أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين تتصافح المصالح















المزيد.....



حين تتصافح المصالح


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 22:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في لحظات كهذه، حين تُعلن العواصم عن “تفاهم” جديد بين واشنطن وطهران، يبدو المشهد للوهلة الأولى كأن التاريخ يخفّف من حدّته، وكأن العالم يتعلّم فجأة لغة أقل ضجيجا من لغة الصواريخ. غير أنّ القراءة اليسارية الثورية لا تنخدع بالسطح، لأنها تعلم أن الدبلوماسية في النظام الإمبريالي ليست نقيض الحرب، بل امتدادها بوسائل أخرى.
ما يحدث ليس مصالحة بين خصمين متساويين، بل إعادة هندسة لعلاقة قوة مختلّة أصلا. الولايات المتحدة لا تتنازل عن موقعها في الهرم العالمي، بل تعيد توزيع أدواته: من الحصار الشامل إلى الحصار المرن، من التهديد المباشر إلى التطويع التدريجي، من عسكرة الصراع إلى “تسويته” داخل شروط السوق والنفط والممرات البحرية. الإمبراطورية لا تتراجع، بل تبدّل قفازها.
أما إيران، فهي ليست خارج النظام العالمي كما تُحب بعض الخطابات أن تصوّرها، بل داخله من موقع التوتر معه. هي دولة تقاتل من أجل مساحة حركة داخل بنية مطوّقة بالعقوبات، لكنها في الوقت نفسه تُفاوض ضمن قواعد لا تملك صياغتها. وهنا يكمن التناقض الجوهري: مقاومة تبحث عن هامش داخل منظومة لا تعترف أصلا بالمساواة بين الأطراف. لذلك فإن أي تفاهم لا يُقاس بشعاراته، بل بقدر ما يخفّف أو يعيد إنتاج شروط التبعية والضغط.
إن أخطر ما في هذه الاتفاقات أنها تُقدَّم بوصفها “نهاية مرحلة”، بينما هي في الحقيقة إعادة تدوير للمرحلة نفسها بأدوات أكثر نعومة. فحين يُرفع جزء من العقوبات ويُعاد فتح بعض القنوات الاقتصادية، لا يعني ذلك تفكيك منطق الهيمنة، بل تحديثه. السوق يعود أكثر تنظيما، النفط يعود أكثر انسيابا، والممرات البحرية تُضبط بإيقاع لا يُربك تراكم الأرباح في المركز.
في هذا السياق، تغيب الشعوب مرة أخرى عن الطاولة. لا الفقراء الذين أنهكتهم العقوبات، ولا العمال الذين يدفعون كلفة السياسات الاقتصادية، ولا الشباب الذين يعيشون بين القمع الداخلي والضغط الخارجي. كلهم يتحولون إلى خلفية صامتة لمشهد تفاوضي تُديره الدول الكبرى والإقليمية كأنها وحدها صاحبة الحق في تعريف المصير. هكذا يُعاد إنتاج العالم: كأنه ملك خاص بين قلة من الفاعلين، بينما الأغلبية مجرد أثر جانبي للتاريخ.
القراءة اليسارية لا ترى في هذا “السلام” إلا لحظة إدارة جديدة للتناقضات، لا حلّا لها. فالنظام العالمي القائم لا يبحث عن العدالة، بل عن الاستقرار القابل للضبط؛ لا يسعى إلى إنهاء الهيمنة، بل إلى جعلها أقل كلفة وأكثر استدامة. لذلك تُستبدل الحرب المفتوحة باتفاقات محكومة، وتُستبدل الانفجارات الكبيرة بتسويات باردة تُبقي الجوهر كما هو: مركز يقرر، وأطراف تُدفع إلى التكيّف.
ومع ذلك، فإن المفارقة التاريخية تكمن في أن كل “تفاهم” من هذا النوع يكشف حدود النظام نفسه. فهو يعلن، من حيث لا يريد، أن السيطرة المطلقة لم تعد ممكنة، وأن العالم لم يعد يُدار باليد نفسها التي كانت تفعل ذلك بسهولة. لكن هذا لا يعني أننا أمام تحرر، بل أمام أزمة إدارة الهيمنة، لا نهايتها.
إن ما يُسمّى اتفاقا بين أمريكا وإيران ليس صفحة جديدة في كتاب العالم، بل إعادة ترتيب للفصول القديمة ذاتها. وفي كل مرة يُعاد فيها الترتيب، يبقى السؤال الذي تؤجله الطاولات الكبرى قائما في الأسفل، حيث لا تُسمع أصوات البيانات الرسمية: من يملك حق تعريف المستقبل، ومن يُدفع دائما إلى العيش داخل نتائجه فقط؟
هناك، خارج الكاميرات، يبدأ التاريخ الحقيقي.

فهذا الاتفاق لا يأتي بين واشنطن وطهران كحدث معزول، بل كحلقة في هندسة طويلة لإدارة إقليم يعيش منذ عقود على إيقاع التوتر المُنظَّم لا الحرب الكاملة ولا السلام الحقيقي. ومن هنا، فإن أي قراءة يسارية ثورية لا تتوقف عند لغة البيانات ولا عند صور المصافحات الدبلوماسية، بل تنظر إلى ما يتشكّل في الظل: كيف تُعاد صياغة خرائط النفوذ، وكيف تُضبط الساحات الإقليمية التي تتداخل فيها قوى الدولة مع قوى ما دون الدولة.
