قاسم محمد داود
كاتب
(Qasim Mohamed Dawod)
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 15:10
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة: من أزمة السلاح إلى أزمة الدولة
يُعدّ انتشار السلاح خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة العراقية واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وخطورة منذ عام 2003. فالمشكلة لا تتعلق بمجرد وجود أسلحة غير مرخصة في أيدي أفراد أو جماعات، وإنما تتصل بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: من يمتلك قرار استخدام القوة؟ ومن يملك حق تحديد متى وأين وكيف تستخدم؟
في الدولة الحديثة، لا تكتمل السيادة بمجرد وجود مؤسسات دستورية وحكومة وجيش وشرطة، بل تفترض أيضاً احتكار الدولة المشروع لاستخدام القوة المسلحة، بحيث لا توجد إلى جانب مؤسساتها قوة أخرى قادرة على فرض إرادتها أو تعطيل قراراتها أو التأثير في سياستها الداخلية والخارجية بقوة السلاح.
وقد أقر الدستور العراقي مبدأ خضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية، كما حظر تشكيل ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة. لكن المشكلة العراقية تكمن في الفجوة التي نشأت بين النص الدستوري والواقع السياسي والأمني؛ إذ لم تستطع الدولة، طوال أكثر من عقدين، أن تحول هذا المبدأ إلى احتكار فعلي ومستقر للقوة.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس فقط: كيف انتشر السلاح خارج الدولة؟ وإنما: لماذا عجزت الدولة العراقية، رغم امتلاكها مؤسسات أمنية وقانونية وموارد مالية ضخمة، عن استعادة احتكار القوة؟
للإجابة عن ذلك، لا بد من العودة إلى جذور الظاهرة، ومتابعة التحولات التي مر بها السلاح منذ انهيار النظام السابق، ثم البحث في الأسباب السياسية والاقتصادية والإقليمية التي جعلت ظاهرة كان يفترض أن تكون مؤقتة تتحول إلى جزء من بنية النظام السياسي نفسه.
أولاً: ما قبل 2003 وصدمة الانهيار
لم يبدأ وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة في العراق مع عام 2003. فقد احتفظت العشائر العراقية، ولا سيما في مناطق واسعة من الوسط والجنوب والغرب، بأسلحة خفيفة باعتبارها جزءاً من تقاليد اجتماعية وأمنية متوارثة. كما شهدت العقود السابقة انتشاراً واسعاً للسلاح نتيجة الحروب المتتالية التي خاضها العراق، وسياسات النظام السابق في تسليح بعض العشائر والجهات الموالية له.
لكن هذه الظاهرة كانت مختلفة في طبيعتها عن الوضع الذي نشأ بعد عام 2003. فقد كان السلاح، رغم انتشاره، يعمل في ظل دولة شديدة المركزية تمتلك أجهزة أمنية وعسكرية قادرة على فرض إرادتها بالقوة.
جاء الغزو الأميركي في آذار/مارس 2003 ليقلب هذه المعادلة بالكامل. ومع سقوط النظام وانهيار مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، لم تعد هناك سلطة قادرة على ضبط السلاح المنتشر في البلاد.
كان حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، بموجب قرارات سلطة الائتلاف المؤقتة، من أهم العوامل التي ساهمت في تفكك المنظومة الأمنية. وترافق ذلك مع نهب مخازن الأسلحة والمؤسسات العسكرية، وانتشار كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر في بيئة أمنية مضطربة.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: فالسلاح لم يكن هو الذي أسقط الدولة، وإنما أدى انهيار الدولة الأمنية إلى جعل السلاح واحداً من أدوات ملء الفراغ الذي تركته. ومنذ تلك اللحظة بدأت عملية تعدد مراكز القوة المسلحة.
ثانياً: من الفراغ الأمني إلى تعدد مراكز القوة
خلال السنوات الأولى التي أعقبت 2003، ظهرت جماعات مسلحة مختلفة المشارب والأهداف. بعضها كان مرتبطاً بأحزاب وقوى سياسية عراقية، وبعضها الآخر تشكل لمقاومة الاحتلال، فيما ظهرت جماعات جهادية أخذت تتوسع تدريجياً، وصولاً إلى تنظيم القاعدة في العراق ثم تنظيم "الدولة الإسلامية".
وفي المقابل، ظهرت تشكيلات مسلحة شيعية، من بينها جيش المهدي ومنظمة بدر وفصائل أخرى، إضافة إلى مجموعات مسلحة ارتبطت بدرجات مختلفة بقوى إقليمية.
