أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض الشرايطي - مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي حَفِظَتِ التَّارِيخَ وَنَسِيَهَا التَّارِيخُ .















المزيد.....



مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي حَفِظَتِ التَّارِيخَ وَنَسِيَهَا التَّارِيخُ .


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 02:47
المحور: الادب والفن
    


حَدَّثَنَا غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ، وَقَدْ أَتْعَبَتْهُ الرِّحَالُ، وَأَثْقَلَتْهُ السُّؤَالَاتُ، وَأَرَّقَتْهُ حِكَايَاتُ الْمَدُنِ الْمُهْمَلَاتِ، قَالَ:
خَرَجْتُ أَلْتَمِسُ مَدِينَةً لَا تُقَاسُ بِأَبْوَابِهَا، وَلَا بِأَسْوَاقِهَا، وَلَا بِمَا كُتِبَ عَنْهَا فِي دَوَاوِينِ الْوُلَاةِ وَالْكُتَّابِ، فَإِذَا بِي أَبْلُغُ قَفْصَةَ، فَوَقَفْتُ عَلَى أَرْضٍ لَا أَدْرِي أَهِيَ مَدِينَةٌ أَمْ سِفْرٌ قَدِيمٌ، أَهِيَ حَجَرٌ أَمْ ذَاكِرَةٌ تَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ.
قُلْتُ: يَا قَفْصَةُ، مَنْ أَنْتِ؟
فَأَجَابَتْنِي بِصَوْتٍ خَفِيٍّ:
أَنَا الَّتِي كَانَتْ هُنَا قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ كَيْفَ يَكْتُبُونَ اسْمِي، وَقَبْلَ أَنْ يَرْسُمَ الْمُؤَرِّخُونَ حُدُودَ الْبِلَادِ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَقَاسَمَ الْمُلُوكُ الْخَرَائِطَ وَالْأَرْضَ وَالْعِبَادَ.
أَنَا ابْنَةُ الْعُصُورِ الْغَابِرَةِ، وَحَفِيدَةُ الْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ؛ فِي تُرْبَتِي خُطَى مَنْ مَشَوْا قَبْلَ التَّارِيخِ، وَفِي أَحْجَارِي أَسْرَارُ أَقْدَمِ الْحِكَايَاتِ. لَمْ أَنْتَظِرْ أَنْ يَمْنَحَنِي أَحَدٌ شَهَادَةَ وُجُودٍ، فَأَنَا الشَّهَادَةُ وَأَنَا الشَّاهِدُ، أَنَا الْبِدَايَةُ حِينَ كَانَتِ الْبِدَايَةُ مَجْهُولَةً.
فَقُلْتُ لَهَا:
مَا أَعْجَبَ أَمْرَكِ! كَيْفَ لِمَدِينَةٍ أَنْ تَحْمِلَ كُلَّ هَذَا الْعُمْرِ وَلَا يَحْمِلُهَا أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ؟
فَقَالَتْ:
لِأَنَّ بَعْضَ الْمُدُنِ تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ، وَبَعْضَهَا يُكْتَبُ فِي دَمِ النَّاسِ. وَأَنَا مِنْ قَبِيلَةِ الْمُدُنِ الَّتِي دَفَعَتْ ثَمَنَ عَظَمَتِهَا؛ فَكُلَّمَا أَخْرَجْتُ مِنْ أَرْضِي خَيْرًا، جَاءَ مَنْ يَأْخُذُهُ وَيَنْسَى أَهْلِي.
مَرَّتْ عَلَيَّ حُضَارَاتٌ وَحَضَارَاتٌ، وَعَبَرَتْ فَوْقَ تُرَابِي جُيُوشٌ وَجُيُوشٌ، كُلُّهُمْ جَاءُوا بِوُعُودٍ كَبِيرَةٍ، وَرَحَلُوا بِذِكْرَيَاتٍ صَغِيرَةٍ. كُلُّ غَازٍ قَالَ: أَنَا الْخَالِدُ، فَكَانَ التَّارِيخُ يَبْتَسِمُ وَيَقُولُ: بَلْ أَنْتَ الْعَابِرُ.
ثُمَّ جَاءَ زَمَنٌ لَبِسَ فِيهِ الْقَهْرُ ثَوْبَ الْقَانُونِ، وَرَفَعَ الْمُسْتَعْمِرُ رَايَةَ "التَّحْضِيرِ" وَأَخْفَى تَحْتَهَا رَايَةَ النَّهْبِ.
جَاءَ الْفَرَنْسِيُّ بِالْمِيزَانِ لِيَحْسِبَ مَا لَهُ، وَلَمْ يَحْمِلْ مِيزَانًا لِيَحْسِبَ مَا عَلَيْهِ. نَظَرَ إِلَى بَاطِنِ الْأَرْضِ فَرَأَى الثَّرْوَةَ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى عَيْنِ الْعَامِلِ فَيَرَى الْمَأْسَاةَ.
أَخَذَ مِنَ الْمَنْجَمِ مَا يَغْنِي الْمَصَانِعَ، وَتَرَكَ لِلْعَامِلِ يَوْمَهُ الْمُثْقَلَ بِالْعَرَقِ وَالْعَنَاءِ.
وَهُنَا، فِي أَرْضِ الْمَنْجَمِ، وُلِدَ رِجَالٌ لَمْ يَرْضَوْا أَنْ يَكُونُوا أَرْقَامًا فِي دَفَاتِرِ الْمُسْتَغِلِّينَ ...

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
وَلَمَّا رَأَيْتُ قَفْصَةَ تُحَدِّثُنِي عَنْ أَوْجَاعِهَا، قُلْتُ لَهَا:
يَا أُمَّ الْمَنَاجِمِ، أَيْنَ أَبْنَاؤُكِ الَّذِينَ كَانُوا يَقِفُونَ فِي وَجْهِ الرِّيحِ، وَيَحْمِلُونَ فِي صُدُورِهِمْ مَا لَا تَحْمِلُهُ الْجِبَالُ؟
فَتَنَهَّدَتْ، وَقَالَتْ:
يَا غَبَشُ، إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تَحْفَظُ الْمَعَادِنَ فِي بَاطِنِهَا، تَحْفَظُ أَيْضًا مَعَادِنَ الرِّجَالِ فِي ظَاهِرِهَا. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ حَفَرَ فِي الْمَنْجَمِ أَخْرَجَ حَجَرًا، فَبَعْضُهُمْ أَخْرَجَ مَعْنًى، وَبَعْضُهُمْ أَخْرَجَ مَوْقِفًا، وَبَعْضُهُمْ أَخْرَجَ تَارِيخًا يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ.
وَكَانَ مِنْ أَبْنَائِي رَجُلٌ يُدْعَى الأَزْهَرَ الشَّرَايْطِيَّ؛ ابْنُ الْمَنْجَمِ وَابْنُ الْعَرَقِ وَالتَّعَبِ، رَأَى فِي عَيْنِ الْعَامِلِ قِصَّةَ وَطَنٍ مُثْقَلٍ، وَرَأَى فِي قَيْدِ الْمُسْتَعْمِرِ سَجْنًا لَا يَكْفِي أَنْ نَشْكُوَهُ بَلْ يَجِبُ أَنْ نُقَاوِمَهُ.
لَمْ يَكُنْ رَجُلَ مَقْهًى يَعُدُّ خُطَى الْمَارَّةِ، وَلَا رَجُلَ مَجْلِسٍ يَزِنُ الْكَلِمَاتِ بِمِيزَانِ الْخَوْفِ؛ كَانَ رَجُلَ مَوْقِفٍ، يَعْرِفُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ هَدِيَّةً تُقَدَّمُ، بَلْ حَقٌّ يُنْتَزَعُ.
وَفِي أَرْبَعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، حَمَلَ مَعَ رِجَالٍ آخَرِينَ هَمَّ الْمَعْرَكَةِ إِلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ، حَيْثُ كَانَتِ الْمُوَاجَهَةُ مَعَ الْمَشْرُوعِ الصَّهْيُونِيِّ جُرْحًا يَرَاهُ كَثِيرٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْعَرَبِ جُرْحًا لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا.
ثُمَّ عَادَ إِلَى تُونِسَ، وَفِي ذَاكِرَتِهِ صَوْتُ الْمَعَارِكِ، وَفِي خُطَاهُ إِصْرَارُ مَنْ عَلِمَ أَنَّ مَنْ يَرْفُضُ الظُّلْمَ فِي مَكَانٍ، يَرْفُضُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
فَكَانَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ رَبَطُوا اسْمَهُمْ بِبِدَايَاتِ الْكِفَاحِ الْمُسَلَّحِ ضِدَّ الْاِسْتِعْمَارِ الْفَرَنْسِيِّ، وَكَانَتْ قَفْصَةُ وَمِنْطَقَةُ الْجَنُوبِ وَسَائِرُ رُبُوعِ الْبِلَادِ مَسْرَحًا لِمَعَارِكِ أَرَادَ فِيهَا الثُّوَّارُ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الْوَطَنَ لَيْسَ مِلْكًا لِمَنْ يَحْكُمُهُ، بَلْ حَقٌّ لِمَنْ يَحْيَا فِيهِ وَيَدْفَعُ عَنْهُ.
وَلَمَّا رَحَلَ الْمُسْتَعْمِرُ، ظَنَّ النَّاسُ أَنَّ كُلَّ الْمَعَارِكِ قَدِ انْتَهَتْ، فَقَالَتْ قَفْصَةُ: مَهْلًا، فَإِنَّ خُرُوجَ الْغَرِيبِ مِنَ الْبِلَادِ لَا يَعْنِي دَائِمًا خُرُوجَ كُلِّ أَثَرٍ مِنَ النُّفُوسِ وَالْمَسَارَاتِ.
وَهُنَا تَبْدَأُ فَصْلَةٌ أُخْرَى مِنْ حِكَايَةِ الأَزْهَرِ...
فَقَدْ صَارَ مَصِيرُهُ مَوْضِعَ جَدَلٍ فِي الذَّاكِرَةِ التُّونِسِيَّةِ؛ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَآهُ ضَحِيَّةَ صِرَاعَاتِ السُّلْطَةِ فِي بَدَايَاتِ الدَّوْلَةِ الْوَطَنِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ فَصْلًا مِنْ فُصُولِ تَصْفِيَةِ الثُّوَّارِ وَإِعَادَةِ تَرْتِيبِ مَوَازِينِ الْقُوَّةِ. وَبَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بَقِيَ اسْمُهُ حَاضِرًا، لَا كَاسْمِ رَجُلٍ فَقَطْ، بَلْ كَسُؤَالٍ عَنْ مَعْنَى الثَّوْرَةِ وَمَصِيرِ الثُّوَّارِ.
قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
مَا أَغْرَبَ التَّارِيخَ!
قَدْ يَحْمِلُ الرَّجُلُ السِّلَاحَ لِيَكْسِرَ قَيْدًا، ثُمَّ يَجِدُ نَفْسَهُ أَمَامَ أَسْئِلَةٍ أَثْقَلَ مِنَ الْقُيُودِ.
وَقَدْ يَرْحَلُ الْمُسْتَعْمِرُ، وَتَبْقَى مَعَارِكُ الذَّاكِرَةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْوَطَنِ.
ثُمَّ سَكَتَتْ قَفْصَةُ قَلِيلًا، وَقَالَتْ:
لَا تَقْرَؤُونِي فِي مَنْجَمِي فَقَطْ، فَاقْرَؤُونِي فِي رِجَالِي؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُخْرِجُ الْمَعْدِنَ، تُخْرِجُ أَيْضًا مَنْ يَحْمِلُ وَجْهَ التَّارِيخِ .

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى قَفْصَةَ بَعْدَ رَحِيلِ الْمُسْتَعْمِرِ، فَرَأَيْتُهَا تَقِفُ بَيْنَ فَصْلَيْنِ مِنَ الْكِتَابِ؛ فَصْلٌ كُتِبَ بِحِبْرِ الْمُقَاوَمَةِ، وَفَصْلٌ كُتِبَ بِحِبْرِ الِانْتِظَارِ.
قُلْتُ لَهَا:
يَا قَفْصَةُ، قَدْ رَحَلَ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ خَيْرَاتِكِ بِاسْمِ الرَّايَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَمَا الَّذِي بَقِيَ لَكِ؟
فَقَالَتْ:
بَقِيَ الْمَنْجَمُ، وَلَكِنْ لَمْ يَبْقَ لِأَهْلِهِ.
بَقِيَ الْفُوسْفَاطُ، وَلَكِنْ لَمْ يَبْقَ لِلْعَامِلِ مِنْهُ إِلَّا غُبَارُ التَّعَبِ.
بَقِيَتِ الثَّرْوَةُ، وَلَكِنْ تَعَلَّمَتِ الطَّرِيقَ إِلَى الْخَارِجِ وَلَمْ تَتَعَلَّمْ طَرِيقَ الْعَوْدَةِ إِلَى أَهْلِهَا.
فَقُلْتُ:
وَيْحَكِ يَا قَفْصَةُ! أَتَخْرُجُ مِنْ أَرْضِكِ مَعَادِنُ الْغِنَى، وَيَدْخُلُ إِلَى بُيُوتِكِ الْفَقْرُ وَالْعَنَاءُ؟
فَقَالَتْ:
هَذَا هُوَ سِرُّ الْمُدُنِ الَّتِي تَحْرُسُ ثَرْوَةَ الْوَطَنِ، ثُمَّ تَجِدُ نَفْسَهَا فِي طَابُورِ الْمُطَالِبِينَ بِالْحَقِّ. أَنَا الَّتِي تُعْطِي، وَأَنَا الَّتِي تَنْتَظِرُ. أَنَا الَّتِي تَمْلَأُ خَزَائِنَ الْغَيْرِ، وَتَعُدُّ فِي خَزَائِنِهَا نَقْصَ الْمَاءِ وَنَقْصَ الْعَمَلِ وَنَقْصَ الْعَدْلِ.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِأَحْيَائِهَا، فَرَأَيْتُ شَبَابًا يَحْمِلُونَ شَهَادَاتِهِمْ كَأَنَّهَا رَسَائِلُ طَوِيلَةٌ لَمْ يَجِدُوا لَهَا عُنْوَانًا.
قُلْتُ:
مَا بَالُ هَؤُلَاءِ؟
قِيلَ لِي:
هَؤُلَاءِ أَبْنَاءُ الْمَدِينَةِ الَّتِي وَعَدُوهَا بِالتَّنْمِيَةِ، فَجَاءَتْهَا الْخُطَبُ قَبْلَ الْمَشَارِيعِ، وَالْشِّعَارَاتُ قَبْلَ الْمَصَانِعِ، وَالْوُعُودُ قَبْلَ الْعُهُودِ.
فَقُلْتُ:
أَفَلَا يَجِدُونَ عَمَلًا؟
فَقَالُوا:
يَجِدُونَ أَعْمَالًا كَثِيرَةً فِي الْخِطَابَاتِ، وَفِي قَوَائِمِ الِانْتِظَارِ، وَفِي دَفَاتِرِ الْإِحْصَاءِ؛ أَمَّا فِي الْحَيَاةِ فَيَبْقَى الْبَحْثُ طَوِيلًا.
