|
|
الهجرة ليست هروبا ...
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 00:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حين يترك شاب سريره قبل الفجر، ويغادر البيت دون أن يوقظ أمّه، فهو لا يحمل حقيبة فقط، بل يحمل عمرا كاملا من الأسئلة التي لم يجد لها جوابا . وحين تتعلق طفلة بسياج حدودي، أو يركض قاصر نحو بحر لا يعرف الرحمة، فإن القضية لا تكون مجرد محاولة لعبور جغرافي، بل لحظة تاريخية تعلن فيها الإنسانية أن هناك شيئا عميقا قد انكسر في طريقة تنظيم هذا العالم . إن النظر إلى الهجرة باعتبارها نتيجة مباشرة للفقر وحده، أو البطالة وحدها، أو الرغبة في الثراء وحدها، ليس سوى تبسيط مريح يخفي البنية الحقيقية للمأساة . فالعالم المعاصر لم يعد ينتج الثروات فقط، بل ينتج أيضا الأحلام، ويعيد توزيعها بطريقة غير متكافئة . يصنع في مكان صورة لمستقبل قابل للحياة، ويصنع في مكان آخر شعورا دائما بأن الحياة الحقيقية توجد دائما خلف الحدود . وهنا تكمن إحدى أخطر وظائف النظام الرأسمالي العالمي : أنه لا يحتكر وسائل الإنتاج فحسب، بل يحتكر أيضا إنتاج الأمل . لقد أصبحت الحركة البشرية جزءا من البنية العميقة للعولمة نفسها . فكما تنتقل الرساميل والسلع والمعلومات بسرعة مذهلة، تتحرك الرغبات الإنسانية هي الأخرى، مدفوعة بصور يومية عن أنماط العيش والاستهلاك والنجاح . ولم تعد الحدود تفصل بين المجتمعات كما كانت تفعل في الماضي؛ فالهواتف المحمولة والمنصات الرقمية جعلت العالم كله حاضرا داخل غرفة صغيرة في قرية بعيدة . يرى الشاب حياة أخرى كل يوم، فيبدأ بقياس واقعه بما يراه، لا بما يعيشه فقط . لهذا لم تعد الهجرة قرارا اقتصاديا خالصا، بل أصبحت قرارا تصنعه المخيلة أيضا . إن الإنسان لا يهاجر فقط لأنه جائع، بل لأنه أصبح قادرا على تخيل حياة مختلفة . وهذه القدرة على التخيل ليست مسألة نفسية مجردة، بل نتاج تراكمات معرفية وتعليمية ورقمية واجتماعية تمنح بعض الناس إمكانية التفكير في العبور، بينما تترك آخرين أسرى أماكنهم . وهكذا تتحول القدرة على الهجرة نفسها إلى امتياز اجتماعي، وإلى شكل جديد من أشكال اللامساواة التي ينتجها النظام العالمي . ومن هنا تبدو المشاهد الجماعية للعبور أكثر تعقيدا مما توحي به العناوين الإعلامية . فحين نجد بين الراغبين في الرحيل تلاميذ وطلبة وشبابا ونساء وأسرا كاملة، فإننا لا نكون أمام ظاهرة يمكن تفسيرها بمؤشر اقتصادي واحد، بل أمام مجتمعٍ يعيش صراعا بين المكان الذي يسكنه، والمستقبل الذي يتخيله . إن المأساة لا تكمن في أن الناس يريدون الرحيل، بل في أن الوطن لم يعد يحتكر أحلامهم . لكن الوجه الآخر للصورة يوجد في الضفة الشمالية للمتوسط. فالرأسمالية الأوروبية تعيش تناقضا لا تستطيع التخلص منه . فهي تحتاج إلى العمال حتى تستمر دورة الإنتاج والخدمات والرعاية، لكنها في الوقت نفسه تبني الأسلاك الشائكة والجدران القانونية والسياسية حتى لا يصل هؤلاء العمال إلا وفق الشروط التي تخدم السوق وحدها. إنها تريد اليد، لكنها تخشى الإنسان . تريد القوة العاملة، لكنها لا تريد الاعتراف الكامل بمن يحملها . وهكذا تتحول الحدود إلى جهاز ضخم لإدارة الحاجة إلى البشر، لا لإدارة حقوق البشر . يشتد الحصار حين تفرض السياسة ذلك، ثم تخف القيود حين يحتاج الاقتصاد إلى مزيد من الأيدي العاملة . ليست المشكلة إذن في تناقض عادي، بل في منطق يعتبر الإنسان موردا اقتصاديا عندما يكون منتجا، وخطرا أمنيا عندما يطالب بحقه في التنقل والكرامة . وفي المقابل، لا تستطيع الدول المصدرة للهجرة أن تكتفي بلعب دور حارس الحدود . فالقضية أعمق من منع العبور أو تشديد المراقبة . إن المجتمع الذي تتسع داخله الفجوات بين مجالاته، وتتفاوت فيه فرص التنمية، ويشعر جزء واسع من شبابه بأن الزمن يتحرك في أماكن أخرى، هو مجتمع يحتاج إلى إعادة بناء معنى الانتماء نفسه . فالانتماء لا يفرض بالقوانين، بل يصنع حين يشعر الإنسان أن مستقبله ليس مؤجلا إلى قارة أخرى . ومن منظوري، لا يمكن فصل الهجرة عن البنية العالمية التي تنتج التفاوت بين المركز والأطراف، ولا عن اقتصاد يجعل حركة الرساميل مقدسة، بينما يحاصر حركة البشر . فالحرية التي تمنح للأموال وتسحب من الإنسان ليست حرية، بل امتياز طبقي على مستوى الكوكب كله . إن السؤال الحقيقي ليس لماذا يتحرك البشر، بل لماذا أصبح الأمل نفسه موزعا وفق خرائط الهيمنة العالمية . وحين يصبح الوطن عاجزا عن منافسة صورة المستقبل التي تنتجها المنصات الرقمية، وحين تصبح الحدود مسرحا لصراع بين الحلم والخوف، ندرك أن الهجرة لم تعد ملفا أمنيا ولا مجرد قضية تنموية، بل أصبحت مرآة تعكس أزمة حضارية يعيشها عالم يملك من التكنولوجيا ما يكفي لربط القارات، لكنه لم يمتلك بعد العدالة التي تجعل الإنسان لا يشعر بأن كرامته تنتظره دائما في الضفة الأخرى .
