أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام جاسم - الفلسفة التحليلية للسياسة/ ميشيل فوكو















المزيد.....



الفلسفة التحليلية للسياسة/ ميشيل فوكو


حسام جاسم

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 23:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


(محاضرة في اليابان) (١)
ميشيل فوكو (٢)
ترجمة: حسام جاسم (٣)

من بين المواضيع المحتملة للمؤتمر، اقترحتُ إجراء مقابلة حول السجون، وتحديدًا إشكالياتها. لكني تراجعتُ عن الفكرة لعدة أسباب: أولها أنني، خلال الأسابيع الثلاثة التي قضيتها في اليابان، لاحظتُ أن إشكالية العقوبة والإجرام والسجن تُطرح وفق مصطلحات مختلفة تمامًا في مجتمعنا ومجتمعكم.
ومن خلال تجربتي في احد السجون، لا أعني أنني سُجنتُ، بل زرتُ سجنًا واحدًا، أو حتى سجنين، في منطقة فوكوكا. وقد لاحظتُ أنه، مقارنةً بما نعرفه في أوروبا، لا يُمثل هذا الأمر تحسنًا وتقدمًا فحسب، بل يُمثل أيضًا تغييرًا حقيقيًا يتطلب منا التفكير والمناقشة مع المتخصصين اليابانيين حول هذه القضية.
لم أشعر بالارتياح للحديث معكم عن المشاكل المطروحة حاليًا في أوروبا، في ظل تجاربكم المهمة. وأخيرًا، باختصار، إشكالية السجون ليست سوى عنصر واحد، جزء من مجموعة إشكاليات أعم. ولقد أقنعتني المقابلات التي أجريتها مع العديد من اليابانيين بأنه سيكون من الأكثر إثارة للاهتمام تناول المناخ العام الذي تُطرح فيه قضية السجن، قضية العقوبة، إلى جانب عدد من الأسئلة التي تحمل في طياتها واقعًا حقيقيًا وإلحاحًا مماثلًا. لذا، سامحوني على إلقاء حديث أكثر عمومية مما لو اقتصر على إشكالية السجن. إن كنتم تلومونني، فأخبروني.

بالتأكيد، أنتم تعلمون أن هناك في فرنسا صحيفة تُدعى "لوموند" (Le Monde)، والتي اعتدنا أن نسميها، بكل جدية، "صحيفة مسائية رئيسية". فيها، كتب أحد الصحفيين ما يلي، مما أثار دهشتي ودفعني إلى التفكير مليًا. "لماذا، كما كتب، يطرح الكثير من الناس اليوم مسألة السلطة؟" وتابع: "في يوم من الأيام، سيُدهش المرء بلا شك من أن مسألة السلطة قد شغلتنا بهذا القدر من الاهتمام طوال أواخر القرن العشرين".

إذا تأملوا أكثر، لا أعتقد أن خلفاءنا سيستغربون طويلًا أن جيلنا، تحديدًا طوال أواخر القرن العشرين، قد أثار، وبكل هذا الإصرار، مسألة السلطة. فإذا ما طُرحت مسألة السلطة علينا، فليس ذلك لأننا طرحناها، بل طُرحت علينا، وفُرضت علينا. لقد فُرضت علينا بفعل واقعنا، هذا مؤكد، وأيضًا بفعل ماضينا، وهو ماضٍ قريب جدًا كاد ينقضي. ففي النهاية، شهد القرن العشرون هاجسين كبيرين بالسلطة، وحمّى كبيرة فاقمتا مظاهرها. هذان الهوسان الكبيران، اللذان هما جوهر منتصف القرن العشرين، هما بالطبع الفاشية والستالينية.
ومن المؤكد أن كلًا من الفاشية والستالينية استجابا لظرف دقيق ومحدد. لا شك أن كلاهما قد أوصلتا آثارهما إلى أبعاد لم تكن معروفة حتى تلك اللحظة، ويمكننا أن نأمل، إن لم يكن أن نفكر بشكل معقول، أننا لن نعرفهما مرة أخرى. لقد كانتا ظاهرتين استثنائيتين، لكن لا ينبغي إنكار أنهما، في كثير من النواحي، لم تفعلا شيئًا سوى إطالة أمد سلسلة كاملة من الآليات الموجودة بالفعل في النظم الاجتماعية والسياسية الغربية. ففي نهاية المطاف، فإن تنظيم الأحزاب الكبرى، وتطوير أجهزة الشرطة، ووجود أساليب القمع كمعسكرات العمل، كل هذا إرث راسخ للمجتمعات الغربية الليبرالية، كان على الستالينية والفاشية أن تستوعباه.

هذه التجربة تحديدًا هي التي دفعتنا إلى طرح مسألة السلطة. لأنه لا يسع المرء إلا أن يتساءل ويسأل نفسه: أليست الفاشية والستالينية، وأليستا حيث تستمران، مجرد استجابة لظروف أو مواقف خاصة؟ أم، على العكس من ذلك، هل من الضروري الأخذ في الاعتبار وجود افتراضيات دائمة في مجتمعاتنا، بنية إلى حد ما، متأصلة في أنظمتنا، والتي يمكن أن تكشف عن نفسها في كل منعطف، مما يجعل هذه الأنواع من الزوائد الهائلة للسلطة ممكنة بشكل دائم، هذه الزوائد للسلطة التي تمثلها الأمثلة الرئيسية لأنظمة موسوليني وهتلر وستالين، والأنظمة الفعلية في تشيلي وكمبوديا؟

أعتقد أن المشكلة الكبرى في القرن التاسع عشر، على الأقل في أوروبا، كانت مشكلة الفقر والبؤس. حيث كانت المشكلة الكبرى التي واجهت معظم المفكرين والفلاسفة في بداية القرن التاسع عشر هي التالية: كيف يُعقل أن يكون إنتاج الثروة هذا، الذي بدأت آثاره المذهلة تُلاحظ في جميع أنحاء الغرب، كيف يُعقل أن يقترن إنتاج الثروة هذا بالإفقار المطلق أو النسبي (وهذا سؤال آخر) لمن ينتجونه؟ إن مشكلة إفقار منتجي الثروة، أي مشكلة الإنتاج المتزامن للثروة والفقر، لا أقول إنها حُلّت تمامًا في الغرب أواخر القرن العشرين، لكنها لم تعد بنفس الإلحاح.
لقد تضاعفت بسبب مشكلة أخرى، ليست مشكلة قلة الثروة، بل مشكلة فرط السلطة. إن المجتمعات الغربية، وبصورة أعم، المجتمعات الصناعية والمتقدمة في نهاية هذا القرن، مجتمعات يسودها هذا القلق الصامت، أو حتى حركات تمرد صريحة تتحدى هذا النوع من الإفراط في إنتاج السلطة الذي تجلى بوضوح في حالته الصارخة والوحشية التي تجسدها الستالينية والفاشية. لذا، وكما احتاج القرن التاسع عشر إلى اقتصاد يهدف تحديدًا إلى إنتاج وتوزيع الثروة، فيمكن القول إننا بحاجة إلى اقتصاد لا يُعنى بإنتاج وتوزيع الثروة، بل اقتصاد يُعنى بعلاقات السلطة.

