رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 22:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هناك أماكن في هذا العالم لا تكتب أخبارها بالحبر فقط، بل تكتب بدموع الأمهات، وبأقدام العمال الذين عبروا المناجم والحقول بحثا عن خبز كريم، وبأصوات الفلاحين الذين ظلوا ينظرون إلى أرضهم ويسألون : لمن تكون هذه الأرض التي نزرعها ولا نملكها ؟
أمريكا اللاتينية ليست مجرد قارة تتبدل فيها الحكومات وتتغير فيها الوجوه السياسية . إنها ذاكرة بشرية ضخمة، تحمل في جسدها ندوب قرون من النهب والاستعمار والانقلابات، وتحمل في الوقت نفسه أحلام شعوب لم تتخلَّ عن حقها في أن تعيش دون خوف، وأن يكون مستقبلها قرارًا يصنعه أبناؤها لا مكاتب القوى الكبرى البعيدة .
وراء كل اسم سياسي في هذه القارة توجد حكاية إنسانية. خلف إيڤو موراليس، بكل ما له وما عليه، توجد حكاية ملايين الفقراء من أبناء الشعوب الأصلية الذين شعروا للمرة الأولى أن وجوههم ولغاتهم وذاكرتهم يمكن أن تجد مكانًا في قلب الدولة . وخلف الصراعات التي تحيط به اليوم، يوجد سؤال أكبر من شخص : هل تستطيع الشعوب التي خرجت من الهامش أن تحافظ على حقها في المشاركة في كتابة تاريخها ؟
إن القضية ليست فقط قضية محاكم وملفات وإجراءات قانونية، بل قضية شعب عاش طويلا وهو يشعر أن الآخرين يقررون عنه، وأن ثرواته تمر عبر أيدي كثيرة قبل أن تصل إليه . إنها قضية الإنسان البسيط الذي يريد أن يعرف لماذا تبقى أرضه غنية وأيامه فقيرة، ولماذا تكون ثروات وطنه مصدر صراع دائم بدل أن تكون مصدر كرامة .
وفي نيكاراغوا، كما في غيرها من بلدان القارة، يبقى السؤال المؤلم والمعقد حاضرا : كيف تحمي دولة استقلالها في عالم تتداخل فيه المصالح والضغوط الخارجية ؟ وكيف تضمن في الوقت نفسه أن لا تتحول حماية السيادة إلى تضييق على أصوات مواطنيها ؟ إن الشعوب لا تحتاج فقط إلى أوطان مستقلة عن الخارج، بل تحتاج أيضا إلى أوطان يشعر فيها المواطن بأنه شريك كامل في القرار .
أما كولومبيا، فهي تحمل ذاكرة ثقيلة . ذاكرة قرى فقدت أبناءها، وعائلات انتظرت سنوات بحثا عن الحقيقة، وأجيال عاشت بين الخوف والرغبة في التغيير . لذلك فإن أي محاولة لإقصاء تيار سياسي أو شيطنة ملايين البشر بسبب أفكارهم ليست مجرد معركة انتخابية، بل جرح جديد يمكن أن يفتح في جسد مجتمع أنهكته الصراعات .
إن اليسار في أمريكا اللاتينية، مثل كل تجربة بشرية، ليس كتلة واحدة بلا أخطاء أو تناقضات . لكنه كان، في لحظات كثيرة، التعبير عن صرخة الفقراء الذين أرادوا أن تصبح الدولة بيتا لهم لا قلعة فوقهم . وكان تعبيرا عن حلم بسيط وعميق : أن لا يكون الإنسان مجرد يد تعمل، بل كائنا له حق في التعليم والصحة والكرامة والاختيار .
المعركة الحقيقية في القارة ليست بين أسماء متنافسة على الكراسي، بل بين رؤيتين للإنسان. رؤية تعتبر الشعوب أرقاما في حسابات السوق، وأخرى ترى فيها أصحاب حق وذاكرة وأحلام . بين من ينظر إلى الأرض باعتبارها سلعة، ومن يراها موطنا للأحياء وللأجيال القادمة .