وَكَانَتْ قَفْصَةُ، عَلَى مَا بِهَا مِنْ أَوْجَاعٍ، مَدِينَةَ الْعِلْمِ وَالثَّقَافَةِ؛ فَلَمْ تَكُنْ مَنْجَمًا لِلْمَادَّةِ فَقَطْ، بَلْ مَنْجَمًا لِلْفِكْرِ وَالْكَلِمَةِ وَالْفَنِّ. أَنْجَبَتْ أَقْلَامًا تَسْأَلُ، وَأَصْوَاتًا تُنَاقِشُ، وَعُقُولًا لَمْ تَقْبَلْ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ رَقْمًا فِي سِجِلٍّ بَارِدٍ.
وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّمْتُ عَلَيْهَا أَثْقَلَ مِنْ غَيْرِهَا؛ فَالْمَدِينَةُ الَّتِي تَعَلَّمَتْ أَنْ تَرْفَعَ صَوْتَهَا فِي الْمَنْجَمِ، لَا تَقْبَلُ بِسُهُولَةٍ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهَا أَنْ تَصْمُتَ فِي الْمَجْلِسِ.
قَالَ غَبَشُ:
فَهِمْتُ يَوْمَهَا أَنَّ الْإِقْصَاءَ لَا يَكُونُ دَائِمًا بِإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الْمَدِينَةِ تَنْتَظِرُ طَوِيلًا، وَبِجَعْلِ أَهْلِهَا يَشْرَحُونَ وَجَعَهُمْ كُلَّ مَرَّةٍ كَأَنَّهُمْ يَقُدِّمُونَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ مَوْجُودُونَ.
ثُمَّ قَالَتْ قَفْصَةُ:
يَا غَبَشُ، لَيْسَ أَشَدَّ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ فَقْرِهَا، إِلَّا أَنْ تُجْبَرَ عَلَى نِسْيَانِ سَبَبِ فَقْرِهَا.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ مَشَيْتُ فِي قَفْصَةَ مَشْيَ الْمُتَأَمِّلِ، لَا مَشْيَ السَّائِلِ، فَإِنَّ بَعْضَ الْمُدُنِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَسْأَلُهَا عَنْ أَوْجَاعِهَا، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُنْصِتُ لِصَمْتِهَا.
فَرَأَيْتُ الْعَجَبَ الْعُجَابَ؛ رَأَيْتُ أَرْضًا تَحْتَضِنُ فِي أَعْمَاقِهَا الْمَاءَ، وَيَصِلُ إِلَى أَهْلِهَا بِالْمَشَقَّةِ وَالِانْتِظَارِ. رَأَيْتُ مَنْ يَسْكُنُ قُرْبَ الْخَيْرِ، وَيَبْحَثُ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْهُ كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ سِرٍّ ضَائِعٍ.
فَقُلْتُ:
يَا قَفْصَةُ، كَيْفَ يَعْطَشُ مَنْ جَاوَرَ الْعُيُونَ؟
فَقَالَتْ:
يَا غَبَشُ، إِنَّ الْعَطَشَ لَيْسَ دَائِمًا نَقْصَ مَاءٍ، فَقَدْ يَكُونُ نَقْصَ عَدْلٍ، وَقَدْ يَكُونُ بُعْدَ قَرَارٍ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَرَى الْإِنْسَانُ ثَرْوَتَهُ تَمْرُّ مِنْ أَمَامِهِ وَلَا تَسْكُنُ فِي بَيْتِهِ.
فَسَكَتُّ، فَإِنَّ بَعْضَ الْأَجْوِبَةِ أَثْقَلُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ.
ثُمَّ قُلْتُ:
وَمَا بَالُ هَذَا الْهَوَاءَ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ رَائِحَةَ الْوَاحَاتِ، فَأَصْبَحَ يَحْمِلُ أَنِينًا خَفِيًّا؟
فَقَالَتْ:
يَا غَبَشُ، لَيْسَ كُلُّ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَرْضِ خَيْرًا إِذَا لَمْ يُحْفَظْ حَقُّ الْإِنْسَانِ فِي الْعَيْشِ الْكَرِيمِ. فَالثَّرْوَةُ الَّتِي لَا تُصَانُ، تَتَحَوَّلُ إِلَى حِمْلٍ؛ وَالْمَشَارِيعُ الَّتِي لَا تَرَى الْوَجْهَ الْبَشَرِيَّ، تَتْرُكُ خَلْفَهَا أَسْئِلَةً أَكْثَرَ مِنَ الأَجْوِبَةِ.
وَرَأَيْتُ أُمَّهَاتٍ يَحْمِلْنَ فِي قُلُوبِهِنَّ خَوْفًا عَلَى أَبْنَائِهِنَّ، وَرَأَيْتُ عَائِلَاتٍ تُحَدِّثُ عَنِ الْمَرَضِ كَمَنْ يُحَدِّثُ عَنْ زَائِرٍ ثَقِيلٍ طَالَ مُقَامُهُ.
فَقُلْتُ:
أَكُلُّ هَذَا فِي مَدِينَةٍ أَعْطَتْ وَأَعْطَتْ؟
فَقَالَتْ:
إِنَّ الْمُؤْلِمَ يَا غَبَشُ أَنْ تَكُونَ الْمَدِينَةُ مَعْرُوفَةً بِمَا تَخْرُجُهُ مِنْ أَرْضِهَا، وَمَجْهُولَةً بِمَا يَخْرُجُ مِنْ قَلْبِهَا.
فَفِي قَلْبِ قَفْصَةَ شَعْبٌ صَبَرَ طَوِيلًا، وَعُمَّالٌ عَرَفُوا مَعْنَى الْكِفَاحِ، وَمُثَقَّفُونَ حَمَلُوا سُؤَالَ الْوَطَنِ، وَلَكِنَّ الصَّبْرَ إِذَا لَمْ يَجِدْ أُفُقًا يَتَحَوَّلُ إِلَى وَجَعٍ، وَالْوَجَعُ إِذَا لَمْ يُسْمَعْ يَتَحَوَّلُ إِلَى غَضَبٍ.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِشَبَابٍ يَجْلِسُونَ فِي مَقَاهِي الْانْتِظَارِ، فَقُلْتُ:
مَا خَبَرُكُمْ؟
قَالُوا:
نَحْنُ أَبْنَاءُ مَدِينَةٍ لَهَا تَارِيخٌ كَبِيرٌ، وَلَكِنَّ الْحَاضِرَ يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَنْسَى هَذَا التَّارِيخَ، وَأَنْ نَكْتَفِيَ بِالْحَدِيثِ عَنْهُ.
قُلْتُ:
وَمَا تَطْلُبُونَ؟
قَالُوا:
نُرِيدُ أَنْ نَكُونَ أَصْحَابَ غَدٍ، لَا أَسْرَى أَمْسٍ؛ نُرِيدُ عَمَلًا يَحْفَظُ كَرَامَتَنَا، وَمَاءً يَصِلُ إِلَى بُيُوتِنَا، وَهَوَاءً لَا نَخَافُهُ، وَصَوْتًا لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
فَقُلْتُ:
مَا أَشْبَهَ الْيَوْمَ بِالأَمْسِ! فَالْمَدِينَةُ الَّتِي قَاوَمَتْ بِالسِّلَاحِ فِي زَمَنٍ، تُقَاوِمُ الْيَوْمَ بِالصَّبْرِ وَالذَّاكِرَةِ.
ثُمَّ قَالَتْ قَفْصَةُ:
يَا غَبَشُ، لَا تَكْتُبْ عَنِّي أَنِّي مَدِينَةُ الْفَقْرِ فَقَطْ، فَذَلِكَ ظُلْمٌ آخَرُ.
اكْتُبْ أَنِّي مَدِينَةٌ أَعْطَتْ كَثِيرًا، وَتَنْتَظِرُ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهَا بَعْضُ مَا أَعْطَتْ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ سِرْتُ فِي قَفْصَةَ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا لَا يُشْبِهُ أَصْوَاتَ الْمُدُنِ الْهَادِئَةِ؛ صَوْتًا يَخْرُجُ مِنْ أَعْمَاقِ الْمَنَاجِمِ، وَمِنْ حَنَاجِرِ الْعُمَّالِ، وَمِنْ دَفَاتِرِ النُّقَابِيِّينَ، وَمِنْ أَقْلَامِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ الْكَلِمَةَ لَيْسَتْ زِينَةً لِلْمَجَالِسِ، بَلْ مِطْرَقَةً تَطْرُقُ بَابَ الْحَقِيقَةِ.
فَقُلْتُ:
مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا قَفْصَةُ؟
فَقَالَتْ:
هَذَا صَوْتُ أَهْلِي مُنْذُ أَنْ عَرَفُوا أَنَّ الْعَامِلَ لَيْسَ يَدًا تَحْمِلُ الْمِعْوَلَ فَقَطْ، بَلْ إِنْسَانٌ لَهُ حَقٌّ وَكَرَامَةٌ وَحُلْمٌ. هَذَا صَوْتُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمَنْجَمَ لَيْسَ حَجَرًا صَامِتًا، بَلْ حِكَايَةُ رِجَالٍ وَعَرَقِ أُسَرٍ وَعُمْرِ أَجْيَالٍ.
وَكَانَتْ قَفْصَةُ مَدْرَسَةً لِلْعَمَلِ وَالنِّضَالِ، فَفِي أَرْضِهَا تَعَلَّمَ الْعُمَّالُ أَنَّ الْحَقَّ لَا يُقَدَّمُ دَائِمًا عَلَى مَائِدَةٍ مُزَيَّنَةٍ، بَلْ يُطْلَبُ بِالْوَعْيِ وَالتَّنْظِيمِ وَالصَّبْرِ.
فَقَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا:
يَا غَبَشُ، لَا تَحْسَبْ أَنَّ الْمَنْجَمَ أَنْجَبَ الْفُوسْفَاطَ فَقَطْ؛ فَقَدْ أَنْجَبَ أَيْضًا رِجَالًا عَرَفُوا مَعْنَى الْوُقُوفِ، وَأَقْلَامًا عَرَفَتْ مَعْنَى السُّؤَالِ، وَأَصْوَاتًا لَمْ تَتَعَلَّمْ لَهْجَةَ الْخَوْفِ.
فَقُلْتُ:
وَلِمَ يَخَافُونَ الصَّوْتَ؟
فَضَحِكَ قَائِلًا:
لِأَنَّ السُّلْطَةَ الَّتِي لَا تُجِيدُ الْإِجَابَةَ عَنِ الْأَسْئِلَةِ، تُفَضِّلُ أَنْ تُسْكِتَ السَّائِلَ. وَالَّذِي يَخْشَى الْكَلِمَةَ، يَعْلَمُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ أَنَّ فِي الْكَلِمَةِ قُوَّةً لَا تَمْلِكُهَا الْمَرَاسِيمُ.
وَرَأَيْتُ فِي قَفْصَةَ مَثَقَّفًا يَحْمِلُ كِتَابَهُ كَمَنْ يَحْمِلُ مِصْبَاحًا فِي لَيْلٍ طَوِيلٍ، فَقُلْتُ لَهُ:
مَا الَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ؟
فَقَالَ:
أَبْحَثُ عَنْ مَدِينَةٍ تُصَالِحُ ذَاكِرَتَهَا، وَعَنْ وَطَنٍ لَا يَطْلُبُ مِنْ أَبْنَائِهِ أَنْ يَصْمُتُوا كَيْ يَكُونُوا مُوَاطِنِينَ صَالِحِينَ.
قُلْتُ:
وَهَلْ الثَّقَافَةُ تُغَيِّرُ الْأَقْدَارَ؟
قَالَ:
رُبَّمَا لَا تُغَيِّرُهَا فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَكِنَّهَا تَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنْ أَنْ يَقْبَلَ قَدَرًا كُتِبَ لَهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ.
فَفَهِمْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَمْ تَكُنْ مَدِينَةَ الْمَنْجَمِ فَقَطْ، بَلْ مَدِينَةَ الْفِكْرِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ بَيْنِ الصَّخْرِ، وَالْكَلِمَةِ الَّتِي وُلِدَتْ مِنْ بَيْنِ الْمِحَنِ.
ثُمَّ قُلْتُ:
يَا قَفْصَةُ، كَيْفَ كَانَ جَزَاءُ هَذَا التَّارِيخِ كُلِّهِ؟
فَأَجَابَتْ:
كَانَ الْجَزَاءُ غَرِيبًا؛ فَمَنْ يَذْكُرُ الْمَاضِيَ يُتَّهَمُ بِالْعَيْشِ فِيهِ، وَمَنْ يَسْأَلُ عَنِ الْحَاضِرِ يُتَّهَمُ بِإِزْعَاجِهِ، وَمَنْ يَحْلُمُ بِالْغَدِ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَنْتَظِرَ.
وَقَالَ غَبَشُ:
عَجَبًا لِزَمَنٍ يُصْبِحُ فِيهِ السُّؤَالُ جُرْمًا، وَالْصَّمْتُ حِكْمَةً، وَالْمُطَالَبَةُ بِالْحَقِّ فِتْنَةً، وَالنِّسْيَانُ وَاجِبًا!
ثُمَّ مَسَحْتُ غُبَارَ الطَّرِيقِ عَنْ ثَوْبِي، وَقُلْتُ:
لَيْسَتْ قَفْصَةُ مَدِينَةً مَنْسِيَّةً، بَلْ مَدِينَةٌ يُرَادُ لَهَا أَنْ تَنْسَى نَفْسَهَا.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةً تَحْمِلُ فِي تُرَابِهَا أَقْدَامَ الْأَوَّلِينَ، حَدِّثِينِي عَنْ أَهْلِكِ الْأَقْدَمِينَ؛ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَشَوْا فِي أَرْضِكِ قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ الْقُصُورُ وَتُكْتَبَ السِّيَرُ؟
فَابْتَسَمَتْ قَفْصَةُ وَقَالَتْ:
يَا غَبَشُ، أَنَا لَسْتُ ابْنَةَ أَمْسٍ، وَلَا حَفِيدَةَ عَهْدٍ قَرِيبٍ؛ أَنَا ابْنَةُ زَمَنٍ سَحِيقٍ كَانَ الْإِنْسَانُ فِيهِ يَتَعَلَّمُ مِنَ الأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمَهَا، وَيَقْرَأُ آثَارَ الْحَيَاةِ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ كُتُبَ التَّارِيخِ.
فِي رُبُوعِي عَاشَ الْقَبْصِيُّونَ، أَهْلُ الْحَجَرِ الْمُهَذَّبِ، وَالْأَدَاةِ الْمُبْتَكَرَةِ، وَالْعَيْشِ الْمُرْتَبِطِ بِالطَّبِيعَةِ. لَمْ يَكُونُوا مَلُوكًا يَحْمِلُونَ التَّيَاجَ، وَلَا جُيُوشًا تَحْمِلُ الرَّايَاتِ، بَلْ كَانُوا أُنَاسًا يَحْفُرُونَ فِي الأَرْضِ عَنْ سِرِّ الْبَقَاءِ.