وإذا كانت القراءة الليبرالية ترى في الهجرة قرارا فرديا، فإن القراءة الماركسية تنزع عنها هذا القناع لتعيدها إلى سياقها التاريخي والاجتماعي . فالفرد لا يتخذ قراراته في فراغ، وإنما داخل بنية اقتصادية وثقافية وسياسية تصوغ حدود الممكن والمستحيل . وما يبدو اختيارا شخصيا، ليس في كثير من الأحيان سوى التعبير الفردي عن تناقضات جماعية أعمق . الهجرة، بهذا المعنى، ليست حركة أجساد بقدر ما هي حركة قوة العمل . فالرأسمالية لا تنظر إلى الإنسان باعتباره كائنا مكتملا، بل باعتباره حاملا لقدرة على الإنتاج . وحين تعاني اقتصادات المركز من نقص اليد العاملة، تتحول الأطراف إلى خزانات بشرية جاهزة لتعويض هذا النقص، لكن وفق قواعد يحددها رأس المال، لا وفق حاجات البشر وحقوقهم . وهنا يظهر أحد أكثر التناقضات قسوة في النظام العالمي . فالسوق تطالب بحرية تنقل الرساميل لأنها شرط تراكم الأرباح، لكنها تفرض على الإنسان جوازات وتأشيرات وأسلاكا وحدودا لأنها تريد أن تتحكم في توقيت دخوله، وعدد الداخلين، وأجورهم، وشروط وجودهم . إن العامل مرحب به حين يكون نافعا، لكنه يصبح عبئا حين يطالب بالمساواة والحقوق . إنها ليست حربا على الهجرة، بل إدارة رأسمالية للهجرة . ولهذا فإن الحديث عن "القدرة على الهجرة" يكشف بدوره شكلا جديدا من اللامساواة الطبقية . فحتى الهروب من الواقع لم يعد متاحا للجميع . فمن يمتلك المعرفة، والشبكات الاجتماعية، والقدرات الرقمية، وبعض الإمكانات المادية، يستطيع أن يحاول العبور، بينما يبقى الأكثر فقرا عاجزا حتى عن مغادرة بؤسه . لقد امتد منطق السوق إلى الحلم نفسه؛ فأصبح الوصول إلى الحلم يحتاج إلى رأسمال . وما يزيد المأساة تعقيدا أن الرأسمالية لا تكتفي بإنتاج الفوارق المادية، بل تنتج أيضا الفوارق الرمزية. فهي تجعل مكانا من العالم يبدو وكأنه المستقبل ذاته، بينما تقدّم أماكن أخرى باعتبارها مجرد فضاءات للانتظار . وهكذا ينشأ وعي اجتماعي جديد، لا يقيس الحياة بما هي عليه، بل بما تعرضه الشاشات كل يوم . فيتحول الإحباط إلى ظاهرة جماعية، لا لأن الواقع ازداد سوءا بالضرورة، بل لأن المقارنة أصبحت يومية، مستمرة، ولا تعرف حدودا . وهنا يصبح الفضاء الرقمي أحد مصانع الوعي الزائف في العصر الحديث . فهو لا يخلق الرغبة في الهجرة من العدم، لكنه يضخمها، ويعيد إنتاجها، ويمنحها صورا براقة تخفي ما وراءها من استغلال وهشاشة وعزلة . إن الرأسمالية لا تبيع البضائع فقط؛ إنها تبيع أنماط حياة كاملة، ثم تجعل ملايين البشر يسعون إليها باعتبارها الخلاص الفردي الوحيد . غير أن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة هو تراجع الإيمان بالفعل الجماعي مقابل صعود الخلاص الفردي . فبدل أن يتحول الغضب إلى قوة اجتماعية تطالب بإعادة توزيع الثروة والفرص والكرامة داخل الوطن، يدفع جزء واسع من الشباب إلى البحث عن نجاته الخاصة خارج حدوده . وهنا تحقق الرأسمالية إحدى أكبر انتصاراتها الأيديولوجية؛ فهي تنقل الصراع من مواجهة البنية التي تنتج اللامساواة، إلى منافسة بين الأفراد على فرصة عبور . وهكذا يغدو البحر، في المخيال الجماعي، ليس مجرد مسافة بين ضفتين، بل المسافة بين إنسان فقد ثقته في قدرة مجتمعه على احتضان مستقبله، وإنسان آخر ما يزال يعتقد أن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد في مكان آخر . لكن التاريخ يعلمنا أن العدالة لا تبنى بالهجرة وحدها، كما أن الحدود لا تستطيع أن توقف حركة البشر إلى الأبد . فما دامت الأسباب البنيوية قائمة، وما دام العالم منقسما بين مراكز تستقطب فائض العمل وأطراف تصدّر أبناءها، فإن الهجرة ستظل أحد أكثر التعبيرات وضوحا عن الاختلال العميق في النظام الرأسمالي العالمي . إن القضية، في جوهرها، ليست قضية حدود، بل قضية عدالة . ليست قضية عبور، بل قضية توزيع غير عادل للثروة، وللفرص، وللأمل نفسه . وكل مجتمع يدفع شبابه إلى الاعتقاد بأن مستقبلهم يوجد دائما خارج وطنهم، إنما يواجه أزمة تتجاوز الاقتصاد إلى معنى الانتماء ذاته . وعندها تصبح الهجرة ليست مغادرة للمكان فقط، بل احتجاجا صامتا على عالم نجح في جعل الإنسان يشعر أن عليه أن يرحل حتى يستحق الحياة .