ومع اتساع أعمال العنف الطائفي، ولا سيما خلال 2006–2008، أصبح السلاح بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع وسيلة للدفاع عن النفس وحماية المناطق والأحياء في ظل ضعف الدولة.
وهكذا انتقل العراق من نموذج كانت فيه الدولة هي المركز شبه الوحيد للقوة إلى واقع تتعدد فيه مراكز القوة المسلحة.
وكان لهذا التحول أثر بالغ على مفهوم المواطنة نفسه. فعندما يشعر المواطن بأن أمنه لا توفره مؤسسات الدولة، وإنما الجماعة التي ينتمي إليها أو المنطقة التي يعيش فيها أو الفصيل الذي يحتمي به، تصبح العلاقة بين المواطن والدولة أكثر هشاشة، ويصبح الانتماء الفرعي أكثر قدرة على منافسة الانتماء الوطني.
ثالثاً: 2014 والحشد الشعبي: من التعبئة الطارئة إلى معادلة جديدة
مثّل سقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014 نقطة تحول جديدة في تاريخ السلاح في العراق. فقد أدى الانهيار السريع لعدد من الوحدات العسكرية إلى كشف عمق أزمة المؤسسة الأمنية، وأوجد تهديداً مباشراً لسلامة الدولة ووحدة أراضيها.
في هذا السياق صدرت فتوى المرجع الأعلى علي السيستاني بـ"الجهاد الكفائي"، التي شكلت عاملاً مهماً في تعبئة آلاف المتطوعين لمواجهة تنظيم داعش. وتأسست هيئة الحشد الشعبي لاحقاً، وأصبحت جزءاً من المنظومة الأمنية الرسمية بعد إقرار قانون هيئة الحشد الشعبي عام 2016.
ومن الضروري هنا تجنب الخلط بين الحشد الشعبي كمؤسسة رسمية أقرها القانون وبين جميع الفصائل والتيارات المسلحة التي تشكلت أو عملت ضمن بيئة الحشد. فالحشد، من الناحية القانونية، أصبح جزءاً من أجهزة الدولة، لكن وجوده لم يُنهِ تلقائياً مشكلة تعدد الولاءات والقرارات داخل البيئة المسلحة.
فقد احتفظت بعض الفصائل بهياكل تنظيمية وقيادات وشبكات سياسية وعلاقات إقليمية، كما استمرت لدى بعضها قدرة على اتخاذ مواقف أو تنفيذ عمليات لا تنسجم دائماً مع القرار الحكومي.
وهنا ظهرت المعضلة الجديدة: لم تعد المشكلة فقط في وجود قوة مسلحة خارج الدولة، وإنما في وجود قوى مسلحة أصبحت جزءاً من الدولة قانونياً، مع احتفاظ بعضها بدرجات متفاوتة من الاستقلال السياسي والتنظيمي والعملياتي.
وهذا التعقيد هو الذي جعل ملف حصر السلاح أكثر صعوبة من مجرد عملية جمع أسلحة أو حل جماعات مسلحة.
رابعاً: بعد هزيمة داعش... لماذا لم ينتهِ السلاح؟
مع الإعلان الرسمي عن انتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في نهاية عام 2017، كان يفترض أن تتغير المعادلة الأمنية تدريجياً. فالتهديد الذي استدعى تعبئة استثنائية لم يعد موجوداً بالشكل الذي كان عليه في 2014.
لكن انتهاء الحرب لم يؤدِ إلى انتهاء ظاهرة السلاح، لأن السلاح كان قد تحول خلال السنوات السابقة من وسيلة عسكرية مرتبطة بظرف استثنائي إلى أصل من أصول القوة السياسية. وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات التجربة العراقية. فالقوة المسلحة التي تتشكل لمواجهة خطر استثنائي يمكن أن تحل نفسها عندما ينتهي الخطر، أو تندمج بصورة كاملة في المؤسسات الرسمية. أما عندما تتحول القوة المسلحة إلى مصدر نفوذ سياسي، يصبح التخلي عنها أكثر تعقيداً، لأن المسألة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمصالح سياسية واقتصادية واجتماعية.
لقد دخلت قوى مسلحة العملية السياسية، وأصبح لبعضها تمثيل برلماني ووزاري وشبكات واسعة من العلاقات داخل مؤسسات الدولة. ومع مرور الوقت، لم يعد السلاح منفصلاً عن السياسة، بل أصبح أحد عناصر القوة التي تمنح بعض القوى قدرة أكبر على التفاوض والمساومة والتأثير.
وهنا يمكن فهم ظاهرة "التمكين السياسي" التي نشأت حول السلاح: فالسلاح يوفر قوة تفاوضية، والسياسة توفر حماية ومشروعية وموارد، والدولة نفسها تصبح جزءاً من المعادلة بدلاً من أن تكون الحكم النهائي فيها.
خامساً: لماذا فشلت الدولة في استعادة احتكار القوة؟
هذه هي المسألة المركزية في الأزمة العراقية. فالمشكلة لا يمكن تفسيرها بضعف الجيش أو الشرطة وحدهما. فالعراق يمتلك اليوم مؤسسات أمنية وعسكرية كبيرة، وميزانية ضخمة، وأجهزة متعددة، وخبرة قتالية اكتسبتها خلال الحرب على داعش. ومع ذلك بقي ملف السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة. والسبب الأول هو غياب الإرادة السياسية الموحدة. فالدولة التي تريد نزع سلاح قوة ما تحتاج إلى قرار سياسي واضح ومستقر. لكن القوى السياسية العراقية ليست دائماً منفصلة عن القوى المسلحة، بل إن بعض الأحزاب يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بفصائل مسلحة. ولذلك يصبح القرار الحكومي في هذا الملف قراراً يمس توازنات داخل النظام السياسي نفسه.
والسبب الثاني هو الخوف من الصدام الداخلي. فالحكومة التي تواجه جماعة مسلحة لا تواجه بالضرورة تنظيماً معزولاً عن المجتمع، وإنما قد تواجه شبكة سياسية واجتماعية تمتلك جمهوراً ومؤسسات وشبكات نفوذ. ولذلك تميل الحكومات المتعاقبة إلى إدارة المشكلة بدلاً من حلها جذرياً، خشية أن يؤدي الصدام إلى حرب داخلية أو انهيار التوازن السياسي الهش.
أما السبب الثالث فهو التداخل الإقليمي. فالعراق يقع في منطقة تتصارع فيها قوى إقليمية ودولية، وقد أصبحت بعض الفصائل العراقية جزءاً من معادلات أوسع تتجاوز الحدود العراقية. وعندما يرتبط قرار السلاح بحسابات إقليمية، تصبح قدرة الحكومة العراقية على فرض قرار أمني وطني أكثر تعقيداً.
والسبب الرابع هو الفساد وضعف المؤسسات. فالدولة التي تعاني من ضعف في القضاء والإدارة والرقابة المالية لا تستطيع بسهولة أن تجفف شبكات اقتصادية غير رسمية نشأت حول الجماعات المسلحة. ولذلك أصبح ملف السلاح مرتبطاً، في بعض الحالات، بمصالح اقتصادية تتعلق بالمنافذ الحدودية والعقود والتجارة والموارد المحلية. وهنا يتحول السلاح من وسيلة للقتال إلى أداة لحماية شبكة من المصالح.
سادساً: السلاح والسياسة والاقتصاد... الحلقة التي يصعب كسرها
من أخطر التحولات التي شهدها العراق أن السلاح لم يعد منفصلاً عن الاقتصاد. فالجماعات المسلحة التي تمتلك قوة ميدانية تستطيع في بعض البيئات أن تؤثر في النشاط الاقتصادي، كما أن وجود شبكات مالية مستقلة أو شبه مستقلة يمنح بعض القوى قدرة أكبر على الاستمرار بعيداً عن موارد الدولة الرسمية. لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الأموال وحدها، وإنما في نشوء دائرة متكاملة: السلاح يولد نفوذاً، والنفوذ يولد حضوراً سياسياً، والحضور السياسي يوفر حماية ومصادر موارد، والموارد تعزز القدرة المسلحة. وعندما تتشكل هذه الحلقة يصبح تفكيكها أكثر صعوبة. ولهذا فإن معالجة ملف السلاح لا يمكن أن تكون أمنية فقط. فلا يكفي جمع الأسلحة إذا بقيت البيئة السياسية والاقتصادية التي تجعل امتلاك السلاح مصدراً للقوة والنفوذ.
سابعاً: السلاح العشائري... الوجه الآخر للأزمة
لا تقتصر مشكلة السلاح خارج سيطرة الدولة على الفصائل السياسية المسلحة. فالعراق يعاني أيضاً من انتشار واسع للسلاح الفردي والعشائري، ومن استخدامه في النزاعات المحلية والخصومات الاجتماعية. وفي بعض المناطق تحول السلاح العشائري من وسيلة تقليدية للحماية إلى عنصر يفاقم النزاعات ويجعل الخلافات الاجتماعية قابلة للتحول إلى مواجهات مسلحة. وهنا تواجه الدولة معضلة إضافية: فهي لا تستطيع بناء احتكار فعلي للقوة إذا كانت الأسلحة منتشرة على نطاق واسع بين المجتمع، وإذا كان اللجوء إلى القوة المسلحة يُنظر إليه في بعض البيئات باعتباره وسيلة مشروعة لحماية الجماعة أو فرض الحقوق. لذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة يحتاج إلى مشروع يتجاوز الجانب الأمني إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فكلما شعر المواطن أن الشرطة والقضاء قادران على حمايته، تراجع الدافع إلى الاحتفاظ بالسلاح باعتباره ضمانة شخصية أو عشائرية.
ثامناً: ما المخاطر التي يفرضها استمرار السلاح خارج الاحتكار الفعلي للدولة؟
1. ازدواجية القرار السياسي والأمني
أخطر ما يترتب على تعدد مراكز القوة هو احتمال وجود قرارين: قرار رسمي يصدر عن الحكومة، وقرار آخر تفرضه موازين القوة المسلحة. وهذه الازدواجية تضعف الدولة من الداخل، لأنها تجعل تنفيذ القرار السياسي مرهوناً بقبول قوى لا تخضع بالكامل لتسلسل القرار الحكومي.
2. تهديد السياسة الخارجية العراقية
عندما تستطيع جماعة مسلحة تنفيذ هجمات أو عمليات خارج القرار الحكومي، يصبح العراق عرضة لأن يدفع ثمن قرارات لم يتخذها رسمياً. وهذا يضع الحكومة أمام معادلة شديدة الصعوبة: فهي مسؤولة دولياً عن الأراضي العراقية، لكنها قد لا تمتلك دائماً القدرة الكاملة على منع استخدام هذه الأراضي في أعمال عسكرية مرتبطة بصراعات إقليمية. وبذلك تتحول السيادة إلى مفهوم منقوص.
3. إضعاف المؤسسات العسكرية والأمنية
لا تستطيع الدولة بناء جيش وشرطة يتمتعان بالهيبة إذا كان المواطن أو الفاعل السياسي يعلم أن هناك قوى أخرى تستطيع تجاوز المؤسسات الرسمية. فالجيش لا يحتاج إلى السلاح وحده لكي يكون قوياً؛ بل يحتاج إلى احتكار القرار العسكري.
4. تهديد سيادة القانون
وجود قوة مسلحة قادرة على الإفلات من المحاسبة يخلق تفاوتاً خطيراً بين المواطنين أمام القانون. فالدولة المدنية تقوم على قاعدة أن القانون يحمي الجميع ويحاسب الجميع. أما عندما يصبح السلاح وسيلة للحماية من القانون، فإن مبدأ المساواة أمامه يتعرض للتآكل.
5. الاقتصاد السياسي للسلاح
إن استمرار الجماعات المسلحة في امتلاك النفوذ والموارد يخلق اقتصاداً موازياً أو شبه موازٍ، ويؤثر في المنافسة الاقتصادية والاستثمار وثقة القطاع الخاص. والاقتصاد لا يحتاج فقط إلى الأمن بمعناه الضيق، بل يحتاج إلى بيئة يعرف فيها المستثمر أن القانون هو الذي يحمي العقد والملكية والاستثمار، وليس قوة هذا الطرف أو ذاك.
6. تهديد بناء الدولة المدنية
في النهاية، لا يستطيع العراق أن يبني دولة مدنية ديمقراطية مستقرة إذا ظلت القوة المسلحة موزعة بين الدولة وأطراف أخرى. فالديمقراطية ليست انتخابات فقط، وإنما هي أيضاً مؤسسات قادرة على تنفيذ القانون، وتداول سلمي للسلطة، ومساواة بين المواطنين، واحتكار الدولة للقوة.
تاسعاً: هل يمكن حل المشكلة؟
إن معالجة السلاح خارج السيطرة الفعلية للدولة ليست عملية سريعة، ولا يمكن اختزالها في شعار سياسي. فالواقع العراقي يحتاج إلى مسار تدريجي يجمع بين الأمن والسياسة والقانون والاقتصاد.
