|
|
حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 23:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
01 : الثقافة ... السؤال الذي يسبق الخبز :
في صباح تونسي عادي، يحمل شاعر مخطوطه تحت ذراعه كما يحمل عامل منجمي خوذته . كلاهما يغادر بيته وفي داخله أمل صغير بأن يعود آخر النهار وقد انتصر على شيء من قسوة الحياة. الأول يبحث عن ناشر لا يطالبه بأن يدفع ثمن نشر كلماته، والثاني يبحث عن يوم عمل لا يسرق صحته . كلاهما يبيع جزءا من عمره، غير أن أحدهما يبيع عضلاته، والآخر يبيع روحه . قد تبدو المقارنة غريبة، لكنها ليست كذلك . ففي المجتمع الذي تتحول فيه كل الأشياء إلى سلع، يصبح الشعر سلعة، والمسرح سلعة، واللوحة سلعة، والكتاب سلعة، بل يصبح الخيال نفسه خاضعا لقوانين العرض والطلب . وحين يعجز الخيال عن تحقيق الربح، يدفع إلى الهامش كما لو أنه فائض لا تحتاج إليه السوق . من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للثقافة في تونس . ليست أزمة الثقافة أن وزارة الشؤون الثقافية تملك ميزانية محدودة، فذلك مجرد وجه من وجوه المشكلة . الأزمة أعمق من بند في قانون المالية، وأبعد من نجاح مهرجان أو فشل آخر. إنها أزمة رؤية للدولة نفسها : ماذا تريد من الثقافة ؟ هل تراها حقا اجتماعيا، أم نشاطا ترفيهيا؟ هل تعتبر الفنان شريكا في صناعة الوعي، أم مجرد منشط للمناسبات ؟ تكشف مشاريع الميزانية الرسمية أن الاعتمادات المخصصة لوزارة الشؤون الثقافية تبقى دون واحد بالمائة من الميزانية العامة للدولة، وهي نسبة لا تعكس فقط حجم الإنفاق، بل أيضا ترتيب الثقافة داخل سلم الأولويات العمومية . وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة الإعلان عن برامج دعم للإبداع، ومنصات رقمية، وإصلاحات إدارية، وهي خطوات قد تكون ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها للإجابة عن السؤال الجوهري : لماذا ما يزال عدد كبير من المبدعين يعيشون الإحساس ذاته بأنهم يقفون خارج دوائر الاعتراف ؟ إن التناقض بين الخطاب والواقع لا يحله الإعلان عن البرامج، بل يحله تغيير فلسفة السياسة الثقافية نفسها . وليس هذا التناقض خاصا بتونس وحدها . فمنذ انتصار النموذج النيوليبرالي في العالم، لم تعد الثقافة تقاس بقدرتها على توسيع وعي الإنسان، بل بقدرتها على صناعة الأرباح وجذب المستهلكين . صار الكتاب الجيد يسأل عن عدد نسخه قبل أن يسأل عن قيمته، وأصبح المسرح مطالبا بأن يملأ القاعة قبل أن يملأ العقول، وغدا الفنان مطالبا بأن يتحول إلى علامة تجارية أكثر من كونه ضميرا اجتماعيا . إن الرأسمالية لا تعادي الثقافة لأنها تخاف القصيدة، وإنما لأنها تخاف الإنسان الذي تصنعه القصيدة؛ إنسانا يملك القدرة على السؤال، وعلى الشك، وعلى رفض تحويل