وَكَانَ اسْمُهُمْ يَخْرُجُ مِنْ اسْمِ الْمَكَانِ الَّذِي عَاشُوا فِيهِ، فَصَارَتْ قَفْصَةُ ذَاكِرَةً لِحَضَارَةٍ ضَارِبَةٍ فِي الْقِدَمِ، تَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ الأَرْضَ لَمْ تَكُنْ طَرِيقًا لِلْعَابِرِينَ فَقَطْ، بَلْ مَوْطِنًا لِلْمُبْدِعِينَ وَالْمُقِيمِينَ.
فَقُلْتُ:
وَهَلْ بَقِيَ أَثَرُهُمْ فِي الْعَالَمِ؟
فَقَالَتْ:
بَقِيَ أَثَرُهُمْ فِي الْعِلْمِ، وَفِي ذَاكِرَةِ الْبَشَرِ، وَفِي كُلِّ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ بَدَايَاتِ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ. أَمَّا الْحِكَايَاتُ الَّتِي تَقُولُ إِنَّ بَعْضَ أَبْنَاءِ الْقَبْصِيِّينَ رَحَلُوا فِي رِحْلَاتٍ بَعِيدَةٍ حَتَّى بَلَغُوا أَرَاضِيَ أُورُوبَّا وَشَارَكُوا فِي صُنْعِ حَضَارَاتٍ هُنَاكَ، فَهِيَ مِنْ حِكَايَاتِ الذَّاكِرَةِ وَالْخَيَالِ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَرَى لِلْإِنْسَانِ الْقَدِيمِ أَجْنِحَةً أَوْسَعَ مِنَ الْحُدُودِ.
ثُمَّ قَالَتْ:
وَلَكِنْ يَا غَبَشُ، أَلَيْسَ كُلُّ إِنْسَانٍ ابْنَ هِجْرَاتٍ وَرِحْلَاتٍ؟ أَلَيْسَتِ الْبَشَرِيَّةُ كُلُّهَا قِصَّةَ خُرُوجٍ وَعَوْدَةٍ؟ فَالْأَرْضُ لَمْ تُبْنَ بِالْجُدْرَانِ فَقَطْ، بَلْ بُنيَتْ بِأَقْدَامِ الَّذِينَ مَشَوْا، وَبِأَحْلَامِ الَّذِينَ ارْتَحَلُوا.
فَقُلْتُ:
مَا أَعْجَبَكِ يَا قَفْصَةُ! تَكُونِينَ قَدِيمَةً كَالزَّمَنِ، وَمُتَجَدِّدَةً كَالْحُلْمِ.
فَقَالَتْ:
لِأَنَّنِي عَلَّمْتُ أَبْنَائِي أَنَّ الْمَكَانَ لَيْسَ سِجْنًا، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرْحَلُ بِجَسَدِهِ، وَلَكِنَّهُ يَحْمِلُ أَرْضَهُ فِي لُغَتِهِ وَذَاكِرَتِهِ وَحُلْمِهِ.
ثُمَّ سَكَتَتْ قَلِيلًا، وَقَالَتْ:
وَلَكِنَّ الْمُؤْلِمَ يَا غَبَشُ أَنْ يَعْرِفَ الْعَالَمُ قِدَمَ أَثَرِي، ثُمَّ يَجْهَلَ حَدِيثَ أَهْلِي الْيَوْمَ؛ فَمَا نَفْعُ أَنْ يَقُولُوا: هُنَا وُلِدَ الْإِنْسَانُ الْقَدِيمُ، وَيَنْسَوْا الْإِنْسَانَ الْحَيَّ الَّذِي يَطْلُبُ الْمَاءَ وَالْعَمَلَ وَالْكَرَامَةَ؟

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ أَطْلَالِ الْقِدَمِ، وَدَخَلْتُ فِي أَزِقَّةِ الْحَاضِرِ، فَرَأَيْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَمْ تُغَيِّرْ طَبْعَهَا؛ فَمَنْ حَمَلَ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ فِي عَهْدِ الْقَبْصِيِّينَ، هُوَ نَفْسُهُ مَنْ حَمَلَ الْمِعْوَلَ فِي الْمَنْجَمِ، وَهُوَ نَفْسُهُ مَنْ حَمَلَ الْكَلِمَةَ فِي سَاحَةِ النِّضَالِ.
قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةَ الْعُمْرِ الطَّوِيلِ، كَيْفَ يَبْقَى أَهْلُكِ أَوْفِيَاءَ لِذَاكِرَتِهِمْ وَهُمْ يَرَوْنَ الْحَاضِرَ يُثْقِلُ خُطَاهُمْ؟
فَقَالَتْ:
لِأَنَّ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ أَجْدَادَهُ لَمْ يَكُونُوا عَابِرِينَ، لَا يَقْبَلُ أَنْ يُعَامَلَ هُوَ كَعَابِرٍ فِي أَرْضِهِ.
إِنَّ الْقَبْصِيَّ الَّذِي نَقَشَ أَدَاتَهُ فِي حَجَرِي، وَالْعَامِلَ الَّذِي حَفَرَ فِي مَنَاجِمِي، وَالْمُنَاضِلَ الَّذِي رَفَعَ صَوْتَهُ فِي أَحْيَائِي؛ كُلُّهُمْ مِنْ نَسَبٍ وَاحِدٍ: نَسَبِ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا فِي حَيَاتِهِ.
ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْمَنْجَمِ، فَقُلْتُ لَهُمْ:
مَا حِكَايَتُكُمْ مَعَ هَذِهِ الْأَرْضِ؟
فَقَالَ أَحَدُهُمْ:
حِكَايَتُنَا طَوِيلَةٌ يَا غَبَشُ؛ فَنَحْنُ لَمْ نَكُنْ عُمَّالًا فَقَطْ، بَلْ كُنَّا حُرَّاسَ ذَاكِرَةٍ. كُنَّا نَعْرِفُ أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَاطِنِ الأَرْضِ لَيْسَ حَجَرًا فَقَطْ، بَلْ هُوَ عُمْرُنَا وَعُمْرُ آبَائِنَا وَحُلْمُ أَبْنَائِنَا.
كَانُوا يَقُولُونَ لَنَا: اصْمُتُوا، فَنَتَكَلَّمُ.
كَانُوا يَقُولُونَ: اصْبِرُوا، فَنَسْأَلُ: إِلَى مَتَى؟
كَانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ مَصْلَحَةُ الْوَطَنِ، فَنَقُولُ: وَأَيْنَ مَكَانُ الْعَامِلِ فِي وَطَنِهِ؟
فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ كَانَتْ أَيْدِيهِمْ تَسْتَخْرِجُ الثَّرْوَةَ، وَأَصْوَاتُهُمْ تُطَالِبُ بِالْعَدَالَةِ.
وَقَالَ لِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ قَفْصَةَ:
يَا غَبَشُ، لَا تَظُنَّ أَنَّ الْمَنْجَمَ كَانَ مَكَانَ عَمَلٍ فَقَطْ؛ كَانَ مَدْرَسَةً تَعَلَّمَ فِيهَا النَّاسُ أَنَّ الْقُوَّةَ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ الْعَامِلَ إِذَا عَرَفَ قِيمَتَهُ لَمْ يَعُدْ سَهْلَ الْقِيَادِ.
فَقُلْتُ:
وَلِهَذَا كَانَتْ قَفْصَةُ دَائِمًا مَوْضِعَ قَلَقٍ لِكُلِّ سُلْطَةٍ تَخَافُ صَوْتَ النَّاسِ؟
فَقَالَ:
لَيْسَ الْخَوْفُ مِنْ قَفْصَةَ، بَلْ مِنْ مَا تُذَكِّرُ بِهِ قَفْصَةُ؛ تُذَكِّرُ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُنْتِجُ الثَّرْوَةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ أَهْلُهَا فِي مَقَامِ الْكَرَامَةِ.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِمَجَالِسِ الْمُثَقَّفِينَ، فَسَمِعْتُ أَقْلَامًا تَكْتُبُ عَنْ قَفْصَةَ لَا كَمَكَانٍ فِي خَرِيطَةٍ، بَلْ كَحَالَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ كَامِلَةٍ.
قَالَ أَحَدُهُمْ:
إِنَّ أَكْبَرَ مَأْسَاةٍ لِقَفْصَةَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَرَادَهَا أَنْ تُعَرَّفَ بِمَا تَحْتَ الأَرْضِ فَقَطْ، وَنَسُوا أَنَّ مَا فَوْقَ الأَرْضِ مِنْ إِنْسَانٍ وَثَقَافَةٍ وَذَاكِرَةٍ هُوَ الثَّرْوَةُ الْأَعْظَمُ.
فَقُلْتُ:
مَا أَشَدَّ بَلَاغَةَ الْمَدُنِ حِينَ تَتَكَلَّمُ!
فَقَفْصَةُ لَمْ تَكُنْ تَشْكُو نَقْصَ الْمَادَّةِ فَقَطْ، بَلْ تَشْكُو نَقْصَ الِاعْتِرَافِ.
وَلَمَّا هَمَمْتُ بِالرَّحِيلِ، قَالَتْ لِي:
يَا غَبَشُ، إِنْ كَتَبْتَ عَنِّي، فَلَا تَجْعَلْنِي مَدِينَةَ جُرْحٍ فَقَطْ؛ فَفِي جُرُوحِي مَوَاضِعُ قُوَّةٍ، وَفِي تَعَبِي حِكَايَةُ شَعْبٍ لَمْ يَتَعَلَّمِ الِانْحِنَاءَ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ مَضَيْتُ فِي طُرُقَاتِ قَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ عَلَى جُدْرَانِهَا آثَارَ أَزْمِنَةٍ مُتَعَاقِبَةٍ؛ هُنَا كَلِمَةٌ كَتَبَهَا عَامِلٌ بِفَحْمِ الْمَنْجَمِ، وَهُنَاكَ شِعَارٌ رَفَعَهُ شَابٌّ حَلِمَ بِغَدٍ أَفْضَلَ، وَفِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ صَمْتُ أُسْرَةٍ تَنْتَظِرُ خَبَرًا عَنْ عَمَلٍ تَأَخَّرَ مِثْلَ كُلِّ الْوُعُودِ.
فَقُلْتُ:
يَا قَفْصَةُ، مَا بَالُكِ كُلَّمَا ظَنَنْتِ أَنَّ الْفَجْرَ قَرُبَ، جَاءَكِ لَيْلٌ آخَرُ؟
فَقَالَتْ:
لِأَنَّ بَعْضَ الْمُدُنِ لَا تُحَارَبُ بِالْحِصَارِ، بَلْ بِالتَّأْجِيلِ. يُقَالُ لَهَا: غَدًا يَأْتِي الْمَشْرُوعُ، وَغَدًا يَأْتِي الْعَمَلُ، وَغَدًا تَأْتِي الْعَدَالَةُ؛ حَتَّى يُصْبِحَ الْغَدُ قَبْرًا تُدْفَنُ فِيهِ الأَحْلَامُ.
فَقُلْتُ:
وَمَا أَثَرُ هَذَا الِانْتِظَارِ عَلَى أَهْلِكِ؟
قَالَتْ:
يَا غَبَشُ، إِنَّ أَصْعَبَ مَا يَحْدُثُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُقْنَعَ أَنَّ فَقْرَهُ قَدَرٌ، وَأَنَّ إِقْصَاءَهُ نِظَامٌ، وَأَنَّ صَوْتَهُ زَائِدٌ لَا حَاجَةَ لَهُ.
وَلَكِنَّ أَهْلِي لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النِّسْيَانِ؛ فَكُلَّمَا أَرَادُوا لَهُمْ أَنْ يَنْسَوْا مَاضِيَهُمْ، عَادَ الْمَاضِي لِيُذَكِّرَهُمْ. وَكُلَّمَا قِيلَ لَهُمْ: سَكَنَتِ الْأَرْضُ، خَرَجَ مِنْ تَحْتِهَا صَوْتٌ يَقُولُ: لَمْ تَسْكُنِ الْأَسْئِلَةُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي قَفْصَةَ جِيلًا جَدِيدًا، لَمْ يَعِشْ زَمَنَ الْمُسْتَعْمِرِ، وَلَكِنَّهُ وَرِثَ كَثِيرًا مِنْ أَثْقَالِ مَا بَعْدَهُ.
شَبَابٌ تَعَلَّمُوا، وَدَرَسُوا، وَحَمَلُوا شَهَادَاتِهِمْ، ثُمَّ وَجَدُوا أَنَّ الطَّرِيقَ أَطْوَلُ مِنْ أَحْلَامِهِمْ.
فَقَالَ لِي شَابٌّ مِنْهُمْ:
يَا غَبَشُ، قَالُوا لَنَا: اِدْرُسُوا تَجِدُوا مَكَانَكُمْ. فَدَرَسْنَا.
ثُمَّ قَالُوا: اصْبِرُوا. فَصَبَرْنَا.
ثُمَّ قَالُوا: الْبِلَادُ تَتَغَيَّرُ. فَانْتَظَرْنَا.
فَإِذَا بِنَا نَكْبُرُ وَالِانْتِظَارُ هُوَ الْوَظِيفَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي أُسْنِدَتْ إِلَيْنَا.
فَقُلْتُ:
وَهَلْ مَاتَ الْأَمَلُ؟
فَابْتَسَمَ وَقَالَ:
لَا، وَلَكِنَّهُ تَعَلَّمَ أَنْ يَمْشِيَ بِعُكَّازٍ.
فَتَعَجَّبْتُ مِنْ بَلَاغَةِ الْجُرْحِ، فَإِنَّ الشُّعُوبَ لَا تَفْقِدُ الأَمَلَ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ بَلْ يُؤْخَذُ مِنْهَا قَلِيلًا قَلِيلًا، بِوَعْدٍ بَعْدَ وَعْدٍ، وَخُطَّةٍ بَعْدَ خُطَّةٍ، حَتَّى تَتْعَبَ مِنَ السُّؤَالِ.
ثُمَّ سَأَلْتُ قَفْصَةَ:
وَمَا بَالُكِ تَبْقَيْنَ رَغْمَ كُلِّ هَذَا؟
فَقَالَتْ:
لِأَنَّ الْمُدُنَ الْعَظِيمَةَ لَا تَبْقَى بِحِجَارَتِهَا فَقَطْ، بَلْ بِرُوحِ أَهْلِهَا.