من أقدم وظائف الفيلسوف في الغرب - الفيلسوف، أو بالأحرى الحكيم، وربما، إذا استخدمنا هذه الكلمة المعاصرة البشعة، المثقف - حيث كان من أهم أدواره في الغرب وضع حدٍّ لهذا الفائض من السلطة، لهذا الإفراط في إنتاجها في كل مرة، وفي كل حالة كان يُنذر بالخطر. ففي الغرب، لطالما اتسم الفيلسوف، إلى حدٍّ ما، بطابع مُعادٍ للطغيان. ويمكن للمرء أن يرى هذا الطابع يتبلور بأشكال متعددة منذ فجر الفلسفة اليونانية:
• كان الفيلسوف مُعاديًا للطغيان بقدر ما حدّد أنظمة القوانين التي تُمارس بموجبها السلطة داخل المدينة، وبقدر ما حدّد الحدود القانونية التي يُمكن ممارسة السلطة ضمنها دون خطر: هذا هو دور الفيلسوف المُشرّع. هذا هو دور سولون (Solon) (٤). وفي نهاية المطاف، كانت اللحظة التي بدأت فيها الفلسفة اليونانية بالانفصال عن الشعر، اللحظة التي بدأ فيها النثر اليوناني بالظهور، هي اليوم الذي صاغ فيه سولون، في مفردات شعرية، القوانين التي ستصبح نثر التاريخ اليوناني، والتاريخ الهيليني.

• الخيار الثاني: يمكن للفيلسوف أن يكون ضد الطاغية بأن يصبح مستشارًا للأمير، يُعلّمه الحكمة والفضيلة والحقيقة التي ستمنعه من إساءة استخدام سلطته عندما يتعين عليه الحكم. هذا هو الفيلسوف المُعلّم؛ إنه أفلاطون يزور الطاغية ديونيسوس (Dionysus).

• أخيرًا، الخيار الثالث: يمكن للفيلسوف أن يكون ضد الطاغية بقوله إنه في النهاية، مهما أساء استخدام السلطة ضده أو ضد الآخرين، ففي ممارسته الفلسفية وفكره، كفيلسوف، سيبقى مستقلاً عن السلطة؛ بل سيسخر منها. وهؤلاء كانوا الكلبيون (cynics).

سولون المُشرّع، أفلاطون المُعلّم، والكلبيون. حيث الفيلسوف كمُهَدِّدٍ للسلطة، والفيلسوف كقناعٍ متجهم أمام السلطة. لو استطعنا إلقاء نظرةٍ إثنولوجيةٍ على الغرب انطلاقًا من اليونان القديمة، لرأينا هذه الشخصيات الثلاث للفيلسوف تتناوب؛ لرأينا تعارضًا ذا دلالةٍ بين الفيلسوف والأمير، بين التفكير الفلسفي وممارسة السلطة. وأتساءل إن كان هذا التعارض بين التفكير الفلسفي وممارسة السلطة يُميِّز الفلسفة أكثر من علاقتها بالعلم، لأنه، في نهاية المطاف، لم تستطع الفلسفة أن تلعب دورَ أساسية العلم منذ زمنٍ طويل. بل على العكس، ربما لا يزال دورُ الاعتدال في مواجهة السلطة جديرًا بالاهتمام.

عندما يراقب المرء الطريقة التي لعب بها الفلاسفة، أو رغبوا في لعب دورهم كمُهَدِّدين ضد السلطة، يُوصَل إلى نتيجةٍ مُخيِّبةٍ للآمال بعض الشيء. فقد عرفت العصور القديمة مُشرِّعين فلاسفة؛ وشهدت فلاسفة مستشارين للأمير؛ ومع ذلك، لم تعرف قط مدينة أفلاطون المثالية.
ومع أن الإسكندر كان تلميذًا لأرسطو، إلا أن إمبراطوريته لم تكن أرسطوية. وإذا صحّ أن الرواقية (stoicism)، في عهد الإمبراطورية الرومانية، تغلغلت في فكر الجميع، على الأقل النخبة، فإنّ الحقيقة نفسها لا تقلّ صوابًا عن ذلك، وهي أن الإمبراطورية الرومانية لم تكن رواقية. حيث كانت الرواقية سبيل ماركوس أوريليوس إلى أن يصبح إمبراطورًا؛ ولم تكن فنًا ولا أسلوبًا لحكم الإمبراطورية.

بعبارة أخرى، وأعتقد أنها نقطة مهمة، خلافًا لما حدث في الشرق، وخاصةً في الصين واليابان، لم توجد في الغرب، على الأقل لفترة طويلة، فلسفة قادرة على أن تكون جزءًا من الممارسة السياسية والأخلاقية لمجتمع بأكمله. لم يعرف الغرب قطّ ما يُعادل الكونفوشية (Confucianism)، وهي شكل فكري، يجسد نظام العالم أو يُرسي دعائمه، ويحدد في الوقت نفسه بنية الدولة، وشكل العلاقات الاجتماعية، وسلوك الأفراد، ويحددها فعليًا في واقع التاريخ نفسه. ومهما بلغت أهمية الفكر الأرسطي، الذي تبنته دوغمائية العصور الوسطى، فإن أرسطو لم يلعب قط دورًا يُضاهي دور كونفوشيوس في الشرق. ولم تكن هناك دولة فلسفية في الغرب قط.

ومع ذلك، وأعتقد أن هناك حدثًا رئيسيًا، فقد تغيرت الأمور بدءًا من الثورة الفرنسية، وتحديدًا من نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت، نرى تكوين أنظمة سياسية لها روابط ليس فقط أيديولوجية، بل أيضًا تأسيسية، وبالأحرى سأقول تنظيمية، بالفلسفة. حيث حافظت الثورة الفرنسية، بل ويمكن القول الإمبراطورية النابليونية، على روابط تأسيسية مع روسو، وبشكل أعم مع فلسفة القرن الثامن عشر. رابط تأسيسي بين الدولة البروسية وهيجل؛ رابط تأسيسي، على الرغم من أنه قد يكون متناقضًا، ولكنه موضوع آخر، بين الدولة النازية وفاغنر وكذلك نيتشه. وروابط، بالطبع، بين اللينينية والدولة السوفيتية وماركس.
وشهد القرن التاسع عشر ظهور شيء لم يكن موجودًا في أوروبا حتى ذلك الحين: الدول الفلسفية، أو بالأحرى (الدول- الفلسفات)، فلسفات هي في آن واحد دول، ودول تفكر وتتأمل وتنظم نفسها وتحدد خياراتها الأساسية على أساس القضايا الفلسفية، ضمن الأنظمة الفلسفية، وباعتبارها الحقيقة الفلسفية للتاريخ.
من الواضح أن هذه الظاهرة مثيرة للدهشة، بل وأكثر من ذلك، مثيرة للقلق عندما نفكر في أن هذه الفلسفات، كل هذه الفلسفات التي أصبحت دولًا، كانت بلا استثناء فلسفات حرية، فلسفات حرية مثل فلسفات القرن الثامن عشر، وهذا أمر مؤكد، ولكن أيضًا فلسفات هيجل ونيتشه وماركس. وبات، في كل مرة، ولّدَت فلسفات الحرية هذه أشكالاً من السلطة، سواءً في صورة الإرهاب أو البيروقراطية، أو حتى الإرهاب البيروقراطي، كانت نقيضاً تماماً لنظام الحرية، نقيضاً تماماً للحرية كتاريخ.