في لبنان، لا يمكن فصل أي تفاهم أميركي إيراني عن موقع حزب الله بوصفه جزءا من معادلة ردع إقليمي تتجاوز حدود الدولة اللبنانية نفسها. فلبنان ليس طرفا مستقلا في التوازن، بل مساحة تتقاطع فيها حسابات الردع مع هشاشة الداخل، حيث تتحول الدولة إلى إطار إداري فوق بنية سياسية وأمنية متعددة المرجعيات. أي تهدئة في الإقليم تنعكس فورا على مستوى الاشتباك هناك، لا لأنها تعالج جذور الأزمة اللبنانية، بل لأنها تعيد ضبط سقف استخدام القوة ضمنه. ومع ذلك يبقى الداخل اللبناني محكوما بانقسامه الاجتماعي والاقتصادي الذي لا يلامسه أي تفاهم خارجي إلا من زاوية استقراره المؤقت.
أما في اليمن، فإن المشهد أكثر وضوحا في دلالته على طبيعة “إدارة الصراع”. فالحوثيون ليسوا مجرد طرف محلي في حرب داخلية، بل عقدة في شبكة بحرية دولية تتصل بالملاحة والطاقة والتجارة العالمية. لذلك فإن أي تفاهم بين القوى الكبرى ينعكس مباشرة على مستوى الحركة في البحر الأحمر، حيث يتبدل الإيقاع من تصعيد إلى تهدئة بحسب الحاجة السياسية لا بحسب حلول داخلية. هنا يظهر اليمن كساحة مكشوفة لاقتصاد الجغرافيا السياسية، حيث يتحول الفعل العسكري إلى رسالة تفاوضية، ويتحول التوقف عنه إلى جزء من الصفقة نفسها، دون أن يتغير جوهر البنية الاجتماعية أو السياسية التي أنتجت الحرب.
وفي العراق، تتجلى إحدى أكثر صور التشابك تعقيدا بين الدولة وشبكات القوة الموازية. فالفصائل الشيعية المرتبطة بطهران ليست خارج النظام السياسي بل جزء من توازنه الداخلي، في ظل دولة أعيد تشكيلها بعد الغزو الأميركي على أساس توزيع نفوذ لا على أساس سيادة مكتملة. لذلك فإن أي تفاهم إيراني أميركي لا يُترجم في العراق كتحول جذري، بل كإعادة ترتيب لمواقع التأثير داخل بنية قائمة أصلا على التعدد المتداخل للسلطات. الدولة هنا لا تحتكر العنف، بل تديره عبر شبكة من التوازنات، ما يجعل كل تهدئة خارجية تنعكس كإعادة توزيع داخلية للنفوذ لا كإعادة تأسيس للدولة.
من هذا المنظور، لا يبدو الاتفاق حدثا يفتح زمنا جديدا بقدر ما يوضح استمرار زمن قديم يتكيّف مع شروط جديدة. فالنظام الإقليمي لا يُعاد تأسيسه، بل يُعاد تشغيله بوسائل أقل كلفة وأكثر مرونة، حيث تُستبدل المواجهات المفتوحة بتفاهمات غير مكتملة، وتُستبدل الحروب الشاملة بإدارة دقيقة للهامش بين الحرب والسلم. وفي هذا الهامش تحديدا تتحرك كل القوى المحلية، لا كفاعلين مستقلين تماما ولا كأدوات صماء، بل كعناصر داخل منظومة أوسع تحدد سقف الممكن السياسي والعسكري.
هكذا تبدو المنطقة في لحظة إعادة ضبط لا إعادة ولادة: لبنان يُترك على إيقاع توازناته الداخلية الثقيلة تحت سقف خارجي منخفض التوتر، اليمن يُدار كملف ضغط مرتبط بالممرات البحرية أكثر مما هو ملف سياسي مغلق، والعراق يستمر كساحة تداخل بين الدولة والشبكات المسلحة ضمن معادلة لا تسمح بحسم نهائي لأي طرف. وفي الخلفية، تبقى الشعوب هي الحاضر الغائب، تعيش نتائج هذه الترتيبات دون أن تكون جزءا من صياغتها، وكأن التاريخ يُكتب في مكان آخر ويُسلم إليها كواقع جاهز للعيش فقط.

في سياق هذا التفاهم بين واشنطن وطهران، لا تبدو دول الخليج مجرد أطراف مجاورة تتلقى ارتدادات الاتفاق، بل هي في الحقيقة أحد أهم ميادين إعادة التوازن الإقليمي. فالعلاقة بين الخليج من جهة، وإيران والولايات المتحدة من جهة أخرى، ليست علاقة ثابتة، بل شبكة متحركة من القلق الأمني، والاعتماد الاقتصادي، وإعادة التموضع السياسي المستمر.
من منظور يساري ثوري، ما يحدث ليس “تطبيعا” للعلاقات ولا “تهدئة” بالمعنى الأخلاقي، بل إعادة ضبط لوظيفة الخليج داخل النظام الإقليمي: من ساحة مواجهة مباشرة مع إيران إلى فضاء إدارة توازنات دقيقة بينها وبين واشنطن وطهران معا. فالدول الخليجية التي بنت جزءا كبيرا من استراتيجيتها خلال العقود الماضية على الحماية الأمنية الأميركية وعلى احتواء النفوذ الإيراني، تجد نفسها اليوم أمام لحظة تتقلص فيها حدة الاصطفاف، لكنها لا تختفي.
العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم استمرارها كعمود أمني أساسي، لم تعد علاقة تفويض كامل كما كانت في مراحل سابقة. هناك انتقال تدريجي نحو نموذج أكثر تعقيدا: تعاون أمني مستمر، لكنه مشوب بحسابات اقتصادية واستراتيجية أوسع، خاصة مع تحولات سوق الطاقة وتعدد مراكز القوة العالمية. الولايات المتحدة لم تعد الطرف الوحيد القادر على ضمان الاستقرار، بل أصبحت طرفا يدير توازنه الخاص في منطقة تتعدد فيها التحديات.
