أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .















المزيد.....

ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 19:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يصعب، بعد كل هذه السنوات من الانقسام، أن يصدق الليبيون أن الأزمة ما تزال تبحث عن حل. فمنذ أكثر من عقد، تتغير الحكومات، وتُستحدث الأجسام السياسية، وتُعلن مبادرات جديدة، وتُرسم خرائط طريق لا تكاد ترى النور حتى تُستبدل بأخرى. وحده المشهد يبقى على حاله، كأن الزمن السياسي في ليبيا يدور في حلقة مغلقة لا تعرف نهاية.
ولعل الخطأ الأكبر في معظم المقاربات التي طُرحت حتى الآن أنها تعاملت مع الأزمة وكأنها خلاف بين شخصيات أو صراع على مواقع داخل هرم السلطة. وفي كل مرة، يُعاد تركيب المشهد بتوزيع جديد للمناصب، ويُقدَّم ذلك بوصفه اختراقا سياسيا، بينما تبقى الأسئلة التي صنعت الأزمة بلا جواب. فمن يحكم ليس هو القضية الوحيدة، بل كيف تُمارس السلطة؟ ولصالح من؟ وعلى أي أسس تُبنى الدولة؟
لقد عاش الليبيون سنوات طويلة على إيقاع الوعود. قيل لهم إن حكومة انتقالية ستفتح الطريق نحو الاستقرار، ثم قيل إن الانتخابات هي المفتاح، ثم جاءت حوارات جديدة، ولجان جديدة، واتفاقات جديدة. لكن شيئا واحدا لم يتغير: المواطن ظل بعيدا عن مركز القرار، يراقب من الخارج مسارا سياسيا يُدار باسمه، دون أن يكون شريكا فعليا في رسمه.
وهنا يكمن جوهر المعضلة. فالأزمة الليبية ليست أزمة إجراءات دستورية فحسب، ولا مجرد نزاع على الصلاحيات بين مؤسسات متنافسة، بل هي أزمة دولة لم تستطع، منذ انهيار النظام السابق، أن تعيد بناء شرعيتها على أساس المواطنة. وما دام هذا الأساس غائبا، فإن أي تسوية، مهما بدت متماسكة على الورق، ستظل معرضة للاهتزاز عند أول اختبار.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على كل الأسئلة الأخرى ليس: من سيقود المرحلة المقبلة؟ وإنما: أي دولة يريد الليبيون أن يبنوا؟ هل دولة يكون فيها القانون هو المرجع الوحيد للجميع، أم سلطة تستمد توازنها من تفاهمات السلاح والوساطات الدولية؟ هل المطلوب مؤسسات تنبع من المجتمع وتحاسَب أمامه، أم مؤسسات تُنشأ لإدارة التوازن بين القوى المتصارعة؟
إن قيمة السلطة لا تُقاس بعدد المناصب التي توزعها، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس. فالدولة التي يعجز مواطنها عن الحصول على خدمة صحية لائقة، أو تعليم جيد، أو فرصة عمل، أو أمن مستقر، لا تصبح أكثر شرعية لأنها غيرت أسماء مسؤوليها. فالمواطن لا يعيش داخل البيانات السياسية، بل يعيش في تفاصيل حياته اليومية، وهناك تحديدا تُقاس نجاحات الدول أو إخفاقاتها.
لهذا تبدو العدالة الاجتماعية شرطا لا يمكن تجاوزه في أي مشروع للخروج من الأزمة. فالاستقرار لا يُصنع فقط بإيقاف القتال، وإنما ببناء عقد اجتماعي يشعر فيه الجميع بأنهم متساوون أمام القانون، وأن الثروة الوطنية ليست ملكا لفئة أو منطقة أو شبكة مصالح، بل حق لجميع الليبيين.
وما لم تستعد السياسة معناها الأصلي، باعتبارها أداة لخدمة المجتمع لا وسيلة للسيطرة عليه، فإن كل تغيير سيظل يدور داخل الدائرة نفسها. قد تتغير الحكومات، وقد تتبدل التحالفات، لكن الأزمة ستجد دائما طريقها إلى العودة، لأن جذورها لم تُقتلع بعد، وإنما جرى الاكتفاء بتقليم فروعها.