هناك حبٌّ ذاتيّ فكاهيّ لدى فلاسفة الغرب المعاصرين: لقد تأمّلوا وصوّروا أنفسهم وفقاً لعلاقة معارضة جوهرية للسلطة وممارستها غير المحدودة، لكن مصير فكرهم كان أنه كلما استمعنا إليهم، ازدادت السلطة، وامتصّت المؤسسات السياسية أفكارهم، وساهمت في تكريس أشكال مفرطة من السلطة.
ففي النهاية، هذا هو الجانب المضحك المؤسف لهيجل الذي تحوّل في ظل النظام البسماركي؛ وهذا هو الجانب المضحك المؤسف لنيتشه، الذي أهدى هتلر أعماله الكاملة لموسوليني بمناسبة رحلته إلى البندقية التي اضطرت إلى إقرار ضمّ إيطاليا. وأكثر من الدعم الدوغمائي للأديان، ترسخ الفلسفة السلطات دون قيود. حيث تحوّلت هذه المفارقة إلى أزمة حادة مع الستالينية (Stalinism). حيث قدّمت الستالينية نفسها أكثر من أي شيء آخر، كدولة وهي في الوقت نفسه فلسفة، فلسفة أعلنت وتنبأت بحقّ باضمحلال الدولة، والتي، ما إن تحوّلت إلى دولة، حتى أصبحت دولة شخصية بحق، معزولة عن أي تأمل فلسفي أو أي إمكانية للتأمل. إنها الدولة الفلسفية التي أصبحت بلا تفكير حرفيًا في ظلّ الدولة الشمولية.

هناك مواقف عديدة محتملة أمام هذا الوضع المعاصر لحالتنا تحديدًا، وبل بشكل مُلِحّ. يمكن للمرء، وهو أمر مشروع تمامًا، بل وأقول مُوصى به، أن يبحث تاريخيًا في الروابط الخاصة التي أقامها الغرب أو سمح بإقامتها بين الفلسفة والسلطة: كيف ظهرت هذه الروابط بين الفلسفة والسلطة تحديدًا عندما قدّمت الفلسفة نفسها كمبدأ للسلطة المضادة، أو على الأقل لمبدأ اعتدال السلطة، في اللحظة التي اضطرت فيها الفلسفة إلى القول للسلطة: توقفي، لن تذهبي أبعد من ذلك؟ هل يتعلق الأمر بخيانة للفلسفة؟ أم لأن الفلسفة كانت دائمًا فلسفة سلطة خفية، مهما قالت؟ والقول للسلطة: توقفي هنا، أليست هي بالضبط، افتراضيًا، وحتى سرًا تحل محل السلطة، وتضع قانون للقانون، وبالتالي تتجسد في شكل القانون؟

يمكن للمرء أن يطرح كل هذه الأسئلة. وعلى العكس، يمكن للمرء أن يُقنع نفسه بأن الفلسفة، في نهاية المطاف، لا علاقة لها بالسلطة، وأن مهمتها الجوهرية والعميقة هي البحث عن الحقيقة، أو التشكيك في الوجود؛ وأن الفلسفة، بدخولها في هذه المجالات الإمبيريقية كمسألة السياسة والسلطة، لا بد أن تُعرّض نفسها للخطر. وإن خانها المرء بسهولة، فذلك لأنها خانت نفسها. خانت الفلسفة نفسها بذهابها إلى حيث لا ينبغي لها أن تذهب، وبطرحها أسئلةً لم تكن من نصيبها.

ولكن ربما يكون هناك مسار آخر. هذا هو المسار الذي أودّ أن أخبركم به. حيث ربما يمكن للمرء أن يرى أن هناك إمكانيةً ما للفلسفة للعب دورٍ في علاقة السلطة، وهو دورٌ لن يكون تأسيسًا لها ولا تجديدًا لها. ربما لا يزال بإمكان الفلسفة أن تلعب دورًا في مواجهة السلطة، شريطة ألا يقتصر هذا الدور على ممارسة قانون الفلسفة ذاته في مواجهة السلطة، وشريطة أن تتوقف الفلسفة عن اعتبار نفسها نبوءة، وشريطة أن تتوقف عن اعتبار نفسها إما بيداغوجيا أو تشريعًا، أن تُكلف نفسها بمهمة التحليل والتوضيح والرؤية، وبالتالي تكثيف الصراعات التي تنشأ حول السلطة، واستراتيجيات الخصوم في علاقات السلطة، والتكتيكات المستخدمة، وبؤر المقاومة، وشريطة أن تتوقف الفلسفة، في المجمل، عن طرح سؤال السلطة من حيث الخير والشر، بل تطرحه من حيث الوجود.
فالسؤال ليس: هل السلطة خير/جيدة أم شر/سيئة، شرعية أم غير شرعية، مسألة حق أم أخلاق؟ بل ينبغي ببساطة محاولة تخليص مسألة السلطة من كل ما أُلقي عليها من أعباء أخلاقية وقانونية زائدة، وطرح السؤال الساذج التالي، الذي لم يُطرح كثيرًا، مع أن عددًا من الناس قد طرحوه بالفعل منذ زمن: ما هو الجوهر الذي تتألف منه علاقات السلطة؟

لقد عرفنا منذ زمن طويل أن دور الفلسفة ليس اكتشاف المستور، بل إظهار ما هو ظاهرٌ بالفعل، أي إظهار ما هو قريبٌ جدًا، ومباشر، ومتصلٌ بنا ارتباطًا وثيقًا لدرجة أننا لا نستطيع إدراكه. فبينما يتمثل دور العلم في كشف ما لا نراه، يتمثل دور الفلسفة في إظهار ما نراه. ففي النهاية، وإلى هذا الحد، قد يكون دور الفلسفة اليوم هو: ما هي علاقات السلطة هذه التي نُحاصر بها، والتي تورطت فيها الفلسفة نفسها منذ مئة وخمسين عامًا على الأقل؟

سيقال لي إنها مهمة متواضعة، إمبيريقية، ومحدودة، لكن لدينا في الفلسفة التحليلية الأنجلو-أمريكية نموذجًا مشابهًا لاستخدام الفلسفة. ففي نهاية المطاف، لا تُكلف الفلسفة التحليلية الأنجلو-سكسونية (Anglo-Saxon) نفسها بمهمة التأمل في كينونة اللغة أو في بنية الكلام العميقة؛ بل تتأمل في الاستخدام اليومي للكلام الذي نستخدمه في مختلف أنواع الخطاب.
بالنسبة للفلسفة التحليلية الأنجلو-سكسونية، يتعلق الأمر بإجراء تحليل نقدي للفكر بناءً على طريقة قول المرء للأشياء. وبالمثل، أعتقد أنه يمكننا أن نتخيل فلسفةً مهمتها تحليل ما يحدث عادةً في علاقات السلطة، فلسفةً تسعى إلى توضيح ماهية علاقات السلطة هذه، وأشكالها، وأهدافها، وفوائدها. ونتيجةً لذلك، فلسفةٌ تتناول علاقات السلطة بدلًا من ألعاب اللغة، فلسفةٌ تتناول جميع هذه العلاقات التي تخترق الجسد الاجتماعي بدلًا من تأثيرات اللغة التي تخترق فكرنا وتكمن وراءه.

