أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حارث رسمي الهيتي - الحياة بلا دم فاسد














المزيد.....

الحياة بلا دم فاسد


حارث رسمي الهيتي

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 00:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بين المقهى الذي كنا نرتاده يومياً في هيت، وسريع محمد القاسم في بغداد ما يقارب من الـــــ 195-200 كم، بين طاولتنا تلك التي اتذكرها جيداً الآن، المطلة على نهر الفرات، وبين موقع اغتيال كامل شياع كل تلك المسافة. ومع هذا كان اتصال أبي مرتبكاً ومُربكاً: حارث أرجع للبيت بسرعة!!
عندما وصلت، كان أبي يبكي كامل شياع، اغتالوه، أسقطوا رصاصاتهم الكاتمة في صدره، تركوه على طريقٍ سريع في العاصمة التي يسعى الموت الى الناس فيها مع كل خطوة يخطوها، هكذا وصف الحالة شياع في مقاله الرائع والعميق بالهم الوطني والانساني "عودة من المنفى".
لم اعرف عن كامل شياع الكثير، الا صفته الوظيفية، ولقاءات معدودة في برامج حوارية كان ابرزها "بالعراقي" ظهر متحدثاً عن همٍ أُثقل صدره وأتى به من بروكسل الى بغداد.
في "عودة من المنفى"، المقالة التي كتبها ونشرها شياع، كان يجيب على أسئلة محب أو محبين، عاتبوه على عودته الى بلاد الفوضى هذه، ثمة ارتباط بين عاطفة الانسان ونضاله الوطني اليومي. كيف لا وهو المستشهد كثيراً ببيت لوركا الشهير (ان الموت نزفاً خير من الحياة بدم فاسد). بهذه الطريقة يشتبك شياع مع الاسئلة التي تبدو انها تلامس المنطق، ويصرُ على أن يلامس الانسان بكلهِ منطقاً وعاطفة.
يقول: "للعودة من المنفى، في حالتي، سبب عاطفي أكيد. إذْ وجدت نفسي في علاقة لا أقوى على استبدالها أو تعويضها. إنها العلاقة مع الوطن كمجموعة من البشر، والتقاليد، الأمكنة.... كفضاء من ضوء وهواء، من فوضى وخراب وألم. بعد أن جربت هذه العلاقة صرت متيقناً من جدواها ومعناها بوصفها حقلاً للممارسة اليومية والفكرية، لكنني لم أزل أشك بأن حب الوطن من صنف الفضائل!. فقد يهيم المرء حباً بوطنه، المصنوع من صور وخيالات، وهو بعيد عنه، وقد لا يقيم لنفسه علاقة اخلاقية معه وهو يعيش في داخله، وقد يخدم بعضنا الوطن من موقف متجرد إلا من الوازع الإنساني، وقد يدمره آخر يتشدق باسمه ليل نهار. ما هو ثابت في الوطن كأرض وتاريخ لا يلزم الجميع بالتماهي التام معه أو التساوق مع حركته وتحولاته. وهكذا فأن ضعف الحماس للوطن أحياناً لا يدخل في باب الرذيلة أو الخيانة".
هذه العقلية التي دفعت شياع الى بغداد، يريد كما يصف الحالة "أن ينطق بلغة المقيم في الوادي لا المُتَطلع من أعلى التل"، أتى وهو يؤمن بأن العراق "حالة مثالية لفهم ما يجري في العالم بأسره"، أتى لأنه "مهموم بالعراق متورط فيه".
شياع الذي اراد "الخروج من هم المنفى الى واقعية الوطن، من شلل المنفى الى ماراثون الوطن مهما كان شاقاً وعنيفاً" كما يصفه الروائي فلاح رحيم. لم يبخل قاتليه حين جعلوا من توقعاته واقعاً مأساوياً عاشه من عرفوا شياع عن قرب، حققوا نبوءته التي كتبها:
"يسألني البعض أحياناً، ألا تخاف من الموت؟ فأجيب، أنا الوافد أخيراً إلى دوامة العنف المستشري، أعلم أنني قد أكون هدفاً لقتلة لا أعرفهم ولا أظنهم يبغون ثأراً شخصياً مني، وأعلم أنني أخشى بغريزتي الإنسانية لحظة الموت حين تأتي بالطريقة الشنيعة التي تأتي بها، وأعلم أنني قبل ذلك كله كثير القلق على مصير أخي ومرافقيّ الذين بملازمتهم لي في سكوني وحركتي يجازفون بحياتهم وحياة عوائلهم. رغم ذلك كله، وبمقدار ما يتعلق الأمر بمصيري الشخصي، أجد نفسي مطمئناً عادة لأنني حين وطأت هذا البلد الحزين سلمت نفسي لحكم القدر بقناعة ورضى. وما فعلت ذلك كما يفعل أي انتحاري يسعى إلى حتفه في هذا العالم وثوابه الموعود في العالم الآخر، فالقضية بالنسبة لي تعني الحياة وليس الموت. وهذه الحياة ينبغي ألا تكون بالضرورة آمنة شرط أن تشبع الرغبة في الوجود والفعل والانغمار".
بعد كل هذا عرفت كامل شياع بما كان قد كتبه هو، قرأت "اليوتوبيا معياراً نقدياً" و " قراءات في الفكر العربي والاسلامي" و "الفلسفة ومفترق ما بعد الحداثة" ومجموعة مقالات نشرها قبل سقوط النظام الديكتاتوري وبعده نشرت في كتاب "تأملات في الشأن العراقي".
قبل ايام، كنت وصديق قريب في السليمانية، قطعنا مشياً مسافة ليست بالقليلة، تحدثنا عن العراق، همّنا الذي لا يبارحنا، حتى في أجمل الجلسات واهدئها. قدح في ذهني سؤال طرحته في غير أوانه، لماذا قتلوا كامل شياع المُثقل بالهم الوطني، المشتبك مع قضايا بلده من وسط المجهول، من المتنبي وشارع الرشيد وأبو نؤاس وساحة الاندلس، ولماذا اعادني أبي مساء ذلك اليوم مسرعاً الى البيت، مفزوعاً بخبر اغتيال كامل شياع الذي لم أعرفه جيداً وقتئذ؟!!