حياته إلى رقم في سوق الاستهلاك . لهذا لا يكون تهميش الثقافة حادثًا إداريًا، بل نتيجة منطق اقتصادي واجتماعي يرى أن الاستثمار الحقيقي هو ما يحقق عائدا ماليا سريعا، أما الاستثمار في الوعي، وفي الخيال، وفي الذائقة، فهو مؤجل دائما إلى إشعار آخر . ومن هنا أيضا، يصبح المثقف أول من يدفع ثمن السياسات الاقتصادية، حتى وإن لم يذكر اسمه في أي تقرير اقتصادي . فكل دينار يقتطع من المدرسة العمومية، ومن المكتبة العمومية، ومن دار الثقافة، ومن المسرح، هو في النهاية دينار يقتطع من قدرة المجتمع على التفكير الحر . لهذا فإن السؤال الثقافي ليس سؤال الفنانين وحدهم، بل سؤال كل أب يريد لابنه مدرسة تعلّمه التفكير، وكل أم تريد لابنتها أن تكبر وهي تعرف أن الجمال طريقة في مقاومة القبح . فالثقافة ليست زينة تعلّق على جدران الدولة، بل هي قلب المجتمع حين ينبض بحرية . وإذا مرض هذا القلب، فلن تنقذه كثرة المهرجانات، ولا البلاغات الرسمية، ولا الصور التذكارية . ما ينقذه هو الإيمان بأن الإنسان يسبق السوق، وأن الكتاب يسبق الإعلان، وأن المسرح يسبق المنصة التجارية، وأن القصيدة، مهما بدت ضعيفة، تستطيع أن تهزم زمنا كاملا من الصمت .
02 : من مشروع وطني إلى إدارة للهامش ... كيف تغيّرت وظيفة الثقافة؟ :
لم تولد الثقافة التونسية في المكاتب الإدارية، ولم تبدأ بقرار وزاري. لقد ولدت في الزوايا والمدارس، وفي الصحافة الوطنية، وفي المسارح التي واجهت الاستعمار، وفي الأغنية التي حفظت ذاكرة الناس، وفي القصيدة التي سبقت المظاهرة أحيانا، ولحقتها أحيانا أخرى . كانت الثقافة، في لحظات كثيرة من تاريخ تونس، فعلا من أفعال التحرر، لا نشاطا مكمّلا للدولة . بعد الاستقلال، أدركت الدولة الوطنية أن بناء المدرسة وحده لا يكفي، وأن المواطن لا يتكوّن بالقراءة والكتابة فقط، بل أيضا بالكتاب والمسرح والموسيقى والسينما والفنون التشكيلية . لذلك تأسست دور الثقافة، وتوسعت المكتبات العمومية، وظهرت المهرجانات الكبرى، ووجدت أجيال كاملة في الثقافة نافذة على العالم . لكن هذا المشروع، على ما حمله من إيجابيات، بقي مشروعا تمسك الدولة بخيوطه كلها . كانت هي المموّل، والمنظّم، والمشرف، والمانح للاعتراف . ومع مرور السنوات، أصبحت الثقافة، مثل قطاعات أخرى، أكثر ارتباطا بالإدارة من ارتباطها بالمجتمع . ثم جاءت التحولات الاقتصادية الكبرى، منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع برامج الإصلاح الهيكلي وسياسات التقشف، فتغيّرت الأولويات . لم تعد الثقافة تنظر إليها باعتبارها استثمارا في الإنسان، بل باعتبارها قطاعا يمكن تقليص نفقاته كلما اشتدت الأزمة المالية . وهكذا بدأت تتراجع المؤسسات الثقافية العمومية، وتآكلت ميزانياتها، واتسعت الفجوة بين العاصمة والجهات