|
|
المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 03:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس المثقّف ذلك الإنسان الذي يعرف أكثر من الآخرين، ولا الذي يستطيع أن يتحدث بلغة أكثر تعقيدا منهم، ولا الذي تراكمت فوق اسمه الشهادات والكتب والندوات . قد يكون المثقّف شخصا بسيطا يجلس في آخر الحافلة، يحمل جريدة قديمة، ويقرأ خبرا عن عامل فقد عمله، ثم يظل طوال الطريق يفكر في ذلك العامل أكثر مما يفكر في نفسه . وقد يكون أستاذا يعود إلى بيته متعبا، فيكتشف أن ما قاله في القسم لم يكن مجرد درس، بل محاولة صغيرة لإنقاذ عقول شابة من الخضوع لما يبدو لها قدرا . وقد يكون شاعرا يسمع خبرا عن أم فقدت ابنها، فلا يستطيع أن يكتب قصيدة حب تلك الليلة . هناك، في هذا العجز عن المرور أمام الألم وكأنه خبر عابر، تبدأ الحكاية . المثقّف الحقيقي ليس صاحب معرفة فقط، بل صاحب حساسية تجاه الإنسان . ولعل هذه الحساسية هي أول ما نخسره عندما تتحول الثقافة إلى مهنة، والفكر إلى وظيفة، والسياسة إلى حسابات، واليسار إلى قاموس مغلق . لقد كان كارل ماركس، خلف كل تلك المفاهيم التي تحولت مع الزمن إلى مصطلحات أكاديمية، شديد الانشغال بمصير الإنسان الذي ينتزع منه معنى عمله وحياته . لم يكن حديثه عن الاغتراب مجرد تمرين فلسفي؛ كان وراءه إنسان يعمل، ينتج، يبذل جسده ووقته، ثم يجد نفسه غريبا عما صنعت يداه . الإنسان الذي يذهب إلى المصنع صباحا ويعود مساء وقد باع ساعات من عمره لكي يشتري حقه في مواصلة الحياة . وهذه الفكرة وحدها كافية لتعيد اليسار إلى جذره الإنساني . فالعمل ليس رقما في جدول اقتصادي . والأجر ليس مجرد خانة في حسابات الدولة . والبطالة ليست نسبة مئوية . والفقر ليس «مؤشرا اجتماعيا» . خلف كل ذلك جسد . ووجه . ومطبخ . وطفل ينتظر . وأب يحاول ألا يظهر أمام أبنائه أنه عاجز . وأم تخفي قلقها كي لا تزيد قلق الأسرة . وشاب يفتح هاتفه كل صباح على أمل أن يجد رسالة عمل، ثم يغلقه مساء وهو يشعر أن العالم لا يحتاج إليه . حين يتحول هؤلاء إلى أرقام، يبدأ الفكر في فقدان إنسانيته . وحين يستطيع المثقّف أن يرى الإنسان خلف الرقم، يبدأ الفكر في استعادة روحه . لهذا لا يكفي أن يكون المثقّف يساريا في مواقفه السياسية . عليه أن يكون يساريا في نظرته إلى الإنسان نفسه؛ أن يرفض أن يتحول أي شخص إلى وسيلة، حتى عندما يكون هذا الشخص مختلفا معه سياسيا وفكريا . فالإنسان ليس مجرد عضو في طبقة . ولا مجرد ناخب . ولا مجرد عامل . ولا مجرد فقير . إنه كائن كامل، يحمل خوفه وذاكرته وأحلامه الصغيرة وتناقضاته وأخطائه وحاجته إلى الحب والاحترام . ومن هنا تأتي صعوبة مهمة المثقّف . إنه مطالب بأن يرى البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكنه مطالب أيضا بألا يضيع الفرد داخل هذه البنية . يمكن أن نعرف كل شيء عن الرأسمالية وننسى العامل . ويمكن أن نعرف كل شيء عن الدولة وننسى المواطن . ويمكن أن نعرف كل شيء عن الاستبداد وننسى الإنسان الذي يخاف . وهذه ليست معرفة ناقصة فقط . إنها معرفة فقدت قلبها . لذلك كانت تجربة فرانز فانون شديدة الأهمية . فانون لم ينظر إلى الاستعمار باعتباره مجرد نظام سياسي واقتصادي، بل رأى أثره العميق في النفس البشرية، في إحساس الإنسان بذاته، وفي صورته عن جسده ولغته وكرامته . الاستعمار يستطيع أن يحتل الأرض، لكنه يحاول أيضا أن يحتل المخيلة . وحين ينجح الإنسان المقهور في استعادة صورته عن نفسه، يبدأ التحرر قبل أن تتغير المؤسسات . وهذا المعنى يتجاوز الاستعمار بمعناه التقليدي . كم من إنسان يعيش اليوم داخل حدود بلده لكنه يشعر أنه أقل من غيره؟ كم من شاب تربى على الاعتقاد بأن نجاح الآخرين دليل على فشله؟ كم من فقير يشعر بالخجل من فقره بدل أن يشعر بالغضب من البنية التي تنتجه؟ كم من عامل يعتقد أن أجره المتدني سببه أنه لا يستحق أكثر؟ هنا يصبح المثقّف أمام مسؤولية شديدة الحساسية : أن يساعد الإنسان على استعادة كرامته دون أن يحول كرامته إلى شعار . أن يقول له، من خلال الفكر والممارسة، إنك لست المشكلة . وأن وضعك الاجتماعي لا يحدد قيمتك الإنسانية . وأن الهزيمة التي تعيشها ليست بالضرورة هزيمة شخصية . وأن الإنسان الذي يشعر بأنه وحيد أمام العالم قد يكون في الحقيقة جزءا من ملايين يعيشون التجربة نفسها . وهنا يلتقي فانون مع باولو فريري بطريقة عميقة . فريري، الذي جعل من التربية فعلا للتحرر، لم ير التعليم باعتباره ملء عقول الناس بالمعلومات، بل باعتباره عملية تساعد الإنسان على قراءة العالم حتى يستطيع أن يشارك في تغييره . فالإنسان الذي لا يستطيع فهم القوى التي تشكل حياته يبقى محصورا داخل تجربته الفردية؛ أما حين يبدأ في رؤية العلاقة بين حياته الخاصة والبنية الاجتماعية، فإنه يكتسب إمكانية جديدة للفعل . وهذا بالضبط ما ينبغي أن يفعله المثقّف . لا أن يضع المعرفة فوق رأس الناس . بل أن يجعل المعرفة في متناول أيديهم . لا أن يقول للعامل : «سأشرح لك عالمك» . بل أن يقول له : «لنحاول معا أن نفهم ما يحدث لك» . هذه الجملة البسيطة تغيّر علاقة المثقف بالناس كلها . فالمثقف الذي يأتي إلى الحي الشعبي وهو يحمل الإجابات قد يغادر منه كما جاء . أما المثقف الذي يجلس ويصغي، فقد يكتشف أن الواقع أكثر تعقيدا من الكتب . قد يتعلم من امرأة أمية شيئا عن الصبر لم يجده في مكتبة . وقد يتعلم من عامل شيئا عن معنى التضامن لم يقرأه في كتاب . وقد يتعلم من شاب عاطل كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على كرامته رغم الإهانة اليومية . وهذه المعرفة ليست أقل قيمة من المعرفة الأكاديمية . إنها معرفة الحياة . وهنا ينبغي أن نعيد قراءة سارتر أيضا، لا باعتباره اسما محفوظا في كتب الفلسفة، وإنما باعتباره مفكرا أخذ مسؤولية الكاتب على محملها الثقيل . بالنسبة إليه، الكتابة ليست لعبة بريئة؛ الكاتب يدخل، بمجرد أن يكتب، في عالم من العلاقات والصراعات، والكلمات التي يختارها يمكن أن تقف إلى جانب الإنسان أو إلى جانب القوة . لكن سارتر يضيف شيئا مهما : المثقف لا يستطيع أن يختبئ وراء فكرة الحياد عندما تكون الحياة نفسها منحازة ضد فئة من البشر . فالسكوت أمام الظلم ليس دائما حيادا . وأحيانا تكون اللغة التي تبدو محايدة أكثر اللغات انحيازا. حين يقتل إنسان ويقال «حدثت اضطرابات» . وحين يسحق عامل ويقال «أعيد تنظيم المؤسسة» . وحين