أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..















المزيد.....

ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 20:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست السياسة ما يقال على المنصات، ولا ما تحصيه كاميرات القنوات من رؤوس في الساحات . السياسة الحقيقية تقاس بما يحدث في طوابير الخبز، وفي قاعات الانتظار بالمستشفيات، وفي البيوت التي صار انقطاع الماء والكهرباء ضيفا ثقيلا فيها، وفي الأسواق التي تسبق الأسعار فيها أجور العمال والموظفين بخطوات طويلة .
من هذه الأرض، لا من ضجيج البيانات، ينبغي أن نقرأ ما جرى في الخامس والعشرين من جويلية .
لقد دخلت السلطة مرحلة لم يعد يكفي فيها الاحتفاء بالماضي أو استدعاء لحظة 2021 لاستعادة الشرعية . فالشرعية ليست رصيدا يودع في البنك السياسي ويسحب منه إلى ما لا نهاية، بل علاقة يومية بين الدولة ومواطنيها . وكلما اتسعت الهوة بين الخطاب والواقع، تآكلت تلك الشرعية، مهما بلغت قوة أجهزة الدولة، ومهما ارتفع منسوب الدعاية .
لكن الوجه الآخر للمشهد لا يقل دلالة . فالغضب الشعبي المتصاعد لم يجد، إلى الآن، أداة سياسية تعبّر عنه تعبيرا تاريخيا . هناك رفض واضح للسياسات القائمة، غير أن هذا الرفض لا يتحول تلقائيا إلى ثقة في القوى التي تداولت على الحكم بعد 2011 . فالذاكرة الاجتماعية لم تنس من ساهم في تعميق التبعية الاقتصادية، ولا من حوّل الثورة إلى مجرد تنافس على إدارة السلطة، بينما بقيت أوضاع الفئات الشعبية على حالها، بل ازدادت قسوة .
هنا تتجلى الأزمة الحقيقية : سلطة تفقد قدرتها على الإقناع، ومعارضة تعجز عن استعادة الثقة . وبينهما يقف الشعب، لا بوصفه كتلة صامتة، بل باعتباره القوة التي لم تجد بعد إطارها السياسي المستقل .
غير أن أخطر ما كشفته هذه المرحلة ليس تراجع شعبية السلطة فحسب، وإنما الفراغ الذي يحيط بهذا التراجع . فالتاريخ يعلمنا أن سقوط الثقة في الحاكم لا يعني بالضرورة صعود مشروع تحرري . قد يفتح الطريق، أحيانا، أمام إعادة إنتاج المنظومة نفسها بوجوه أخرى، أو أمام قوى تتقن استثمار الغضب الشعبي دون أن تملك مشروعا يغيّر شروط حياة الناس .
لقد حاولت قوى عديدة أن تتصدر مشهد الاحتجاج، لكن حضورها لم يبدد الشكوك التي تراكمت في الوعي الشعبي . فالتونسيون الذين دفعوا ثمن سنوات من الوعود المكسورة لم يعودوا يمنحون ثقتهم بسهولة . إنهم يدركون، ولو بحدسهم اليومي، أن الأزمة أعمق من تغيير الأشخاص، وأن الذين تعاقبوا على إدارة الدولة، باختلاف شعاراتهم، لم يخرجوا عن المنطق الاقتصادي نفسه : الاقتراض، والتقشف، وإلقاء كلفة الأزمة على العمال وصغار الموظفين والفلاحين والكادحين .
ولذلك فإن اتساع الاحتجاجات، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يقود إلى أوهام سياسية . فالثورة ليست موعدا يعلن عنه على صفحات التواصل الاجتماعي، وليست شعارا يرفع في مسيرة أو ساحة . الثورة لحظة تاريخية تسبقها سنوات من التراكم داخل المجتمع، في المصانع، وفي الحقول، وفي الجامعات، وفي الأحياء الشعبية، حيث يتشكل الوعي الجماعي وتولد أدوات التنظيم القادرة على تحويل الغضب إلى قوة تغيير .