غير أن اختزال الأزمة الليبية في خلافات الداخل لا يفسر سوى جزء صغير من الصورة. فمنذ السنوات الأولى التي أعقبت سقوط النظام السابق، بدأت البلاد تخرج تدريجيا من دائرة الصراع الوطني إلى فضاء أوسع، حيث تتقاطع حسابات القوى الإقليمية والدولية. عندها لم تعد ليبيا مجرد دولة تعيش أزمة سياسية، بل تحولت إلى إحدى أكثر الساحات حساسية في حوض المتوسط، بما تختزنه من موقع استراتيجي وثروة نفطية وساحل طويل يطل على أوروبا وامتداد جغرافي يربط شمال إفريقيا بعمقها الصحراوي والإفريقي.
في تلك اللحظة، دخلت عواصم عديدة إلى المشهد الليبي، كل منها حاملة روايتها الخاصة عن الاستقرار، لكنها كانت، في العمق، تبحث عن مصالحها. فالولايات المتحدة تنظر إلى ليبيا ضمن معادلات الأمن الإقليمي والطاقة والتوازنات الدولية، وتركيا تراها امتدادا لمجالها الجيوسياسي في شرق المتوسط، والإمارات تنطلق من مقاربة ترتبط بأمنها الإقليمي وتحالفاتها، بينما تسعى فرنسا إلى حماية نفوذها في الساحل الإفريقي، وتراقب إيطاليا الملف الليبي من زاوية الطاقة والهجرة وعلاقاتها التاريخية بالبلاد. أما ليبيا، فقد وجدت نفسها في قلب هذه الحسابات، لا باعتبارها شريكا كامل الإرادة، بل باعتبارها ساحة تتزاحم فوقها المصالح.
ومع مرور الوقت، أخذ الانقسام الداخلي يتغذى من هذا التشابك الخارجي. فكل مركز قوة في الداخل وجد من يدعمه سياسيا أو عسكريا أو دبلوماسيا، حتى أصبح ميزان القوى الليبي مرتبطا، في أحيان كثيرة، بما يجري خارج الحدود أكثر مما يرتبط بما يجري داخلها. ولم يعد السؤال المطروح: ماذا يريد الليبيون؟ بل: ماذا تستطيع القوى الخارجية أن تقبل به، وما هو الحد الذي يسمح لكل طرف بالحفاظ على نصيبه من النفوذ؟
ومن هنا، أخذ الانقسام بين الشرق والغرب يكتسب معنى يتجاوز الجغرافيا. لم يعد مجرد اختلاف في الإدارة أو في الرؤية السياسية، بل أصبح انعكاسا لتوازنات إقليمية ودولية معقدة. وكلما بدا أن أحد الطرفين يقترب من حسم الصراع، سارعت الأطراف الخارجية إلى إعادة ضبط المشهد بما يمنع انتصارا كاملا لأي طرف، لأن الحسم قد يغيّر شبكة المصالح التي استقرت خلال سنوات الحرب.
وهكذا، وُلد نوع من الاستقرار الهش؛ استقرار لا يقوم على المصالحة الوطنية، بل على توازن دقيق بين مراكز النفوذ. فلا أحد ينتصر نهائيا، ولا أحد يُهزم نهائيا. وتبقى البلاد معلقة بين هدنة قابلة للانهيار في أي لحظة، وبين تسويات مؤقتة تُؤجل الانفجار أكثر مما تعالجه.
والنتيجة أن الشعب الليبي أخذ يتراجع، شيئا فشيئا، إلى خلفية المشهد. فالمفاوضات تُعقد، والوفود تنتقل بين العواصم، والبيانات الدولية تتوالى، لكن المواطن لا يكاد يجد نفسه في أي من هذه العمليات. إنه حاضر في الخطابات بوصفه صاحب المصلحة، لكنه غائب عن صناعة القرار. يُذكر اسمه كثيرا، بينما يظل صوته الأقل تأثيرا.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة. فكل القوى المتدخلة ترفع شعار الحفاظ على وحدة ليبيا واستقرارها، غير أن تعدد مشاريع النفوذ جعل الوحدة نفسها رهينة لتوازنات الخارج. ولم يعد الانقسام مجرد نتيجة للأزمة، بل أصبح، في بعض الأحيان، جزءا من آلية إدارتها. فحين تتحول الأزمة إلى ملف دولي دائم، يغدو استمرارها، ولو بدرجات متفاوتة، أقل كلفة على بعض الأطراف من الوصول إلى حل وطني مستقل يعيد القرار إلى أصحابه.
