بين القرويين رجلاً إذا لم ينادِ غليون التبغ الخاص به، كذلك بين الرجال لا يُعتبر المرء رجلاً إذا لم يختبر الحب. إذا شعر أي شخص بالرغبة في الضحك، دعه يضحك — ففكري يظل، ويظل، الاعتبار الجوهري بالنسبة لي. أم إن الحب، بامتياز، هو الحدث الوحيد الذي يجب أن يُنظر فيه بعد وقوعه، بدلًا من قبله، إذا حدث ووقع المرء في الحب، هل يظن لاحقًا أن الأوان قد فات للتفكير فيه؟ انظروا، هذا هو السبب في أنني أختار التفكير في الحب قبل حدوثه. وبالتأكيد، يصر الناس أيضًا على أنهم فكروا في الأمر، ولكن الأمر ليس كذلك. إنهم يفترضون أنه من الضروري للإنسان أن يقع في الحب؛ لكن هذا بالتأكيد لا يعني التفكير في الحب، بل بالأحرى، افتراضه، لضمان الحصول على حبيبة.
ففي الواقع، كلما سعى تفكيري إلى تحديد الحب، لا يبدو أن هناك سوى التناقض. في بعض الأحيان، أشعر كما لو أن شيئًا قد أفلت مني، لكنني لا أستطيع تحديد ماهيته، بينما يستطيع تفكيري في الحال الإشارة إلى التناقضات في ما يحدث. حسنًا، إذن، في رأيي الحب هو أعظم تناقض ذاتي يمكن تخيله، ومضحك في نفس الوقت. وفي الواقع، يتوافق أحدهما مع الآخر. المضحك يظهر دائمًا في فئة التناقضات — وهو حقيقة لا أملك الوقت لإثباتها الآن؛ ولكن ما سأثبته الآن هو أن الحب مضحك. بالحب أعني العلاقة بين الرجل والمرأة. فأنا لا أفكر في "إيروس" بالمعنى اليوناني الذي أشاد به أفلاطون، والذي، بالمناسبة، بعيد كل البعد عن التفكير في حب المرأة، حيث يذكره فقط في سياق عرضي، معتبرًا إياه أدنى من حب الشباب. أقول، الحب مضحك بالنسبة لشخص ثالث — أكثر مما أقول. وسواء كان ذلك هو السبب في أن العشاق يكرهون دائمًا شخصًا ثالثًا، فأنا لا أعرف؛ لكنني أعرف أن التفكير دائمًا في مثل هذه العلاقة مع شخص ثالث، ولهذا السبب لا يمكنني أن أحب دون أن يكون هناك شخص ثالث حاضر في نفس الوقت في هيئة التفكير.
من المؤكد أن هذا لا يمكن أن يبدو غريبًا لأي شخص، فكل شخص شك في كل شيء، في حين أنني أطرح شكوكي فقط فيما يتعلق بالحب. ومع ذلك، أجد أنه من الغريب أن الناس شكوا في كل شيء وعادوا إلى اليقين، دون أن يصلوا إلى الصعوبات التي أبقت تفكيري أسيرًا—لدرجة أنني، من حين لآخر، تمنيت أن أتحرر من هذه الصعوبات، لا من شخص كان في نومه فكرة عن الشك، وشك في كل شيء، وعاد في نومه ليشرح الفكرة التي يشرحها، وقد شرحها بالفعل.
دعوني أحظى بانتباهكم، أيها الزملاء في المأدبة، وإذا كنتم أنفسكم عشاقًا، فلا تقاطعوني، ولا تصمتوني لأنكم لا ترغبون في سماع التفسير. بل التفتوا بعيدًا واستمعوا بوجوه مُعرضة لما يجب أن أقوله، وما أصر على قوله، بعد أن بدأت."
"في المقام الأول، أعتبر أنه من المضحك أن يقع الجميع في الحب، وأن لا يتمكن أحد من إخبار أحد ما هي طبيعة الشيء المحبوب أو ما هو الشيء الحقيقي الذي يقع عليه الحب. أما كلمة (أن تحب)، فلن أناقشها لأنها لا تعني شيئًا محددًا؛ ولكن بمجرد طرح الأمر، نواجه السؤال حول ماهية الحب. لا توجد إجابة أخرى تُقدم في هذه النقطة سوى أن المرء يحب ما هو محبوب. فلو أراد أحد أن يجيب، مع أفلاطون، بأن الحب هو حب ما هو جيد، فإن المرء بتجاوزه لهذه الخطوة الواحدة يكون قد تجاوز حدود الإيروتيكيا (علاقة الحب).
قد تُقدم الإجابة، ربما، بأن الشيء هو ما هو جميل. ولكن إذا سأل المرء بعد ذلك ما إذا كان الحب يعني حب مشهد جميل أو لوحة جميلة، فسيتم إدراك فورًا أن الإيروتيكيا ليست كذلك، إذ أنها تندرج، إذا جاز التعبير، تحت مصطلح عام أكثر شمولًا وهو حب الأشياء الجميلة، لكنها شيء خاص بذاته تمامًا. لو كان هناك عاشق — لأعطي مثالًا فقط — يتحدث بوضوح عن مقدار الحب الذي سكن فيه قائلًا: ”أنا أحب المناظر الطبيعية الجميلة، ولالاج (Lalage) الجميلة، والحصان الجميل — باختصار، أنا أحب كل ما هو جميل“، فإن لالاج الخاصة به لن تكون راضية بمديحه، مهما كانت راضية في جوانب أخرى، حتى لو كانت جميلة؛ وإذا افترضنا أن لالاج ليست جميلة ومع ذلك أحبها!
مرة أخرى، إذا أشرت إلى العنصر الإيروتيكي في الانقسام الذي يخبرنا به أريستوفان عندما يقول إن الآلهة شقت الإنسان إلى جزأين كما يقطع المرء السمكة المفلطحة، وأن هذه الأجزاء المنفصلة سعت إلى بعضها البعض، فإنني أواجه صعوبة لا أستطيع تجاوزها، وهي كيف يمكنني أن أبني تفكيري على أريستوفان الذي في خطابه — فقط لأنه لا يوجد سبب يدعو للفكر للتوقف عند هذه النقطة—يذهب أبعد في تفكيره ويعتقد أن الآلهة قد تأخذها في رؤوسهم لتقسيم الإنسان إلى ثلاثة أجزاء، من أجل متعة أكبر. من أجل متعة أكبر؛ فهل صحيح، كما قلت، أن الحب يجعل الشخص مثيرًا للسخرية، إن لم يكن في أعين الآخرين، فبالتأكيد في أعين الآلهة؟
الآن، دعوني أفترض أن العنصر الإيروتيكي يكمن جوهريًا في العلاقة بين الرجل والمرأة — فما الذي يمكن استنتاجه من ذلك؟ إذا قال المحب لالاج الخاصة به: "أنا أحبك لأنك امرأة"، فقد أحب جيدًا أي امرأة أخرى، على سبيل المثال، زوي (Zoe) القبيحة: حينها ستشعر لالاج الجميلة بالإهانة.
فبماذا، إذن، يكمن الشيء المحبوب؟
هذا هو سؤالي؛ لكن لسوء الحظ، لم يتمكن أحد من إخباري. يعتقد المحب الفردي دائمًا أنه، بقدر ما يتعلق الأمر به، فهو يعرف. ومع ذلك، لا يمكنه جعل نفسه مفهومًا من قبل أي محب آخر؛ ومن يستمع إلى خطاب عدد من العشاق سيعلم أنه لا اثنان منهم يتفقان أبدًا، على الرغم من أنهم جميعًا يتحدثون عن نفس الشيء. وبالحديث عن تلك التفسيرات السخيفة تمامًا التي تترك المرء كما كان من قبل، أي، ينتهي بتأكيد أنه في الواقع الأقدام الجميلة للفتاة المحبوبة، أو شوارب المحب الوسيم، هما موضوعا الحب — وبغض النظر عن هذه، سيجد المرء مذكورًا، حتى في مراثي العشاق بالأسلوب الرفيع، أولًا عددًا من التفاصيل، وأخيرًا، الإعلان: كل صفاتها المحبوبة؛ وعندما يصلون إلى الذروة؛ ذلك الشيء الذي لا يوصف والذي لا أعرف كيف أشرحه. وهذا الخطاب يهدف إلى إرضاء لالاج الجميلة بشكل خاص. فأنا لا يرضيني، لأنني لا أفهم كلمة منه، بل أجد، بدلًا من ذلك، أنه يحتوي على تناقض مزدوج—أولًا، أنه ينتهي بما لا يوصف، ثانيًا، أنه ينتهي بما لا يوصف؛ لأن من ينوي أن ينتهي بما لا يوصف كان من الأفضل أن يبدأ بما لا يوصف، ثانيًا، أنه ينتهي بما لا يوصف؛ فمن ينوي أن ينتهي بما لا يوصف كان من الأفضل أن يبدأ بما لا يوصف، ولا يقل شيئًا أكثر، لئلا يعرض نفسه للشك. إذا بدأ بما لا يوصف، ولم يقل شيئًا أكثر، فهذا لا يثبت عجزه، فهو، على أي حال، تفسير بالمعنى السلبي؛ ولكن إذا بدأ بشيء آخر وانتهى بما لا يوصف، فهذا يثبت بالتأكيد عجزه.
إذن نرى: الحب يتوافق مع ما هو محبوب؛ والمحبوب هو ما لا يوصف. حسنًا، هذا على الأقل شيء؛ لكنه ليس مفهومًا، بقدر ما هو الطريقة التي يغزو بها الحب الحياة، فقط مع اختلاف أن المرء لا ينزعج بذلك، نظرًا لأن العشاق أنفسهم يعتبرونه أعظم سعادتهم، ولكن، على العكس، يميل المرء إلى الضحك؛ لأن المضحك والمأساوي يتوافقان دائمًا مع بعضهما البعض. اليوم، يمكن للمرء أن يتحدث مع شخص ويمكنه أن يجعله يتصرف بشكل جيد — غدًا، يتحدث بألسنة وبإيماءات غريبة: إنه في حالة حب."
المصدر: Kierkegaard, Søren. Selections from the Writings of Kierkegaard. Translated by L. M. Hollander. University of Texas Bulletin, no. 2326. Austin: University of Texas, 1923. ترجمة الصفحات من 58 إلى 63.
#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