يمكننا أن نتخيل، بل ينبغي لنا أن نتخيل شيئًا يشبه الفلسفة التحليلية السياسية. وبهذا المعنى، علينا أن نتذكر أن الفلسفة التحليلية الأنجلوسكسونية للغة تتجنب تلك الأنواع من المؤهلات - الاستبعادات الهائلة للغة التي نجدها عند هومبولت (Humboldt) أو برغسون (Bergson) - هومبولت الذي كانت اللغة بالنسبة له خالقة جميع العلاقات الممكنة بين الإنسان والعالم، وبالتالي خالقة كل من العالم والإنسان، أو التقليل من قيمة برغسون الذي لا يكف عن تكرار أن اللغة عاجزة، جامدة، ميتة، مكانية، وبالتالي لا بد أن تخون تجربة الضمير والديمومة [durée]. وبدلاً من هذه المؤهلات أو الاستبعادات الهائلة، تسعى الفلسفة الأنجلوسكسونية إلى القول بأن اللغة لا تفشل أبدًا ولا تُظهر أي شيء. بل هي بالأحرى لعبة. ومن هنا تأتي أهمية مفهوم اللعبة.

بطريقة مماثلة تقريبًا، يمكننا القول إنه لتحليل ونقد علاقات السلطة، لا يتعلق الأمر بإعطائها وصفًا شموليًا أو شاملًا أو نهائيًا أو أحادي الجانب، أو تحقيريًا أو مدحًا؛ ولا يتعلق الأمر بالقول إن علاقات السلطة لا يمكنها إلا أن تفعل شيئًا واحدًا، وهو الإكراه والقوة. لا ينبغي للمرء أن يتصور بعد الآن أنه يمكن الهروب من علاقات السلطة دفعة واحدة، على نطاق واسع/عالمي، من خلال نوع من القطيعة الراديكالية أو الهروب بلا عودة. علاقات السلطة تُلعب أيضًا؛ حيث إنها ألعاب سلطة يجب أن ندرسها من حيث التكتيكات والاستراتيجية، والقواعد والحوادث، والرهانات والأهداف. لقد حاولت العمل في هذا الاتجاه إلى حد ما، وأود أن أشير إليكم إلى بعض خطوط التحليل التي يمكن اتباعها.

يمكننا تناول ألعاب السلطة هذه من وجهات نظر مُتعددة. بدلاً من دراسة اللعبة الكبرى للدولة مع مواطنيها والدول الأخرى، فضّلتُ، بلا شك، بسبب ميلٍ في شخصيتي، أو ربما بسبب ميلٍ إلى العصاب الوسواسي، التعامل مع ألعاب سلطة أكثر محدوديةً وتواضعًا، لا تتمتع بالمكانة الفلسفية النبيلة والمعترف بها التي تتمتع بها المشكلات الكبرى: ألعاب السلطة حول الجنون، ألعاب السلطة حول الطب، حول المرض، حول الجسد المريض، ألعاب السلطة حول العقاب والسجن، هذا ما كنتُ مهتمًا به إلى حدٍّ ما حتى الآن، لسببين.

ما الذي يُراهن عليه في هذه الألعاب الدقيقة، المُحددة بعض الشيء، والهامشية أحيانًا، التي تُمارس على السلطة؟ إنها تُمسّ طبيعة العقل واللاعقلانية، لا أكثر ولا أقل؛ تُمسّ طبيعة الحياة والموت، وطبيعة الجريمة والقانون؛ أي مجموعة كاملة من الأمور التي تُشكّل نسيج حياتنا اليومية، والتي على أساسها بنى البشر خطابهم المأساوي.

هناك سببٌ آخر لاهتمامي بهذه الأسئلة وألعاب السلطة. يبدو لي أن اهتمام الناس واهتمامهم اليوم ينصبُّ على هذه الألعاب أكثر من الصراعات الكبرى على مستوى الدولة والمؤسسات. على سبيل المثال، يمكننا النظر في مسار حملة الانتخابات التشريعية في فرنسا: فبينما لم تكفّ الصحف ووسائل الإعلام والسياسيون والمسؤولون الحكوميون والدوليون عن إخبار الفرنسيين بأنهم يلعبون لعبةً مصيريةً لمستقبلهم، مهما كانت نتيجة الانتخابات، ومهما كان عدد الناخبين الحكماء الذين أدلوا بأصواتهم، يُدهش المرء من حقيقة أن الناس، في أعماقهم، لم يُدركوا تمامًا ما قد يكون في هذه الانتخابات من أحداث مأساوية أو حاسمة تاريخيًا.

من ناحية أخرى، ما يلفت انتباهي هو التحريض المستمر منذ سنوات في مجتمعات عديدة، وليس فقط في المجتمع الفرنسي، حول أسئلة كانت في السابق هامشية ونظرية بعض الشيء: معرفة كيف سيموت المرء، معرفة ما سيُصنع به عندما يكون هائمًا في المستشفى، معرفة مصير عقله وحكم الناس عليه، معرفة ما سيكون عليه المرء إذا جن، معرفة ما هو عليه إذا جن، معرفة ما هو عليه وماذا سيحدث يوم ارتكابه مخالفة والدخول في آلة العقوبة. حيث كل هذا يُمسّ بعمق حياة معاصرينا وعواطفهم ومخاوفهم. إذا قلتَ لي، بحق، إن الأمر كان كذلك دائمًا، فيبدو لي على أي حال أنها من المرات الأولى (وهي ليست الأولى على الإطلاق). وفي جميع الأحوال، نحن في إحدى تلك اللحظات التي تصل فيها هذه الأسئلة اليومية الهامشية، التي ظلت صامتة بعض الشيء، إلى مستوى من الخطاب الصريح، حيث لا يقبل الناس مجرد الحديث عنها، بل يدخلون لعبة الخطاب ويشاركون فيها. الجنون والعقل، الموت والمرض، العقوبة، السجن، الجريمة، القانون، كل ما نمثله في حياتنا اليومية، وهذه الحياة اليومية هي ما تبدو لنا جوهرية.