وَأَنَا لِي رُوحٌ صَنَعَهَا الْقَبْصِيُّ الْأَوَّلُ، وَالْعَامِلُ فِي الْمَنْجَمِ، وَالْمُنَاضِلُ فِي السَّاحَةِ، وَالطَّالِبُ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَالأُمُّ الَّتِي تُرَبِّي جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
قَالَ غَبَشُ:
فَعَلِمْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَيْسَتْ حِكَايَةَ مَنْجَمٍ فَقَطْ، بَلْ حِكَايَةُ إِنْسَانٍ كُلَّمَا أَرَادُوا لَهُ أَنْ يَكُونَ رَقْمًا، عَادَ لِيُذَكِّرَهُمْ أَنَّهُ صَاحِبُ تَارِيخٍ وَصَاحِبُ حَقٍّ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةَ الْمَنَاجِمِ وَالْمَوَاقِفِ، كَمْ مِنْ رِجَالٍ مَرُّوا فِي طُرُقَاتِكِ وَلَمْ تَحْفَظْهُمُ الْكُتُبُ كَمَا حَفِظَتْهُمْ قُلُوبُ النَّاسِ؟
فَتَنَهَّدَتْ، وَقَالَتْ:
يَا غَبَشُ، إِنَّ لِكُلِّ مَدِينَةٍ شُهَدَاءَ يَحْمِلُونَ عَلَى أَكْتَافِهِمْ ثِقْلَ لَحْظَاتٍ لَا تُنْسَى، وَلِي أَنَا أَيْضًا أَسْمَاءٌ مَرَّتْ فِي الْعَاصِفَةِ ثُمَّ غَابَتْ عَنْ الصَّفَحَاتِ.
وَمِنْ تِلْكَ الأَسْمَاءِ اسْمُ جَمَالِ بُوتُرْعَةَ؛ ابْنُ قَفْصَةَ، وَالْعَامِلُ الَّذِي حَمَلَ صِفَةَ النِّقَابِيِّ الْمُنَاضِلِ، وَالَّذِي تَرْتَبِطُ ذِكْرَاهُ فِي ذَاكِرَةِ أَهْلِ الْجِهَةِ بِأَحْدَاثِ الْخَمِيسِ الأَسْوَدِ، يَوْمَ الإِضْرَابِ الْعَامِّ فِي 26 جَانَفِي 1978؛ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِي تَارِيخِ تُونِسَ بِمَا حَمَلَهُ مِنْ مُوَاجَهَاتٍ دَامِيَةٍ بَيْنَ السُّلْطَةِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ التُّونِسِيِّ لِلشُّغْلِ وَالْحَرَكَةِ الِاحْتِجَاجِيَّةِ.
وَقَالَتْ قَفْصَةُ:
كَانَ جَمَالُ بُوتُرْعَةَ وَاحِدًا مِنْ أَبْنَاءِ هَذِهِ الأَرْضِ الَّتِي لَمْ تَفْصِلْ يَوْمًا بَيْنَ لُقْمَةِ الْعَامِلِ وَكَرَامَتِهِ، وَلَمْ تَرَ فِي النِّقَابَةِ مَجْرَّدَ وَرَقٍ وَأَخْتَامٍ، بَلْ رَأَتْهَا مَدْرَسَةً لِلْوَعْيِ وَالدِّفَاعِ عَنْ الْحَقِّ.
وَكَانَ مِنْ عَجَبِ التَّارِيخِ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ الَّذِي يَحْفَظُهُ أَهْلُهُ، يَرْتَبِطُ أَيْضًا بِذَاكِرَةِ عَائِلَةٍ نَضَالِيَّةٍ؛ فَقَدْ كَانَ جَمَالُ بُوتُرْعَةَ قَرِيبًا لِلثَّائِرِ الأَزْهَرِ الشَّرَايْطِيِّ، رَجُلِ الْمَنْجَمِ الَّذِي اقْتَرَنَ اسْمُهُ بِمَرَاحِلَ مُهِمَّةٍ مِنْ تَارِيخِ الْمُقَاوَمَةِ فِي تُونِسَ.
فَقُلْتُ:
مَا أَغْرَبَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ!
تُنْجِبُ رَجُلًا يَحْمِلُ الْبُنْدُقِيَّةَ فِي وَجْهِ الْمُسْتَعْمِرِ، ثُمَّ تُنْجِبُ مِنْ بَعْدِهِ رِجَالًا يَحْمِلُونَ صَوْتَ الْعَامِلِ فِي وَجْهِ الْحِرْمَانِ.
فَقَالَتْ قَفْصَةُ:
لِأَنَّ النِّضَالَ يَا غَبَشُ لَيْسَ مِلْكًا لِجِيلٍ وَاحِدٍ؛ فَقَدْ يَتَغَيَّرُ الزَّمَانُ، وَتَتَغَيَّرُ الأَدَوَاتُ، وَلَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ نَفْسُهُ: مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ الْإِنْسَانِ فِي الْكَرَامَةِ؟
ثُمَّ أَضَافَتْ:
لَا تَكْتُبْ عَنْ شُهَدَائِي كَأَرْقَامٍ فِي سِجِلٍّ بَارِدٍ؛ فَخَلْفَ كُلِّ اسْمٍ أُمٌّ انْتَظَرَتْ، وَبَيْتٌ تَأَلَّمَ، وَحُلْمٌ لَمْ يَكْتَمِلْ.
فَقَالَ غَبَشُ:
فَهِمْتُ أَنَّ تَارِيخَ قَفْصَةَ لَيْسَ تَارِيخَ الْفُوسْفَاطِ وَحْدَهُ، وَلَا تَارِيخَ الْمَنْجَمِ وَحْدَهُ، بَلْ تَارِيخُ أُنَاسٍ دَفَعُوا مِنْ أَعْمَارِهِمْ ثَمَنًا لِكَلِمَةٍ قَالُوهَا، أَوْ حَقٍّ طَالَبُوا بِهِ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ سَأَلْتُ قَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةَ الرِّجَالِ الَّذِينَ مَرُّوا فِي الْعَاصِفَةِ، هَلْ أَغْلَقَ التَّارِيخُ كُلَّ دَفَاتِرِهِ، أَمْ بَقِيَتْ صَفَحَاتٌ تَنْتَظِرُ مَنْ يَفْتَحُهَا؟
فَسَكَتَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
بَقِيَتْ صَفَحَاتٌ يَا غَبَشُ، فَإِنَّ بَعْضَ الرِّجَالِ لَا يَنْتَهُونَ حِينَ يَرْحَلُونَ، بَلْ يَبْقَوْنَ أَسْئِلَةً تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ الأَزْهَرُ الشَّرَايْطِيُّ؛ رَجُلُ الْمَنْجَمِ الَّذِي حَمَلَ فِي سِيرَتِهِ فَصْلًا مِنْ فُصُولِ الْمُقَاوَمَةِ التُّونِسِيَّةِ، وَالَّذِي بَقِيَ اسْمُهُ مَوْضِعَ حُضُورٍ وَجَدَلٍ فِي الذَّاكِرَةِ الْوَطَنِيَّةِ.
فَقُلْتُ:
وَمَا الَّذِي يَبْقَى مِنَ الرَّجُلِ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الزَّمَنِ؟
فَقَالَتْ:
يَبْقَى السُّؤَالُ.
فَإِنَّ رُفَاتَهُ، حَسَبَ مَا تَرْوِيهِ عَائِلَتُهُ وَمُحِبُّوهُ، لَمْ يَعُدْ إِلَى تُرَابِ قَفْصَةَ، وَبَقِيَتْ فِكْرَةُ اسْتِرْجَاعِهِ حَاضِرَةً فِي ذَاكِرَةِ مَنْ يَرَوْنَ فِي ذَلِكَ إِكْمَالًا لِمَسَارِ الرَّجُلِ الَّذِي غَابَ جَسَدُهُ وَبَقِيَ اسْمُهُ.
ثَلَاثَةٌ وَسِتُّونَ عَامًا ـ كَمَا يَقُولُ أَهْلُهُ وَمَنْ يَحْمِلُونَ ذِكْرَاهُ ـ وَالْقَبْرُ يَنْتَظِرُ، وَالْعَائِلَةُ تَنْتَظِرُ، وَالذَّاكِرَةُ تَنْتَظِرُ لَحْظَةً تُقَالُ فِيهَا كَلِمَةُ الْوَدَاعِ الَّتِي تَأَخَّرَتْ.
فَقُلْتُ:
مَا أَثْقَلَ انْتِظَارَ الْأَهْلِ عَلَى أَبْوَابِ الذَّاكِرَةِ!
فَقَالَتْ قَفْصَةُ:
إِنَّ الْفَقْدَ لَا يَكُونُ دَائِمًا فِي غِيَابِ الْإِنْسَانِ فَقَطْ؛ فَقَدْ يَكُونُ فِي غِيَابِ مَكَانِهِ، وَفِي تَأَخُّرِ وَدَاعِهِ، وَفِي بَقَاءِ الْحِكَايَةِ مُعَلَّقَةً بَيْنَ السُّؤَالِ وَالِانْتِظَارِ.
ثُمَّ قَالَتْ:
لَا تَكْتُبْ عَنْ الأَزْهَرِ كَصُورَةٍ عَلَى جِدَارٍ قَدِيمٍ، فَالذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ حَجَرًا صَامِتًا؛ اكْتُبْ عَنْهُ كَسُؤَالٍ عَنْ مَصِيرِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْمَعَارِكَ الْكُبْرَى، ثُمَّ تَبْقَى أَسْمَاؤُهُمْ تُحَاوِرُ الأَجْيَالَ.
وَقَالَ غَبَشُ:
فَهِمْتُ يَوْمَهَا أَنَّ قَفْصَةَ لَا تَحْمِلُ مَنْجَمًا فَقَطْ، بَلْ تَحْمِلُ مَقْبَرَةً مِنَ الأَسْئِلَةِ؛ فِيهَا أَصْوَاتُ الْعُمَّالِ، وَخُطَى الْمُنَاضِلِينَ، وَأَحْلَامُ الشَّبَابِ، وَحِكَايَاتُ عَائِلَاتٍ لَمْ تَطْلُبْ إِلَّا أَنْ تَكْتَمِلَ الدَّائِرَةُ.
ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي نَحْوَ قَفْصَةَ، فَقَالَتْ لِي:
يَا غَبَشُ، قَدْ يَنْتَظِرُ الْجَسَدُ الْعَوْدَةَ، وَلَكِنَّ الْفِكْرَةَ لَا تَنْتَظِرُ؛ فَهِيَ تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، وَتَبْحَثُ عَنْ مَنْ يُكْمِلُ الْحِكَايَةَ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةً تَحْمِلُ فِي تُرَابِهَا أَصْوَاتَ الْقَدِيمِينَ، وَفِي صُدُورِ أَهْلِهَا أَسْئِلَةَ الْحَاضِرِينَ، مَا الَّذِي حَدَثَ لَكِ حِينَ ظَنَّ الْجَمِيعُ أَنَّ صَبْرَكِ لَا نِهَايَةَ لَهُ؟
فَضَحِكَتْ قَفْصَةُ ضَحْكَةَ مَنْ عَرَفَ السِّرَّ قَبْلَ غَيْرِهِ، وَقَالَتْ:
يَا غَبَشُ، إِنَّ الصَّمْتَ الَّذِي يَطُولُ لَا يَمُوتُ دَائِمًا، فَقَدْ يَكُونُ صَمْتَ الْجَمْرِ تَحْتَ الرَّمَادِ؛ يَبْدُو سَاكِنًا، ثُمَّ إِذَا جَاءَتْ لَحْظَتُهُ أَظْهَرَ مَا فِيهِ.
وَفِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْغَضَبِ، خَرَجَ أَبْنَائِي مِنْ بُيُوتِهِمْ، لَا يَحْمِلُونَ سَيْفًا وَلَا رَايَةَ غَازٍ، بَلْ يَحْمِلُونَ سُؤَالًا وَاحِدًا:
أَيْنَ حَقُّنَا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ؟
فَقُلْتُ:
وَمَنْ كَانَ يَسْأَلُ؟
فَقَالَتْ:
الَّذِي انْتَظَرَ طَوِيلًا.
الْعَاطِلُ الَّذِي حَفِظَتْ جُدُرَانُ بَيْتِهِ صَمْتَهُ.
وَالشَّابُّ الَّذِي حَمَلَ شَهَادَتَهُ وَجَدَ أَنَّ الْأَبْوَابَ أَكْثَرُ مِنَ الْفُرَصِ.
وَالْعَامِلُ الَّذِي سَأَلَ عَنْ مَصِيرِ ثَرْوَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَرْضِهِ.
وَالأُمُّ الَّتِي أَرَادَتْ لِابْنِهَا مُسْتَقْبَلًا لَا طَابُورَ انْتِظَارٍ.
ثُمَّ قَالَتْ:
فِي قَفْصَةَ لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ وَلِيدَ لَحْظَةٍ، بَلْ كَانَ ابْنَ تَارِيخٍ طَوِيلٍ؛ تَارِيخٍ بَدَأَ مِنْ عُمْقِ الْأَرْضِ، وَمَرَّ بِالْمَنْجَمِ، وَعَبَرَ مَحَطَّاتِ الْمُقَاوَمَةِ، وَوَصَلَ إِلَى جِيلٍ قَالَ: لَا نُرِيدُ أَنْ نَرِثَ الْوَجَعَ فَقَطْ، بَلْ نُرِيدُ أَنْ نَرِثَ الْحَقَّ أَيْضًا.
فَقُلْتُ:
وَمَا كَانَ جَوَابُ مَنْ بِيَدِهِ الْقَرَارُ؟
فَقَالَتْ:
كَانَ الجَوَابُ كَمَا عَرَفَتْهُ مُدُنٌ كَثِيرَةٌ: وَعْدٌ يَأْتِي، وَوَعْدٌ يَرْحَلُ، وَكَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ تَبْحَثُ عَنْ مَوْعِدٍ وَلَا تَجِدُهُ.
وَلَكِنَّ قَفْصَةَ لَمْ تَكُنْ تَطْلُبُ شَيْئًا مُسْتَحِيلًا؛ لَمْ تَطْلُبْ أَنْ تُعَامَلَ كَمَدِينَةٍ فَوْقَ الْبَشَرِ، بَلْ كَمَدِينَةٍ بَيْنَ الْبَشَرِ؛ لَهَا حَقُّهَا فِي التَّنْمِيَةِ، وَحَقُّ أَهْلِهَا فِي الْعَمَلِ، وَحَقُّ أَصْوَاتِهَا فِي أَنْ تُسْمَعَ.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِمَقْبَرَةٍ هَادِئَةٍ، فَقُلْتُ:
هُنَا يَرْقُدُ الَّذِينَ رَحَلُوا؟
فَقَالَتْ قَفْصَةُ:
هُنَا يَرْقُدُ الْجَسَدُ، أَمَّا الْأَفْكَارُ فَلَا مَقَابِرَ لَهَا.
هُنَا يَرْقُدُ أُنَاسٌ حَلَمُوا بِوَطَنٍ أَعْدَلَ، وَتَبْقَى أَسْئِلَتُهُمْ تَمْشِي بَيْنَ الأَحْيَاءِ.
فَقُلْتُ:
مَا أَشَدَّ قُوَّةَ الذَّاكِرَةِ!
فَقَالَتْ:
لِأَنَّ الشَّعْبَ الَّذِي يَنْسَى تَارِيخَهُ، يُعِيدُ دَفْعَ ثَمَنِهِ مَرَّاتٍ. أَمَّا الشَّعْبُ الَّذِي يَحْفَظُهُ، فَيَجْعَلُ مِنْ مَآسِيهِ دَرْسًا، وَمِنْ جُرُوحِهِ سُؤَالًا، وَمِنْ سُؤَالِهِ طَرِيقًا.