في المقابل، العلاقة مع إيران تدخل مرحلة أقل صدامية ظاهريا، لكنها ليست مصالحة. هي أشبه بإعادة تعريف لحدود الاشتباك: تقليل احتمالات الانفجار المباشر، مع استمرار التنافس في مجالات النفوذ السياسي والأمني في ساحات متعددة. دول الخليج لا تتخلى عن هواجسها الأمنية تجاه إيران، لكن طريقة إدارة هذه الهواجس تصبح أكثر مرونة، وأقل اعتمادا على منطق المواجهة المفتوحة.
هذا التحول لا يعني أن التناقضات الأساسية قد حُلّت، بل يعني أنها أصبحت تُدار بطريقة أقل حدة وأكثر تدرجا. فبدل الاصطفاف الصلب، تظهر مساحات رمادية: قنوات تواصل غير مباشرة، تفاهمات ظرفية، وتهدئة موضعية في ملفات معينة، مقابل استمرار التنافس في ملفات أخرى. وهذا بالضبط ما يجعل الوضع أكثر تعقيدا، لا أكثر استقرارا.
اقتصاديا، يفتح أي تهدئة بين واشنطن وطهران احتمالات لإعادة دمج إيران جزئيا في الأسواق والطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على دول الخليج التي بنت جزءا من قوتها على موقعها في سوق النفط العالمي وعلى علاقتها الحصرية تقريبا مع الغرب. دخول إيران بشكل أوسع إلى هذا المجال لا يلغي موقع الخليج، لكنه يعيد توزيع الأدوار داخله، ويجعل المنافسة الاقتصادية أكثر حضورا إلى جانب التنافس الجيوسياسي.
أما سياسيا، فإن دول الخليج تجد نفسها في موقع مزدوج: من جهة هي حليف استراتيجي لواشنطن، ومن جهة أخرى مضطرة للتعامل مع حقيقة أن واشنطن نفسها أصبحت تدير علاقة أقل حدة مع إيران. هذا يخلق نوعا من “الدبلوماسية المزدوجة”، حيث تُبنى السياسات على أساس عدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وفي الوقت نفسه عدم التسليم الكامل بأي إعادة تعريف غير مضمونة للتوازنات.
في العمق، ما يكشفه هذا المشهد هو أن الخليج لم يعد يعيش داخل معادلة ثنائية بسيطة (أميركا ضد إيران)، بل داخل نظام متعدد الطبقات، حيث تتداخل التحالفات مع التفاهمات المؤقتة، وتختلط الحسابات الأمنية بالاقتصادية، وتصبح السياسة الخارجية أقرب إلى إدارة مخاطر مستمرة منها إلى اختيارات حاسمة ونهائية.
وهكذا، فإن الاتفاق لا يُنتج سلاما إقليميا بالمعنى التقليدي، بل يعيد تشكيل موقع الخليج داخل نظام إقليمي أقل قابلية للانفجار السريع، لكنه أكثر تعقيدا في إدارة التوازنات اليومية.

في هذا المسار، تبدو علاقة إيران مع منظمة “أوبك” ليست مجرد عضوية تقنية داخل كارتيل النفط، بل جزءا من صراع أعمق على معنى القوة الاقتصادية في النظام العالمي، وعلى من يملك حق تحويل النفط من مادة طبيعية إلى أداة سيادة أو أداة ضبط.
إيران، بوصفها عضوا مؤسسا في أوبك، تحمل موقعا تاريخيا داخل المنظمة، لكنها في الواقع تعيش حالة استثنائية طويلة بسبب العقوبات الأميركية المتواصلة التي حدّت من قدرتها على التصدير وأضعفت اندماجها الطبيعي في منظومة الحصص والإنتاج. فهي داخل “الاسم القانوني” لأوبك، لكنها خارج جزء كبير من “الفعالية الاقتصادية” لها. هذا التناقض يجعلها حالة خاصة: دولة نفطية كبرى لكن إنتاجها ليس حرا بالكامل، ومشاركا رسميا لكنه مقيد عمليا.
فأوبك نفسها ليست مؤسسة محايدة، بل هي شكل من أشكال تنظيم السوق العالمي للطاقة داخل حدود النظام الرأسمالي الدولي. أي أن الدول المنتجة، بما فيها إيران ودول الخليج، لا تتحكم في السوق بشكل مطلق، بل تديره ضمن سقف عالمي تحدده موازين القوى، وعلى رأسها الولايات المتحدة باعتبارها مركزا ماليا وعسكريا ونقديا خارج المنظمة لكنها مؤثرة فيها بعمق.
في هذا السياق، العلاقة بين إيران وأوبك تتأثر مباشرة بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة. فكل تشديد للعقوبات أو تخفيف لها ينعكس فورا على قدرة إيران على إنتاج وتصدير النفط، وبالتالي على موقعها داخل نقاشات الحصص داخل أوبك+، حتى وإن بقيت رسميا عضوا كامل الحقوق. فالقوة داخل أوبك ليست فقط حق تصويت، بل قدرة فعلية على الإنتاج والتصدير والتأثير في السوق.
عندما تكون إيران تحت ضغط العقوبات، ينخفض دورها الفعلي داخل المنظمة، وتصبح قرارات أوبك أكثر خضوعا لموازين بين السعودية وروسيا ودول أخرى قادرة فعليا على ضبط الإنتاج. أما عندما تتجه العلاقات نحو تهدئة أو تفاهمات، حتى جزئية، فإن احتمال عودة النفط الإيراني إلى الأسواق يعيد خلط الحسابات داخل المنظمة، لأن دخول براميل إضافية من إيران يعني تلقائيا إعادة توزيع الحصص والضغط على الأسعار.