في الواقع، أعتقد أنه ينبغي لنا أن نذهب أبعد من ذلك، فنقول ليس فقط إن ألعاب السلطة هذه حول الحياة والموت، العقل واللاعقل، القانون والجريمة، قد اكتسبت اليوم شدةً لم تكن عليها، على الأقل في الفترة السابقة مباشرةً، بل أيضاً إن المقاومة والنضالات الدائرة لم تعد بنفس الشكل. السؤال الجوهري هو: هل نشارك في ألعاب السلطة هذه من أجل احترام حريتنا وحقوقنا؟ ببساطة، لم نعد نريد هذه الألعاب. لم يعد السؤال هو الدخول في مواجهة داخل الألعاب، بل هو مقاومة اللعبة ورفضها. هذه تحديداً سمة عدد من هذه الصراعات والمعارك.

لنأخذ السجن مثالاً. لسنواتٍ طويلة، بل قرون، وفي جميع الأحوال، منذ أن وُجد السجن كنوع من العقاب في الأنظمة الجزائية الغربية، نشأت منذ القرن التاسع عشر سلسلةٌ من الحركات والانتقادات، بل وحتى المعارضة العنيفة أحيانًا، سعيًا لتغيير آلية عمل السجن، وأوضاع السجناء، ووضعهم داخله وبعد إطلاق سراحهم. ولأول مرة، ندرك أن الأمر لم يعد يتعلق بلعبةٍ أو بأخرى، أو بالوضع داخل اللعبة نفسها؛ بل يتعلق برفض اللعبة نفسها.
ما نقوله هو: لا سجن بعد الآن. وعندما يسأل العقلاء، والمشرعون، والتكنوقراط، والحكام، في مواجهة هذا النوع من النقد الشامل: "ولكن ماذا تريدون إذًا؟"، يكون الجواب: "ليس من حقنا أن نحدد لكم الصلصة التي نريد أن نُؤكل بها؛ لم نعد نريد أن نلعب لعبة العقاب هذه؛ لم نعد نريد أن نلعب لعبة العقوبات الجزائية هذه؛ لم نعد نريد أن نلعب لعبة العدالة هذه". ففي قصة ناريتا (Narita) (٥)، التي تدور أحداثها منذ سنوات هنا في اليابان، يبدو لي من السمات المميزة أن لعبة الخصوم أو المقاومين لم تكن لعبة الحصول على أكبر قدر ممكن من المزايا، من خلال فرض القانون والحصول على تعويضات. لم يرغبوا في لعب اللعبة المنظمة والمؤسسية التقليدية للدولة مع متطلباتها والمواطنين مع حقوقهم. لم يرغبوا في لعب اللعبة على الإطلاق؛ إنهم يعيقون لعبها.

السمة الثانية للفينومينا (phenomena) التي أسعى إلى تحديدها وتحليلها هي أنها تُشكل فينومينا مُشتتة ولامركزية. هذا ما أقصده. لنأخذ مثال السجن والنظام الجزائي. خلال القرن الثامن عشر، حوالي عام ١٧٦٠، عندما بدأ طرح إشكالية التغيير الراديكالي للنظام الجزائي، من طرح هذا السؤال، وعلى أي أساس؟ لم يطرح المنظرون، منظّرو الحق، الفلاسفة كما عُرفوا آنذاك، إشكالية السجن بحد ذاته، بل إشكالية عامة تتعلق بكيفية تطبيق القانون في بلد الحرية، وكيفية تطبيقه، وحدوده، وإلى أي مدى. بناءً على هذا التأمل النظري الحاسم، وبعد سنوات، أصبح المرء يتمنى أن يكون السجن هو العقاب الوحيد المُمكن.

مؤخرًا، طُرحت هذه الإشكالية بمصطلحات وأساليب مُختلفة تمامًا في الدول الغربية. لم تكن نقطة البداية يومًا مطلبًا عالميًا واسع النطاق لنظام قانوني أفضل. لطالما كانت منطلقات الأحداث متواضعة وصغيرة: قصص سوء التغذية والمعاناة داخل السجون. واستنادًا إلى هذه الفينومينا المحلية، وهذه المنطلقات الخاصة جدًا، في أماكن محددة، يُلاحظ انتشار الفينومينن (phenomenon) بسرعة كبيرة، وشمل شريحة واسعة من الناس الذين لم يواجهوا نفس الوضع ولا نفس المشاكل. ويمكننا أيضًا أن نضيف أن هذه المقاومات تبدو غير مبالية نسبيًا بالأنظمة السياسية والاقتصادية، بل وأحيانًا حتى بالبنيات الاجتماعية للدول التي نشأت فيها. على سبيل المثال، شهدنا نضالات ومقاومة وإضرابات في سجون السويد، التي اتسمت بنظام جزائي وعقابي متقدم للغاية مقارنةً بنظمنا، وكذلك في إيطاليا وإسبانيا، حيث كان الوضع أسوأ بكثير والسياق السياسي مختلفًا تمامًا.

يمكن قول الشيء نفسه عن الحركة النسوية والصراعات حول ألعاب السلطة بين الرجال والنساء. تطورت الحركة النسوية في كل من السويد وإيطاليا، حيث كان وضع المرأة، والعلاقات الجنسية، والعلاقات بين الزوج والزوجة، وبين الرجل والمرأة، مختلفًا تمامًا. وهذا يُظهر جليًا أن هدف كل هذه الحركات ليس هو نفسه هدف الحركات السياسية أو الثورية التقليدية: إنه بالتأكيد ليس السعي وراء السلطة السياسية أو النظام الاقتصادي.

السمة الثالثة: في جوهره، يستهدف هذا النوع من المقاومة والنضال مظاهر السلطة ذاتها، أكثر من الاستغلال الاقتصادي أو عدم المساواة. ما يُطرح في هذه النضالات هو ممارسة سلطة معينة، وأن مجرد ممارستها أمر لا يُطاق. سأضرب مثالًا بحكاية، قد تضحككم، ولكنكم ستأخذونها على محمل الجد: في السويد، توجد سجون حيث يمكن للسجناء رؤية زوجاتهم وممارسة الجنس معهن. حيث لكل سجين غرفة. وفي إحدى المرات، زارني شاب سويدي، طالب وناشط متحمس، ليطلب مني مساعدته في إدانة الفاشية في السجون السويدية. سألته عن الموضوع. وكان جوابه أن الغرف التي يمارس فيها السجناء الجنس مع زوجاتهم لا يمكن إغلاقها. هذا أمرٌ مُضحكٌ بلا شك، ولكنه في الوقت نفسه ذو دلالةٍ كبيرةٍ أن المسألة تتعلق بالسلطة.