الداخلية . ولم يكن هذا التحول معزولا عن السياق العالمي . فمع صعود النيوليبرالية، أصبحت الدولة تشجّع على تقليص دورها الاجتماعي، وترك مجالات واسعة لمنطق السوق . وفي هذا المناخ، بدأت الثقافة نفسها تقاس بعدد التذاكر المباعة، وعدد الزوار، وحجم الرعاية التجارية، أكثر مما تقاس بقدرتها على إنتاج معرفة جديدة أو توسيع أفق الحرية . هنا ظهر تناقض عميق : كيف يمكن للفنون التي تحتاج إلى الزمن، وإلى التجريب، وإلى الجرأة، أن تعيش داخل منطق لا يعترف إلا بالربح السريع ؟ في هذا السياق، لم يعد التهميش يطال المبدع وحده، بل طال أيضا الفضاء الذي يحتضنه . فكم من دار ثقافة في المدن الداخلية تحولت إلى بناية تنتظر ميزانية صيانة ؟ وكم من مكتبة عمومية بقيت عاجزة عن تجديد رصيدها ؟ وكم من مسرح فقد جمهوره لأنه فقد الإمكانات التي تسمح له بإنتاج عروض حقيقية ؟ إن الحديث عن الثقافة في تونس لا يمكن أن ينفصل عن الجغرافيا الاجتماعية . فحين تكون الثروة مركزة في مناطق بعينها، فإن الاعتراف الثقافي يتركز هو الآخر . وحين يشعر شاب في قفصة، أو القصرين، أو سيدي بوزيد، أو تطاوين، أن عليه أن يهاجر إلى العاصمة حتى يسمع صوته، فإن المشكلة ليست في موهبته، بل في اختلال توزيع الفرص . ولذلك فإن العدالة الثقافية ليست شعارا أخلاقيا، بل جزء من العدالة الاجتماعية . فلا معنى للحديث عن تكافؤ الفرص إذا بقي الوصول إلى الكتاب، وإلى المسرح، وإلى التكوين الفني، رهين المكان الذي ولد فيه الإنسان . إن المبدعين لا يطالبون بامتيازات، بل يطالبون بحقهم في شروط عادلة للإنتاج والإبداع. يطالبون بمؤسسات مستقلة وشفافة، وبسياسات تجعل الدعم حقا تحدده الكفاءة، لا العلاقات، وتجعل الثقافة مشروعا مستمرا، لا موسما ينتهي بانتهاء المهرجان . وهنا ينبغي أن يطرح السؤال الذي غالبا ما يتم تجنبه : هل نريد ثقافة تنتج مواطنا ناقدا، أم ثقافة تنتج مستهلكا مطيعا ؟ إن الفرق بين المشروعين هو الفرق بين دولة ترى في الثقافة استثمارا في المستقبل، ودولة تراها عبئا ماليا . الأولى تبني الإنسان قبل أن تبني الحجر، والثانية قد تشيّد القاعات، لكنها تعجز عن ملئها بالفكر والحياة . ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد ثقته في مثقفيه، لا لأنهم صمتوا، بل لأنهم أُرهقوا في معارك البقاء اليومية . فالمثقف الذي ينشغل بتأمين لقمة عيشه، وبتمويل كتابه، وبالبحث عن فضاء يحتضن عمله، يجد نفسه يستهلك طاقته في مقاومة الهشاشة، بدل أن يكرّسها لإنتاج المعرفة والجمال . وعندما تصل الثقافة إلى هذه المرحلة، فإن الأزمة لا تعود أزمة وزارة أو إدارة، بل تصبح أزمة مشروع مجتمعي بأكمله . فالأمم لا تقاس فقط بما تنتجه مصانعها، بل أيضا بما تنتجه مكتباتها، ومسارحها، وجامعاتها، وأصوات شعرائها .