ثُمَّ قَالَ غَبَشُ:
فَعَرَفْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَمْ تَكُنْ هَامِشًا فِي تَارِيخِ تُونِسَ؛ بَلْ كَانَتْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تُجْبَرُ فِيهَا عَلَى الصَّمْتِ، تَصْنَعُ لِلْتَّارِيخِ صَوْتًا جَدِيدًا.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةً كُلَّمَا ظَنُّوا أَنَّهَا تَعِبَتْ، أَخْرَجَتْ مِنْ أَعْمَاقِهَا مَوْعِدًا جَدِيدًا، هَلْ كَانَتْ أَيَّامُكِ كُلُّهَا مُجَرَّدَ أَوْجَاعٍ مُتَرَاكِمَةٍ؟
فَضَحِكَتْ وَقَالَتْ:
لَا يَا غَبَشُ، فَالْمُدُنُ لَا تُقَاسُ بِجُرُوحِهَا فَقَطْ، بَلْ بِمَا تَصْنَعُهُ مِنْ تِلْكَ الْجُرُوحِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ مَدِينَةَ شَكْوَى فَقَطْ، بَلْ مَدِينَةَ فِعْلٍ وَاحْتِجَاجٍ وَصَوْتٍ يَخْرُجُ كُلَّمَا ضَاقَ الْمَجَالُ.
ثُمَّ قَالَتْ:
يَا غَبَشُ، إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَفْهَمَ مَا جَرَى فِي بِلَادِي سَنَةَ 2010 وَ2011، فَلَا تَبْدَأْ مِنَ الشَّرَارَةِ الَّتِي رَآهَا النَّاسُ فِي آخِرِ الْمَشْهَدِ، بَلِ ابْحَثْ عَنِ الْجَمْرِ الَّذِي كَانَ تَحْتَ الرَّمَادِ.
قُلْتُ:
وَأَيْنَ كَانَ ذَلِكَ الْجَمْرُ؟
فَقَالَتْ:
كَانَ هُنَا، فِي قَفْصَةَ.
كَانَ فِي أَحْيَاءِ الْمَنْجَمِ، وَفِي أَصْوَاتِ الْعُمَّالِ، وَفِي حَنَاجِرِ الشَّبَابِ الَّذِينَ رَفَضُوا أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلُهُمْ مُجَرَّدَ وَعْدٍ مُؤَجَّلٍ.
فَفِي سَنَةِ 2008، عَرَفَتْ مِنْطَقَةُ الْحَوْضِ الْمَنْجَمِيِّ بِقَفْصَةَ حَرَكَةً احْتِجَاجِيَّةً كُبْرَى، انْطَلَقَتْ مِنْ مَطَالِبَ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَمِهَنِيَّةٍ، وَتَحَوَّلَتْ إِلَى صَوْتٍ عَالٍ ضِدَّ التَّهْمِيشِ وَالْفَسَادِ وَالظُّلْمِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
قَالَ غَبَشُ:
وَهَلْ كَانَتْ تِلْكَ الأَيَّامُ مُجَرَّدَ احْتِجَاجٍ عَابِرٍ؟
فَقَالَتْ قَفْصَةُ:
لَا، يَا غَبَشُ. فَالتَّارِيخُ لَا يَرَى الْحَدَثَ فِي سَاعَتِهِ فَقَطْ، بَلْ فِي مَا يَفْتَحُهُ مِنْ أَبْوَابٍ. لَقَدْ كَشَفَتِ انْتِفَاضَةُ الْحَوْضِ الْمَنْجَمِيِّ أَنَّ الْخَوْفَ الَّذِي بَدَا كَبِيرًا لَيْسَ أَبَدِيًّا، وَأَنَّ الْهَامِشَ الَّذِي أُهْمِلَ طَوِيلًا يَمْلِكُ قُدْرَةَ الْحُضُورِ.
فَقُلْتُ:
وَكَأَنَّ قَفْصَةَ كَانَتْ تَكْتُبُ مُقَدِّمَةً لِمَا سَيَأْتِي؟
فَقَالَتْ:
هَكَذَا يَرَى بَعْضُ أَهْلِ الذَّاكِرَةِ؛ فَقَدْ جَعَلَتْ أَحْدَاثُ 2008 صَوْتَ الْمَطَالِبِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْجِهَوِيَّةِ أَكْثَرَ حُضُورًا فِي الْمَشْهَدِ الْوَطَنِيِّ، وَكَشَفَتْ عُمْقَ الأَزْمَةِ الَّتِي كَانَتْ تَتَخَفَّى خَلْفَ صُوَرِ الِاسْتِقْرَارِ.
فَقُلْتُ:
إِذَنْ لَمْ تَكُنْ 2011 بِلَا جُذُورٍ؟
فَقَالَتْ:
كُلُّ زَلْزَالٍ لَهُ مَا سَبَقَهُ مِنْ تَحَرُّكَاتٍ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ. وَقَفْصَةُ كَانَتْ مِنْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي أَرْسَلَتْ إِشَارَاتٍ مُبَكِّرَةً عَنْ غَضَبٍ اجْتِمَاعِيٍّ وَطَنِيٍّ كَبِيرٍ.
ثُمَّ قَالَ غَبَشُ:
فَرَأَيْتُ قَفْصَةَ لَا كَمَدِينَةٍ تَنْتَظِرُ مَنْ يَكْتُبُ عَنْهَا، بَلْ كَمَدِينَةٍ كَتَبَتْ بِنَفْسِهَا سَطْرًا مِنْ أَسْطُرِ تَارِيخِ الْبِلَادِ.
رَأَيْتُ الْقَبْصِيَّ الْقَدِيمَ، وَعَامِلَ الْمَنْجَمِ، وَالثَّائِرَ الأَزْهَرَ، وَالنِّقَابِيَّ جَمَالَ بُوتُرْعَةَ، وَشَبَابَ 2008؛ فَإِذَا هُمْ فِي سِلْسِلَةٍ وَاحِدَةٍ:
سِلْسِلَةِ مَدِينَةٍ لَمْ تَطْلُبْ أَنْ تُذْكَرَ بِالضَّجِيجِ، بَلْ أَنْ يُعْتَرَفَ بِهَا كَجُزْءٍ مِنْ صُنْعِ التَّارِيخِ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةً كَانَتْ فِي قَلْبِ الْحَدَثِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الْبَعْضُ أَنَّ هُنَاكَ حَدَثًا قَادِمًا، مَاذَا بَقِيَ لَكِ بَعْدَ أَنْ هَبَّتِ الْعَاصِفَةُ وَتَغَيَّرَتِ الْوُجُوهُ وَالْخُطَبُ؟
فَأَجَابَتْنِي قَفْصَةُ:
بَقِيَ السُّؤَالُ يَا غَبَشُ.
فَالثَّوْرَاتُ لَيْسَتْ أَبْوَابًا تُفْتَحُ فَيَدْخُلُ النَّاسُ إِلَى الْجَنَّةِ فِي صَبَاحٍ وَاحِدٍ، بَلْ هِيَ طَرِيقٌ طَوِيلٌ بَيْنَ الْحُلْمِ وَالْوَاقِعِ، بَيْنَ مَا يَطْلُبُهُ النَّاسُ وَمَا تَقْدِرُ السُّلُطَاتُ عَلَى تَحْقِيقِهِ.
قُلْتُ:
وَمَا كَانَ حُلْمُ أَهْلِكِ؟
قَالَتْ:
لَمْ يَكُنْ حُلْمُهُمْ كُرْسِيًّا، وَلَا وَجْهًا جَدِيدًا عَلَى قِدَمٍ قَدِيمَةٍ؛ كَانَ حُلْمُهُمْ أَنْ تَصِيرَ الْمُواطَنَةُ حَقًّا، لَا شِعَارًا، وَأَنْ تَصِيرَ الثَّرْوَةُ خَيْرًا عَامًّا، لَا غَنِيمَةً لِقِلَّةٍ، وَأَنْ يَكُونَ ابْنُ الْمَنْجَمِ وَابْنُ الْجَامِعَةِ وَابْنُ الْحَقْلِ أَصْحَابَ مَكَانٍ فِي بِلَادِهِمْ.
ثُمَّ قَالَتْ:
لَكِنَّ الْمُؤْلِمَ يَا غَبَشُ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْوَاتِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنَ الْهَامِشِ لَمْ تَجِدْ طَرِيقَهَا إِلَى مَرَاكِزِ الْقَرَارِ، وَأَنَّ الْمَطَالِبَ الَّتِي رُفِعَتْ فِي السَّاحَاتِ عَادَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ إِلَى طَوَابِيرِ الِانْتِظَارِ.
فَقُلْتُ:
أَيَعْنِي هَذَا أَنَّ شَيْئًا لَمْ يَتَغَيَّرْ؟
فَقَالَتْ:
بَلْ تَغَيَّرَ شَيْءٌ أَكْبَرُ: تَغَيَّرَ الْإِنْسَانُ الَّذِي عَرَفَ أَنَّ صَوْتَهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ جَرِيمَةً، وَأَنَّ الْخَوْفَ الَّذِي سَكَنَ فِي الْقُلُوبِ طَوِيلًا لَيْسَ قَدَرًا أَبَدِيًّا.
ثُمَّ مَشَيْتُ فِي أَحْيَاءِ قَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ شَابًّا يَحْمِلُ شَهَادَتَهُ، وَعَامِلًا يَحْمِلُ تَجْرِبَتَهُ، وَفَلَّاحًا يَحْمِلُ تَعَبَ أَرْضِهِ.
فَقُلْتُ لَهُمْ:
أَلَمْ تَتْعَبُوا مِنْ طُولِ الِانْتِظَارِ؟
فَقَالُوا:
تَعِبْنَا، وَلَكِنَّنَا لَمْ نَنْسَ.
فَالتَّعَبُ يَا غَبَشُ قَدْ يُثْقِلُ الْخُطَى، وَلَكِنَّ النِّسْيَانَ هُوَ الَّذِي يَقْتُلُ الطَّرِيقَ.
ثُمَّ قَالَتْ قَفْصَةُ:
اُكْتُبْ عَنِّي كَمَدِينَةٍ لَيْسَتْ ضَحِيَّةً فَقَطْ، فَأَنَا الَّتِي أَنْجَبْتُ الْمُقَاوِمَ وَالْمُنَاضِلَ وَالْمُثَقَّفَ وَالْعَامِلَ. أَنَا الَّتِي عَلَّمَتْ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُنْتِجُ الثَّرْوَةَ لَا يَجِبُ أَنْ تُحْرَمَ مِنْ ثَمَرَتِهَا.
أَنَا لَسْتُ صَفْحَةً فِي كِتَابِ الْفَقْرِ، بَلْ فَصْلٌ فِي كِتَابِ الْكِفَاحِ.
قَالَ غَبَشُ:
فَعَرَفْتُ أَنَّ قَفْصَةَ بَعْدَ 2011 لَمْ تَكُنْ تَبْحَثُ عَنْ مَاضٍ تَبْكِيهِ، بَلْ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ يَلِيقُ بِمَاضٍ كَبِيرٍ.
وَأَنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ أَعْمَاقِهَا أَوَّلُ آثَارِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْ مَنَاجِمِهَا أَصْوَاتُ الْعُمَّالِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ تُخْتَصَرَ فِي رَقْمٍ فِي تَقْرِيرٍ، أَوْ وَعْدٍ فِي خِطَابٍ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةً رَأَتِ الرَّايَاتِ تَتَبَدَّلُ فَوْقَهَا، وَرَأَتِ الْخُطَبَ تَتَغَيَّرُ أَلْفَاظُهَا، هَلْ كَانَ الرَّحِيلُ الْفَرَنْسِيُّ نِهَايَةَ كُلِّ مَا كَانَ؟
فَأَجَابَتْ قَفْصَةُ:
يَا غَبَشُ، إِنَّ الرَّحِيلَ لَيْسَ دَائِمًا رَحِيلًا كَامِلًا، وَإِنَّ التَّارِيخَ لَا يُقْرَأُ بِالأَعْلَامِ وَحْدَهَا، بَلْ بِمَا يَبْقَى فِي الْمُؤَسَّسَاتِ وَالطُّرُقِ وَطَرِيقَةِ النَّظَرِ إِلَى النَّاسِ وَالأَرْضِ.
جَاءَ الْمُسْتَعْمِرُ يَوْمًا بِالْقُوَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَجَعَلَ مِنْ ثَرَوَاتِي مَطْمَعًا، وَمِنْ أَهْلِي أَيْدِيًا تَعْمَلُ وَتَحْمِلُ أَعْبَاءَ مَا لَا تَمْلِكُ.
وَحِينَ رَحَلَ، ظَنَّ الْبَعْضُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ انْتَهَى؛ وَلَكِنَّ أَسْئِلَةَ الْعَدَالَةِ لَمْ تَرْحَلْ، وَأَسْئِلَةُ التَّنْمِيَةِ لَمْ تَرْحَلْ، وَسُؤَالُ مَنْ يَمْلِكُ ثَمَرَةَ الْأَرْضِ لَمْ يَرْحَلْ.
فَقُلْتُ:
وَكَيْفَ عَاشَتْ قَفْصَةُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَتْ:
عَاشَتْ بَيْنَ وَعْدٍ وَانْتِظَارٍ.
تَرَى ثَرْوَتَهَا تَخْرُجُ مِنْ أَعْمَاقِهَا، وَتَنْتَظِرُ أَنْ يَعُودَ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَى أَهْلِهَا.
تَرَى اسْمَهَا حَاضِرًا فِي الْخُطَبِ، وَتَنْتَظِرُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فِي الْفِعْلِ.
وَكَانَتْ كُلَّمَا رَفَعَتْ صَوْتَهَا قِيلَ لَهَا: أَنْتِ تُثِيرِينَ الْقَلَقَ.
وَكُلَّمَا سَأَلَتْ عَنْ حَقِّهَا قِيلَ لَهَا: اصْبِرِي قَلِيلًا.
وَكَأَنَّ الصَّبْرَ أَصْبَحَ وَظِيفَةَ الْفُقَرَاءِ، وَالِانْتِظَارُ مِهْنَةَ الْمُهَمَّشِينَ.
فَقُلْتُ:
أَفَكَانَ أَهْلُ قَفْصَةَ رَافِضِينَ لِوَطَنِهِمْ؟
فَغَضِبَتْ قَفْصَةُ وَقَالَتْ:
وَيْحَكَ يَا غَبَشُ!
كَيْفَ يَكُونُ الْمُطَالِبُ بِحَقِّهِ عَدُوًّا لِوَطَنِهِ؟
أَلَيْسَ مَنْ يُرِيدُ لِوَطَنِهِ أَنْ يَكُونَ أَعْدَلَ هُوَ أَكْثَرَ النَّاسِ حُبًّا لَهُ؟
إِنَّ الْوَطَنَ لَيْسَ صَمْتًا، وَلَيْسَ خُضُوعًا، وَلَيْسَ قَبُولًا أَبَدِيًّا بِالنَّقْصِ؛ الْوَطَنُ كَرَامَةٌ تُصَانُ، وَحَقٌّ يُحْفَظُ، وَإِنْسَانٌ لَا يُتْرَكُ فِي آخِرِ الصَّفِّ.