هنا يظهر البعد السياسي العميق: أوبك ليست فقط أداة لتنظيم العرض، بل ساحة تفاوض غير مباشر بين القوى الإقليمية والدولية. إيران تستخدم موقعها داخل المنظمة كجزء من خطابها السيادي، حتى عندما تكون مقيدة عمليا، بينما تستخدم الولايات المتحدة العقوبات خارج إطار أوبك لتعديل وزن إيران داخلها دون أن تكون عضوا في المنظمة نفسها.
ومع أي تفاهم بين واشنطن وطهران، حتى لو كان جزئيا أو مرحليا، تصبح مسألة النفط الإيراني جزءا حساسا من إعادة التوازن داخل أوبك+. فعودة الإنتاج الإيراني لا تعني فقط زيادة العرض في السوق العالمية، بل تعني أيضا إعادة طرح سؤال توزيع النفوذ داخل المنظمة نفسها: من يضبط الإيقاع، ومن يتكيف معه، ومن يُسمح له بالعودة إلى السوق بكامل طاقته.
بهذا المعنى، العلاقة بين إيران وأوبك ليست منفصلة عن الصراع الجيوسياسي، بل هي امتداده الاقتصادي المباشر. النفط هنا ليس مجرد سلعة، بل أداة لإعادة تشكيل موقع الدول داخل النظام العالمي، حيث تتداخل القرارات الاقتصادية مع حسابات الردع والتحالف والعقوبات.
وفي الخلفية، تبقى أوبك نفسها في حالة توتر دائم بين وظيفتها المعلنة كمنظمة لتوازن السوق، ووظيفتها الفعلية كساحة تتقاطع فيها إرادات دول لا تتحرك فقط بمنطق الاقتصاد، بل بمنطق الصراع على الموقع داخل العالم.

هذا ، و في الخطاب الرسمي، يُقدَّم هذا النوع من التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه “معادلة رابح–رابح”، وكأننا أمام تسوية متوازنة تُنهي إرهاق العقوبات من جهة، وتحدّ من التصعيد العسكري من جهة أخرى. لكن القراءة اليسارية الثورية تتعامل مع هذا المفهوم بحذر شديد، لأن “الرابح–رابح” في بنية غير متكافئة لا تعني تساوي الأرباح، بل تعني توزيعا مختلفا للخسائر والمكاسب داخل نظام لم يتغير جوهره.
في الواقع، ما يُسمّى رابح–رابح هنا هو صيغة لإدارة تناقضات النظام الإقليمي لا حلّها. الولايات المتحدة تحصل على مكسب استراتيجي يتمثل في تخفيف كلفة التوتر العسكري في منطقة حساسة للطاقة والملاحة، وإعادة إدخال إيران في مسار ضبط يمكن التنبؤ به بدل انفلات الصراع المفتوح. أي أنها تربح “الاستقرار القابل للإدارة”، وتربح أيضا منع الانزلاق إلى حرب واسعة قد تُربك الاقتصاد العالمي.
إيران من جهتها تحصل على متنفس اقتصادي مهم: تخفيف جزئي للعقوبات، فتح قنوات تصدير، وتحسين موقعها في السوق النفطية والمالية، مع تقليص الضغط الداخلي الناتج عن العزلة الاقتصادية. هذا مكسب حقيقي على مستوى القدرة على البقاء وإعادة التوازن الداخلي، لكنه يبقى مكسبا مشروطا، لأن قواعد اللعبة الأساسية لا تُعاد كتابتها، بل يُعاد السماح بلعبها ضمن حدود أوسع قليلا.
لكن ما يغيب عن هذه المعادلة المعلنة هو السؤال الذي يطرحه المنظور اليساري دائما: من لا يدخل ضمن حساب “الرابح” أصلًا؟
في هذه المعادلة، الشعوب في الإقليم لا تُحسب كأطراف رابحة أو خاسرة، بل كمساحة أثر جانبي. الفئات الاجتماعية التي دفعت ثمن العقوبات والحروب والاضطراب الاقتصادي لا تظهر في ميزان التبادل السياسي. الاستقرار الذي يُقدَّم كربح للطرفين هو في جزء كبير منه استقرار “من فوق”، أي استقرار الأنظمة، لا بالضرورة استقرار المجتمعات.
ثم إن مفهوم “الرابح–رابح” يخفي حقيقة بنيوية: أن أحد الطرفين يملك قدرة أكبر على تعريف شروط الربح نفسها. الولايات المتحدة لا تفاوض من موقع الندية المطلقة، بل من موقع قوة يتيح لها تحويل بعض التنازلات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية طويلة المدى. بينما إيران تفاوض من موقع مقاومة ضغط اقتصادي وسياسي طويل، ما يجعل مكاسبها أقرب إلى “تخفيف خسائر” منها إلى توسيع نفوذ حرّ بالكامل.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الأمر في ثنائية تبسيطية. فهذه الاتفاقات ليست خدعة كاملة ولا تحريرا كاملا، بل هي جزء من منطق عالمي جديد يقوم على إدارة التناقضات بدل حسمها. في هذا المنطق، الجميع يربح شيئا، لكن لا أحد يخرج من البنية التي تنتج الصراع نفسه.
الرأسمالية العالمية، في صيغتها الجيوسياسية، لا تبحث عن منتصر نهائي، بل عن توازن يسمح باستمرار الحركة: تدفق النفط، استقرار الأسواق، ضبط الحروب، ومنع الانفجار الكبير الذي يعطل الدورة الاقتصادية. لذلك يصبح “الرابح–رابح” شكلا من أشكال تثبيت النظام، لا تجاوزه.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الاتفاق يخلق نوعا من الربح المتبادل الحقيقي على مستوى ضيق: تخفيف التوتر، فتح قنوات الاقتصاد، وتقليل احتمالات الحرب. لكن على المستوى الأعمق، هو يعيد إنتاج نفس البنية التي تجعل الربح نفسه غير متكافئ، ومشروطا، ومحدودا بسقف النظام القائم.