لقد تعلّمت شعوب أمريكا اللاتينية من تاريخها أن الهزيمة السياسية لا تعني موت الفكرة، وأن القمع لا يستطيع دائما دفن الأسئلة الكبرى . فالإنسان الذي ذاق معنى الكرامة لا يعود بسهولة إلى حياة الصمت . والعامل الذي رفع رأسه مرة لا ينسى أنه قادر على رفعها من جديد .
لهذا ستبقى القارة ساحة صراع مفتوحة، ليس لأن شعوبها تعشق الفوضى، بل لأنها تحمل جرحًا قديمًا لم يلتئم بعد : جرح الإنسان الذي يريد أن يكون سيد أرضه وحياته ومصيره .
وفي النهاية، ليست الثورة الحقيقية مجرد سقوط حكومة أو صعود أخرى، بل هي اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان إحساسه بأنه ليس زائدا في وطنه، ولا غريبا عن ثرواته، ولا متفرجا على مستقبله . هناك، في تلك اللحظة الإنسانية العميقة، يبدأ التاريخ من جديد .
لكن التاريخ لا يسكن فقط في القصور الرئاسية، ولا يختصر في بيانات الحكومات، ولا يحسم بين جدران المحاكم وحدها . التاريخ الحقيقي يعيش في الأزقة البعيدة، في البيوت الصغيرة التي تستيقظ قبل الفجر، في يد العامل التي تحمل آثار السنين، في امرأة تبيع ما تصنعه كي تعيل أبناءها، وفي طفل يذهب إلى المدرسة وهو يحمل في داخله سؤالا أكبر من عمره : لماذا يولد بعض الناس داخل الامتيازات، بينما يولد آخرون داخل المعاناة ؟
هناك، في عمق أمريكا اللاتينية، لا تزال الذاكرة تقاوم النسيان . ذاكرة الفلاح الذي طرد من أرض أجداده، وذاكرة العامل الذي اكتشف أن ثروات بلاده يمكن أن تغادر الحدود بينما يبقى الفقر مقيما في بيته، وذاكرة الشعوب الأصلية التي لم تطلب أكثر من الاعتراف بأنها كانت هنا قبل أن ترسم الخرائط وتقسّم الأوطان وفق مصالح الأقوياء .
لهذا فإن كل معركة سياسية في القارة تحمل في داخلها طبقات من التاريخ . إنها ليست مجرد صراع بين أحزاب انتخابية، بل امتداد لأسئلة قديمة لم تجد جوابًا نهائيا : من يملك الأرض ؟ من يقرر في الثروة ؟ من يملك الحق في تعريف الوطن ؟ وهل تكون الدولة حارسة لحقوق مواطنيها أم مجرد أداة في يد القوى الأكثر نفوذا ؟
لقد عرفت أمريكا اللاتينية معنى أن تصبح الديمقراطية كلمة جميلة في الخطابات، لكنها فارغة من مضمونها في حياة الناس . عرفت انتخابات تجرى بينما يبقى الفقير محروما من صوته الحقيقي، وعرفت دولا ترفع فيها شعارات الحرية بينما تغلق الأبواب أمام كل مشروع يحاول تغيير ميزان القوة الاجتماعية .
وفي المقابل، عرفت أيضا أخطاء التجارب التي رفعت راية التغيير . فالشعوب لا تمنح ثقتها إلى الأبد، ولا تقبل أن تتحول الأحلام التي حملتها إلى امتيازات جديدة أو إلى مسافة جديدة بين السلطة والناس . إن الدفاع عن العدالة الاجتماعية لا يعني تبرير كل ممارسة، كما أن نقد الحكومات لا يجب أن يصبح ذريعة لإعادة الشعوب إلى زمن التبعية .
فالمعيار الأهم يبقى دائما هو الإنسان : هل أصبح العامل أكثر قدرة على العيش بكرامة ؟ هل وجد الفلاح مكانه في وطنه ؟ هل استطاع الشاب أن يرى مستقبلا غير الهجرة واليأس ؟ هل أصبحت الدولة أقرب إلى مواطنيها أم بقيت بعيدة خلف الأسوار ؟
إن القوى التي تراهن على عودة الماضي تراهن غالبا على تعب الشعوب ونسيانها . لكنها تنسى أن الذاكرة الشعبية ليست كتابا يمكن إغلاقه . فالذين فقدوا أبناءهم في صراعات الأمس، والذين عاشوا سنوات الخوف، والذين حملوا أحلامهم عبر أجيال، لا ينظرون إلى السياسة كمسألة مجردة؛ إنها بالنسبة إليهم مسألة حياة كاملة .