غير أن أخطر ما تكشفه الهجرة المعاصرة ليس فقط إعادة تشكيل سوق العمل العالمية، بل إعادة تشكيل الوعي نفسه . فالرأسمالية، منذ نشأتها، لم تكن تنتج السلع وحدها، بل كانت تنتج أيضا الحاجات والرغبات والتصورات . واليوم، مع الثورة الرقمية، بلغت هذه العملية مستوى غير مسبوق؛ إذ لم يعد الاستغلال يقتصر على ساعات العمل، بل امتد إلى المخيلة الإنسانية، فأصبحت الأحلام نفسها تدار وفق منطق السوق . فحين يستيقظ شاب كل صباح على صور مدن أوروبية نظيفة، وشوارع مضاءة، وأجور مرتفعة، وأنماط استهلاك جذابة، بينما يواجه في واقعه تفاوتا مجاليا وفرصا غير متكافئة، فإن المقارنة تتحول إلى ممارسة يومية . إنها ليست مقارنة بين اقتصادين فقط، بل بين صورتين للحياة : حياة تبدو قابلة للتحقق، وحياة تبدو مؤجلة باستمرار . هنا يعمل ما سماه ماركس بـ"الوعي المقلوب" . فلا يعود الإنسان يرى العلاقات الاجتماعية كما هي، بل كما تنتجها القوى المسيطرة . فيبدو الخلاص مسألة فردية، ويغدو السفر مشروعا شخصيا، بينما تحجب البنية التي صنعت أصلا هذا الشعور الجماعي بالاختناق . وهكذا يستبدل سؤال : كيف نغيّر الواقع ؟ بسؤال آخر أكثر انسجاما مع منطق الرأسمالية : كيف أغادره وحدي ؟ إنها لحظة انتصار الإيديولوجيا على السياسة . ولذلك لا يمكن فصل موجات العبور الجماعي عن أزمة المشروع الجماعي داخل المجتمعات الطرفية . فعندما يفقد الناس ثقتهم في أن المستقبل يمكن أن يصنع بالنضال المشترك، يصبح البحث عن منفذ فردي هو البديل الوحيد . تتحول الحدود إلى أفق، ويتحول الوطن، في وعي كثيرين، إلى محطة انتظار لا أكثر . وهذا التحول ليس بريئا . فالنظام العالمي يستفيد منه مرتين : مرة لأنه يحصل على قوة عمل شابة حين يحتاجها، ومرة لأنه يفرغ المجتمعات من جزء من طاقتها الاحتجاجية . فالشاب الذي يطارد قاربا لا يطارد بالضرورة تغييرا اجتماعيا، والطاقة التي كان يمكن أن تتحول إلى قوة تغيير داخل المجتمع تستهلك في مطاردة فرصة عبور قد لا تأتي أبدا . إن الرأسمالية لا تصدر البضائع فقط، بل تصدر أيضا فكرة أن النجاة شأن فردي، وأن التاريخ لا يتغير، وأن أقصى ما يستطيع الإنسان فعله هو أن يغيّر مكانه لا شروط وجوده . ومن هنا فإن المأساة ليست في البحر، بل فيما سبق البحر . ليست في الحدود، بل في النظام الذي جعل الحدود تبدو الحل الوحيد . فالمياه لا تصنع المهاجرين، وإنما تصنعهم السياسات التي تجعل جزءا من العالم يراكم أسباب الحياة، بينما يطلب من الجزء الآخر أن يكتفي بإدارة الحرمان والصبر . إن الطفل الذي يركض نحو السياج الحدودي لا يعرف شيئا عن الاقتصاد السياسي، لكنه يشعر، بفطرته، أن المستقبل يتحرك في اتجاه آخر . والأم التي تراقب ابنها وهو يغادر لا تقرأ نظريات الهجرة، لكنها تدرك أن قلبها أصبح رهينة عالم لا يوزع الأمل بالتساوي . وهنا تبلغ المأساة ذروتها؛ حين تتحول العلاقات الإنسانية نفسها إلى ضحايا للتفاوت العالمي . لهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين دولة تمنع العبور وأخرى تستقبله، ولا بين ضفتين يفصل بينهما البحر، بل بين منطقين متناقضين : منطق يعتبر الإنسان مجرد مورد اقتصادي يمكن استدعاؤه أو طرده وفق حاجات السوق، ومنطق يرى أن الإنسان هو غاية التنمية وسببها وميزانها . ومن دون كسر هذا المنطق، ستظل القوارب تمتلئ، وستظل الأسلاك ترتفع، وستظل الشاشات تصنع أوطانا افتراضية أكثر إغراء من الأوطان الحقيقية . وسيبقى ملايين البشر لا يبحثون عن أرض جديدة بقدر ما يبحثون عن حقهم البسيط في أن يكون المستقبل ملكا لهم، لا امتيازا تمنحه الجغرافيا أو يحتكره رأس المال .