#حارث_رسمي_الهيتي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على ناصية الحرب.. مرةً أخرى
- لا أحد يخنق الهولوغرام..
- البيئة الآمنة للمعرفة
- تبليطٌ باليد..
- الصراع من أجل العدالة
- خطرٌ اسمه الانغلاق السياسي
- وماذا بعد مقاطعة الانتخابات؟
- أوشفيتس الذي لم يغلق بعد!!
- تشرين.. قلب واحد وعقول متعددة
- لماذا نختصر دائماً؟
- أن تقول رأيك
- مكامن التمرد ومنابع الثورة
- الآخر.. لايحملُ سكيناً
- شباط.. الدرس المبكّر
- آخر إنذار قبل الأحمر!!
- متى نتخلص من أبو خزامة؟!!
- في الذكرى الأولى لانتفاضة 2019 (محاولة للفهم)
- الغياب والحضور (قراءة في ماهية الدولة)
- من الذي انتصر في تشرين؟!
- انا مواطن...انا ضحية


المزيد.....




- استطلاعات رأي: حزب جديد موال للحكومة في كازاخستان يفوز بالأغ ...
- زيلينسكي يعترف بأنه حاول خداع ترامب ولكن الأخير كشفه
- مقتل طفلين وإصابة 7 آخرين في هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية على ...
- عقوبات أمريكية مرتقبة على إيران ولقاء سوري إسرائيلي في الأرد ...
- -أكره الديمقراطيين لكنني أحب عبدول-.. غزة تعيد الناخبين إلى ...
- سوريا وإسرائيل.. لقاء مباشر لخفض التوتر
- بعد رواج لافت.. إيقاف مؤقت لمجموعة -شكاوى أهالي قاع الهامور- ...
- إسرائيل تفضل سيناريو رفح في مرتفعات علي الطاهر اللبنانية.. م ...
- من أين لك كل هذا؟.. إعلامي مصري يطالب بكشف مصادر الثراء الفا ...
- سلوتسكي: سياسة زيلينسكي وبوروشينكو سبب الانقسام في أوكرانيا ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حارث رسمي الهيتي - الحياة بلا دم فاسد