وهذا لا يعني إعفاء القوى الليبية من مسؤوليتها. فالفاعل الخارجي لا يستطيع أن يفرض حضوره ما لم يجد في الداخل من يفتح له الأبواب أو يراهن عليه. لكن التجربة الليبية أثبتت أيضا أن الارتهان للدعم الخارجي، مهما حقق من مكاسب ظرفية، ينتهي غالبا إلى تقليص هامش القرار الوطني، ويجعل مستقبل البلاد رهينا لتفاهمات تُصنع في أماكن أخرى، وفق أولويات لا تتطابق بالضرورة مع ما يحتاجه المجتمع الليبي.
ومن هنا، لا تبدو معركة ليبيا الحقيقية معركة بين شرق وغرب، ولا بين أسماء تتعاقب على السلطة، بل معركة لاستعادة القرار الوطني من حالة التشظي التي جعلته موزعا بين عواصم متعددة. فالدولة لا تستعيد سيادتها بمجرد توحيد مؤسساتها، وإنما عندما يصبح قرارها نابعا من إرادة مجتمعها، لا من توازنات من يتنافسون على رسم مستقبلها من الخارج.

في هذا السياق، لا تبدو المبادرات السياسية التي تتكرر بين حين وآخر خروجا حقيقيا من الأزمة، بقدر ما تبدو محاولة لتنظيمها. فكل مشروع جديد يُقدَّم باعتباره بداية مرحلة مختلفة، لكنه، في كثير من الأحيان، ينطلق من المسلمات نفسها التي كرست الانقسام طوال السنوات الماضية: الاعتراف بموازين القوى القائمة، ثم البحث عن صيغة تضمن استمرارها بأقل قدر من الاحتكاك.
ومن هنا يمكن فهم بعض المقترحات التي تدعو إلى توزيع السلطة التنفيذية بين القوتين المهيمنتين على الأرض. فهي لا تبدأ من صناديق الاقتراع، ولا من نقاش وطني واسع حول شكل الدولة، بل من سؤال آخر تماما: كيف يمكن التوفيق بين مراكز النفوذ التي أفرزتها الحرب؟ وكأن المطلوب ليس إعادة بناء الشرعية، بل إيجاد نقطة توازن جديدة بين الوقائع العسكرية والاعترافات الدولية.
إنها، في جوهرها، مقاربة تنظر إلى الدولة بوصفها تسوية بين أصحاب القوة، لا تعبيرا عن الإرادة العامة. ففي الشرق، فرضت المؤسسة العسكرية نفسها لاعبا رئيسيا لا يمكن تجاوزه. وفي الغرب، استندت السلطة التنفيذية إلى اعتراف دولي منحها موقعا متقدما في المعادلة السياسية، رغم استمرار الجدل الليبي حول حدود هذه الشرعية ومدتها. وبين هذين القطبين، يكاد المجتمع يختفي من الحسابات، وكأن ملايين الليبيين لم يعودوا مصدر السلطة، بل مجرد جمهور يُطلب منه أن يتكيف مع ما يُتفق عليه.
وهذا هو التحول الأخطر الذي عرفته الأزمة. فقد انتقلت السياسة من التنافس حول البرامج والرؤى إلى التفاوض حول مناطق النفوذ. لم يعد السؤال: أي مشروع اقتصادي تحتاجه ليبيا؟ كيف تُبنى مؤسساتها؟ كيف يُعاد توزيع الثروة بين المواطنين؟ بل أصبح السؤال: كيف تُوزع الصلاحيات بين القوى القادرة على فرض أمر واقع؟ إنها نقلة تنقل الدولة من فضاء السياسة إلى فضاء إدارة القوة.