03 : من يربح من تهميش الثقافة؟ حين يصبح الوعي عدوا للسوق :
ليس السؤال الحقيقي : لماذا يعاني المبدع التونسي ؟ بل : من المستفيد من أن يبقى يعاني ؟ قد يبدو السؤال صادما، لكنه يفتح الباب على حقيقة كثيرا ما تحجب خلف لغة الإدارة والميزانيات . فالثقافة ليست قطاعا معزولا عن الاقتصاد، وليست جزيرة مستقلة عن علاقات القوة داخل المجتمع . إنها، كما فهمها أنطونيو غرامشي، إحدى ساحات الصراع على الهيمنة؛ حيث لا تحكم الشعوب بالقوانين وحدها، بل بالأفكار التي تقبلها، وبالصور التي تستهلكها، وباللغة التي تصف بها العالم . لهذا السبب، لا تخشى المنظومات الاقتصادية القصيدة لذاتها، ولا المسرحية، ولا الرواية، بل تخشى ما يمكن أن تنتجه هذه الأعمال من إنسان يصعب إخضاعه . فالإنسان الذي يقرأ كثيرا، ويشاهد مسرحا نقديا، ويصغي إلى موسيقى تفتح أسئلة الوجود، يصبح أقل قابلية للتسليم بأن الفقر قدر، وأن البطالة خطأ فردي، وأن التفاوت الاجتماعي قانون طبيعي . وهنا تتجلى المفارقة الكبرى : إن السوق يحتاج إلى مستهلكين أكثر مما يحتاج إلى مواطنين، ويحتاج إلى أفراد يلهثون وراء السلع أكثر مما يحتاج إلى بشر يطرحون الأسئلة . حين يتحول كل شيء إلى سلعة، لا ينجو الفن من هذا المصير . يطلب من الشاعر أن يصبح مؤثرا، ومن الروائي أن يتحول إلى منتج جماهيري، ومن المسرحي أن يقيس نجاحه بعدد التذاكر لا بعمق الأثر، ومن الموسيقي أن يطارد خوارزميات المنصات الرقمية بدل أن يطارد الجمال . إنها ليست مؤامرة، بل منطق اقتصادي كامل . الرأسمالية المتأخرة لا تمنع الثقافة، بل تعيد تشكيلها. فهي لا تغلق المسارح، لكنها قد تدفعها إلى اللهاث وراء العروض الأكثر استهلاكا . ولا تمنع النشر، لكنها تجعل الكتاب سلعة تقاس بقابلية البيع قبل قيمته الفكرية . ولا تخرس الفنان، لكنها تدفعه، تحت ضغط الحاجة، إلى التنازل التدريجي عن استقلاله . في هذه اللحظة تحديدا، يصبح التهميش أكثر تعقيدا. فهو لا يأتي دائما في صورة منع أو رقابة مباشرة، بل في صورة إرهاق دائم . يظل الكاتب مشغولا بكيفية دفع كلفة الطباعة، ويظل الباحث يلهث وراء منحة، ويظل المسرحي يبحث عن قاعة، ويظل التشكيلي يبحث عن ممول، حتى تتحول معركة الإبداع إلى معركة من أجل البقاء . وهذا هو أخطر أشكال الإقصاء؛ لأنه لا يقتل المبدع، بل يستهلك عمره . لقد كتب بيير بورديو أن الثقافة تنتج بدورها أشكالا من الرأسمال، لكنها ليست رأسمالا ماليا، بل رأسمال رمزي يحدد المكانة والاعتراف والقدرة على التأثير . غير أن المجتمعات التي تخضع كل شيء لمنطق السوق تفرغ هذا الرأسمال الرمزي من قيمته، ليصبح الاعتراف نفسه خاضعا لمن يمتلك المال والإعلان وشبكات النفوذ . من هنا، يصبح من الطبيعي أن يشعر كثير من المبدعين بأن الطريق إلى الجمهور لم يعد يمر عبر جودة العمل وحدها، بل عبر منظومات كاملة من العلاقات والتسويق والتمويل والقدرة على الظهور . وهذه ليست أزمة أفراد، بل أزمة بنية اجتماعية تجعل الرؤية التجارية تتقدم على الرؤية الثقافية . وفي تونس، يزداد هذا التناقض حدة لأن البلاد تعيش، منذ سنوات، أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة . وحين تضيق الموارد، يكون أول ما يدفع إلى الهامش هو كل ما لا ينتج ربحا سريعا . لكن السؤال الذي لا يطرح غالبا هو : كم تخسر الدولة عندما تهمل الثقافة ؟ إنها لا تخسر مهرجانا أو معرضا للكتاب فقط، بل تخسر قدرة المجتمع على مقاومة التطرف، والعنف، والكراهية، والخرافة، والتفكك . فالثقافة ليست استهلاكا للوقت، بل إنتاج للمناعة الفكرية . لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي انهارت ثقافيا قبل أن تنهار اقتصاديا كانت قد فقدت قدرتها على تخيل مستقبل مختلف . وحين يموت الخيال، يصبح الواقع، مهما كان ظالما، يبدو وكأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة. ولهذا فإن الدفاع عن الثقافة ليس مطلبا فئويا يخص الشعراء والرسامين والموسيقيين، بل هو دفاع عن حق المجتمع في أن يحتفظ بقدرته على الحلم، وعلى النقد، وعلى إنتاج البدائل . إن القضية، في جوهرها، ليست قضية وزارة ولا إدارة، بل قضية نموذج تنموي كامل . فإذا كان الاقتصاد لا يرى في الإنسان إلا يدا عاملة أو مستهلكا، فإن الثقافة تعيده إلى مكانته الأولى : كائنا يبدع، ويتساءل، ويحلم، ويتمرد . وهنا يكمن سر الصراع كله. فالسلطة التي تكتفي بإدارة الأزمات قد تكتفي بثقافة المناسبات، أما المجتمع الذي يريد أن يصنع مستقبله، فلا بد أن يجعل الثقافة إحدى أدوات التحرر، لا إحدى ضحايا التقشف . إن المعركة الحقيقية ليست بين الثقافة والجهل فقط، بل بين ثقافتين : ثقافة تعامل الإنسان باعتباره مشروع حرية، وثقافة تعيد تشكيله باعتباره رقما في السوق . وكل سياسة ثقافية لا تنحاز إلى الإنسان قبل الربح، وإلى الوعي قبل الاستهلاك، ستظل، مهما حسنت نواياها، جزءا من إعادة إنتاج الأزمة نفسها .
و في الختام، لن تموت الثقافة لأن شاعرا لم يجد ناشرا، ولا لأن ممثلا أُغلقت في وجهه خشبة، ولا لأن رساما عجز عن إقامة معرض، ولا لأن باحثا دفن مخطوطه في درج مكتبه . الثقافة أكبر من ذلك كله، لأنها ذاكرة الشعوب، والذاكرة لا تمحى بسهولة . لكن ما يمكن أن يموت، بصمت، هو إيمان المجتمع بقيمة الثقافة . وذلك أخطر بكثير من إغلاق مسرح أو تأجيل مهرجان . فعندما يكبر طفل وهو لا يرى في محيطه مكتبة عامرة، ولا مسرحا حيا، ولا شاعرا يحتفى به، ولا روائيا يقرأ، فإنه يتعلم، من حيث لا يدري، أن المعرفة ديكور، وأن الجمال شأن ثانوي، وأن الفكر لا مكان له في زمن السوق . وهنا تكمن الهزيمة الحقيقية . إن الأمم لا تقاس بعدد الجسور التي تبنيها فقط، بل بعدد الجسور التي تقيمها بين الإنسان ووعيه . ولا تقاس بما تستخرجه من الأرض، بل بما تخرجه من عقول أبنائها . فالنفط ينضب، والفسفاط ينفد، والأسواق تتغير، أما العقل الذي تعلّم أن يفكر بحرية، فهو الثروة الوحيدة التي تتجدد كل يوم . إن الدفاع عن الثقافة، ليس دفاعا عن امتيازات فئة من المبدعين، بل دفاع عن الحق الجماعي في إنتاج المعنى، وفي مقاومة تحويل الإنسان إلى مجرد مستهلك، أو ناخب موسمي، أو رقم في تقارير النمو . فالمجتمع الذي يجرّد من خياله يجرّد، في الوقت نفسه، من قدرته على مقاومة الظلم، لأن كل ثورة تبدأ بفكرة، وكل فكرة تبدأ بكلمة، وكل كلمة تحتاج إلى فضاء حر كي تولد . ولذلك، فإن السياسة الثقافية التي تحتاجها تونس ليست سياسة تدير الأنشطة، بل سياسة تعيد توزيع الحق في الثقافة كما يعاد توزيع الحق في التعليم والصحة والعمل . سياسة تنقل الكتاب إلى القرى قبل أن تنتظر القارئ في العاصمة، وتمنح الطفل في المتلوي، وفي القصرين، وفي جندوبة، وفي تطاوين، الحق نفسه في المسرح والموسيقى والسينما الذي يجده طفل العاصمة . فالثقافة ليست عدالة رمزية فحسب، بل هي عدالة مجالية واجتماعية أيضا . ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس : كم أنفقت الدولة على الثقافة ؟ بل : أي إنسان تريد الدولة أن تصنعه ؟ فإذا كان المطلوب مواطنا حرا، ناقدا، مبدعا، قادرا على الاختلاف، فإن الثقافة تصبح استثمارا لا يقل أهمية عن أي مشروع اقتصادي . أما إذا كان المطلوب مجرد أفراد يتكيفون مع الواقع دون مساءلته، فإن أول ما سيهمّش هو الكتاب، والمسرح، والفكر، وكل ما يوقظ الحس النقدي . إن تونس، بتاريخها الفكري، وبجامعتها، وبشعرائها، وبفنانيها، وبتراثها المتوسطي والإفريقي والعربي، تملك من الرصيد الثقافي ما يجعلها قادرة على أن تكون منارة في محيطها . لكن هذا الرصيد لا يحيا بالحنين، بل بإرادة سياسية تعتبر الثقافة حقا عاما لا سلعة، ورافعة للتحرر لا زينة للمناسبات . ولأن الثقافة، في جوهرها، فعل مقاومة، فإن الدفاع عنها لا يبدأ من الوزارة وحدها، بل من المجتمع كله : من المدرسة، والجامعة، والنقابة، والجمعية، والمكتبة، والمسرح، والحي، والقرية، ومن كل مكان ما زال يؤمن بأن الإنسان لا يختزل في قدرته على الإنتاج، بل في قدرته على الحلم . فحين تنتصر الثقافة، لا ينتصر الشعراء وحدهم، ولا الفنانون وحدهم، ولا الكتّاب وحدهم؛ ينتصر الإنسان .
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح
...
-
ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
-
الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
-
حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن
...
-
حين تتصافح المصالح
-
رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر
...
-
اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة
...
-
التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة
...
-
من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية
...
-
تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت
...
-
حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و
...
-
بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
-
بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
-
حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال
...
-
السلطة وإعادة الإنتاج.
-
هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
-
حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
-
الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
-
من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
-
حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
المزيد.....
-
إدانات عربية واسعة للضربات الإيرانية.. ودعوات لاستئناف الحوا
...
-
تواصل التصعيد بين واشنطن وطهران واستهداف البنية التحتية
-
مؤثرة مغربية شهيرة تكشف تعرضها لاعتداء جنسي خلال سنين مراهقت
...
-
مشاهد توثق -إصابة دقيقة- لناقلة نفط -مخالفة- في مضيق هرمز بط
...
-
انفجارات ضخمة في مستودعات ذخيرة وقواعد عسكرية في أربيل شمال
...
-
نظام كييف يوسع منطقة الإخلاء القسري في الأجزاء التي تسيطر عل
...
-
تمديد الخدمة العسكرية وأيضا -ما هو جيد لأمريكا-.. جميع القوا
...
-
الكولاجين أم الجيلاتين؟ دليلك لاختيار المكملات الأنسب لك
-
سوريا.. إحباط تهريب مليون و300 ألف حبة كبتاغون في حمص
-
يبحث عن عدو جديد.. اتهامات ترمب للصين باختراق الانتخابات تثي
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|