وعلى نحو مماثل، فإن سلسلة اللوم والانتقادات التي وجهت إلى المؤسسة الطبية ــ وأنا أفكر في تلك التي وجهها إيليتش ولكن أيضا آخرين ــ لم تركز بشكل أساسي، في المقام الأول على حقيقة أن المؤسسات الطبية من شأنها أن تمكن من إنتاج دواء من أجل الربح، حتى ولو كان بوسعنا أن ندين العلاقات التي قد تقوم بين شركات الأدوية وبعض الممارسات الطبية أو بعض المؤسسات الاستشفائية. إن ما يُلام عليه الطب هو عدم امتلاكه سوى معرفة هشة وزائفة في كثير من الأحيان. بل يبدو لي أن ما يُلام عليه الطب جوهريًا هو ممارسة سلطة مُطلقة على الجسد، ومعاناة المريض، وحياته وموته. لا أدري إن كان الأمر نفسه في اليابان، ولكن ما يُثير دهشتي هو أن مشكلة الموت في الدول الغربية تُطرح في شكل لوم مُوجّه إلى الطب ليس لعدم قدرته على إبقائنا على قيد الحياة لفترة أطول، بل على العكس من ذلك لإبقائنا على قيد الحياة حتى لو لم نُرد ذلك. ننتقد الطب والمعرفة الطبية والبنية التقنية الطبية لقرارها مصيرنا، ولضمانها لنا حياةً متطورةً علميًا وتقنيًا، لم نعد نرغب فيها. الحق في الموت هو الحق في رفض المعرفة الطبية، وليس ضرورة ممارستها. سلطتها هي الهدف الحقيقي.

فيما يتعلق بقضية ناريتا، نجد أيضًا ما يلي: كان بإمكان مزارعي ناريتا بالتأكيد التمتع بمزايا كبيرة بقبول بعض المقترحات التي قُدمت لهم. لكن ما رفضوه هو ممارسة شكل من أشكال السلطة عليهم لم يرغبوا بها. أكثر من اللعبة الاقتصادية، إن شكل السلطة التي تُمارس عليهم، ومجرد كونها تتعلق بمصادرة مُقررة من الأعلى بطريقة أو بأخرى، هو ما يُهدد قضية ناريتا: حيث يتم الرد على هذه السلطة التعسفية، بانقلاب عنيف للسلطة.

الميزة الأخيرة التي أودّ التأكيد عليها فيما يتعلق بهذه النضالات هي أنها نضالات آنية. وهذا له معنيان. من جهة، تنتقد هذه النضالات أقرب أشكال السلطة إليها؛ وتنتقد كل ما يُمارس مباشرةً على الأفراد. بعبارة أخرى، لا يتعلق الأمر في هذه النضالات باتباع المبدأ اللينيني العظيم "العدو الرئيسي" أو "الحلقة الأضعف". لم تعد هذه النضالات الآنية تنتظر لحظة مستقبلية تتمثل في الثورة، والتحرر، وزوال الطبقات، وزوال الدولة، وحل جميع المشاكل. بالمقارنة مع نطاق نظري للتفسيرات أو نظام ثوري يستقطب التاريخ ويُرتب لحظاته، يمكننا القول إن هذه النضالات نضالات اناركية؛ إنها محفورة في تاريخ مباشر، يقبل نفسه ويعترف بأنه مفتوح بلا حدود.

أود الآن العودة إلى الفلسفة التحليلية السياسية التي تحدثت عنها سابقًا. يبدو لي أن دور هذه الفلسفة التحليلية للسلطة ينبغي أن يتمثل في تقدير أهمية هذه النضالات والفينومينا، التي لم تُمنح حتى الآن سوى قيمة هامشية. ينبغي توضيح كيف تختلف هذه السيرورات، هذه الاضطرابات، هذه النضالات الغامضة والمحدودة، والمتواضعة في كثير من الأحيان، عن أشكال النضال التي حظيت بتقدير كبير في العالم الغربي تحت شعار الثورة. ومهما كانت المفردات المستخدمة، ومهما كانت المراجع النظرية للمشاركين في هذه النضالات، فمن الواضح تمامًا أننا نتعامل مع سيرورة، وإن كانت بالغة الأهمية، إلا أنها ليست سيرورة ذات شكل ثوري، أو مورفولوجيا ثورية بالمعنى التقليدي لكلمة "ثورة"، حيث تُشير الثورة إلى نضال عالمي ووحدوي لأمة أو شعب أو طبقة بأكملها، نضال يعد بإسقاط السلطة القائمة من أعلى إلى أسفل، وإبادتها في جوهرها، نضال يضمن تحريرًا شاملًا، ونضالًا حتميًا يتطلب، باختصار، أن تكون جميع النضالات الأخرى تابعةً لها ومعتمدةً عليها.

مع اقتراب القرن العشرين من نهايته، هل نشهد ما يشبه نهاية عصر الثورة؟ يبدو لي هذا النوع من النبوءات، وهذا النوع من أحكام الإعدام على الثورة، سخيفًا بعض الشيء. ربما نعيش نهاية حقبة تاريخية هيمن عليها، على الأقل في الغرب منذ ١٧٨٩ ١٧٩٣، احتكار الثورة، مع كل ما قد يترتب عليه من آثار مشتركة للاستبداد، مع أن زوال احتكار الثورة لا يعني إعادة تقييم الإصلاحية (reformism). ففي الواقع أن النضالات التي تحدثت عنها للتو، ، ليست المسألة إصلاحية على الإطلاق، لأن دور الإصلاحية هو تثبيت نظام السلطة بعد عدد معين من التغييرات، بينما في كل هذه النضالات، الهدف هو زعزعة استقرار آليات السلطة، زعزعة تبدو بلا نهاية.

على الرغم من كونها غير مركزية بالنسبة لمبادئ الثورة وأولوياتها وامتيازاتها، فإن هذه النضالات ليست فينومينا ظرفية ترتبط فقط بظروف خاصة. إنها تستهدف واقعًا تاريخيًا قائمًا منذ قرون في المجتمعات الغربية، ربما يكون غير واضح، ولكنه راسخ للغاية. يبدو لي أن هذه النضالات تستهدف إحدى بنيات مجتمعاتنا الجوهرية، وإن كانت غير معروفة جيدًا. وبعض أشكال السلطة ظاهرة للعيان، وقد أدت إلى نضالات يمكن تمييزها فورًا لأن هدفها ظاهر في حد ذاته: ضد أشكال الهيمنة الاستعمارية والإثنية واللغوية، كانت هناك نضالات وطنية، واجتماعية كان هدفها الصريح والواضح أشكال الاستغلال الاقتصادي؛ وكانت هناك نضالات سياسية ضد أشكال السلطة القانونية والسياسية الواضحة والمعروفة. حيث تستهدف الصراعات التي أتحدث عنها شكلًا من أشكال السلطة موجودًا في الغرب منذ العصور الوسطى، شكلًا من أشكال السلطة ليس قانونيًا ولا سياسيًا، ولا اقتصاديًا، ولا هيمنة عرقية، ومع ذلك كان له آثار بنيوية كبيرة في مجتمعاتنا. ولعل هذا هو السبب في أن تحليلها أكثر حساسية من تحليل أي نضال آخر. ولهذه السلطة أصل ديني. حيث إنها سلطةٌ تهدف إلى قيادة البشر وإرشادهم طوال حياتهم وفي كل ظرفٍ من ظروفهم، سلطةٌ تتمثل في تولي مسؤولية حياة البشر بكل تفاصيلها وتطورهم من ميلادهم إلى مماتهم، وذلك لإجبارهم على سلوكٍ معين وضمان خلاصهم. هذا ما يُمكن أن نُسميه السلطة الرعوية.