إن الماركسية تعلمنا أن كل حركة اجتماعية كبرى تخفي وراءها علاقات إنتاج وعلاقات قوة . والهجرة ليست استثناء من هذه القاعدة، بل هي إحدى أكثر الظواهر التي تكشف، بوضوح مؤلم، أن الجغرافيا لم تعد ترسم بالجبال والبحار، وإنما بموازين القوة الاقتصادية . فالحدود، في حقيقتها، ليست خطوطا على الخرائط، بل خطوطا تفصل بين من يملك حق الحركة ومن لا يملكه، بين من يعامل بوصفه مواطنا كامل الحقوق، ومن يختزل إلى قوة عمل تنتظر إذنا بالدخول . وهنا يكمن جوهر التناقض. فالعالم الذي يرفع راية "حرية السوق" لا يؤمن بحرية الإنسان . إنه يريد للعامل أن يتحرك عندما يحتاج إليه، وأن يتوقف عندما تنتهي الحاجة إليه . يريد أن يكون التنقل امتيازا تمنحه السوق، لا حقا تفرضه الكرامة الإنسانية . ولذلك فإن الهجرة غير النظامية ليست خروجا عن النظام، بل هي، في جانب كبير منها، الابن غير الشرعي للنظام نفسه . إنها النتيجة المنطقية لعالم يفتح الأبواب أمام الرساميل ويغلقها أمام البشر، ثم يستغرب أن يبحث البشر عن منافذ أخرى . ومن هنا، فإن البحر المتوسط لم يعد مجرد فضاء جغرافي يفصل بين الجنوب والشمال، بل أصبح حدا طبقيا عالميا . على ضفته الجنوبية تتراكم الرغبات والانتظارات والطاقات البشرية، وعلى ضفته الشمالية تتراكم الرساميل والحاجات الاقتصادية والقيود القانونية . وبين الضفتين يقف الإنسان مجردا من كل شيء إلا من حلمه . والمؤلم أن هذا الحلم ذاته أصبح سلعة . فالمنصات الرقمية لا تكتفي بعرض صور الحياة في أوروبا، بل تعيد إنتاجها آلاف المرات، حتى تصبح أكثر حضورا في وعي الشباب من واقعهم اليومي . إن الرأسمالية الرقمية لا تبيع صورة أوروبا فحسب، بل تبيع أيضا الإحساس بأن الزمن الحقيقي يجري هناك، وأن ما عداه مجرد هامش ينتظر دوره . وهكذا لا يسرق العمل فقط، بل يسرق الزمن النفسي للإنسان، فيعيش حاضرا لا يؤمن به، ومستقبلا لا يراه إلا في مكان آخر . إن أخطر أشكال الاغتراب، بلغة ماركس، هو أن يغترب الإنسان عن إمكاناته التاريخية . أن يفقد ثقته في قدرته على تغيير شروط حياته داخل مجتمعه، فيتحول الوطن من مشروع جماعي إلى مكان مؤقت، ويتحول المستقبل من قضية سياسية إلى رحلة فردية . عندها، لا يعود السؤال : كيف نبني مجتمعا أكثر عدالة ؟ بل : كيف أجد مقعدا في القارب ؟ وهذا هو الانتصار الحقيقي للإيديولوجيا النيوليبرالية؛ أن تقنع المقهور بأن الحل ليس في تغيير العالم، وإنما في تغيير عنوانه البريدي . لكن التاريخ لا يرحم مثل هذه الأوهام طويلا . فلا المجتمعات التي تفرغ من شبابها تستطيع أن تبني تنمية متوازنة، ولا المجتمعات التي تستقبل المهاجرين بمنطق المنفعة تستطيع أن تؤسس لعلاقات إنسانية مستقرة . فالتناقض يبقى قائما، لأن سببه لم يمس : التوزيع اللامتكافئ للثروة، وللسلطة، ولإمكانات الحياة بين المركز والأطراف . لهذا، فإننا لا ننظر إلى المهاجر بوصفه ضحية تستحق الشفقة فقط، ولا بوصفه رقما في الإحصاءات، بل نراه شاهدا حيا على خلل تاريخي في النظام العالمي . كل خطوة يخطوها نحو الحدود هي سؤال أخلاقي يطرحه على البشرية كلها : لماذا يولد إنسان وفي حوزته العالم، بينما يولد آخر وعليه أن يخاطر بحياته حتى يقترب من جزء صغير منه ؟ ذلك السؤال لا تستطيع الأسلاك الشائكة أن تجيب عنه، ولا الدوريات البحرية، ولا حملات التشويه الإعلامي . إنه سؤال العدالة، والعدالة وحدها هي التي تستطيع أن تجعل الإنسان يختار البقاء لأنه يريد الحياة، لا لأنه منع من الرحيل .