ثُمَّ قَالَتْ:
أَنَا قَفْصَةُ الَّتِي شَهِدَتْ عَصْرَ الْإِنْسَانِ الأَوَّلِ، وَحَمَلَتْ أَثْقَالَ الْمَنْجَمِ، وَأَنْجَبَتْ رِجَالًا فِي الْمُقَاوَمَةِ وَالنِّضَالِ. فَلَا تَجْعَلُونِي مُجَرَّدَ مَنْطَقَةٍ تُذْكَرُ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ، ثُمَّ تُنْسَى عِنْدَ تَوْزِيعِ الْفُرَصِ.
قَالَ غَبَشُ:
فَأَدْرَكْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَمْ تَكُنْ تَخْتَلِفُ مَعَ الْوَطَنِ، بَلْ كَانَتْ تُحَاوِرُهُ؛ تَقُولُ لَهُ: أَنَا مِنْكَ، وَلَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَكُونَ لِلْجَمِيعِ.
ثُمَّ مَضَيْتُ وَأَنَا أَحْمِلُ فِي ذَاكِرَتِي مَدِينَةً لَا تَطْلُبُ شَفَقَةً، بَلْ تَطْلُبُ عَدَالَةً.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ مَشَيْتُ مَعَ قَفْصَةَ فِي طُرُقَاتِهَا، فَإِذَا بِي أَسْمَعُ أَنِينًا لَا يَخْرُجُ مِنْ فَمٍ، بَلْ مِنْ أَرْضٍ أُثْقِلَتْ بِالْأَحْمَالِ.
فَقُلْتُ:
يَا قَفْصَةُ، مَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَعْمَاقِكِ؟
فَقَالَتْ:
هَذَا صَوْتُ الْمَاءِ يَا غَبَشُ.
فَتَعَجَّبْتُ وَقُلْتُ:
وَكَيْفَ يَشْكُو الْمَاءُ فِي بِلَادٍ عَرَفَتْهُ قَدِيمًا، وَكَانَتْ عُيُونُهَا وَمَنَابِعُهَا مِنْ أَسْرَارِهَا؟
فَقَالَتْ:
لِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تُخْفِي فِي جَوْفِهَا نِعْمَةً، ثُمَّ يَأْتِي مَنْ يُحْسِنُ اسْتِخْرَاجَهَا وَيُسِيءُ تَوْزِيعَهَا.
أَنَا قَفْصَةُ الْعُيُونِ وَالْمَنَابِعِ، أَنَا الَّتِي عَرَفَتِ الْمَاءَ فِي ذَاكِرَتِهَا الْقَدِيمَةِ، وَلَكِنَّ أَبْنَائِي الْيَوْمَ يَقِفُونَ أَمَامَ صَنَابِيرَ صَامِتَةٍ، يَنْتَظِرُونَ قَطْرَاتٍ كَأَنَّهَا ضَيْفٌ نَادِرُ الْمَجِيءِ.
فَقُلْتُ:
أَلَيْسَ هَذَا عَجَبًا؟ أَرْضٌ تَحْتَضِنُ الثَّرْوَةَ وَيَبْحَثُ أَهْلُهَا عَنِ الْحَقِّ فِي الْمَاءِ؟
فَقَالَتْ:
لَيْسَ الْعَجَبُ فِي الْعَطَشِ وَحْدَهُ، بَلْ فِي أَنْ يَتَحَوَّلَ الْحَقُّ الطَّبِيعِيُّ إِلَى مَطْلَبٍ يَحْتَاجُ إِلَى صَوْتٍ عَالٍ لِيُسْمَعَ.
ثُمَّ سَارَتْ بِي نَحْوَ جِهَةٍ أُخْرَى، فَرَأَيْتُ أَرْضًا حَمَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا آثَارَ مَا لَا يُرَى.
فَقُلْتُ:
وَمَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ يَا قَفْصَةُ؟
فَقَالَتْ:
هَذِهِ حِكَايَةُ التَّلَوُّثِ.
حِكَايَةُ مَدِينَةٍ أَعْطَتْ مِنْ ثَرَوَاتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ دَائِمًا شَرِيكَةً فِي ثَمَنِ الْمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا. حِكَايَةُ أَرْضٍ عَرَفَتْ الْمَنْجَمَ وَالْمَصْنَعَ، وَلَكِنَّهَا دَفَعَتْ أَيْضًا أَثْمَانًا بِيئِيَّةً وَصِحِّيَّةً كَبِيرَةً.
فَقُلْتُ:
وَمَا أَقْسَى أَنْ تَكُونَ الثَّرْوَةُ سَبَبًا فِي الْأَلَمِ!
فَقَالَتْ:
الثَّرْوَةُ لَا تُؤْلِمُ يَا غَبَشُ، وَلَكِنَّ غِيَابَ الْعَدْلِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ النِّعْمَةَ عِبْئًا.
ثُمَّ رَأَيْتُ وُجُوهَ أُنَاسٍ تَحْمِلُ تَعَبَ السِّنِينَ.
شَبَابٌ يَبْحَثُونَ عَنْ عَمَلٍ.
عَائِلَاتٌ تُرَتِّبُ أَحْلَامَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يَأْتِي مِنْ فُرَصٍ قَلِيلَةٍ.
أَجْيَالٌ تَسْأَلُ: كَيْفَ لِأَرْضٍ أَنْجَبَتْ الْمُقَاوِمِينَ وَالْعُلَمَاءَ وَالْعُمَّالَ أَنْ تُتْرَكَ لِلتَّهْمِيشِ؟
فَقَالَتْ قَفْصَةُ:
لَا تَظُنَّ يَا غَبَشُ أَنَّ أَصْعَبَ مَا يُصِيبُ الْمَدِينَةَ هُوَ الْفَقْرُ وَحْدَهُ؛ فَالأَشَدُّ أَنْ يُقَالَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ: لَسْتِ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ.
فَقُلْتُ:
وَكَيْفَ تَحْمِلِينَ كُلَّ هَذَا؟
فَقَالَتْ:
أَحْمِلُهُ كَمَا حَمَلْتُ مَا قَبْلَهُ؛ بِذَاكِرَةٍ لَا تَمُوتُ، وَبِأَهْلٍ لَمْ يَتَعَلَّمُوا النِّسْيَانَ.
فَأَنَا لَسْتُ مَدِينَةَ الْمَنْجَمِ فَقَطْ، وَلَا مَدِينَةَ الْعَطَشِ فَقَطْ، وَلَا مَدِينَةَ الْمَرَضِ وَالتَّلَوُّثِ فَقَطْ؛ أَنَا مَدِينَةُ إِنْسَانٍ كُلَّمَا ضَاقَتْ بِهِ الْحَيَاةُ، وَجَدَ فِي تَارِيخِهِ سَبَبًا لِيَقِفَ مِنْ جَدِيدٍ.
قَالَ غَبَشُ:
فَأَدْرَكْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَمْ تَكُنْ تَطْلُبُ أَنْ يُشْفَقَ عَلَيْهَا، بَلْ أَنْ يُنْصَتَ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي عَلَّمَتِ الْإِنْسَانَ الْأَوَّلَ أَنْ يَصْنَعَ أَدَاتَهُ، لَا يَلِيقُ بِهَا أَنْ يُحْرَمَ إِنْسَانُهَا الْيَوْمَ مِنْ أَبْسَطِ أَدَوَاتِ الْحَيَاةِ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةً كَثُرَ الْحَدِيثُ عَنْ مَنَاجِمِهَا، وَقَلَّ الْحَدِيثُ عَنْ عُقُولِهَا؛ أَلَيْسَ فِي تُرَابِكِ شَيْءٌ غَيْرُ الْفُوسْفَاطِ؟
فَضَحِكَتْ قَفْصَةُ وَقَالَتْ:
يَا غَبَشُ، مَنْ ظَنَّ أَنَّ ثَرْوَتِي مَا تَحْتَ الأَرْضِ فَقَدْ قَرَأَ نِصْفَ الْحِكَايَةِ وَتَرَكَ نِصْفَهَا الأَكْبَرَ.
فَأَنَا الَّتِي حَفِظَتْ خُطَى الْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ، أَنَا الَّتِي أَنْجَبَتِ الْعَامِلَ الَّذِي حَوَّلَ الْمِعْوَلَ إِلَى مَوْقِفٍ، وَأَنَا الَّتِي أَنْجَبَتِ الْمُثَقَّفَ الَّذِي حَوَّلَ الْكَلِمَةَ إِلَى وَعْيٍ.
قُلْتُ:
فَأَيْنَ عِلْمُكِ يَا قَفْصَةُ؟
قَالَتْ:
فِي مَدَارِسِي وَمَعَاهِدِي، فِي مَكْتَبَاتِي وَنُدُوَاتِي، فِي أَصْوَاتِ مُعَلِّمِيَّ وَطُلَّابِي، فِي كُلِّ عَقْلٍ رَفَضَ أَنْ يَكُونَ الْفَقْرُ حَدًّا لِلْمَعْرِفَةِ.
ثُمَّ قَالَتْ:
لَا تَظُنَّ أَنَّ الْمُدُنَ الَّتِي تُبْعَدُ عَنِ الْمَرَاكِزِ تُبْعَدُ عَنِ الْفِكْرِ؛ فَكَثِيرًا مَا وُلِدَتِ الأَفْكَارُ الْكُبْرَى فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي ظَنَّهَا الْبَعْضُ بَعِيدَةً وَهَامِشِيَّةً.
فَقُلْتُ:
وَمَا حِكَايَةُ الثَّقَافَةِ فِيكِ؟
فَقَالَتْ:
حِكَايَتُهَا حِكَايَةُ مَنْ رَفَضُوا أَنْ يَكُونَ الْمَنْجَمُ هُوَ الْمُعَرِّفَ الْوَحِيدَ لِلْمَدِينَةِ.
فَفِي شَوَارِعِي وُلِدَتْ كَلِمَاتٌ تَسْأَلُ، وَفِي مَنَازِلِي تَرَبَّتْ أَقْلَامٌ تَكْتُبُ، وَفِي مَجَالِسِي نُوقِشَتْ أَسْئِلَةُ الْوَطَنِ وَالْعَدَالَةِ وَالْإِنْسَانِ.
ثُمَّ قَالَتْ:
إِنَّ السُّلْطَةَ الَّتِي تَخَافُ الْمَنْجَمَ لَا تَخَافُ الْحَجَرَ، بَلْ تَخَافُ الْعَامِلَ الَّذِي يَعْرِفُ قِيمَتَهُ.
وَالَّتِي تَخَافُ الْكَلِمَةَ لَا تَخَافُ الْحِبْرَ، بَلْ تَخَافُ الْعَقْلَ الَّذِي يَسْأَلُ.
فَقُلْتُ:
وَلِهَذَا كَانَ الْإِقْصَاءُ وَالتَّهْمِيشُ يَصِيبَانِ الثَّقَافَةَ كَمَا يُصِيبَانِ الِاقْتِصَادَ؟
فَقَالَتْ:
نَعَمْ يَا غَبَشُ، فَالْمَدِينَةُ لَا تُحْرَمُ فَقَطْ مِنَ الْمَشَارِيعِ، بَلْ تُحْرَمُ أَيْضًا مِنْ فُرَصِ أَنْ تُرَى وَتُسْمَعَ.
كَمْ مِنْ مُبْدِعٍ خَرَجَ مِنْ أَزِقَّتِي، ثُمَّ مَشَى بَعِيدًا لِيَجِدَ مَكَانًا لِصَوْتِهِ.
كَمْ مِنْ شَاعِرٍ وَكَاتِبٍ وَفَنَّانٍ حَمَلَ قَفْصَةَ فِي كَلِمَاتِهِ، وَحَمَلَ مَعَهُ سُؤَالًا: لِمَاذَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْهِبَةِ أَنْ تُهَاجِرَ لِتُعْرَفَ؟
فَقُلْتُ:
وَلَكِنَّكِ مَا زِلْتِ تُنْجِبِينَ؟
فَقَالَتْ:
أَنَا لَمْ أَتَوَقَّفْ يَا غَبَشُ.
فَالأَرْضُ الَّتِي أَنْجَبَتِ الْإِنْسَانَ الْقَدِيمَ لَنْ تَعْجَزَ عَنْ إِنْجَابِ الْإِنْسَانِ الْجَدِيدِ.
وَالشَّعْبُ الَّذِي صَبَرَ عَلَى أَثْقَالِ السِّنِينَ، يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ طَاقَةَ الْخَلْقِ وَالتَّجْدِيدِ.
قَالَ غَبَشُ:
فَرَأَيْتُ قَفْصَةَ بِعَيْنٍ أُخْرَى؛ لَا كَمَدِينَةٍ فَقَدَتْ مَا أُخِذَ مِنْهَا فَقَطْ، بَلْ كَمَدِينَةٍ مَا زَالَتْ تَمْلِكُ مَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا:
عَقْلَ أَهْلِهَا، وَذَاكِرَةَ شَعْبِهَا، وَقُدْرَةَ أَصْوَاتِهَا عَلَى الْبَقَاءِ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةً كَتَبَ الرِّجَالُ بَعْضَ فُصُولِهَا، فَمَنْ كَتَبَ الْفُصُولَ الَّتِي لَمْ تَظْهَرْ فِي الْكُتُبِ؟
فَسَكَتَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
هُنَّ نِسَاءُ قَفْصَةَ يَا غَبَشُ.
فَقُلْتُ:
وَكَيْفَ كَانَتْ حِكَايَتُهُنَّ؟
فَقَالَتْ:
هُنَّ اللَّاتِي حَمَلْنَ مَا لَا يُحْمَلُ، وَسَكَتْنَ حَيْثُ كَانَ الصَّمْتُ وَاجِبًا عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ الْقُوَّةَ، وَتَكَلَّمْنَ حِينَ أَصْبَحَ الصَّمْتُ خِيَانَةً لِلتَّعَبِ.
هُنَّ أُمَّهَاتُ الْعُمَّالِ الَّذِينَ نَزَلُوا إِلَى أَعْمَاقِ الْأَرْضِ، وَعُدْنَ يَنْتَظِرْنَ الْخَبَرَ وَيَحْفَظْنَ لِلْبَيْتِ تَوَازُنَهُ.
هُنَّ زَوْجَاتُ الرِّجَالِ الَّذِينَ عَادُوا مِنَ الْمَنْجَمِ بِأَجْسَادٍ مُتْعَبَةٍ وَأَحْلَامٍ مُؤَجَّلَةٍ.