هكذا تصبح “معادلة رابح–رابح” ليست نهاية الصراع، بل طريقة أكثر ذكاء لإدارته دون أن يُمسّ جوهره: نظام عالمي يوزّع الاستقرار كما يوزّع التوتر، ويحدد من يربح، ومقدار ما يمكن أن يُسمّى ربحًا أصلًا.

ضمن نفس منطق “الرابح–رابح”، لا يمكن فهم الاتفاق بين واشنطن وطهران من دون إدخال موقع الكيان الصهيوني في المعادلة، ليس بوصفه طرفا موقعا على الاتفاق، بل بوصفه أحد أهم عناصر التوازن غير المعلن الذي يدور حوله هذا النوع من التفاهمات.
من منظور يساري ثوري، الكيان ليس خارج هذه الديناميكية، بل هو جزء مركزي من هندسة الردع الإقليمي التي تشكلها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فالعلاقة الأميركية–الصهيونية تقوم على مبدأ ثابت: تفوق عسكري نوعي للكيان، مقابل إدارة أميركية دقيقة لمنع انفجار إقليمي شامل يهدد مصالح الطاقة والاستقرار العالمي. لذلك، أي تقارب أو تهدئة بين واشنطن وطهران لا يحدث في فراغ، بل يُعاد حسابه دائما وفق سؤال أساسي: كيف يؤثر ذلك على ميزان الردع بين الكيان الصهيوني وإيران وحلفائها؟
في هذا السياق، يُنظر إلى إيران من قبل المؤسسة الأمنية الصهيونية كخصم استراتيجي طويل المدى، ليس فقط بسبب البرنامج النووي، بل بسبب شبكة النفوذ الإقليمي الممتدة عبر لبنان وسوريا والعراق واليمن. وبالتالي، أي اتفاق يخفف التوتر بين واشنطن وطهران يُقرأ في تل أبيب كتحول في “سقف الضغط” وليس كطمأنة كاملة. بمعنى آخر، الكيان لا يرى في التفاهم نهاية للتهديد، بل إعادة تنظيم له.
لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن الكيان الصهيوني نفسه يستفيد من منطق “إدارة الصراع” لا حله. فهو جزء من بنية إقليمية تُبنى على تفوق عسكري واضح وعلى تفكك النظام الإقليمي العربي إلى ساحات متعددة، أكثر منها دولة مركزية موحدة قادرة على فرض توازن شامل. في هذا الإطار، أي تهدئة أميركية–إيرانية قد تعني تقليل احتمالات الحرب المباشرة، لكنها لا تعني بالضرورة تغيير بنية الردع الأساسية التي يستفيد منها الكيان استراتيجيا.
أما على مستوى الخليج، فإن الاتفاق يعيد ترتيب مثلث معقد: واشنطن – طهران – تل أبيب. فالدول الخليجية التي دخلت في مسارات تطبيع أو تهدئة مع الكيان في السنوات الأخيرة تجد نفسها داخل شبكة أوسع، حيث تتقاطع علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وهواجسها من إيران، وتنسيقها غير المباشر أو المباشر مع الكيان في ملفات الردع الإقليمي. هنا تصبح المعادلة أقل وضوحا: لم يعد هناك خط مواجهة واحد، بل شبكة خطوط تتقاطع وتنفصل حسب الملف.
من زاوية نقدية يسارية، ما يظهر هو أن الكيان الصهيوني يستفيد من هذا النوع من التفاهمات بقدر ما تستفيد منه الأطراف الأخرى، ولكن بطريقة مختلفة: فهو يربح استمرارية التفوق العسكري والدعم الأميركي الثابت، ويربح في الوقت نفسه تثبيت موقعه كمرجعية أمنية مركزية في الإقليم، حتى في لحظات التهدئة بين خصومه المباشرين.
لكن المفارقة الأساسية تبقى أن “الرابح–رابح” هنا لا يشمل إعادة تعريف جذور الصراع نفسه. فسواء في حالة التصعيد أو التهدئة، يبقى الإقليم محكوما بمنطق إدارة التوازنات الأمنية لا بمنطق تسوية تاريخية شاملة. الكيان الصهيوني يبقى قوة مركزية في هذا التوازن، إيران تبقى قوة ضغط مقابلة، والولايات المتحدة تبقى المدير العام غير المعلن لهذه البنية، بينما تتحرك دول المنطقة داخل هوامش هذا الثلاثي.
بهذا المعنى، لا يخلق الاتفاق سلاما بالمعنى البنيوي، بل يعيد توزيع التوتر داخل شبكة أوسع، حيث يصبح “الرابح–الرابح” توصيفا لإدارة الاستقرار أكثر منه تجاوزا للصراع. وفي هذه الإدارة تحديدا، يحتفظ كل طرف—بما في ذلك الكيان الصهيوني—بمكاسبه الخاصة داخل نظام لا يُنتج حسما نهائيا، بل يعيد إنتاج التوازن نفسه بأشكال مختلفة.

و في سياق الحرب الأوكرانية–الروسية، لا يمكن قراءة أي تفاهم أميركي–إيراني بمعزل عن سؤال الطاقة، لأن الطاقة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت مركز الجغرافيا السياسية العالمية نفسها. ما يجري ليس “إعادة استقرار” للأسواق، بل إعادة توزيع لمصادر التحكم في تدفقات الطاقة داخل نظام عالمي يعيش أزمة إعادة تشكيل.