وإذا استقر هذا المنطق، فإنه يؤسس لسابقة خطيرة. لأن أي قوة تستطيع فرض نفسها بالسلاح أو بالدعم الخارجي ستصبح، مع مرور الوقت، مرشحة لأن تكون شريكا إلزاميا في أي حل مقبل. عندها لا تعود الشرعية نابعة من الإرادة الشعبية، بل من القدرة على امتلاك أوراق ضغط أكبر من الآخرين. وهذا يقلب الفكرة الحديثة للدولة رأسا على عقب، ويجعل ميزان القوة يسبق ميزان القانون.
وليس من الصعب أن يلاحظ المرء أن المواطن الليبي كان الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. فمنذ سنوات، لم يُتح له أن يختار مستقبل بلاده عبر مؤسسات مستقرة، بل وجد نفسه ينتقل من مرحلة انتقالية إلى أخرى، ومن حكومة إلى أخرى، ومن اتفاق إلى اتفاق، فيما بقيت حياته اليومية أسيرة الأزمات نفسها: خدمات متعثرة، واقتصاد هش، وقلق دائم من عودة المواجهات.
والمفارقة أن كل الأطراف تتحدث باسم الشعب، بينما لا يكاد الشعب يجد لنفسه مكانا في صناعة القرار. فالسياسة أصبحت حوارا بين النخب، والوساطات الدولية، والقوى المسلحة، أما المواطن فدوره ينحصر غالبا في انتظار نتائج لا يشارك في صياغتها. وكأن السيادة تحولت إلى شأن تتداوله الوفود في المؤتمرات، لا حقا يمارسه الناس في حياتهم السياسية.
ويزداد هذا المشهد تعقيدا عندما ننظر إلى الدور الإقليمي. فمنذ سنوات، حاولت تونس والجزائر ومصر الدفع نحو تسوية سياسية تمنع انهيار الدولة الليبية وتحافظ على وحدة البلاد. وانطلقت مشاورات ولقاءات عكست إدراكا مشتركا بأن استقرار ليبيا ليس شأنا ليبيا فقط، بل شرط لاستقرار المنطقة بأسرها. غير أن هذه المبادرات بقيت محدودة التأثير، ليس لأنها كانت تفتقر إلى الرغبة، بل لأنها اصطدمت بواقع دولي جعل الملف الليبي جزءا من توازنات أكبر تتجاوز حدود الإقليم.
وهكذا، أخذت المبادرات القادمة من خارج الفضاء المغاربي والعربي تفرض إيقاعها على الأزمة، مستندة إلى ما تملكه من نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري. ولم يعد السؤال المطروح: ماذا تقترح دول الجوار؟ بل: ما الذي تقبل به القوى الدولية الأكثر تأثيرا؟ وهذا التحول يكشف، في الوقت نفسه، حدود النظام الإقليمي العربي والمغاربي، الذي بدا عاجزا عن تحويل قربه الجغرافي والتاريخي إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في مسار الأحداث.
ولعل هذا أحد أكثر دروس الأزمة الليبية قسوة. فحين يعجز الإقليم عن إنتاج حلول لأزماته، تملأ القوى الكبرى الفراغ بطبيعة الحال. وليس لأنها أكثر حرصا على مستقبل الشعوب، بل لأنها تمتلك الأدوات التي تجعل حضورها أمرا واقعا. وعندئذ، يصبح مستقبل الدول الصغيرة رهينا لمعادلات دولية تتجاوز مصالحها المباشرة، ويغدو استرجاع القرار الوطني مهمة أكثر تعقيدا من مجرد التوصل إلى اتفاق سياسي جديد.

و يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه السنوات: هل يكفي أن تتوقف المعارك حتى يمكن القول إن ليبيا استعادت دولتها؟ التجربة لا تشجع على هذا الاستنتاج. فوقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، لا يصنع وحده سلاما دائما، كما أن جمع الخصوم حول طاولة واحدة لا يعني بالضرورة أن المجتمع استعاد زمام مستقبله. فكم من اتفاق وُقِّع، وكم من تفاهم أُعلن، ثم عاد كل شيء إلى نقطة البداية لأن ما جرى كان ترتيبا لموازين القوى، لا معالجة للأسباب التي أنتجت الصراع.