ولهذا فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الإقصاء أو تحويل الاختلاف السياسي إلى عداوة وجودية تهدد المجتمعات نفسها . فالأوطان لا تبنى بإسكات نصف شعبها، ولا بالخوف من أصوات الفقراء، ولا باعتبار المطالب الاجتماعية خطرا يجب القضاء عليه .
إن أمريكا اللاتينية اليوم تقف أمام مرآتها . ترى تاريخا مليئا بالجراح، لكنها ترى أيضا وجوها لم تنطفئ فيها الرغبة في العدالة . ترى محاولات للعودة إلى الوراء، لكنها ترى كذلك أجيالا جديدة لا تريد أن ترث فقط آلام آبائها، بل تريد أن ترث حقها في صناعة عالم مختلف .
فالثورات الكبرى لا تبدأ دائما من ساحات ضخمة ولا من لحظات صاخبة . أحيانا تبدأ من سؤال صغير يطرحه إنسان بسيط على نفسه : لماذا يجب أن يكون الفقر قدرا ؟ لماذا يجب أن يكون الخوف طريقة للحكم ؟ لماذا لا يكون الوطن مكانا يحمي أحلام أبنائه بدل أن يطلب منهم الرحيل ؟
ومن هذه الأسئلة تولد كل مقاومة حقيقية . ليس لأنها تبحث عن السلطة فقط، بل لأنها تبحث عن الإنسان الذي ضاع طويلا بين أرقام الاقتصاد وحسابات المصالح وصراعات الأقوياء .
ذلك الإنسان هو قلب التاريخ الحقيقي . وكل نظام يتجاهله، مهما بدا قويا، يحمل في داخله بذور أزمته القادمة .
ولأن الشعوب لا تنسى بسهولة من حاول أن يسرق منها حقها في الحلم .
في أمريكا اللاتينية، لا يوجد حدث سياسي منفصل عن الذاكرة . كل قرار، كل مواجهة، كل اعتقال، كل انتخابات، وكل انقلاب في موازين القوى يحمل خلفه ظلال قرون من الأسئلة المؤجلة . إنها قارة لم تكن معركتها يوما فقط حول من يجلس في القصر، بل حول من يملك الحق في تحديد معنى الوطن نفسه .
منذ أن وطئت القوى الاستعمارية أرض القارة، كانت الثروة هي مركز الصراع . ذهب ومعادن وأراض خصبة وثروات هائلة، لكن شعوبا كثيرة بقيت محرومة من ثمار ما تنتجه . ومنذ ذلك الحين، ظل السؤال يطارد التاريخ : كيف يمكن لشعب أن يكون غنيا في باطن أرضه وفقيرا في حياة أبنائه ؟
هذا التناقض هو الذي صنع الحركات الاجتماعية، وهو الذي دفع العمال والفلاحين والشعوب الأصلية إلى البحث عن طريق آخر . لم يكن تمردهم بحثا عن امتيازات، بل كان محاولة لاستعادة شيء بسيط : أن يشعر الإنسان بأن بلاده ليست مكانا يعمل فيه فقط، بل مكانا ينتمي إليه .
ولهذا فإن الصراع حول شخصيات مثل إيڤو موراليس لا يمكن اختزاله في اسم سياسي أو ملف قضائي . فخلف الرجل توجد مرحلة كاملة حاولت أن تجعل الفئات التي ظلت تاريخيا في أسفل السلم الاجتماعي ترى نفسها داخل صورة الدولة . قد يختلف الناس حول تقييم تلك التجربة، لكن لا يمكن تجاهل أن وصول ممثل عن الشعوب الأصلية إلى أعلى هرم السلطة كان لحظة رمزية في قارة اعتادت طويلا أن تحكم من نخب بعيدة عن حياة الأغلبية .