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تعرضت أوروبا لصدمة بنيوية في أمن الطاقة بعد تقليص الاعتماد على الغاز الروسي، ما دفعها إلى إعادة توجيه سلاسل الإمداد نحو مصادر بديلة: الغاز المسال الأميركي، إمدادات من الخليج، وشبكات جديدة من التعاقدات طويلة الأمد. في هذا السياق، أصبحت الولايات المتحدة لاعبا مركزيا ليس فقط كقوة عسكرية، بل كمصدر طاقة بديل يعيد تشكيل علاقة أوروبا بأسواق الغاز والنفط.
هنا يظهر معنى التفاهم مع إيران. فإيران، بوصفها أحد أكبر الاحتياطات النفطية والغازية عالميا، تمثل “احتياطيا استراتيجيا معطّلا” داخل النظام العالمي بسبب العقوبات. أي تخفيف للتوتر معها يعني ببساطة: إعادة إدخال جزء من طاقة معطّلة إلى السوق العالمية، في لحظة تعاني فيها أوروبا من هشاشة في الإمدادات وتقلبات في الأسعار، وتعاني فيها الأسواق من حساسية مفرطة تجاه أي اضطراب جيوسياسي.
من زاوية الولايات المتحدة، هذا التفاهم لا ينفصل عن الحرب الأوكرانية. واشنطن تدير في آن واحد مسارين:
الأول تعزيز استقلال الطاقة الأوروبي عن روسيا عبر الغاز الأميركي وشبكات الحلفاء،
والثاني منع انفلات أسعار الطاقة عالميا بما قد يضر بالاقتصاد الغربي نفسه.
إدخال إيران جزئيا إلى سوق النفط يمكن أن يُستخدم كأداة “تعديل ضغط” داخل السوق: زيادة العرض عند الحاجة، وكبح الأسعار، وتخفيف الصدمات الناتجة عن العقوبات على روسيا أو أي توتر في الخليج.
أما أوروبا، فهي الطرف الأكثر هشاشة في هذه المعادلة. فهي خرجت من اعتماد طويل على الغاز الروسي لتدخل في اعتماد متعدد المصادر، لكنه أكثر تكلفة وأقل استقرارا. لذلك فإن أي تهدئة في الملف الإيراني تُقرأ أوروبيا كفرصة محتملة لتخفيف الضغط على أسعار الطاقة، حتى لو بقيت هذه العودة الإيرانية إلى السوق جزئية ومشروطة. أوروبا لا تملك إدارة الصراع، بل تعيش تحت ضغط كلفة الطاقة التي تنعكس مباشرة على الصناعة والتضخم والاستقرار الاجتماعي.
من منظور نقدي يساري، الطاقة هنا ليست سلعة بل أداة هيمنة. فالحرب الأوكرانية لم تفكك فقط توازنات أمنية، بل أعادت ترتيب “خريطة التبعية الطاقوية” بين المركز الرأسمالي وأطرافه. الولايات المتحدة تعزز موقعها كمصدر بديل وممول للطاقة، روسيا تتحول إلى مصدر مقيّد بالعقوبات لكنه لا يزال مؤثرا عبر آسيا، الخليج يحتفظ بدوره كمصدر مرن للتوازن، وإيران تبقى “كتلة طاقة مؤجلة” يمكن تفعيلها أو تعطيلها حسب الحاجة السياسية.
في هذا الإطار، يصبح التفاهم الأميركي–الإيراني جزءا من إدارة أزمة الطاقة العالمية، لا مجرد ملف نووي أو أمني. فهو يتيح إمكانية استخدام النفط الإيراني كصمام ضغط في لحظات التوتر، وكعامل استقرار للأسواق في لحظات الخلل، دون أن يعني ذلك إعادة إدماج كاملة أو إنهاء منطق العقوبات.
لكن الأهم أن هذه المعادلة تكشف أن “أمن الطاقة” في العالم لم يعد مسألة تقنية، بل أصبح شكلا من أشكال إدارة الصراع العالمي. فكل تغيير في خطوط الإمداد، أو كل تخفيف في العقوبات، أو كل تصعيد في حرب إقليمية، ينعكس فورا على حياة المجتمعات في أوروبا وأميركا من خلال الأسعار، التضخم، والسياسات الاقتصادية.
وهكذا، لا يظهر الاتفاق كحدث منفصل، بل كجزء من محاولة إعادة ضبط النظام الطاقوي العالمي بعد صدمة الحرب الأوكرانية: نظام لا يبحث عن الاستقرار النهائي، بل عن توازن هشّ قابل للإدارة، يُفتح فيه النفط ويُغلق وفق الحاجة السياسية لا وفق منطق السوق وحده.

و في اطار هذا الاتفاق ، من بين أكثر ما يلفت الانتباه أن الملف النووي الإيراني، الذي كان لعقدين تقريبا محور الصراع الرئيسي بين واشنطن وطهران، لا يبدو اليوم في مركز الصورة كما كان من قبل. لكن غيابه الظاهري لا يعني خروجه من المعادلة، بل ربما يعني العكس تماما: أنه أصبح حاضرا بصفته الخلفية الثقيلة التي تتحرك فوقها بقية الملفات.
فالسياسة الدولية لا تؤجل القضايا الكبرى لأنها فقدت أهميتها، بل لأنها لم تجد بعد شروط حسمها. وعندما تنتقل قضية بحجم البرنامج النووي الإيراني من واجهة التفاوض إلى هوامشه، فإن ذلك غالبا لا يكون إعلانا عن نهايتها، بل اعترافا ضمنيا بأن التناقضات المحيطة بها ما تزال أكبر من قدرة الأطراف على حلها.