لقد دفعت ليبيا كلفة باهظة، ليس فقط في الأرواح والبنية التحتية، بل في الزمن أيضا. جيل كامل نشأ وهو يسمع عن «المرحلة الانتقالية» حتى تحولت هذه العبارة إلى حالة دائمة، لا إلى استثناء مؤقت. وأصبحت الدولة، في المخيال الجماعي، مشروعا مؤجلا باستمرار، فيما تحولت السلطة إلى الغاية التي يلتف حولها الجميع، بينما تراجعت فكرة الخدمة العامة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، إلى الصفوف الخلفية.
وربما تكمن المفارقة الأكثر إيلاما في أن ليبيا، وهي واحدة من أغنى البلدان الإفريقية بالموارد الطبيعية، لم تستطع تحويل هذه الثروة إلى أساس لبناء اقتصاد منتج ومجتمع أكثر عدالة. فالثروة التي كان يمكن أن تكون عنصرا لتوحيد الليبيين، تحولت، بفعل الاقتصاد الريعي وضعف المؤسسات، إلى أحد أهم أسباب الصراع. وعندما تصبح السيطرة على الدولة طريقا للسيطرة على الريع، يتحول التنافس السياسي إلى صراع على مفاتيح الثروة، لا على مشاريع التنمية.
إن المشكلة ليست في النفط ذاته، بل في الطريقة التي أُدير بها. فحين يغيب الإنتاج وتتراجع الصناعة والزراعة، ويصبح الاقتصاد معتمدا بصورة شبه كاملة على الموارد الريعية، تتضخم قيمة السلطة، لأن من يسيطر على الدولة يسيطر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على مفاصل توزيع الثروة. ومن هنا تتغذى شبكات الزبونية والفساد، ويتراجع دور المواطن إلى مجرد متلقّ لما تقرره مراكز النفوذ.
لهذا، فإن إعادة بناء ليبيا لا تبدأ من إعادة توزيع المناصب، وإنما من إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها. هل هي جهاز لتقاسم الريع بين القوى المتنافسة؟ أم إطار وطني لإطلاق التنمية، وبناء اقتصاد متنوع، وضمان الحقوق الاجتماعية، وحماية الحريات العامة؟ هذا هو السؤال الذي سيحدد شكل ليبيا في العقود القادمة، وليس اسم رئيس الحكومة أو رئيس المجلس الرئاسي.
إن البلدان لا تنهض لأنها نجحت في إنتاج تسوية بين نخبها، بل لأنها استطاعت أن تبني عقدا جديدا بين الدولة والمجتمع. عقدا يشعر فيه المواطن أن القانون يحميه، وأن الثروة الوطنية ملك له، وأن صوته لا يُستدعى فقط في لحظات الانتخابات، بل يظل حاضرا في الرقابة والمساءلة وصنع السياسات العامة. ومن دون هذا التحول، ستظل كل التسويات قابلة للاهتزاز، لأنها ستبقى معلقة فوق أرض لم تُسوَّ بعد.
وربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة الليبية أن السيادة ليست شعارا يُرفع في الخطب، بل ممارسة يومية تبدأ عندما يصبح القرار الوطني مستقلا، وعندما تتقدم مصلحة المجتمع على حسابات المحاور، وعندما تُبنى المؤسسات على الكفاءة والقانون، لا على موازين السلاح أو الرعاية الخارجية. فالدولة التي تعتمد في بقائها على توازنات الآخرين ستظل رهينة لتقلبات تلك التوازنات، مهما بدا وضعها مستقرا في لحظة من اللحظات.