هُنَّ بَنَاتُ الْمَدِينَةِ اللَّاتِي حَمَلْنَ الْكُتُبَ فِي أَيْدِيهِنَّ، وَحَمَلْنَ مَعَهَا سُؤَالًا قَدِيمًا:
لِمَاذَا يَكُونُ عَلَى ابْنَةِ الْهَامِشِ أَنْ تُثْبِتَ نَفْسَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ لِتُعْطَى حَقًّا يُمْنَحُ لِغَيْرِهَا بِسُهُولَةٍ؟
فَقُلْتُ:
أَفَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي قَفْصَةَ خَلْفَ الْحِكَايَةِ؟
فَغَضِبَتْ قَفْصَةُ وَقَالَتْ:
بَلْ كَانَتْ فِي عُمْقِهَا.
فَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي صَمَدَ أَمَامَ الْفَقْرِ، وَالْأُسْرَةَ الَّتِي وَاصَلَتِ الْحَيَاةَ فِي وَجْهِ الْحِرْمَانِ، لَمْ يَحْفَظْهُمَا الْجِدَارُ، بَلْ حَفَظَتْهُمَا امْرَأَةٌ كَانَتْ تَعْرِفُ كَيْفَ تُحَوِّلُ الْقَلَقَ إِلَى صَبْرٍ، وَالْحُزْنَ إِلَى قُدْرَةٍ عَلَى الْبَقَاءِ.
ثُمَّ قَالَتْ:
اُكْتُبْ عَنْهُنَّ، يَا غَبَشُ، فَالتَّارِيخُ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ مَنْ رَفَعَ الصَّوْتَ، وَيَنْسَى مَنْ حَمَلَ ثِقْلَ الأَيَّامِ فِي صَمْتٍ.
اُكْتُبْ عَنْ الأُمِّ الَّتِي أَرْسَلَتْ ابْنَهَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ وَهِيَ تَعْرِفُ أَنَّ الطَّرِيقَ طَوِيلٌ.
وَعَنِ الْجَدَّةِ الَّتِي حَفِظَتْ حِكَايَاتِ الْمَدِينَةِ لِأَحْفَادٍ لَمْ يَرَوْا كُلَّ مَا رَأَتْهُ.
وَعَنِ الْعَامِلَةِ الَّتِي حَمَلَتْ تَعَبَ الْيَوْمِ وَأَمَلَ الْغَدِ.
فَقُلْتُ:
إِنَّ قَفْصَةَ لَا تَمْلِكُ مَنَاجِمَ فَقَطْ، بَلْ تَمْلِكُ خَزَائِنَ مِنَ الْحِكَايَاتِ.
فَقَالَتْ:
نَعَمْ، وَأَعْظَمُ خَزَائِنِي هُمْ أَهْلِي؛ فَالْحَجَرُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَرْضِ، أَمَّا الْإِنْسَانُ فَيُصْنَعُ بِالذَّاكِرَةِ وَالْكِفَاحِ.
ثُمَّ سَأَلْتُهَا:
وَهَلْ مَا زَالَتِ الْمَرْأَةُ الْقَفْصِيَّةُ تَنْتَظِرُ؟
فَقَالَتْ:
لَا، بَلْ هِيَ تَسِيرُ.
فَالَّتِي رَبَّتْ أَجْيَالًا عَلَى الْكَرَامَةِ، لَا تَكُونُ مُجَرَّدَ مُنْتَظِرَةٍ؛ إِنَّهَا شَرِيكَةٌ فِي صُنْعِ الْمُسْتَقْبَلِ.
قَالَ غَبَشُ:
فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ قَفْصَةَ وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّ تَارِيخَ الْمُدُنِ لَا يُكْتَبُ بِأَسْمَاءِ الْمَعَارِكِ فَقَطْ، بَلْ بِأَيْدٍ خَفِيَّةٍ حَمَلَتِ الْحَيَاةَ حِينَ كَانَتِ الْحَيَاةُ ثَقِيلَةً.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ مَضَيْتُ مَعَ قَفْصَةَ فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ، فَرَأَيْتُ وُجُوهًا تَحْمِلُ أَسْئِلَةً لَا تُقَالُ كُلُّهَا بِاللِّسَانِ، بَلْ تَظْهَرُ أَحْيَانًا فِي التَّعَبِ، وَفِي نَظَرَاتِ الْأَهْلِ، وَفِي صَمْتِ الْبُيُوتِ.
فَقُلْتُ:
يَا قَفْصَةُ، مَا الَّذِي أَثْقَلَ هَذِهِ الْوُجُوهَ؟
فَقَالَتْ:
هَذِهِ حِكَايَةٌ أُخْرَى مِنْ حِكَايَاتِي يَا غَبَشُ؛ حِكَايَةُ الْأَرْضِ حِينَ يَطُولُ عَلَيْهَا الْحِمْلُ، وَحِكَايَةُ الْإِنْسَانِ حِينَ يَشْعُرُ أَنَّ جَسَدَهُ أَصْبَحَ شَاهِدًا عَلَى مَا جَرَى حَوْلَهُ.
فَقُلْتُ:
أَتَقْصِدِينَ أَنَّ الْمَدِينَةَ لَهَا ذَاكِرَةٌ حَتَّى فِي أَجْسَادِ أَهْلِهَا؟
فَقَالَتْ:
نَعَمْ يَا غَبَشُ، فَالطَّبِيعَةُ لَا تَنْسَى، وَالْإِنْسَانُ أَيْضًا لَا يَنْسَى.
إِنَّ الَّذِي يَعِيشُ قُرْبَ مَصَادِرِ التَّلَوُّثِ، وَالَّذِي يَرَى أَرْضَهُ تَتَغَيَّرُ، وَمَاءَهُ يُصَارِعُ الْإِهْمَالَ، لَا يَحْمِلُ سُؤَالًا بِيئِيًّا فَقَطْ؛ بَلْ يَحْمِلُ سُؤَالًا عَنِ الْحَقِّ فِي الْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ.
ثُمَّ قَالَتْ:
لَا تَكْتُبْ عَنِّي كَمَدِينَةٍ تَشْكُو الْمَرَضَ فَقَطْ؛ فَأَنَا أَكْبَرُ مِنْ أَوْجَاعِي.
اُكْتُبْ عَنِ الْأُسَرِ الَّتِي وَاجَهَتْ الْخَوْفَ بِالصَّبْرِ، وَعَنِ الْعُمَّالِ الَّذِينَ عَرَفُوا أَنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ أَجْرًا فَقَطْ، بَلْ كَرَامَةٌ وَهُوِيَّةٌ، وَعَنِ الْأَطِبَّاءِ وَالْبَاحِثِينَ وَالْمُجْتَمَعِ الْمَدَنِيِّ الَّذِينَ رَفَعُوا أَسْئِلَةَ الصِّحَّةِ وَالْبِيئَةِ.
فَقُلْتُ:
وَلِمَاذَا تَشْعُرُ الْمَدِينَةُ أَحْيَانًا أَنَّ صَوْتَهَا لَا يُسْمَعُ؟
فَأَجَابَتْ:
لِأَنَّ الْهَامِشَ يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى جُهْدٍ أَكْبَرَ لِيَصِلَ صَوْتُهُ إِلَى الْمَرْكَزِ.
فَالَّذِي يَعِيشُ بَعِيدًا عَنِ الْمَكَانِ يَرَى الْأَرْقَامَ، أَمَّا الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ فَيَرَى الْوُجُوهَ.
وَالْوُجُوهُ يَا غَبَشُ لَا تُقْرَأُ فِي التَّقَارِيرِ وَحْدَهَا؛ فَلَهَا دُمُوعٌ، وَلَهَا ذِكْرَيَاتٌ، وَلَهَا أَحْلَامٌ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُصَانَ.
فَقُلْتُ:
يَا قَفْصَةُ، أَلَمْ تَكُنْ ثَرْوَتُكِ سَبَبًا فِي أَنْ تَكُونِي مَعْرُوفَةً؟
فَقَالَتْ:
بَلْ عَرَفُونِي بِمَا أُخِذَ مِنِّي، وَلَمْ يَعْرِفُونِي كَثِيرًا بِمَا أَعْطَيْتُهُ.
عَرَفُوا الْمَنْجَمَ، وَلَمْ يَعْرِفُوا حِكَايَةَ الْمَنْجِمِيِّ.
عَرَفُوا الْفُوسْفَاطَ، وَلَمْ يَعْرِفُوا أَحْلَامَ الطِّفْلِ الَّذِي وُلِدَ فِي حَيٍّ مِنْ أَحْيَائِي.
عَرَفُوا الْإِنْتَاجَ، وَلَمْ يَرَوْا كُلَّ مَا دَفَعَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَجْلِهِ.
ثُمَّ سَكَتَتْ قَفْصَةُ، وَقَالَتْ:
لَا أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ تَارِيخِي كِتَابَ أَحْزَانٍ فَقَطْ؛ فَفِي كُلِّ وَجَعٍ سُؤَالٌ، وَفِي كُلِّ سُؤَالٍ إِمْكَانُ تَغْيِيرٍ.
قَالَ غَبَشُ:
فَعَرَفْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَيْسَتْ مَدِينَةً تُرِيدُ أَنْ تَبْقَى ضَحِيَّةً فِي حِكَايَةِ الْآخَرِينَ؛ بَلْ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ صَاحِبَةَ الْحِكَايَةِ.
فَهِيَ الَّتِي قَالَتْ لِلزَّمَنِ:
أَخَذْتَ مِنِّي كَثِيرًا، وَلَكِنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ ذَاكِرَتِي.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةً مَرَّتْ عَلَيْهَا أَزْمِنَةٌ كَثِيرَةٌ، وَرَأَتْ وُجُوهًا كَثِيرَةً، مَا الَّذِي أَوْجَعَكِ أَكْثَرَ مِنْ غِيَابِ الثَّرْوَةِ؟
فَأَجَابَتْنِي:
لَيْسَ أَشَدَّ الْوَجَعِ يَا غَبَشُ أَنْ تَقِلَّ الْخَيْرَاتُ، بَلْ أَنْ يَشْعُرَ الْإِنْسَانُ أَنَّ صَوْتَهُ لَا يُحْسَبُ.
فَالأَرْضُ قَدْ تَصْبِرُ عَلَى الْقَحْطِ، وَالْبَيْتُ قَدْ يَصْبِرُ عَلَى الْفَقْرِ، وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ يَضِيقُ حِينَ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَقْبَلَ بِالصَّمْتِ بَدَلَ الْحَقِّ.
قُلْتُ:
وَهَلْ كَانَ صَوْتُ قَفْصَةَ دَائِمًا مَسْمُوعًا؟
فَقَالَتْ:
لَا يَا غَبَشُ.
فَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ قِيلَ لِأَهْلِي: لَا تَرْفَعُوا السُّؤَالَ، وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ ظُنَّ أَنَّ إِغْلَاقَ الْأَبْوَابِ يُغْلِقُ الْأَفْكَارَ.
وَلَكِنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي حَفِظَتْ خُطَى الْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ، لَا تَنْسَى خُطَى أَبْنَائِهَا.
فَقُلْتُ:
أَتَعْنِينَ أَنَّ التَّارِيخَ فِيكِ هُوَ تَارِيخُ الْمُوَاجَهَةِ؟
فَقَالَتْ:
هُوَ تَارِيخُ الْكَرَامَةِ.
فَمِنْذُ أَيَّامِ الْمُقَاوَمَةِ، إِلَى نِضَالِ الْعُمَّالِ، إِلَى حَرَكَةِ الْحَوْضِ الْمَنْجَمِيِّ سَنَةَ 2008، كَانَ السُّؤَالُ وَاحِدًا فِي أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ:
مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ الْقَرَارِ؟
وَمَنْ يَمْلِكُ حَقَّ الْعَيْشِ الْكَرِيمِ؟
وَمَنْ يَمْلِكُ حَقَّ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ بِلَادِي وَهَذَا مُسْتَقْبَلِي؟
ثُمَّ قَالَتْ:
لَمْ تَكُنْ قَفْصَةُ تَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ فَوْقَ غَيْرِهَا، بَلْ عَنْ مَكَانٍ مِثْلِ غَيْرِهَا.
لَمْ تَطْلُبْ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهَا، بَلْ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهَا دُونَ عَدْلٍ.
فَقُلْتُ:
وَلِمَاذَا كَانَتْ مَدِينَةٌ كَقَفْصَةَ تَدْفَعُ ثَمَنَ صَوْتِهَا أَحْيَانًا؟
فَقَالَتْ:
لِأَنَّ السُّلْطَةَ حِينَ تَخَافُ السُّؤَالَ، تَرَى فِي الْمِرْآةِ خَطَرًا، وَفِي الْمُوَاطِنِ الْسَّائِلِ إِزْعَاجًا.
وَلَكِنَّ الْمُدُنَ لَا تَمُوتُ بِالْإِسْكَاتِ؛ فَالْكَلِمَةُ قَدْ تَخْتَبِئُ، وَالذَّاكِرَةُ قَدْ تَصْمُتُ، وَلَكِنَّهُمَا تَعُودَانِ حِينَ تَجِدَانِ لَحْظَتَهُمَا.
ثُمَّ قُلْتُ:
يَا قَفْصَةُ، مَا الَّذِي تَخَافِينَ مِنْهُ الْيَوْمَ؟
فَقَالَتْ:
لَا أَخَافُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ، فَأَنَا ابْنَةُ آلَافِ السِّنِينَ.
لَكِنِّي أَخَافُ مِنْ أَنْ يُنْسَى أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ غَايَةُ كُلِّ ثَرْوَةٍ، وَأَنَّ الْعَدَالَةَ هِيَ مِحْوَرُ كُلِّ تَنْمِيَةٍ، وَأَنَّ الْمَدِينَةَ لَيْسَتْ أَرْقَامًا فِي دَفَاتِرِ الْإِدَارَاتِ.
قَالَ غَبَشُ:
فَأَدْرَكْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَمْ تَكُنْ تَشْتَكِي مِنْ قِلَّةِ التَّارِيخِ، بَلْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ أَرَادُوا أَنْ يَكْتُبُوا تَارِيخَهَا بَدَلًا مِنْ أَنْ يَسْمَعُوا أَهْلَهَا.
وَأَنَّ أَصْعَبَ مَا يُوَاجِهُ مَدِينَةً عَرِيقَةً لَيْسَ فَقْدَ الثَّرْوَةِ فَقَطْ، بَلْ مُحَاوَلَةُ فَقْدِ ذَاكِرَتِهَا.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ قُلْتُ لِقَفْصَةَ:
يَا مَدِينَةً مَشَتْ عَلَى ظَهْرِ الزَّمَنِ وَلَمْ يَسْتَطِعِ الزَّمَنُ أَنْ يَمْحُوَهَا، يَا مَنْ حَفِظَتْ فِي تُرَابِهَا خُطَى الْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ، وَفِي أَعْمَاقِهَا أَسْرَارَ الْمَنْجَمِ، وَفِي ذَاكِرَتِهَا أَصْوَاتَ الْمُقَاوِمِينَ وَالْعُمَّالِ، مَا الَّذِي تُرِيدِينَهُ مِنَ الْغَدِ؟
فَأَجَابَتْ قَفْصَةُ:
لَا أُرِيدُ مِنَ الْغَدِ أَنْ يَعْتَذِرَ لِي عَنْ مَا مَضَى فَقَطْ، بَلْ أَنْ يَبْنِي مَا لَمْ يُبْنَ.
أُرِيدُ أَنْ يَفْهَمَ النَّاسُ أَنَّ الْمَدِينَةَ لَيْسَتْ مَكَانًا عَلَى الْخَرِيطَةِ، بَلْ كَائِنٌ حَيٌّ لَهُ ذَاكِرَةٌ وَحَقٌّ وَحُلْمٌ.
قُلْتُ:
وَكَيْفَ يَكُونُ الْحُلْمُ يَا قَفْصَةُ؟
قَالَتْ:
أَنْ يَعُودَ الْإِنْسَانُ إِلَى مَرْكَزِ الْحِكَايَةِ.
أَنْ لَا يَكُونَ الشَّابُّ رَقْمًا فِي قَائِمَةِ الْبَطَالَةِ، بَلْ عَقْلًا وَطَاقَةً وَمُشَارِكًا فِي صُنْعِ الْغَدِ.
أَنْ لَا يَكُونَ الْعَامِلُ يَدًا تَسْتَخْرِجُ الثَّرْوَةَ فَقَطْ، بَلْ إِنْسَانًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ كَرَامَةِ مَا يُنْتِجُ.
أَنْ لَا تَبْقَى الثَّقَافَةُ زِينَةً فِي الْمَوَاسِمِ، بَلْ قُوَّةً تُنَمِّي الْعَقْلَ وَتَحْمِي الذَّاكِرَةَ.
ثُمَّ قَالَتْ:
يَا غَبَشُ، إِنَّ الْمُدُنَ لَا تَحْيَا بِالْإِسْمَنْتِ وَحْدَهُ، بَلْ بِالْعَدْلِ.
فَإِذَا شَعَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ مَرْئِيٌّ، وَأَنَّ صَوْتَهُ مَسْمُوعٌ، وَأَنَّ مُسْتَقْبَلَ أَبْنَائِهِ لَيْسَ مُعَلَّقًا عَلَى الْحَظِّ، فَهُنَا تَبْدَأُ التَّنْمِيَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.
فَقُلْتُ:
وَهَلْ تَثِقِينَ بِالْغَدِ بَعْدَ كُلِّ مَا عَرَفْتِهِ؟
فَابْتَسَمَتْ قَفْصَةُ وَقَالَتْ:
أَنَا الَّتِي رَأَيْتُ دُوَلًا تَأْتِي وَدُوَلًا تَرْحَلُ، وَرَأَيْتُ أَجْيَالًا تَمْضِي وَأَجْيَالًا تَأْتِي؛ فَكَيْفَ لَا أُؤْمِنُ بِالْغَدِ؟
لَكِنَّ الْغَدَ لَا يُمْنَحُ هَدِيَّةً؛ إِنَّهُ يُصْنَعُ.
يَصْنَعُهُ مَنْ يَحْفَظُونَ ذَاكِرَتَهُمْ، وَيَرْفُضُونَ أَنْ تَكُونَ مَآسِيهِمْ قَدَرًا، وَيُحَوِّلُونَ الْأَلَمَ إِلَى وَعْيٍ، وَالذِّكْرَى إِلَى فِعْلٍ.
ثُمَّ مَشَيْتُ فِي أَرْضِ قَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ الْقَبْصِيَّ الْقَدِيمَ يَنْظُرُ مِنْ بَعِيدٍ، وَرَأَيْتُ الْعَامِلَ وَالْمُنَاضِلَ وَالْمُثَقَّفَ وَالشَّابَّ يَحْمِلُونَ نَفْسَ السُّؤَالِ:
كَيْفَ نَجْعَلُ هَذِهِ الْأَرْضَ الَّتِي أَنْجَبَتْ التَّارِيخَ قَادِرَةً عَلَى صُنْعِ الْمُسْتَقْبَلِ؟
قَالَ غَبَشُ:
فَعَرَفْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَيْسَتْ قِصَّةَ مَدِينَةٍ مَظْلُومَةٍ فَقَطْ، بَلْ قِصَّةُ إِنْسَانٍ يُصِرُّ عَلَى أَنْ يَبْقَى إِنْسَانًا.
وَأَنَّ كُلَّ مَنْ حَاوَلَ أَنْ يُغْلِقَ كِتَابَهَا، نَسِيَ أَنَّ بَعْضَ الْكُتُبِ لَا تُغْلَقُ؛ لِأَنَّهَا تُكْتَبُ بِحَيَاةِ النَّاسِ.
ثُمَّ قَالَتْ قَفْصَةُ لِي وَأَنَا أُغَادِرُهَا:
يَا غَبَشُ، لَا تَكْتُبْ عَنِّي كَمَدِينَةٍ تَنْتَظِرُ الْإِنْصَافَ فَقَطْ؛
اُكْتُبْ عَنِّي كَمَدِينَةٍ صَنَعَتْ كَثِيرًا مِنَ التَّارِيخِ، وَمَا زَالَتْ تَنْتَظِرُ أَنْ يَصْنَعَ التَّارِيخُ شَيْئًا مِنَ الْعَدْلِ لَهَا.
وَهُنَا سَكَتَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ... وَلَكِنَّ قَفْصَةَ لَمْ تَسْكُتْ.

قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ عُدْتُ إِلَى قَفْصَةَ بَعْدَ طُولِ سَفَرٍ فِي دَهَالِيزِ ذَاكِرَتِهَا، فَلَمْ أَعُدْ أَرَاهَا مَدِينَةً عَلَى الْخَرِيطَةِ، بَلْ رَأَيْتُهَا سِفْرًا مَفْتُوحًا كَتَبَتْهُ الْأَزْمِنَةُ بِأَيْدِي أَهْلِهَا.
رَأَيْتُ فِي تُرَابِهَا خُطَى الْإِنْسَانِ الْقَدِيمِ، ذَلِكَ الْإِنْسَانَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ إِلَّا عَقْلَهُ وَإِرَادَتَهُ، فَصَنَعَ مِنْ قَلِيلِهِ أَدَاةً، وَمِنْ حَاجَتِهِ مَعْرِفَةً، وَمِنْ صِرَاعِهِ مَعَ الْحَيَاةِ بَدَايَةَ حَضَارَةٍ.
وَرَأَيْتُ الْقَبْصِيِّينَ الْأَوَائِلَ، الَّذِينَ حَمَلُوا مَعَهُمْ أَثَرَ مَكَانِهِمْ وَذَاكِرَتَهُمْ، وَانْتَقَلَ بَعْضُهُمْ فِي رِحْلَاتٍ قَدِيمَةٍ نَحْوَ أَرْضِ أُورُوبَّا، حَيْثُ تَرْبِطُ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ وَالْأَبْحَاثِ بَيْنَ الْحُضُورِ الْقَدِيمِ لِلْإِنْسَانِ الْقَفْصِيِّ وَبَيْنَ مَسَارَاتِ انْتِشَارِ الْإِنْسَانِ فِي الْمَتَوَسِّطِ، وَكَيْفَ أَنَّ حِكَايَةَ الْإِنْسَانِ لَا تَعْرِفُ حُدُودًا تَرْسُمُهَا الْخَرَائِطُ الْحَدِيثَةُ.
وَرَأَيْتُ قَفْصَةَ الْعَالِمِ وَالْمُثَقَّفِ وَالشَّاعِرِ، لَا قَفْصَةَ الْمَنْجَمِ فَقَطْ؛ فَالثَّرْوَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَمْ تَكُنْ فِي مَا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ مِنْ أَعْمَاقِهَا، بَلْ فِي مَا أَخْرَجَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ عَقْلِهِ وَوَعْيِهِ.
ثُمَّ رَأَيْتُهَا فِي أَيَّامِ الْمُسْتَعْمِرِ، حِينَ جَاءَ الْفَرَنْسِيُّ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ وَمَشَارِيعِ الاسْتِخْرَاجِ، فَأَخَذَ مِنْ خَيْرَاتِ الْأَرْضِ، وَتَرَكَ فِي أَجْسَادِ النَّاسِ وَذَاكِرَتِهِمْ آثَارَ مَرَحَلَةٍ لَا تُنْسَى.
وَرَأَيْتُهَا فِي صَفَحَاتِ الْمُقَاوَمَةِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْمُنَاضِلُ ابْنَ قَصْرٍ، بَلِ ابْنَ عَرَقِ الْعُمَّالِ وَتَعَبِ الْمَكَافِحِينَ.
وَرَأَيْتُ الأَزْهَرَ الشَّرَايْطِيَّ، ابْنَ قَفْصَةَ وَابْنَ الْمَنْجَمِ، فِي سِيرَةٍ بَقِيَتْ مَحَلَّ حُضُورٍ وَنِقَاشٍ فِي الذَّاكِرَةِ التُّونِسِيَّةِ؛ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي ارْتَبَطَ اسْمُهُ بِمَسَارَاتِ الْمُقَاوَمَةِ، وَبِحُضُورِهِ فِي سِيَاقِ الْكِفَاحِ ضِدَّ الصَّهْيُونِيَّةِ وَالِاسْتِعْمَارِ الْفَرَنْسِيِّ، وَبَقِيَتْ حَادِثَةُ إِعْدَامِهِ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ مَوْضِعَ جَدَلٍ تَارِيخِيٍّ بَيْنَ مَنْ يَقْرَأُونَهَا مِنْ زَوَايَا مُخْتَلِفَةٍ.
وَبَقِيَ رُفَاتُهُ، حَسَبَ مَا تُرَدِّدُهُ عَائِلَتُهُ وَمَنْ يَحْمِلُونَ ذِكْرَاهُ، سُؤَالًا مُعَلَّقًا؛ فَأُسْرَتُهُ وَمُحِبُّوهُ يَنْتَظِرُونَ لَحْظَةَ اسْتِرْجَاعِهِ وَإِقَامَةِ مَرَاسِمِ الْوَدَاعِ الَّتِي يَرَوْنَ أَنَّهَا تَأَخَّرَتْ عُقُودًا.
وَرَأَيْتُ قَفْصَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَسْوَدِ سَنَةَ 1978، حِينَ كَانَ الِاضْرَابُ الْعَامُّ مَحَطَّةً دَامِيَةً فِي تَارِيخِ الْبِلَادِ، وَحِينَ تَذْكُرُ رِوَايَاتٌ عَدِيدَةٌ أَنَّ أَوَّلَ شَهِيدٍ مِنْ قَفْصَةَ كَانَ النِّقَابِيَّ جَمَالَ بُوتُرْعَةَ، ابْنَ عَمِّ الأَزْهَرِ الشَّرَايْطِيِّ، لِيَبْقَى اسْمُهُ فِي ذَاكِرَةِ مَنْ يَرَوْنَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَفْحَةً مِنْ صَفَحَاتِ الصِّرَاعِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالنِّقَابِيِّ.
وَرَأَيْتُهَا فِي سَنَةِ 2008، حِينَ خَرَجَ الْحَوْضُ الْمَنْجَمِيُّ بِصَوْتٍ احْتِجَاجِيٍّ كَبِيرٍ، فَكَشَفَ أَنَّ تَحْتَ سُكُونِ السِّنِينَ كَانَ هُنَاكَ سُؤَالٌ عَمِيقٌ عَنِ الْعَدَالَةِ وَالْكَرَامَةِ وَحَقِّ الْجِهَاتِ فِي الْحَيَاةِ.
فَعَرَفْتُ أَنَّ قَفْصَةَ لَمْ تَكُنْ تَابِعَةً لِتَارِيخِ تُونِسَ، بَلْ كَانَتْ مِنْ صَانِعِيهِ.
قَالَ غَبَشُ:
يَا قَفْصَةُ، يَا مَنْ حَمَلْتِ الْمَاءَ وَشَكَوْتِ الْعَطَشَ، وَحَمَلْتِ الثَّرْوَةَ وَعَرَفْتِ الْحِرْمَانَ، وَحَمَلْتِ الْعِلْمَ وَعَانَيْتِ الْإِقْصَاءَ، مَا كَلِمَتُكِ الأَخِيرَةُ؟
فَقَالَتْ:
قُلْ لِمَنْ يَسْمَعُ:
لَا تُقِيسُوا الْمُدُنَ بِمَا تَمْلِكُهُ فَقَطْ، بَلْ بِمَا قَدَّمَتْهُ.
لَا تَقْرَؤُوا الْهَامِشَ كَأَنَّهُ بَعِيدٌ، فَرُبَّ هَامِشٍ صَنَعَ مَتْنَ التَّارِيخِ.
لَا تَطْلُبُوا مِنَ الْفَقِيرِ أَنْ يَنْسَى فَقْرَهُ، بَلْ ابْنُوا لَهُ عَالَمًا لَا يَجْعَلُ الْفَقْرَ قَدَرًا.
أَنَا قَفْصَةُ...
لَسْتُ حِكَايَةَ مَنْجَمٍ فَقَطْ،
أَنَا حِكَايَةُ إِنْسَانٍ.
لَسْتُ ذِكْرَى وَجَعٍ فَقَطْ،
أَنَا ذَاكِرَةُ كِفَاحٍ.
لَسْتُ مَدِينَةً تَنْتَظِرُ مَنْ يَكْتُبُهَا،
أَنَا مَدِينَةٌ كَتَبَتْ بِصَبْرِ أَهْلِهَا فَصْلًا مِنْ فُصُولِ الْوَطَنِ.
قَالَ غَبَشُ بْنُ مَرَاوِحٍ:
ثُمَّ مَضَيْتُ، وَخَلْفِي صَوْتُ قَفْصَةَ يَقُولُ:
مَنْ يَمْلِكُ ذَاكِرَتَهُ... لَا يَضِيعُ.
تَمَّتْ مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ فِي قَفْصَةَ الَّتِي حَفِظَتِ التَّارِيخَ وَنَسِيَهَا التَّارِيخُ.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
- الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
- حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ...
- حين تتصافح المصالح
- رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر ...
- اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة ...
- التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة ...
- من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية ...
- تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت ...
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟


المزيد.....




- عُمان: استمرار المفاوضات الفنية والسياسية مع إيران بشأن مضيق ...
- وفاة فنان كردي في ظروف غامضة بمركز للشرطة في اليابان
- عمان وإيران تواصلان مباحثاتهما الفنية والسياسية بشأن الملاحة ...
- بين فيس مرشح كوميدي لمقعد في البرلمان البريطاني، هل يخلق الم ...
- وكالة أنباء عمان: عمان وإيران اتفقتا على مواصلة المباحثات ال ...
- -رولينغ ستونز- تطلق ألبومها الـ25 بمشاركة بول مكارتني ونجوم ...
- من السقا وياسمين إلى العوضي ومي.. هل البطولة المشتركة رهان آ ...
- رئيس الوزراء اللبناني يشكر أردوغان على إهدائه الترجمة التركي ...
- الممثل السوري بشار إسماعيل: أحب وأدعم الرئيس الشرع ولو اتهمت ...
- -كنت العين التي قاومت المخرز-.. نقيب الفنانين السوريين مازن ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض الشرايطي - مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي حَفِظَتِ التَّارِيخَ وَنَسِيَهَا التَّارِيخُ .