من منظور يساري ثوري، يبدو التأجيل هنا أشبه بوضع ملف معقد داخل غرفة مغلقة ريثما يتم ترتيب الأثاث في بقية المنزل. فالأولوية الحالية ليست الوصول إلى اتفاق نهائي حول طبيعة المشروع النووي الإيراني أو مستقبله، بل بناء مناخ إقليمي ودولي أقل توترا يسمح باستمرار التفاوض نفسه. أي أن المسألة تحولت مؤقتا من قضية حل إلى قضية إدارة.
وهنا تكمن المفارقة. فالقوى الكبرى تتحدث أحيانا عن النووي الإيراني وكأنه مشكلة تقنية قابلة للقياس بأجهزة التفتيش ونسب التخصيب وعدد أجهزة الطرد المركزي، بينما تكمن خلفه أسئلة سياسية أعمق بكثير: من يملك حق امتلاك عناصر الردع؟ ومن يحدد حدود القوة المشروعة في النظام الدولي؟ ولماذا تصبح بعض البرامج النووية مقبولة وبعضها الآخر مصدرا للأزمات والعقوبات؟
إن جوهر المعضلة لا يكمن في اليورانيوم وحده، بل في التوازنات التي يرمز إليها. فالبرنامج النووي الإيراني تحول منذ سنوات إلى عنوان لصراع أوسع حول المكانة والدور والاعتراف. ولذلك فإن تأجيل النقاش حوله لا يلغي هذه الأسئلة، بل يرحّلها إلى مرحلة لاحقة قد تكون أكثر تعقيدا.
وفي الحقيقة، قد يكون ما جرى هو انتقال من منطق "حل الملف النووي" إلى منطق "تجميد الملف النووي". وهناك فرق كبير بين الأمرين. فالحل يفترض معالجة جذور النزاع والوصول إلى صيغة مستقرة، أما التجميد فيفترض فقط إبقاء التناقض تحت السيطرة إلى أن تنضج ظروف جديدة. وهكذا يتحول الزمن نفسه إلى أداة سياسية: تُؤجل الأزمة لأن الجميع يحتاج إلى الوقت، لا لأن أحدا وجد جوابا نهائيا عنها.
كما أن الحرب الأوكرانية، وأزمة الطاقة، وإعادة تشكيل العلاقات الدولية، كلها دفعت الملف النووي إلى مرتبة أقل استعجالا مما كان عليه في سنوات سابقة. فالعالم المثقل بأزمات متعددة لم يعد يملك القدرة على فتح جميع الجبهات دفعة واحدة. لذلك يجري ترتيب الأولويات، لا إنهاء الملفات.
لكن ما يجعل النووي الإيراني مختلفا عن بقية القضايا هو أنه ملف لا يختفي مهما طال التأجيل. فكلما ابتعد عن دائرة الضوء عاد إليها من زاوية أخرى. وكلما بدا وكأنه فقد مركزيته، اكتشف الجميع أنه ما زال حاضرا في خلفية الحسابات الأمنية والعسكرية والاستراتيجية.
لهذا يمكن النظر إلى ما يحدث اليوم لا بوصفه تسوية للمسألة النووية، بل بوصفه هدنة مؤقتة بينها وبين بقية ملفات المنطقة. هدنة تسمح بتحريك التجارة والطاقة والممرات البحرية وتخفيف الاحتقان السياسي، لكنها تترك السؤال الأكبر معلقا في الأفق: هل يجري تأجيل المشكلة لأن حلها يقترب، أم لأن الجميع يدرك أن شروط حلها لم تولد بعد؟
ذلك هو السؤال الذي سيبقى يرافق هذا التفاهم طويلا، حتى لو بدا في الظاهر أن النووي الإيراني قد غادر الطاولة. ففي السياسة الدولية، بعض الملفات لا تغيب، بل تنتظر فقط اللحظة التي تعود فيها لتحتل مركز المشهد من جديد.

في النهاية، قد يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى هذا التفاهم باعتباره حدثا يخص الولايات المتحدة وإيران فقط. فمثل هذه اللحظات لا تتعلق بدولتين بقدر ما تكشف طبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها العالم بأسره. إننا أمام مشهد تتراجع فيه اليقينيات القديمة دون أن تولد يقينيات جديدة مكانها، وأمام نظام دولي لم يعد قادرا على فرض إرادته بصورة مطلقة كما كان يفعل في العقود السابقة، لكنه لم يصل بعد إلى حالة التوازن التي تسمح بولادة نظام بديل واضح المعالم.
في هذا الفراغ النسبي بين عالم يتآكل وعالم لم يتشكل بعد، تصبح التسويات المؤقتة أكثر أهمية من المشاريع الكبرى، وتصبح القدرة على تأجيل الانفجارات أكثر قيمة من القدرة على حسم التناقضات. ولهذا لا ينبغي البحث في هذا التفاهم عن أجوبة نهائية، لأن وظيفته الأساسية ليست الإجابة، بل شراء الوقت. إنه اتفاق مع الزمن أكثر مما هو اتفاق بين الدول.
فالقرن الحادي والعشرون لا يتحرك وفق منطق المعارك الفاصلة التي تنهي حقبة وتبدأ أخرى، بل وفق منطق الانتقالات الطويلة والبطيئة والمتعرجة. القوى الكبرى نفسها لم تعد تعرف على وجه الدقة شكل العالم الذي تريد الوصول إليه، ولذلك تركز جهودها على منع الفوضى الشاملة أكثر من تركيزها على بناء استقرار نهائي. وما يبدو أحيانا سياسة استراتيجية بعيدة المدى لا يكون في كثير من الأحيان سوى إدارة حذرة لحالة من عدم اليقين.