لكن ثمة مفارقة يغفل عنها كثير من التحليلات. فالهجرة، وهي تبدو في ظاهرها فعلا فرديا، تكشف في عمقها عن أزمة في إعادة إنتاج المجتمع نفسه . فكل مجتمع لا يعيد إنتاج الثقة لدى أجياله الجديدة، ولا يعيد إنتاج الشعور بأن المستقبل قابل لأن يبنى داخله، يدخل تدريجيا في أزمة تاريخية صامتة . ليست أزمة أرقام أو نسب نمو، وإنما أزمة معنى . فالمجتمع لا يعيش بالخبز وحده، بل يعيش أيضا بالإحساس بأن التضحية داخله ليست عبثا، وأن سنوات الدراسة والعمل والانتظار يمكن أن تتحول إلى حياة كريمة . وحين يتآكل هذا الإحساس، تبدأ الروابط الاجتماعية بالتفكك من الداخل، ويغدو الرحيل لغة يتحدث بها الجميع، حتى أولئك الذين لن يرحلوا أبدا . وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه، بلغة ماركس، اغتراب الإنسان عن مجاله الاجتماعي . فلم يعد المكان فضاء للعلاقات والذكريات والعمل والإنتاج، بل أصبح مجرد نقطة انطلاق نحو مكان آخر . ويوم يفقد المكان قيمته الإنسانية، يتحول الوطن نفسه إلى مساحة عبور، لا إلى أفق وجود . إن الرأسمالية العالمية لا تستولي على الثروة فقط، بل تستولي أيضا على الجغرافيا الرمزية . فهي تمنح بعض الأمكنة قيمة تكاد تكون أسطورية، بينما تدفع أمكنة أخرى إلى هامش المخيال العالمي . وهكذا لا يصبح التفاوت قائما بين الأجور فقط، وإنما بين قيمة الأمكنة ذاتها، وكأن بعض البلدان خلقت لتكون مركزا للحياة، وأخرى لتكون مخزنا دائما للطاقات البشرية . ولذلك، فإن السؤال الذي يطرحه الشباب ليس اقتصاديا في جوهره، حتى عندما يبدو كذلك . إنه سؤال وجودي : أين يمكن لحياتي أن تصبح ذات معنى ؟ وهذا السؤال هو أخطر ما تواجهه المجتمعات المعاصرة، لأنه يعني أن أزمة المستقبل أصبحت أعمق من أزمة الدخل، وأن انهيار الثقة يسبق أحيانا انهيار المؤشرات الاقتصادية . ومن هنا أيضا نفهم لماذا تعجز المقاربة الأمنية عن إنتاج الحلول . فالأسلاك قد تؤخر العبور، لكنها لا توقف الرغبة فيه . والمراقبة قد تغلق معبرا، لكنها لا تغلق المخيلة . والحملات الإعلامية قد تخيف بعض الناس، لكنها لا تستطيع أن تهزم فكرة استقرت في الوعي الجمعي بأن الحياة الأفضل توجد دائما في مكان آخر . إن التاريخ يعلمنا أن الإنسان لا يغامر بحياته لأنه يستخف بها، بل لأنه يشعر بأن حياته، كما هي، لم تعد تمنحه ما يكفي من الأمل . ولذلك فإن كل مقاربة لا تبدأ باستعادة الأمل، ستظل تدور في حلقة مفرغة . ومن منظور ماركسي، فإن الأمل ليس خطابا أخلاقيا، بل هو نتاج شروط مادية واجتماعية وثقافية . فحين يشعر الإنسان بأنه شريك في إنتاج الثروة، وشريك في تقرير مصيره، وشريك في رسم مستقبل مجتمعه، يتحول الوطن من حدود جغرافية إلى علاقة تاريخية حية . أما حين يختزل إلى مجرد رقم في سوق العمل، أو إلى فائض بشري ينتظر فرصة للهجرة، فإن الانتماء نفسه يبدأ بالتآكل . إن الرأسمالية لا تنتج فائضا في السلع فقط، بل تنتج أيضا فائضا من البشر الذين لا تجد لهم مكانا لائقا داخل دورة التنمية، ثم تعيد استدعاء بعضهم عندما تحتاج إليهم، وتعيد لفظهم عندما تتراجع الحاجة إليهم . إنها علاقة لا يحكمها الحق، بل المنفعة؛ لا يحكمها الإنسان، بل منطق الربح. لهذا، فإن الدفاع عن حق الإنسان في وطن يمنحه أفقا للحياة ليس خطابا عاطفيا أو وطنيا مجردا، بل هو موقف طبقي بامتياز . لأن الوطن، في معناه التقدمي، ليس قطعة أرض، وإنما فضاء توزّع فيه الكرامة والفرص والحقوق بصورة عادلة . وإذا غابت هذه العدالة، فإن الحدود تتحول إلى جدران تحاصر الأجساد، لكنها تعجز عن محاصرة التاريخ . ولعل المأساة الكبرى ليست أن آلاف الشباب يحلمون بالعبور، بل أن الإنسانية وصلت إلى مرحلة صار فيها الحلم نفسه يعبر الحدود قبل الإنسان، بينما بقيت العدالة عاجزة عن اللحاق به .