يطرد موظف لأنه تحدث ويقال «تم اتخاذ إجراء إداري» . وحين يجوع الناس ويقال «هناك صعوبات اقتصادية» . تتحول اللغة إلى ستارة . والمثقّف الذي يملك حساسية تجاه اللغة يعرف أن بعض الكلمات تستخدم أحيانا لإخفاء الجريمة بدل وصفها . وهنا تظهر مسؤولية أخرى : إعادة الأشياء إلى أسمائها . أن نعيد للفقير حقه في أن يكون فقيرا بسبب بنية اجتماعية لا بسبب عيب في شخصه . أن نعيد للعامل حقه في أن يكون غاضبا . أن نعيد للعاطل حقه في أن يشعر بالقهر دون أن نخجل منه . أن نعيد للمواطن حقه في أن يعترض . أن نعيد للصحفي حقه في أن يسأل . وأن نعيد للكاتب حقه في أن يقول «لا أعرف» عندما لا يعرف، وأن يقول «أخطأت» عندما يخطئ . وهذا يقودنا إلى روزا لوكسمبورغ، التي لم تكن ترى الاشتراكية مجرد توزيع جديد للثروة، وإنما تحريرا للطاقات الإنسانية نفسها . لذلك ظل دفاعها عن الحرية داخل الحركة الثورية جزءا أساسيا من تراثها . عبارتها الشهيرة، «الحرية هي دائما حرية من يفكر بشكل مختلف»، ليست زينة فكرية؛ إنها تحذير دائم من أن يتحول التحرر إلى نظام جديد لإسكات الإنسان . اليسار الذي لا يحتمل الاختلاف يصنع شيئا يناقض غايته . والمثقف الذي لا يستطيع نقد رفاقه يتحول تدريجيا إلى موظف علاقات عامة لجماعته . لا يمكن أن يكون الصديق على حق دائما لمجرد أنه صديق . ولا يمكن أن يصبح الخطأ صحيحا لأن من ارتكبه ينتمي إلى المعسكر الذي ننتمي إليه . الوفاء الحقيقي ليس في التبرير. الوفاء الحقيقي أن تمنع من تحب من أن يذهب بعيدا في الخطأ . وهذا ينطبق على اليسار كما ينطبق على كل شيء آخر . اليسار ليس معصوما . الحركات الشعبية ليست معصومة . النقابات ليست معصومة . الأحزاب ليست معصومة . المثقفون أنفسهم ليسوا معصومين . والمجتمع الذي يتعلم الاعتراف بالخطأ أكثر قوة من المجتمع الذي يحتاج دائما إلى كبش فداء . في هذا السياق، يصبح إدوارد سعيد مهما جدا، لأنه أعاد وضع المثقف في مواجهة القوة، لكنه رفض في الوقت نفسه أن يتحول المثقف إلى موظف تابع للمؤسسة التي تمنحه مكانته . المثقف عند سعيد ينبغي أن يحتفظ بمسافة تسمح له بأن يقول ما لا تريد السلطة سماعه، وما لا تريد المؤسسة التي ينتمي إليها سماعه أيضا . وهذه المسافة مؤلمة . لأن الإنسان يحب أن يكون محبوبا . يحب أن يسمع التصفيق . يحب أن يجد اسمه بين الأسماء . يحب أن يقال عنه إنه «مناضل»، و«شجاع»، و«صاحب موقف» . لكن المثقف الذي يبدأ في الكتابة لكي يحافظ على صورته ينتهي إلى عبادة صورته . وقد يصبح أخطر ما يخشاه هو أن يفقد جمهوره . وهنا تبدأ الكارثة . عندما يصبح الجمهور هو الرقابة الجديدة . عندما يبدأ الكاتب في حذف الجملة التي قد تغضب المتابعين . وعندما يغير رأيه لأنه اكتشف أن رأيه القديم حظي بتفاعل أكبر . وعندما تصبح «الترند» معيارا للحقيقة . في تلك اللحظة لا يعود المثقف ينتج الفكر . يبدأ بإنتاج ما يريده السوق النفسي للجمهور . وهذا السوق لا يريد دائما المعرفة . يريد الانفعال . يريد الغضب السريع . يريد العدو الواضح . يريد الحكاية التي لا تحتاج إلى تفكير . يريد شخصا نلومه . يريد انتصارا سريعا . أما الواقع، فهو أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتصفيق . وهنا تأتي أهمية والتر بنيامين، الذي كان شديد الحساسية تجاه الطريقة التي يكتب بها المنتصرون التاريخ، وتجاه الأصوات التي تسقط من الرواية الرسمية . كان يرى أن مهمة الفكر النقدي ليست فقط فهم ما حدث، بل إنقاذ ذاكرة الذين سحقهم التاريخ الرسمي . وهذا مهم جدا في مجتمعاتنا . لأن وراء كل تاريخ رسمي تاريخا آخر . وراء كل احتفال كبير أناس لم يدعوا إليه . وراء كل مشروع ناجح عامل لم يذكر اسمه . وراء كل خطاب عن التنمية قرية لم يصلها نصيبها . وراء كل رقم اقتصادي بيت يعيش القلق . المثقف الذي يكتب تاريخ الناس لا يبحث فقط عن الأبطال . يبحث عن الذين لم يملكوا القوة لكي يكتبوا أسماءهم . عن العامل المجهول . عن الفلاح الذي مات دون أن يعرف أحد قصته . عن السجين الذي خرج ولم يجد من يسأله ماذا حدث له . عن الأم التي بقيت سنوات تنتظر ابنها . عن الشاب الذي غادر البلاد ولم يعد . عن الشاعر الذي كتب قصيدته ولم يجد ناشرا . عن الإنسان الذي مرّ في التاريخ دون أن يترك إلا أثرا صغيرا في ذاكرة شخص واحد . هذه هي الأنسنة الحقيقية للتاريخ . وهذه هي الأنسنة التي يجب أن يحملها المثقف . أن يرى الذين لا تراهم الصورة الرسمية . أن يستعيد أصوات الذين ابتلعهم الصمت . وأن يرفض أن يكون التاريخ مجرد سرد لانتصارات الأقوياء . ولعل مهدي عامل، في السياق العربي، يمنحنا درسا لا يقل أهمية . فقد حاول أن يجعل الفكر الماركسي متصلا بالبنية التاريخية والاجتماعية العربية بدل استيراده كقالب جاهز . لم يكن يريد ماركسية منفصلة عن واقع الناس، بل تحليلا يستطيع أن يفهم الاستعمار والطائفية والطبقات والدولة من داخل شروط المجتمع العربي نفسه . وهذا درس لا يزال حيا . لا يمكن للمثقف اليساري أن يعيش على الاقتباسات . لا يمكن أن يستعير مفاهيم صيغت في مكان وزمان آخرين ثم يضعها فوق مجتمع مختلف وكأن الواقع مطالب بأن يطابق الكتاب . الماركسية ليست قاموسا . إنها طريقة في النظر . والمفكر الذي يحولها إلى مجموعة محفوظات يقتل قدرتها النقدية . نحتاج إلى عقل يستطيع أن يقرأ ماركس دون أن يصبح نسخة منه . وغرامشي دون أن يصبح غرامشيا بالاسم فقط . وفانون دون أن يحول كل شيء إلى استعمار . وفريري دون أن يختزل التعليم في شعار . وسارتر دون أن يجعل الالتزام استعراضا . وسعيد دون أن يحول المثقف إلى معارض محترف . وروزا لوكسمبورغ دون أن تحول الحرية إلى كلمة جميلة . نحتاج إلى أن نتعلم منهم ثم نذهب إلى الناس . هناك فقط تبدأ الامتحانات الحقيقية . في الشارع . في المدرسة . في المصنع . في الحي . في المستشفى . في الحافلة . في مكتب البريد . في الإدارة . في المقهى الذي يجلس فيه عامل بعد يوم طويل لأنه لا يريد أن يعود سريعا إلى بيت لا يستطيع أن يدفئه كما يريد . هناك، وليس في الندوات وحدها، تختبر قيمة الأفكار . لأن الإنسان لا يعيش داخل الكتب . يعيش داخل جسده . والجسد يعرف أشياء لا تعرفها الأيديولوجيا . يعرف معنى الجوع . يعرف معنى المرض . يعرف معنى الإرهاق . يعرف معنى أن تنتظر الراتب . يعرف معنى أن يرن الهاتف ولا تريد أن تجيب لأنك تخشى خبرا جديدا . يعرف معنى أن تنظر إلى طفل وتعده بشيء وأنت لا تعرف كيف ستفي بوعدك . إذا لم يصل الفكر إلى هذه المنطقة الحميمة من الحياة، فإنه يظل ناقصا . قد يكون ذكيا . قد يكون جميلا . قد يكون متماسكا . لكنه لم يصبح إنسانيا بعد . واليسار الذي لا يصبح إنسانيا لا يستطيع أن يحرر أحدا . الثورة ليست فقط أن نغير ملكية المصنع . الثورة أن يتغير معنى الإنسان داخل المصنع . أن يتوقف العامل عن الشعور بأنه قطعة قابلة للاستبدال . أن يستطيع أن يعود إلى بيته دون أن يحمل الإهانة معه . أن يكون له وقت لابنه . أن يستطيع أن يقرأ . أن يحب . أن يمرض دون أن يخاف من الفقر . أن يشيخ دون أن يشعر بأنه أصبح عبئا . هذه هي السياسة حين تعود إلى الإنسان . وهذا هو المكان الذي ينبغي أن يسكنه المثقف . لا في برج فوق الناس، ولا في قاع اليأس معهم، وإنما إلى جوارهم . يسمع . يتعلم . يفكر . يخطئ . يعتذر . يكتب . يحتج . ويعود في اليوم التالي . قد لا يغير وحده شيئا . لكن وجوده يمنع شيئا آخر من أن يموت : الإحساس بأن ما يحدث ليس قدرا . قد يستطيع نظام سياسي أن يفرض الصمت، لكنه لا يستطيع أن يجعل الصمت حقيقة . قد يستطيع أن يخيف الناس، لكنه لا يستطيع أن يمحو من ذاكرتهم ما عاشوه . قد يستطيع أن يحجب وثيقة، لكنه لا يستطيع أن يمنع إنسانا من رواية ما حدث له . وقد يستطيع أن يطارد شاعرا، لكنه لا يستطيع مطاردة كل من قرأ قصيدته . الفكرة، حين تدخل قلب إنسان، لا تعود ملكا لصاحبها . تبدأ حياتها الخاصة . قد تنتقل من كتاب إلى حافلة . ومن حافلة إلى مقهى . ومن مقهى إلى مصنع . ومن مصنع إلى بيت . ومن بيت إلى طفل . وهكذا، ببطء شديد، تتغير الأشياء . لا يحدث التاريخ دائما في اللحظات الصاخبة . أحيانا يبدأ في قلب إنسان وحيد . في لحظة يقول فيها لنفسه إنه يستحق حياة أفضل . ثم يكتشف أن جاره يستحقها أيضا . ثم يكتشفان أن العامل في الحي يستحقها . ثم يكتشف الجميع أن ما كانوا يظنونه مصائر فردية هو في الحقيقة تجربة مشتركة . هناك يبدأ التضامن . ومن التضامن يمكن أن يولد التنظيم . ومن التنظيم يمكن أن تولد القوة . ومن القوة يبدأ التغيير . هكذا يصبح المثقف جزءا من حركة أكبر منه . لا قائدا فوقها، ولا مالكا لها، بل واحدا من الذين يساعدون الناس على رؤية بعضهم بعضا . وهذا، ربما، أكثر ما يجعل المثقف إنسانا . أن يعرف أن قيمته لا تأتي من ارتفاعه فوق الآخرين، بل من قدرته على النزول من منصة الكلام إلى مستوى الحياة . أن يجلس إلى جانب إنسان لا يشبهه . أن يسمع قصة لا تقدم له مجدا . أن يدافع عن شخص لن يستطيع أن يرد له الجميل . أن يقول كلمة حق لا يعرف أحد أنه قالها . أن يكتب عن إنسان مات دون أن يعرفه . أن يترك في هذا العالم أثرا لا يحمل اسمه بالضرورة . فالإنسانية لا تحتاج دائما إلى أبطال كبار . أحيانا تحتاج فقط إلى شخص لم يدر وجهه عندما رأى الألم . وهذا هو المثقف الذي أتمناه لليسار . مثقفا لا يخجل من دموعه . لا يعتبر التعاطف ضعفا . لا يخاف من الاعتذار . لا يتعامل مع الفقراء كجمهور انتخابي . لا يتعامل مع العمال كديكور ثوري . لا يحول النساء إلى شعار . لا يستعمل فلسطين لتزيين خطاب، ولا الفقراء لتزيين مقال، ولا الثورة لتزيين صورته الشخصية . مثقفا يعرف أن