من الناحية الاشتقاقية، وحرفيًا، تُعرّف السلطة الرعوية بأنها السلطة التي يمارسها الراعي على رعيته. لم تكن المجتمعات اليونانية والرومانية القديمة تعرف، وربما لم ترغب، في سلطةٍ كهذه، يقظةً، وحريصةً على خلاص الجميع. مع المسيحية، ومع مؤسسة الكنيسة، وتنظيمها الهرمي والإقليمي، ولكن أيضًا مع مجموعة العقائد المتعلقة بالحياة الآخرة، والخطيئة، والخلاص، واقتصاد الجدارة، ومع تحديد دور الكاهن، ظهر مفهوم المسيحيين باعتبارهم يشكلون قطيعًا، حيث يتمتع عدد معين من الأفراد، الذين يتمتعون بمكانة معينة، بالحق والواجب في ممارسة مسؤوليات الرعاية عليها.

تطورت السلطة الرعوية طوال العصور الوسطى في ظل علاقات وثيقة وصعبة مع المجتمع الإقطاعي. وتطورت بشكل أكثر عمقًا خلال القرن السادس عشر، مع الإصلاح الديني والإصلاح المضاد (Counter Reformation) (٦). وعبر هذا التاريخ الذي يبدأ بالمسيحية ويستمر حتى قلب العصر الكلاسيكي، وحتى عشية الثورة نفسها، احتفظت السلطة الرعوية بطابع أساسي وفريد في تاريخ الحضارات: فبينما تُمارس على الجماعة بأكملها، كأي سلطة دينية أو سياسية أخرى، فإن اهتمامها ومهمتها الرئيسية هي ضمان خلاص الجميع من خلال تولي مسؤولية كل عنصر على حدة، كل رعية، كل فرد، ليس فقط لإجباره على التصرف بطريقة أو بأخرى، ولكن أيضًا لمعرفته واكتشافه، وإلقاء الضوء على ذاتيته، وبناء علاقته بنفسه وضميره.
إن أساليب الرعوية المسيحية المتعلقة بالتوجيه الروحي، ورعاية النفوس، وشفائها، وكل هذه الممارسات التي تمتد من الامتحان إلى الاعتراف، مرورًا بالاقرار، هذه العلاقة الإلزامية بين الذات والذات من حيث الحقيقة والخطاب القسري، هي ما يبدو لي أحد أهم أركان السلطة الرعوية، وهو ما يجعلها سلطة فردانية. ففي المدن اليونانية والإمبراطورية الرومانية، لم تكن السلطة بحاجة إلى معرفة الأفراد فردًا فردًا، لبناء جوهر صغير من الحقيقة حول كل واحد منهم، كان على الاعتراف أن يُبرزه، وكان على القس المستمع باهتمام أن يتقبله ويحكم عليه. ولم تكن السلطة الإقطاعية بحاجة إلى هذا الاقتصاد الفرداني للسلطة. حتى الملكية المطلقة وجهازها الإداري لم يكونا بحاجة إليه. ركزت هذه السلطات إما على المدينة ككل، أو على بعض الجماعات، أو على بعض الأقاليم، أو على فئات من الأفراد. حيث كانت تلك مجتمعات من الجماعات والطبقات؛ ولم يكن المرء بعد في مجتمع فرداني.
قبل عصر تطور المجتمع الصناعي والبرجوازي العظيم بوقت طويل، شكّلت السلطة الدينية المسيحية الجسد الاجتماعي بهدف تكوين الأفراد باعتبارهم مرتبطين بذواتهم تحت ستار الذاتية يُطلب منها أن تُدرك ذاتها من حيث الحقيقة وتحت شكل الاعتراف.

أود أن أدلي بملاحظتين حول السلطة الرعوية. الأولى هي أنه قد يكون من المفيد مقارنة الرعوية، أي السلطة الرعوية للمجتمعات المسيحية، بما يمكن أن يكون دور الكونفوشية وآثارها في مجتمعات الشرق الأقصى. ويجب ملاحظة شبه التطابق الزمني بينهما وكيف كان دور السلطة الرعوية مهمًا لتطور الدولة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا، على غرار الكونفوشية في اليابان في زمن توكوغاوا (Tokutawa). لكن ينبغي لنا أيضًا التمييز بين السلطة الرعوية والكونفوشية: فالرعوية دينية في جوهرها، بينما الكونفوشية ليست كذلك؛ والرعوية تهدف أساسًا إلى هدف يقع في الآخرة، ولا تتدخل هنا على الأرض إلا وفقًا لهذه الآخرة، بينما تلعب الكونفوشية أساسًا دورًا أرضيًا؛ وتهدف إلى استقرار عام للجسم الاجتماعي من خلال مجموعة من القواعد العامة المفروضة إما على جميع الأفراد أو على جميع فئات الأفراد، بينما تُنشئ الرعوية علاقات طاعة فردية بين الراعي ورعيته؛ وأخيرًا، فيما يتعلق بالتقنيات التي تستخدمها (التوجيه الروحي، ورعاية النفوس، إلخ)، فإن الرعوية لها آثار فردانية لا تستلزمها الكونفوشية. وهناك عالم كامل من الدراسات المهمة التي يمكن للمرء أن يطورها على أساس الأعمال الأساسية التي أجراها ماساو ماروياما (Masao Muruyama) في اليابان.

ملاحظتي الثانية هي التالية: على نحوٍ متناقض وغير متوقع، منذ القرن الثامن عشر، وجدت المجتمعات الرأسمالية والصناعية، وكذلك أشكال الدولة الحديثة المرافقة والداعمة لها، نفسها بحاجة إلى الإجراءات والآليات، وبالأساس إجراءات التفرد التي وضعتها الرعوية الدينية. وبغض النظر عن تفكك عددٍ من المؤسسات الدينية والتحولات التي سنسميها باختصار أيديولوجية، والتي غيّرت بلا شك علاقة الإنسان الغربي بالعقائد الدينية بعمق، فقد جرى ترسيخ، بل وتكاثر، للأساليب الرعوية في إطار جهاز الدولة. حيث لا يُعرف الكثير ولا يُروى الكثير، ويرجع ذلك بالتأكيد إلى أن أشكال الدولة الكبرى التي تطورت منذ القرن الثامن عشر كانت مبررة أكثر بكثير من حيث ضمان الحرية أكثر من آليات السلطة المزروعة، وربما أيضًا لأن هذه الآليات الصغيرة بدت وضيعة ومخزية، وبالتالي لا تستحق التحليل والمناقشة. كما يقول مؤلف رواية "رجل عادي"، يُفضّل النظام تجاهل الآلية التي تُنظّم إنجازه إذا كانت هذه الآلية دنيئةً بشكلٍ واضحٍ لدرجة أنها ستقوض أيّ طعنٍ في العدالة.