وإذا كانت السلطة قد خسرت جزءا مهما من رصيدها، فإن القوى التي حكمت قبلها لم تسترجع ما فقدته من شرعية . وهذا ما يفسر ذلك المشهد الذي يبدو متناقضا : غضب واسع، لكن دون التفاف واسع حول أي طرف؛ احتقان اجتماعي متصاعد، لكن دون انفجار شامل؛ شعب يرفض الواقع، لكنه يرفض أيضا العودة إلى تجارب يعتبر أنها ساهمت في إيصاله إلى هذا المأزق .
إنها لحظة انسداد سياسي بكل ما تعنيه الكلمة . انسداد لا يمكن كسره بالشعارات، ولا بالمناورات بين أجنحة السلطة والمعارضة، وإنما ببناء أفق جديد ينطلق من مصالح الأغلبية الشعبية، لا من حسابات النخب المتصارعة على إدارة الأزمة نفسها .
وهنا يبرز السؤال الذي يتهرب منه الجميع : أين اليسار ؟
ليس اليسار بوصفه لافتة انتخابية، ولا مجموعة بيانات موسمية، بل بوصفه التعبير السياسي عن مصالح العمال والكادحين والعاطلين عن العمل، وعن الشباب الذي أُغلقت في وجهه أبواب المستقبل، وعن الجهات التي لم تنل من الدولة إلا الوعود .
لقد ترك غياب اليسار المنظم في هيكل واسع مهما كان الاسم، فراغا واسعا، فتقدمت إليه قوى لا يجمعها سوى الرغبة في الوصول إلى السلطة . وهكذا أصبح الشارع، كلما تحرك، مهددا بأن تختطف مطالبه مرة أخرى، وأن تتحول معاناة الناس إلى وقود في معارك لا تدور حول الخبز والكرامة، بل حول من يجلس على كرسي الحكم .
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه القوى الثورية اليوم هو الارتماء في أحد معسكري الأزمة : معسكر السلطة أو معسكر من يريد وراثتها دون مراجعة عميقة لتجربته . فالاصطفاف خلف أحد طرفي المنظومة لا يصنع بديلا، بل يطيل عمرها، ويؤجل ولادة مشروع شعبي مستقل .
المطلوب ليس أن يختار الشعب بين استبداد يرفع شعار مقاومة الفساد، أو معارضة تريد العودة إلى ما قبل الخامس والعشرين من جويلية . ذلك أن الأزمة لم تبدأ في ذلك التاريخ، ولن تنتهي بمجرد إسقاط هذا الرئيس أو عودة ذلك الحزب . جذورها تمتد إلى عقود من الخيارات الاقتصادية التي جعلت الإنتاج يتراجع، والعمل يزداد هشاشة، والثروة تتركز في أيدي أقلية، بينما تطلب التضحيات دائما من الذين لا يملكون إلا قوة عملهم .
ولذلك، فإن المعركة الأساسية ليست معركة دستور أو انتخابات فقط، بل معركة من أجل تغيير طبيعة الدولة نفسها : دولة تنحاز إلى العمل لا إلى الريع، وإلى الإنتاج لا إلى المضاربة، وإلى الحقوق الاجتماعية لا إلى وصفات التقشف والإملاءات الخارجية . فحرية بلا عدالة اجتماعية تتحول إلى امتياز، وعدالة اجتماعية بلا حرية تتحول إلى وصاية، أما الثورة التي حلم بها التونسيون فلا تستقيم إلا بجمع الاثنين في مشروع وطني ديمقراطي وشعبي .
إن ما بعد 25 جويلية لا ينبغي أن يكون موعدا لتبادل الاتهامات بين المنظومات المتنافسة، بل فرصة لاستخلاص الدرس الأكبر : كل سلطة تتجاهل الخبز والعمل والكرامة مصيرها أن تفقد سندها الشعبي، وكل معارضة تعتقد أن سقوط السلطة يكفي لعودتها، ستصطدم بشعب لم يعد ينسى بسهولة، ولم يعد مستعدا لأن يدفع ثمن الأخطاء نفسها مرتين .
هذا، ولقد دخلت تونس مرحلة لم يعد فيها الصراع الحقيقي بين هذا الرئيس أو ذاك الحزب، ولا بين أنصار 25 جويلية وخصومها . الصراع الحقيقي بات بين أغلبية اجتماعية تدفع كل يوم إلى مزيد من الفقر والهشاشة، وأقلية تواصل إدارة الأزمة بالوصفات نفسها، مهما اختلفت أسماؤها وشعاراتها .