الإنسان الذي يتحدث عنه له لحم ودم . له أم . له طفل . له مرض . له ذاكرة . له حب . له خوف . له أحلام ربما تبدو صغيرة، لكنها بالنسبة إليه العالم كله . أنسنة المثقف تبدأ عندما يتذكر ذلك . وأنسنة اليسار تبدأ عندما يتذكر ذلك . وأنسنة الثورة تبدأ عندما يصبح الإنسان، بكل ضعفه وعجزه وحاجته إلى الحب والخبز والحرية والكرامة، أهم من الشعارات التي رفعت باسمه . عندها فقط يمكن للفكر أن يستعيد شرفه . وعندها يصبح المثقف العضوي أقل شبها بالموظف الذي يحمل نظرية، وأكثر شبها بالرفيق الذي يمشي مع الناس في الطريق نفسه . قد يتعب معهم . قد يتعثر . قد يضل الطريق . وقد لا يصل . لكنه لن يتركهم وحدهم . وربما هذه هي أبسط صورة للمثقف الذي نحتاجه في هذا الزمن كله : إنسان يرى إنسانا آخر يتألم، فلا يستطيع أن يتصرف كأن شيئا لم يحدث . من هذه القدرة الصغيرة على عدم الاعتياد على ألم الآخرين يبدأ الفكر . ومنها يبدأ اليسار . ومنها، أيضا، يبدأ أي أمل حقيقي في تغيير العالم .
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
-
الفساد حين يأكل من لحم الناس .
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
-
الهجرة ليست هروبا ...
-
أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل
...
-
من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق
...
-
ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
-
حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
-
مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح
...
-
ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
-
الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
-
حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن
...
-
حين تتصافح المصالح
-
رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر
...
-
اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة
...
-
التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة
...
-
من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية
...
-
تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت
...
-
حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و
...
-
بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
المزيد.....
-
قاض أمريكي يحدد موعد محاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11 سبتمبر
...
-
وزير خارجية قطر يتوجه إلى إيران اليوم الخميس
-
العراق: انسحاب قوات التحالف الدولي يسير بوتيرة متسارعة
-
ترامب: نكثف الجهود لإنهاء نزاع أوكرانيا
-
ترامب: نكثف العمل لإنهاء أزمة أوكرانيا
-
-نيويورك بوست-: قرار قضائي بمحاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11
...
-
الجزائر: مصرع 12 شخصا جراء حرائق الغابات في 3 ولايات (فيديو)
...
-
اجتماع أمني رفيع المستوى في البيت الأبيض بعد عودة راتكليف من
...
-
داسو: من المتوقع أن تصبح مقاتلة رافال الجديدة جاهزة قبل عام
...
-
الخارجية الإيرانية: السياسة الأمريكية تجاه بلادنا تحولت إلى
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|