وفي النهاية، لا يحتاج الليبيون إلى وصي جديد، ولا إلى معادلة جديدة لتقاسم السلطة، بقدر ما يحتاجون إلى استعادة السياسة من منطق الغلبة، والدولة من منطق المحاصصة، والاقتصاد من منطق الريع، والقرار الوطني من منطق الارتهان. فالتاريخ لا يكتب أسماء الذين اقتسموا السلطة، بقدر ما يحتفظ بأسماء الذين نجحوا في بناء دولة يشعر كل مواطن بأنها دولته، لا غنيمة يتنازعها الأقوياء. تلك هي المعركة الحقيقية التي لم تُحسم بعد، وهي وحدها التي تستحق أن تُخاض، لأنها ليست معركة أشخاص، بل معركة وطن يريد أن يعود إلى أصحابه.

قد يكون الخطأ الأكبر في النظر إلى الأزمة الليبية هو الاعتقاد بأن الزمن وحده كفيل بحلها. فالأزمات لا تشيخ، بل تتغير أشكالها كلما بقيت أسبابها قائمة. وما دامت الدولة لم تستعد احتكارها المشروع للمؤسسات، وما دام الاحتكام إلى القانون لم يحل محل منطق القوة، وما دام القرار الوطني يتأثر بتوازنات الداخل والخارج معا، فإن أي تسوية ستظل عرضة للاختبار عند أول منعطف.
لقد أثبتت التجربة أن بناء الدولة لا يتحقق بمجرد الاتفاق على توزيع المسؤوليات، بل بإرساء مؤسسات تتمتع بالشرعية والثقة، وتكون قادرة على خدمة المواطنين وحماية الحقوق وإدارة الثروة العامة بشفافية. كما أن نجاح أي مسار سياسي يظل مرتبطا بقدرته على إشراك مختلف مكونات المجتمع، لا الاقتصار على تفاهمات بين مراكز النفوذ، لأن الاستقرار الذي لا يستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة يبقى هشا بطبيعته.
وربما تكمن الفرصة الحقيقية لليبيا في الانتقال من منطق إدارة الانقسام إلى منطق بناء الدولة؛ دولة يكون معيارها الأول سيادة القانون، وتداول السلطة عبر مؤسسات منتخبة، ومساءلة القائمين على الشأن العام، بحيث تصبح الثروة الوطنية رافعة للتنمية لا محورا للصراع، وتتحول السياسة إلى وسيلة لتحقيق المصلحة العامة لا إلى ساحة تنافس دائم على النفوذ.
فالتاريخ لا يتوقف عند أسماء الحكومات أو نتائج المفاوضات، بل يقيس نجاح الدول بقدرتها على تأسيس مؤسسات تستمر، واقتصاد يخلق الفرص، ومجتمع يشعر أفراده بأنهم شركاء في وطن واحد. وعندما يصبح المواطن محور المشروع الوطني، لا موضوعا للتجاذبات، يمكن عندها أن تبدأ ليبيا في طي صفحة طويلة من الانقسام، والتطلع إلى مستقبل تُصنع ملامحه داخل البلاد، بإرادة الليبيين أنفسهم، وفي إطار احترام سيادتهم وتعددهم وتطلعاتهم.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
- حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ...
- حين تتصافح المصالح
- رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر ...
- اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة ...
- التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة ...
- من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية ...
- تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت ...
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ...


المزيد.....




- بعد أن أرجعت سبب الوفاة للقاحات.. أم تواجه لاحقًا تهمتي قتل ...
- -مقززة-.. ردّ مسؤول إيراني لـCNN على تصريحات ترامب بشأن مذكر ...
- روما تحتضن الجولة المقبلة من المفاوضات بين بيروت وتل أبيب.. ...
- رغم السوار الإلكتروني.. مارين لوبان تعلن ترشحها للرئاسة الفر ...
- ما الذي يسعى أحمد الشرع إلى تحقيقه من خلال لقاءاته مع ترامب ...
- حريق ضخم يلتهم آلاف الهكتارات في جنوب فرنسا
- ماكرون: الغارات الإيرانية انتهاك للاتفاق والإيرانيون مخطئون ...
- لماذا يضعف تكييف السيارة فجأة؟ عادات بسيطة تمنع الأعطال المك ...
- بين الواقع الصعب وآمال التغيير.. كيف استقبل الغزيون استقالة ...
- -حرب- لا -عملية عسكرية خاصة-.. فجأة يسمي الكرملين الأشياء بأ ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .