أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - بين مطرقة الفساد وسندان الإصلاح: هل بدأت مرحلة -كسر الخطوط الحمراء- في العراق؟















المزيد.....

بين مطرقة الفساد وسندان الإصلاح: هل بدأت مرحلة -كسر الخطوط الحمراء- في العراق؟


قاسم محمد داود
كاتب

(Qasim Mohamed Dawod)


الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 13:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد الفساد في العراق مجرد ممارسات إدارية عابرة أو ثغرات مؤسسية، بل تحول عبر عقدين من الزمن إلى "منظومة موازية" تغولت على مفاصل الدولة وأنهكت اقتصادها. ولعل المشهد الراهن في صيف عام 2026 يمثل نقطة تحول مفصلية، إذ لم تكتفِ الحملة الحكومية الحالية بالشعارات، بل توغلت في قلب مراكز القوى؛ فقد شهدت الأسابيع الأخيرة اعتقالات نوعية طالت شخصيات سياسية رفيعة، وأعضاء في مجلس النواب، ووكلاء وزارات، بتهمٍ صريحة تتجاوز نطاق الشبهات لتصل إلى ملفات سرقة موثقة للمال العام. إن الكشف عن ملايين الدولارات المكدسة، وضبط عقارات وسبائك ذهبية بحوزة مسؤولين متنفذين، يطرح تساؤلات وجودية: هل نحن أمام "موسمية" سياسية أم بداية حقيقية لتفكيك شبكات الفساد؟ وهل ستنجح الدولة في كسر حاجز الإفلات من العقاب، أم أن هذه الإجراءات ستصطدم بتوازنات المحاصصة التي أرست قواعد هذا الفساد لسنوات طويلة؟
هيكلية الفساد.. حين يصبح "النظام" هو الغطاء
لا يمكن فهم استشراء الفساد في العراق بمعزل عن طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة، الذي منح الكتل السياسية "حصانة مبطنة" داخل مؤسسات الدولة. فقد تحولت الوزارات والمؤسسات الرقابية، على مدار سنوات، إلى "حصص" موزعة وفق تفاهمات حزبية، مما خلق بيئة أمنية وإدارية تسمح للمسؤول بأن يتصرف في المال العام كأنه ملكية خاصة، مستنداً إلى مظلة حزبه التي تحميه من المساءلة. إن استسهال المسؤول العراقي لسرقة المال العام لم يأتِ من فراغ، بل من قناعة رسختها تجارب الإفلات من العقاب، حيث أصبح الفساد "قاعدة عمل" لا شذوذاً عن القاعدة، مما جعل التورط فيه وسيلة للبقاء في دائرة النفوذ أو لتمويل الماكينات الحزبية، ليغدو الفساد بذلك ليس مجرد سرقة فردية، بل "منظومة متكاملة" تتقاطع فيها المصالح الشخصية مع الولاءات السياسية.
سيكولوجية "الاغتصاب المالي".. عندما يتحول المال العام إلى غنيمة
ولم يتوقف الأمر عند حدود الغطاء السياسي، بل امتد ليشمل تآكلاً حاداً في الوازع المؤسسي تجاه المال العام؛ إذ استسهل المسؤول العراقي التجاوز على خزينة الدولة نتيجة غياب "قدسية" هذه الأموال في الوعي السياسي السائد. فمنذ عام 2003، رسخت لدى النخب الحاكمة عقلية "المغنم"، حيث تُعامل الميزانية العامة وكأنها ملكية مشاع لا أصحاب لها، مما أفرغ الجريمة من محتواها الأخلاقي وجعل من اختلاس الملايين "ذكاءً إدارياً" أو حقاً مكتسباً. هذا الاستسهال تغذيه بيئة "الفساد بالعدوى"، حيث يرى المسؤول أن أقرانه يراكمون الثروات دون أدنى مساءلة، مما يولد ضغطاً نفسياً على النزيه ليتحول إلى "فاسد" لكي لا يظل خارج حلقة النفوذ والمكانة الاجتماعية. وهكذا، تحولت سرقة المال العام من جريمة موصومة اجتماعياً إلى ممارسة يومية روتينية، يمارسها المسؤول ببرود أعصاب، واثقاً من أن "المال المنهوب" هو الضمانة الوحيدة لمستقبله في بلد تتغير فيه موازين القوى بين ليلة وضحاها.
نزيف الدولة.. حينما يسرق الفساد مستقبل الأجيال
إن هذه السرقات المليونية ليست مجرد أرقام في ملفات التحقيق أو خسائر دفترية في ميزانية الدولة، بل هي "سرقة موصوفة" لفرص العيش الكريم لملايين العراقيين. فكل دولار يُختلس من خزينة الدولة يترجم واقعياً إلى مستشفيات متهالكة تفتقر لأبسط الأدوية، ومدارس تفتقر للمقاعد الدراسية، وبنية تحتية منهارة تعجز عن مواجهة أبسط التحديات الخدمية. لقد أدى استنزاف المال العام إلى خنق المشاريع التنموية الكبرى، وحوّل الاقتصاد العراقي إلى بيئة طاردة للاستثمار الأجنبي، حيث يغدو الفساد الضريبة الخفية التي يدفعها المستثمر والمواطن على حد سواء. ونتيجة لذلك، اتسعت الفجوة الطبقية بشكل مرعب، وتفاقمت معدلات البطالة والفقر المدقع، مما خلق شعوراً عاماً بالمرارة واليأس بين الأجيال الشابة التي باتت تنظر إلى مؤسسات الدولة كخصم يعيق طموحها، بدلاً من كونها راعية لحقوقها. بهذا، تحول الفساد إلى القوة التدميرية الأولى التي تهدد السلم المجتمعي وتضع الدولة برمتها في مهب الريح.
صدمة "كسر الخطوط الحمراء".. هل هي بداية الإصلاح أم مجرد استعراض؟
في ظل هذا المشهد المأساوي، جاءت التحركات القضائية والحكومية الأخيرة لتحدث شرخاً في جدار "الحصانة المطلقة" الذي طالما حما المتورطين. إن الكشف عن قضايا بحجم "سرقة القرن" وما تلاها من ضبط مبالغ طائلة بحوزة مسؤولين رفيعي المستوى، مثل وكلاء الوزارات وقيادات مؤسساتية، يمثل رسالة سياسية بأن "زمن الخطوط الحمراء" قد بدأ يهتز أمام ضغط الواقع الاقتصادي المأزوم. ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري معلقاً: هل هذه المحاسبة هي جزء من استراتيجية مستدامة لتفكيك "دولة الفساد"، أم أنها مجرد عمليات انتقائية في إطار تصفية الحسابات السياسية؟ إن التحدي الحقيقي أمام السلطات ليس في عدد المعتقلين أو المبالغ المستردة فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذه الحملات إلى نهج قضائي لا يعرف الاستثناءات، لضمان ألا تظل هذه المحاسبة "موسمية" تنتهي بانتهاء حاجة النظام لتهدئة الشارع، بينما تستمر المنظومة الهيكلية للفساد في إعادة إنتاج نفسها خلف الكواليس.
خارطة الخروج.. بين "صرامة القضاء" و"ضرورة الأتمتة"
إن معركة العراق ضد الفساد لا يمكن أن تُحسم بمجرد حملات أمنية، مهما بلغت حدتها أو شملت من الأسماء. إنها تتطلب "عقداً اجتماعياً" جديداً يرتكز على ركنين لا غنى عنهما: الأول هو إرادة سياسية فولاذية تدعم استقلالية القضاء وتكسر نهائياً ثقافة الإفلات من العقاب، والثاني هو التحول الرقمي الشامل الذي يسحب البساط من تحت أقدام المفسدين عبر رقمنة الاقتصاد وتقليل الاحتكاك البشري. إن مستقبل الدولة العراقية مرهون بقدرتها على التحول من "دولة الغنيمة" إلى "دولة المؤسسات" التي تضع القانون فوق الجميع. فإذا نجحت السلطة الحالية في تحويل هذه المحاسبة من إجراء طارئ إلى نهج مؤسساتي دائم، فقد يضع العراق قدمه أخيراً على طريق التعافي. أما إذا بقيت الحلول مجزأة، فسيظل الفساد شبحاً يتربص بكل خطوة نحو التقدم، ولن يجد الشعب العراقي سبيلاً لاستعادة ثقته بدولته إلا برؤية عدالةٍ ناجزة تعيد للمال العام حرمته، وتضع حداً لهذا النزيف الذي طال أمده.



#قاسم_محمد_داود (هاشتاغ)       Qasim_Mohamed_Dawod#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاتفاق الأمريكي-الإيراني أنهى الحرب.. فلماذا لم يحسم الصراع ...
- حصر السلاح في العراق.. -انعطافه تاريخية- أم مناورة في حقل أل ...
- العراق بعد 2003: الأزمة أعمق من -الرجل المناسب- قرا ...
- عندما يتحول صوت الناخب العراقي إلى مجرد -تذكرة دخول- للمزايد ...
- عقدة -المكونات- في العراق: هل بات العرف السياسي مقصلة للديمق ...
- حين تتحول السياسة إلى هوية: إيران والطريق إلى صراع بلا نهاية
- إيران والخليج العربي: من -وسيلة ضغط- إلى -خطأ استراتيجي- قرا ...
- الضربة التي فتحت أبواب الجحيم: ديناميات الانفجار بين إيران و ...
- العرب في عصر التكتلات الكبرى: لماذا أصبح القطب العربي ضرورة ...
- سوريا 2026: عام التأسيس أم هدنة ما قبل الانفجار؟
- ترشيح المالكي: عودة “رجل المرحلة الصعبة” أم إحياء منظم لفشلٍ ...
- إيران بين غضب الخبز وضغوط الخارج: احتجاجات مفتوحة على كل الا ...
- العائدات المليارية والفرص المهدورة: لماذا أخفق العراق في «تط ...
- رئيس وزراء العراق: بين -مطرقة- الولاء الداخلي و-سندان- الفيت ...
- العقل المأسور: كيف تحوّل المقدّس إلى أداة للسلطة؟
- هل الدين ضد التقدم؟ أم نحن ضد السؤال؟
- العزوف الانتخابي في العراق: الأسباب العميقة ل -مقاطعة الإحبا ...
- الولاءات المتعددة... دولة ممزقة بين الهويات
- بعد حرب غزة: من يرسم خريطة الشرق الأوسط… ونهاية الوهم وبداية ...
- الانتداب الناعم على غزة كيف تعيد خطة ترامب إنتاج الوصاية الد ...


المزيد.....




- وزير الخارجية الأمريكي يتعهد بـ-تفكيك- الجنائية الدولية: تشن ...
- قذفه في الهواء بعنف.. ثور يهاجم رجلا تحت أنظار حفيده في منتز ...
- عام على ضرب ابنه حتى الموت.. رحلة أب إلى موقع مقتل نجله في ا ...
- مصر: حذف 850 ألف مستفيد من بطاقات التموين وطلبات إحاطة بشأن ...
- طعام شائع متوفر في كل منزل قد يساعد على النوم
- هياكل خفية تحيط بسديم الجبار تتحدى نظريات ولادة النجوم
- ترامب يُعلن إعادة فرض الحصار على إيران: سنتقاضى تعويضاً على ...
- ترامب يعيد الحصار الأمريكي ويطالب برسوم شحن 20% في مضيق هرمز ...
- أمريكا تعيد فرض الحصار البحري على موانئ إيران
- كوريا الجنوبية.. سجن الرئيس السابق لمدة عامين في قضية فساد س ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - بين مطرقة الفساد وسندان الإصلاح: هل بدأت مرحلة -كسر الخطوط الحمراء- في العراق؟