وعندما تفتح ملفات الملاحقات ضد شخصيات سياسية، فإن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط ليس فقط : ما مضمون الملف ؟ بل أيضا : هل تطبق العدالة على الجميع بالمعيار نفسه ؟ أم أن القضاء يصبح أحيانا جزءا من معركة أكبر لتغيير موازين القوة السياسية ؟
هذا السؤال ليس خاصا ببوليفيا وحدها . فقد عرفت أمريكا اللاتينية تاريخا طويلا من استخدام مؤسسات الدولة في الصراع بين المشاريع المتناقضة . مرة باسم الأمن، ومرة باسم الاستقرار، ومرة باسم الدفاع عن الديمقراطية . لكن الشعوب التي عاشت تلك التجارب تعلمت أن الكلمات الكبيرة قد تحمل أحيانا معاني مختلفة حسب من يستخدمها .
وفي نيكاراغوا، يتجدد النقاش حول معنى السيادة الوطنية وحدود التدخل الخارجي . فذاكرة المنطقة لا تزال تحمل آثار عقود من التدخلات الأجنبية، ومن محاولات توجيه مسارات سياسية واقتصادية تخدم مصالح خارج حدودها . لذلك تنظر قطاعات واسعة من القوى الوطنية في القارة إلى مسألة الاستقلال السياسي باعتبارها قضية وجود لا مجرد شعار .
لكن السيادة الحقيقية ليست فقط أن ترفض تدخل الخارج، بل أيضا أن تبني علاقة صحية مع الداخل . فالوطن لا يصبح قويا فقط عندما يحمي حدوده، بل عندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن اختلافه لا يحوله إلى عدو، وأن الدولة ملك للجميع لا ملك لمن يصل إلى السلطة .
أما كولومبيا، فإنها تحمل جرحا خاصا . بلد عاش عقودا من العنف السياسي، حيث دفع كثيرون حياتهم ثمنا للصراع بين السلطة والمعارضة والحركات المسلحة والقوى الاجتماعية . لذلك فإن أي خطاب يسعى إلى تجريم اليسار أو تحويل الاختلاف السياسي إلى تهمة يوقظ مخاوف قديمة لدى مجتمع يعرف جيدا تكلفة الإقصاء .
فالمشكلة في أمريكا اللاتينية ليست وجود أفكار مختلفة، بل محاولة بعض القوى عبر التاريخ منع الفقراء والمهمشين من امتلاك حقهم في إنتاج الأفكار والمشاركة في القرار . إن الخطر الأكبر على أي مجتمع ليس أن تختلف الأصوات داخله، بل أن يطلب من جزء كبير من الشعب أن يصمت إلى الأبد .
إن ما يحدث في القارة اليوم يكشف حقيقة أعمق : الصراع لم يعد فقط بين اليمين واليسار بالمعنى التقليدي، بل بين تصورين للإنسان .
هناك تصور يرى المواطن عنصرا اقتصاديا، رقما في سوق العمل، مستهلكا حين يحتاجه الاقتصاد وصامتا حين يتخذ القرار .
وهناك تصور آخر يرى الإنسان كائنا كامل الحقوق، له ذاكرة وثقافة وأرض وانتماء، وله الحق في أن يسأل عن ثروة بلاده وعن مستقبله وعن معنى العدالة .
بين هذين التصورين يستمر الصراع .
ولعل أكبر درس قدمته أمريكا اللاتينية للعالم هو أن الشعوب قد تهزم سياسيا، لكنها لا تمحى تاريخيا . قد تسقط حكومات، وقد تتراجع مشاريع، وقد تتبدل التحالفات، لكن الأسئلة التي ولدت من معاناة الناس لا تموت .
فالجائع لا ينسى سؤال الخبز، والعامل لا ينسى سؤال الكرامة، والشعب الذي عرف معنى التبعية لا ينسى حلم الاستقلال .
لهذا تبقى القارة، بكل تناقضاتها وآلامها وأحلامها، واحدة من أهم ساحات الصراع على مستقبل العالم : هل يكون المستقبل عالما تتحكم فيه القوة والثروة وحدهما ؟ أم عالما يستعيد فيه الإنسان مكانه الطبيعي باعتباره الغاية الأولى لكل سياسة وكل اقتصاد وكل مشروع حضاري ؟
هناك، في قلوب الناس البسطاء الذين لم يظهروا في نشرات الأخبار، تكتب الإجابة الحقيقية ....
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