أولاً، تحتاج الدولة إلى توافق سياسي وطني يجعل احتكار القوة مبدأً غير قابل للمساومة الحزبية. ثانياً، ينبغي الفصل بصورة واضحة بين العمل السياسي والعمل العسكري، بحيث لا تتحول القوة المسلحة إلى امتداد للحزب السياسي، ولا يصبح الحزب السياسي مظلة تحمي النشاط العسكري. ثالثاً، ينبغي أن يكون انضمام أفراد الفصائل إلى المؤسسات الرسمية قائماً على أساس الاندماج الفردي في التسلسل العسكري للدولة، لا على أساس بقاء تشكيلات كاملة بقياداتها وقرارها الخاص داخل مؤسسات الدولة. رابعاً، يجب تعزيز القضاء وأجهزة الرقابة والرقابة المالية، لأن نزع السلاح من دون تفكيك شبكات المصالح التي تحيط به سيجعل العملية ناقصة. خامساً، ينبغي معالجة السلاح العشائري من خلال تطبيق القانون، بالتوازي مع تعزيز الأمن المحلي وتوفير آليات فعالة لحل النزاعات. سادساً، يحتاج العراق إلى سياسة خارجية أكثر استقلالاً، بحيث لا تتحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا تصبح الجماعات المسلحة أداة في صراعات تتجاوز مصالح الدولة العراقية.
وأخيراً، فإن بناء الدولة يتطلب معالجة الأسباب الاجتماعية التي تجعل السلاح مصدراً للأمن والنفوذ. فالمواطن الذي يثق بالقضاء والشرطة والدولة لن يحتاج إلى قوة موازية لحماية نفسه.
خاتمة: المشكلة ليست في السلاح وحده
إن أزمة السلاح في العراق ليست مجرد مشكلة أمنية يمكن حلها بمصادرة الأسلحة أو إصدار قوانين جديدة. إنها، في جوهرها، أزمة في بنية الدولة وفي العلاقة بين السياسة والقوة.
لقد أدى انهيار الدولة عام 2003 إلى فتح المجال أمام تعدد مراكز القوة، ثم جاءت سنوات العنف الطائفي لتكرس الاعتماد على الجماعات المسلحة، وجاءت حرب داعش عام 2014 لتمنح بعض القوى المسلحة شرعية أمنية استثنائية، قبل أن يتحول جزء من هذه القوة بعد انتهاء الحرب إلى نفوذ سياسي واقتصادي دائم.
وهكذا أصبحت المشكلة أكثر تعقيداً: فبعض القوى المسلحة لم تعد خارج الدولة بصورة بسيطة، وبعضها أصبح جزءاً من مؤسساتها القانونية، بينما بقيت لدى بعضها الآخر قدرات وعلاقات وقرارات تتجاوز الحدود التي يفترض أن يرسمها التسلسل الرسمي للدولة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه العراق ليس: كيف ننزع السلاح؟ فقط، وإنما: كيف نبني دولة تجعل السلاح خارج مؤسساتها غير ضروري سياسياً واجتماعياً، وغير ممكن قانونياً، وغير مربح اقتصادياً؟
إن احتكار الدولة للقوة ليس ترفاً سياسياً، ولا مطلباً يخص طرفاً عراقياً دون آخر، وإنما هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. فحين يصبح السلاح مصدراً للنفوذ السياسي، تتراجع قيمة الانتخابات؛ وحين يصبح وسيلة لحماية المصالح الاقتصادية، يضعف القانون؛ وحين يصبح قادراً على التأثير في السياسة الخارجية، تصبح السيادة ناقصة.
لذلك فإن مستقبل العراق لا يتوقف فقط على قدرته في مواجهة الإرهاب أو بناء مؤسسات أمنية قوية، بل على قدرته في الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الجيش جيش الدولة، والشرطة شرطة الدولة، والسلاح تحت قرار الدولة، والسياسة منفصلة عن القوة المسلحة.
عندها فقط يمكن الحديث عن دولة تمتلك سيادتها كاملة، لا دولة تتعايش مع قوى متعددة داخل حدودها، لكل منها قدرته الخاصة على استخدام القوة والتأثير في القرار.
#قاسم_محمد_داود (هاشتاغ)
Qasim_Mohamed_Dawod#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