ولعل أكثر ما يستحق التأمل، من منظور المادية التاريخية، أن الهجرة تكشف عن تناقض لم يعد يقتصر على الاقتصاد، بل أصبح يمسّ الزمن نفسه . فالرأسمالية لا توزع الثروة بصورة غير متكافئة فقط، وإنما توزع المستقبل أيضا بصورة طبقية . هناك مجتمعات يقدّم لها الغد باعتباره امتدادا طبيعيا للحاضر، ومجتمعات أخرى يطلب منها أن تعيش في انتظار دائم، وأن تؤجل أحلامها جيلا بعد جيل . إن أخطر أشكال الاستغلال ليس أن ينتزع من العامل جزء من قيمة عمله، بل أن ينتزع منه يقينه بأن الغد يمكن أن يكون أفضل هنا، في المكان الذي ولد فيه، وبين الناس الذين يحبهم . فحين يسرق المستقبل، يصبح الحاضر كله هشّا، وتتحول الحياة إلى قاعة انتظار طويلة، لا يسمع فيها الإنسان إلا النداءات القادمة من الضفة الأخرى . وهنا تبلغ الهيمنة ذروتها . فالهيمنة، كما فهمها الفكر الماركسي، لا تستقر فقط عبر المؤسسات والقوانين، وإنما حين تنجح في جعل الخاضعين لها يتبنون تصورها للعالم باعتباره الحقيقة الوحيدة الممكنة . وحين يصبح الرحيل هو الحلم الجماعي، بينما يصبح تغيير شروط الواقع مجرد فكرة بعيدة أو مستحيلة، تكون الهيمنة قد انتقلت من الاقتصاد إلى الوعي، ومن المصنع إلى المخيلة . وهذا ما يجعل الهجرة المعاصرة سؤالا سياسيا بامتياز . إنها ليست أزمة شباب يريد السفر، بل أزمة عالم أقنع ملايين البشر بأن خلاصهم لا يمكن أن يكون جماعيا، وإنما فرديا؛ لا عبر إعادة بناء المجتمع، بل عبر مغادرته . وهكذا يعاد إنتاج إحدى أكثر الأفكار انسجاما مع النيوليبرالية : كل إنسان مسؤول وحده عن نجاته، وكل فشل هو مسؤولية شخصية، وكل نجاح هو إنجاز فردي، بينما تختفي البنى التي صنعت أصلا شروط النجاح والفشل . إنها فردانية قاسية، تلقي بثقل التاريخ كله على كتفي شاب لم يختر المكان الذي ولد فيه، ولا النظام الاقتصادي الذي نشأ داخله، ولا التفاوتات التي أحاطت بحياته منذ خطواته الأولى . ومن هنا، فإن الدفاع عن الإنسان المهاجر لا يعني تمجيد الهجرة، كما أن نقد الهجرة غير النظامية لا يجوز أن يتحول إلى إدانة للمهاجر نفسه . فاليسار لا يحاكم الضحية لأنها حاولت الإفلات من شروط القهر، بل يحاكم النظام الذي جعل الإفلات يبدو الخيار الوحيد . إن الشاب الذي يقف أمام الحدود لا يقف ضد وطنه، بل يقف في مواجهة سؤال لم يجد أحد شجاعة الإجابة عنه : كيف يمكن لإنسان أن يحب مكانا لا يرى فيه مستقبلا ؟ وكيف يمكن مطالبة الناس بالصبر، إذا كان الزمن نفسه يعمل ضدهم ؟ إن هذه الأسئلة لا تجاب بخطابات التخويف ولا بالوعظ الأخلاقي . لأنها أسئلة خرجت من قلب التجربة الإنسانية، من البيوت التي تنتظر اتصالا هاتفيا، ومن الأمهات اللواتي يخفين خوفهن حتى لا يزداد خوف أبنائهن، ومن الآباء الذين يدركون أن أبناءهم لا يغادرون لأنهم كرهوا البيت، بل لأنهم يخشون أن يتحول البيت إلى نهاية الطريق . ولذلك فإن المأساة الحقيقية لا تبدأ عند الحدود، بل تبدأ يوم يصبح الوطن عاجزا عن إقناع أبنائه بأن المستقبل يمكن أن يصنع بأيديهم . عندها لا يعود البحر هو المسافة الأخطر، بل تصبح المسافة الأخطر هي تلك التي تفصل الإنسان عن ثقته بمجتمعه . وعندما يصل مجتمع إلى هذه اللحظة، فإن القضية لم تعد قضية هجرة، بل قضية عقد اجتماعي يتصدع، وعلاقة بين الإنسان والتاريخ تحتاج إلى إعادة تأسيس . لأن الشعوب لا تقاس فقط بعدد من يغادرونها، بل أيضا بعدد الذين يقررون البقاء وهم مقتنعون بأن البقاء ليس استسلاما، وإنما مشاركة واعية في صناعة مستقبل يستحق أن يعاش.