من هذه الزاوية، يكتسب الملف النووي الإيراني دلالة تتجاوز حدود إيران نفسها. فهو ليس مجرد قضية تخصيب أو تفتيش أو عقوبات، بل مرآة تعكس معضلة العصر كله: كيف يمكن التوفيق بين طموحات القوى الصاعدة وبين قواعد صاغتها قوى مهيمنة في زمن مختلف؟ وكيف يمكن استيعاب مطالب الاعتراف والمكانة داخل نظام يخشى باستمرار من تعديل موازين القوة التي يقوم عليها؟
ولعل أهمية هذا الملف لا تكمن فيما قيل عنه، بل فيما لم يُقل. فالتأجيل الذي أُحيط به لا يعني أن الأطراف اقتربت من حل نهائي، بل يكشف إدراكا جماعيا بأن بعض الأسئلة أصبحت أكبر من قدرة اللحظة الراهنة على الإجابة عنها. ولذلك جرى ترحيلها إلى المستقبل، لا لأنها فقدت خطورتها، بل لأنها ما تزال تحتفظ بقدرتها على قلب الطاولة إذا فُتحت دفعة واحدة.
إن ما يتشكل اليوم هو شرق أوسط جديد في الشكل، قديم في الجوهر. شرق أوسط تُعاد فيه صياغة العلاقات بين القوى الإقليمية، وتُرسم فيه خطوط تواصل كانت مستحيلة بالأمس، وتُخفف فيه حدة الخصومات دون أن تختفي أسبابها. فالمشهد لا يشبه المصالحة، كما لا يشبه الحرب الباردة التقليدية؛ إنه أقرب إلى حالة تعايش إجباري بين مشاريع متنافسة أدركت أن كلفة الصدام المباشر أصبحت أعلى من قدرة الجميع على تحملها.
لكن هذه الحقيقة لا تخص الشرق الأوسط وحده. فالعالم كله يتحرك في الاتجاه ذاته. أوروبا تبحث عن معادلات أمنية جديدة بعد اهتزاز المسلمات التي حكمتها منذ نهاية الحرب الباردة. الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على موقعها في بيئة دولية أكثر ازدحاما بالمنافسين. الصين تواصل صعودها الحذر. روسيا تحاول إعادة تعريف دورها وسط استنزاف طويل. أما القوى الإقليمية الكبرى، ومنها إيران، فتسعى إلى توسيع هامش حركتها داخل فضاء دولي لم يعد أحادي القطب بالكامل ولم يصبح متعدد الأقطاب بصورة مكتملة.
وفي خضم هذا التحول، يصبح النفط والغاز والممرات البحرية والتكنولوجيا والعقوبات والملفات النووية أجزاء من لوحة واحدة. لم تعد هناك حدود واضحة بين الاقتصاد والأمن، ولا بين التجارة والجغرافيا السياسية، ولا بين الدبلوماسية والردع. كل ملف صار يحمل في داخله آثار الملفات الأخرى، وكل اتفاق يتحول إلى عقدة تتقاطع فيها مصالح متعددة تتجاوز بكثير موضوعه المباشر.
لهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا التفاهم لا تكمن فيما ينجزه الآن، بل فيما يكشفه عن طبيعة المرحلة المقبلة. إنه يعلن، بصورة غير مباشرة، أن زمن الحلول الحاسمة قد تراجع، وأن زمن الإدارة المستمرة للتناقضات هو الذي يتقدم. فالعالم لم يعد يبحث عن أبواب تُغلق نهائيا، بل عن أبواب تبقى مواربة؛ لا عن تسويات تنهي الخلافات، بل عن ترتيبات تمنعها من التحول إلى كوارث مفتوحة.
ويبقى السؤال الأبعد من كل التفاصيل: هل تمثل هذه المرحلة جسرا نحو نظام دولي أكثر توازنا، أم أنها مجرد فترة انتقالية تسبق موجة جديدة من الصراعات الكبرى؟ لا أحد يملك جوابا حاسما. لكن المؤكد أن ما يجري اليوم ليس خاتمة قصة، بل فصل من فصول تحول تاريخي واسع لم يستقر بعد على صورته النهائية.
وعندما ينظر مؤرخو المستقبل إلى هذه اللحظة، فقد لا يرون فيها مجرد تفاهم بين واشنطن وطهران، بل قد يرون فيها إحدى العلامات التي كشفت أن العالم كان يعيد ترتيب نفسه ببطء، وأن القوى الكبرى والإقليمية كانت تحاول، كل بطريقتها، عبور مرحلة شديدة الاضطراب بأقل قدر ممكن من الخسائر، بينما كانت الأسئلة الكبرى حول السلطة والثروة والطاقة والتكنولوجيا والردع والشرعية تتراكم بهدوء تحت السطح، في انتظار اللحظة التي ستفرض فيها أجوبتها على الجميع.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر ...
- اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة ...
- التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة ...
- من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية ...
- تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت ...
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ...
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
- الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب ...
- في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو ...


المزيد.....




- فيديو ما قاله ترامب للشيخ محمد بن زايد باللقاء الثنائي يلاقي ...
- اختلاف أسلوب تحية السيسي عن محمد بن زايد وتميم بن حمد بتدوين ...
- محمد بن زايد -محارب- والموقف من اتفاق إيران.. فيديو ترامب بل ...
- فانس يعترف بإيمانه -بنظريات المؤامرة- المتعلقة بإبستين
- كوبا: الحصار الأمريكي ألحق أضرارا بمليارات الدولارات وفاقم م ...
- هيلاري كلينتون تعترف بخطأ ارتكبته عام 2024
- الدفاع الألمانية تتوقع زيادة الأبحاث العسكرية المعتمدة على ا ...
- صحيفة أمريكية: التكتيك الجديد يمكن الجيش الروسي من تدمير الد ...
- لماذا لا يضمن الاتفاق الأمريكي الإيراني السلام؟
- تحذير من مخاطر سماعات الرأس


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين تتصافح المصالح