إن واجب اليسار اليوم ليس أن يكون شاهدا على انهيار منظومة أو ملحقا بمنظومة أخرى، بل أن يعود إلى مكانه الطبيعي : بين العمال، والعاطلين عن العمل، وصغار الفلاحين، والطلبة، والنساء الكادحات، وكل من يدفع وحده فاتورة الأزمة . فهناك، لا في دهاليز السلطة ولا في رهانات العودة إلى الماضي، يصنع البديل .
إن الثورة ليست كلمة تستعار حين يشتد الصراع على الحكم، بل مشروع تاريخي لتحرير الإنسان من الاستغلال والتهميش والاستبداد . وهي لن تولد من مساومات النخب، ولا من انتظار تدخل الخارج، بل من تراكم النضالات اليومية، ومن بناء قوة شعبية مستقلة، تمتلك برنامجا واضحا وتنظيما راسخا وإرادة لا تنكسر .
قد يبدو الطريق طويلا، لكنه الطريق الوحيد الذي لا يعيد إنتاج الهزيمة . أما الرهان على تغيير الوجوه مع بقاء السياسات نفسها، فلن يكون سوى دوران جديد في الحلقة ذاتها، حيث تتبدل الحكومات، ويبقى الشعب وحيدا أمام الغلاء والبطالة والتهميش .
لهذا، فإن المهمة الملحة ليست البحث عن من يحكم غدا، بل بناء من يغيّر الغد . وذلك لن يكون إلا بولادة يسار شعبي، ديمقراطي، جذري، يستمد شرعيته من الناس، وينحاز إلى مصالحهم، ويعيد إلى شعار الثورة معناه الحقيقي : الشغل، والحرية، والكرامة الوطنية؛ لا كشعار يرفع في المسيرات، بل كبرنامج نضال ينتزع في الشارع، وفي مواقع العمل، وفي كل فضاء يكتب فيه الشعب تاريخه بيديه .



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
- مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح ...
- ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
- الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
- حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ...
- حين تتصافح المصالح
- رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر ...
- اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة ...
- التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة ...
- من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية ...
- تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت ...
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.


المزيد.....




- السودان: ما دلالات استعادة الجيش مناطق إستراتيجية في شمال كر ...
- بعد الهجوم على مسيرة المثليين في برلين.. ميرتس يحذر من الانق ...
- مدربات على رأس منتخبات إفريقية.. حضور محدود رغم التقدم
- بعد مصرع طفلة بالقناطر الخيرية.. النائب سمير البيومي يطالب ا ...
- وزارة التنمية المحلية والبيئة تهنئ محافظة الإسكندرية بعيدها ...
- بعد فنزويلا وكوبا.. هل يستهدف ترمب نيكاراغوا؟
- سقط من الطابق الـ12 ونجا.. لماذا قتلت الصدمة شخصا آخر؟
- مازن المبارك.. شيخ النحاة وناشر الوعي اللغوي
- إيران.. ترمب يمنح -فرصة محدودة- للدبلوماسية وحديث عن -حل وسط ...
- من العبودية إلى المتاحف.. هكذا تخوض إدارة ترمب معركة السيطرة ...


المزيد.....

- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..