غير أن الماركسية لا تكتفي بتفسير الظاهرة، بل تحاول أن تكشف ما تخفيه الظاهرة عن نفسها . فالهجرة، كما تبدو للعين المجردة، حركة من الجنوب إلى الشمال، لكنها في حقيقتها حركة تعيد إنتاج النظام العالمي نفسه . إنها لا تعبر عن اختلال قائم فحسب، بل تصبح، من حيث لا تدري، أحد الآليات التي تسمح لهذا الاختلال بالاستمرار . فالرأسمالية لا تنتظر حتى تتشكل قوة العمل داخل مراكزها، بل تستفيد من قوة عمل تكفلت مجتمعات أخرى بإنجابها وتربيتها وتعليمها وإعدادها . وما إن تبلغ هذه القوة العمر الذي تصبح فيه قادرة على الإنتاج، حتى تبدأ في الانجذاب نحو المراكز التي تحتاج إليها . وبهذا المعنى، فإن الأطراف لا تصدر اليد العاملة فقط، بل تصدر سنوات طويلة من العمل الاجتماعي المتراكم، ومن الجهد الإنساني الذي لم تستثمر ثماره داخلها . إنها مفارقة موجعة؛ فالمجتمع الذي يتحمل كلفة صناعة الإنسان، قد لا يكون هو المجتمع الذي يجني ثمرة هذه الصناعة . وهنا لا يصبح النزيف ديموغرافيا فقط، بل يصبح نزيفا تاريخيا. لأن كل مجتمع يفقد جزءا من شبابه، لا يفقد أعدادا بشرية فحسب، وإنما يفقد احتمالات المستقبل الكامنة فيهم؛ يفقد الأفكار التي كان يمكن أن يبتكروها، والعلاقات التي كان يمكن أن يبنوها، والعمل الذي كان يمكن أن يغير حياة الناس حولهم . إن الهجرة، في أحد أوجهها، ليست انتقال أفراد، بل انتقال إمكانات . وفي المقابل، لا يستقبل المركز هؤلاء باعتبارهم شركاء متساوين في الإنسانية، وإنما باعتبارهم جزءا من معادلة اقتصادية دقيقة. تفتح الأبواب حين تتطلب دورة الإنتاج ذلك، وتغلق حين يتباطأ الاقتصاد أو تتصاعد الضغوط السياسية . إن الإنسان، داخل هذا المنطق، لا يقاس بما هو عليه، بل بما يستطيع أن يضيفه إلى دورة التراكم الرأسمالي . إنها علاقة يحكمها الاحتياج، لا الاعتراف . ولهذا فإن التناقض ليس بين شمال غني وجنوب فقير فحسب، بل بين عالم يعلن أن الإنسان قيمة مطلقة، ثم يعامله في الواقع بوصفه قيمة استعمالية . وما دام معيار القبول هو المنفعة، فإن الكرامة ستظل قابلة للتفاوض، والحقوق ستظل مرتبطة بحاجة السوق إليها . ومن هنا، فإن صور العبور الجماعي ليست مجرد مشاهد مؤثرة، بل هي لحظات تنكشف فيها حقيقة النظام العالمي بلا أقنعة . آلاف الوجوه المتجهة نحو الحدود تقول، بصمت، إن الخرائط السياسية ليست هي التي تقسم العالم، بل الخرائط الاقتصادية والاجتماعية . وإن المسافة الفاصلة بين ضفتين لا تقاس بالأميال البحرية، بل بحجم التفاوت في توزيع الإمكانات والأمل . لكن ما يبعث على القلق أكثر هو أن الرأسمالية نجحت في تحويل هذه المأساة إلى أمر اعتيادي . صار خبر محاولة عبور جماعية يمر في نشرات الأخبار كما تمر أسعار البورصات، وكأن الاعتياد على الألم جزء من شروط استمرار النظام . يفقد الإنسان تدريجيا قدرته على الدهشة، ويصبح المأساوي مألوفا، والمألوف عابرا . وهنا تحديدا يبدأ واجب الفكر النقدي . ليس في البحث عن مذنب فردي، ولا في تعليق المسؤولية على كتفي شاب أو أسرة أو دولة بعينها، وإنما في فضح البنية التي تجعل ملايين البشر يعيشون التناقض نفسه، وإن اختلفت لغاتهم وأوطانهم . فاليسار لا يرى في الهجرة خطيئة، ولا بطولة، بل يراها عرضا من أعراض مرض أعمق؛ مرض عالم اختلت فيه العلاقة بين العمل والكرامة، وبين الإنسان والمكان، وبين الحق في الحياة ومنطق الربح . وحين يصل التاريخ إلى لحظة يصبح فيها الأمل نفسه مهاجرا، قبل أن يهاجر الإنسان، فإن القضية لا تعود قضية حدود ولا تأشيرات ولا قوارب . إنها تصبح قضية حضارة كاملة، نجحت في تسريع حركة كل شيء ... إلا العدالة .
ليس السؤال، في نهاية الأمر، كيف نمنع الأقدام من السير، ولا كيف نجعل البحر أكثر صعوبة، ولا كيف نضاعف الأسلاك أو الكاميرات أو الدوريات . فكل ذلك لا يلامس إلا سطح الظاهرة، بينما تبقى أعماقها تنبض بالتناقض ذاته . إن المجتمعات لا تستقر لأن حدودها محروسة، وإنما لأنها تنجح في إقامة مصالحة تاريخية بين الإنسان وزمنه؛ بين ما يقدمه من جهد، وما يعود إليه من كرامة؛ بين ما يحلم به، وما يستطيع أن يحققه دون أن يقتلع نفسه من تربته الأولى . إن المأساة الحقيقية ليست أن العالم عرف الهجرة، فالإنسان هاجر منذ بدأ التاريخ، وصنع الحضارات من الترحال والتبادل والاختلاط . المأساة هي أن يتحول الرحيل من فعل حرية إلى فعل ضرورة، ومن اختيار إنساني إلى حكم اقتصادي، ومن مغامرة لاكتشاف العالم إلى محاولة للهروب من شروط عالم لم يعد يعترف إلا بمن يستطيع أن يتحول إلى رقم في معادلة الربح والخسارة . وهنا يبرز المعنى العميق للصراع الطبقي في القرن الحادي والعشرين . فلم يعد يختزل في المصنع أو في الأجر أو في ساعات العمل، بل امتد إلى الحق في الزمن، والحق في المكان، والحق في المستقبل . أصبح الصراع يدور حول سؤال بالغ البساطة وبالغ الخطورة في آن واحد : من يملك الحق في أن يحلم ؟ ومن يملك القدرة على تحويل حلمه إلى حياة ؟ ومن يترك، منذ ولادته، يفاوض اليأس باعتباره مسألة طبيعية ؟ إن الرأسمالية، في أكثر مراحلها تطورا، لم تنتصر لأنها أقنعت العالم بأنها عادلة، بل لأنها أقنعته بأن العدالة لم تعد ممكنة، وأن أقصى ما يستطيع الإنسان فعله هو تحسين موقعه داخل اللامساواة، لا القضاء عليها . إنها لم تقتل الحلم، بل جزأته، وخصخصته، وحولته إلى مشروع فردي معزول، حتى أصبح نجاح الواحد مشروطا بفشل آخر، وأصبح النجاة فعلا شخصيا لا قضية جماعية . لكن التاريخ، على امتداده، لم يتحرك يوما بإرادة الأسواق وحدها . الذين غيروا العالم لم يكونوا أولئك الذين بحثوا عن أفضل مكان داخله، بل الذين امتلكوا الشجاعة ليجعلوا أمكنتهم أكثر عدلا . فالأوطان لا تولد صالحة للحياة، بل تصبح كذلك حين يقرر أبناؤها أن الكرامة ليست منحة، وأن المستقبل ليس سلعة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يختار بين أن يبقى بلا أمل أو أن يرحل بلا يقين . ولذلك فإن القضية ليست قضية مهاجرين بقدر ما هي قضية عالم يحتاج إلى إعادة تعريف الإنسان خارج لغة المنفعة . عالم لا يقاس فيه البشر بما ينتجون فقط، بل بما يحملونه من قدرة على الحب، والإبداع، والتضامن، وصناعة المعنى. لأن المجتمع الذي يختزل أبناءه في قوة عمل، أو في أرقام ديموغرافية، أو في نسب بطالة، يكون قد بدأ بالفعل في خسارة إنسانيته، حتى وإن حقق أعلى معدلات النمو . إننا، حين ندافع عن حق الإنسان في مستقبل لا يفرض عليه الرحيل، لا ندافع عن فكرة رومانسية، بل عن أبسط شروط الحضارة . فالحضارة ليست عدد الجسور والموانئ والأبراج، وإنما عدد القلوب التي تنام مطمئنة إلى أن الغد لن يكون عدوا لها . وليست قوة الدولة في قدرتها على ضبط الحدود، بل في قدرتها على أن تجعل أبناءها يشعرون بأنهم ليسوا غرباء في أحلامهم . وسيأتي يوم، عاجلا أو آجلا، يدرك فيه العالم أن الأزمات الكبرى لا تحل بإدارة نتائجها، بل بإزالة أسبابها . وأن البحر لن يتوقف عن استقبال العابرين ما دام اليابس يطردهم بصمت . وأن الحدود ستظل أكثر الأماكن ضجيجا، ما دامت العدالة أكثر القيم غيابا . وحينها فقط سيتغير السؤال كله . لن نسأل : كم إنسانا عبر ؟ بل سنسأل : أيّ نظام هذا الذي جعل عبور الإنسان أهمّ من بقائه، وجعل النجاة فعلا فرديا، بينما كان ينبغي أن تكون الحياة الكريمة حقا جماعيا ؟ وعند تلك اللحظة، لن تكون الهجرة هي القضية، بل سيكون الإنسان هو القضية . ولن يكون الصراع من أجل حق العبور، بل من أجل حق أعمق وأبقى : أن يولد الإنسان في أي بقعة من هذا العالم، فلا يشعر، ولو مرة واحدة، أن كرامته تقيم في مكان آخر .
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل
...
-
من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق
...
-
ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
-
حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
-
مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح
...
-
ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
-
الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
-
حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن
...
-
حين تتصافح المصالح
-
رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر
...
-
اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة
...
-
التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة
...
-
من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية
...
-
تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت
...
-
حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و
...
-
بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
-
بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
-
حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال
...
-
السلطة وإعادة الإنتاج.
-
هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
المزيد.....
-
تحطم مقاتلة أمريكية من طراز -F-35B- واشتعال النيران فيها بقا
...
-
شاهد.. اللحظات الأولى بعد تحطم طائرة -إف-35 بي- واشتعال الني
...
-
أول بيان سوري رسمي بعد استهداف سفينتين للغاز في دمياط بمصر
-
وزير يمني يدعو لتحرك عاجل لـ-حماية ملايين الأطفال في مناطق س
...
-
مقتل 57 مهاجرا خلال تسللهم إلى سبتة
-
إعلان بلدة أمريكية مهجورة بعد استقالة جميع مسؤوليها وتلوث مي
...
-
سانشيز: ما جرى في سبتة اعتداء على وحدة أراضي إسبانيا
-
هل يمكن طرد دولة ما من عضوية منطقة شنغن الأوروبية؟
-
ترامب: إسرائيل -سعيدة جدا- باتفاق نزع سلاح حماس
-
رئيس الوزراء الفرنسي السابق يطالب باجتماع طارئ لوزراء الاتحا
...
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|