إنّ هذه الآليات الصغيرة، البطيئة، وشبه المشينة تحديدًا هي ما علينا استخلاصه من المجتمع الذي تعمل فيه. خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا، شهدنا إعادة توزيعٍ كاملة، وزرعًا كاملًا لما كان يُمثّل الأهداف التقليدية للرعوية. كثيرًا ما يُقال إنّ الدولة والمجتمع الحديثين يتجاهلان الفرد. على العكس من ذلك، عندما يُمعن المرء النظر، يُدهَش من جميع التقنيات التي وُضعت وطُوّرت بحيث لا يفلت الفرد من السلطة بأي شكلٍ من الأشكال، أو من المراقبة، أو السيطرة، أو الحكمة، أو التصحيح، أو التأديب. جميع آليات التأديب الكبرى: الثكنات، والمدارس، وورش العمل، والسجون، هي الآليات التي تُمكّن من تعريف الفرد، ومعرفة ماهيته، وماذا يفعل، وأين يُوضَع، وكيف يُدمج بين الآخرين.
علاوةً على ذلك، تُعدّ العلوم الإنسانية معارف تُمكّن من إدراك ماهية الأفراد، ومن هم القادرون على فعل ماذا، وما هي سلوكياتهم المتوقعة، ومن هم الذين يجب استبعادهم. تنبع أهمية الإحصاء تحديدًا من أنه يُتيح القياس الكمي للآثار الجماعية لسلوكيات الأفراد. تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه إلى جانب أهدافها المتمثلة في الترشيد الاقتصادي والاستقرار السياسي، فإن لآليات الدعم والضمان آثارًا فردية: فهي تُحوّل الفرد، ووجوده وسلوكه، وحياة ووجود ليس فقط الجميع، بل أيضًا كل فرد، إلى حدث ذي صلة، بل ضروري، ولا غنى عنه لممارسة السلطة في المجتمعات الحديثة. لقد أصبح الفرد شاغلًا أساسيًا للسلطة. ومن المفارقات أن السلطة تزداد فردانيةً مع ازدياد بيروقراطيتها وتمركزها حول الدولة. وإذا كانت قد فقدت جلّ صلاحياتها في شكلها الديني المحض، فقد وجدت الرعية في الدولة سندًا جديدًا ومبدأً للتحول.

أود أن أختتم بالعودة إلى تلك النضالات، تلك الألعاب التي تُمارس على السلطة، والتي تُعتبر النضالات حول السجون والنظام الجزائي أحد أمثلتها وإحدى الحالات المحتملة. سواءً تعلقت بالجنون، أو المرض النفسي، أو العقلانية واللاعقلانية، أو العلاقات الجنسية بين الأفراد، أو العلاقات بين الجنسين، أو البيئة وما نسميه علم الإيكولوجيا، أو الطب والصحة والموت، فإن لهذه النضالات أهدافًا ورهانات محددة للغاية، وهي رهانات تختلف تمامًا عن رهانات النضالات الثورية، وتستحق، على الأقل، أن تُؤخذ في الاعتبار بقدر ما تُؤخذ في الاعتبار الأخيرة. ما نُسميه، منذ القرن العشرين، الثورة، وما تهدف إليه الأحزاب والحركات التي نسميها ثورية، هو جوهر ما يُشكل السلطة الاقتصادية...

هوامش المترجم:
١. المصدر الأصلي للترجمة:
Michel Foucault). June 2018). The Analytic Philosophy of Politics. Foucault Studies, No. 24, pp. 188-200 .
٢. تعد هذه اول ترجمة عربية لمحاضرة (الفلسفة التحليلية للسياسة) التي أُلقاها ميشيل فوكو في 2 أبريل/نيسان 1978، في مركز مؤتمرات أساهي كودو بطوكيو في اليابان.
٣. حسام جاسم/ كاتب مستقل من العراق.
٤. سولون (Solon)/ مشرع، شاعر ورجل قانون أثيني، قام بسن مجموعة من القوانين الإصلاحية والتي تعارضت مع نظام الدولة المتبع آنذاك ورغم أن إصلاحاته فشلت فيما بعد إلا أنه يعتبر الممهد لقيام ما تم تسميته لاحقا بالنظام الأثيني الديمقراطي. عُرف سولون بلقب مؤسس الديمقراطية. وقد انتُخب سنة 594 ق. م رئيس القضاة في أثينا، ووضع حداً للقانون القائل إن المدين الذي لا يستطيع تسديد دينه يصبح عبداً رقيقاً لمن هو مدين له. وأعاد تنظيم دستور اثينا بقسمة السكان إلى أربع طبقات. لكل منها حقوق محددة. وأهم شيء في ذلك كان أن أفراد هذه الطبقات جميعاً لهم الحق بأن يُنتَخبوا أعضاء الجمعية الشعبية، الأمر الذي يعني أن عدداً أكبر من المواطنين يمكن أن يكون لهم رأي حقيقي في الحكم - وذلك بداية الديمقراطية.
٥. في الستينيات، واجه بناء مطار طوكيو الجديد على أرض زراعية في ناريتا معارضة من جانب المزارعين واليسار المتطرف في اليابان. حيث يعد ناريتا مثيرًا للجدل إلى حد كبير ولا يزال كذلك حتى يومنا هذا، وخاصة بين السكان المحليين في المنطقة. وقد أدى هذا إلى صراع سانريزوكا ، الناجم عن قرار الحكومة ببناء المطار دون استشارة معظم السكان في المنطقة، بالإضافة إلى مصادرة أراضيهم في هذه العملية. وحتى بعد اكتمال المطار في النهاية، تم التحكم في حركة المرور الجوي بموجب قيود تشغيلية مختلفة متعلقة بالضوضاء بسبب قربه المباشر من الأحياء السكنية، بما في ذلك منزل به مزرعة تقع مباشرة بين المدرجات. افتتح عام ١٩٧٨. يعد اليوم مطار ناريتا من أكثر المطارات ازدحامًا في اليابان من حيث حركة الركاب الدوليين والبضائع الدولية.
٦. الإصلاح المضاد (Counter Reformation)/ يعرف أيضاً بالإصلاح الكاثوليكي وهي حركة دينية استهدفت إصلاح الكنيسة الكاثوليكية وفي نفس الوقت مناهضة الإصلاح البروتستانتي، وقد بدأت مع مجلس ترنت (1545م- 1636م) وانتهت بنهاية حرب الثلاثين عاما عام 1648 م. وقد كان الإصلاح المضاد إصلاحاً شاملاً حوى أربع عناصر رئيسية: 1- إعادة تشكيل الهيكل الكنسي. 2- النظم الدينية. 3- الحركات الروحية. 4- الأبعاد السياسية.
وقد تضمنت هذه الإصلاحات تأسيس معاهد دينية لتوفر التدريب المناسب للكهنة سواء في الممارسات الدينية أوالتقاليد اللاهوتية للكنيسة، وإصلاح الحياة الدينية من خلال إعادة النظم الدينية إلى أصولها الروحية.



#حسام_جاسم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميشيل فوكو... المكوث في معبد الزن
- سهد التهجير / 42
- سهد التهجير / 41
- سهد التهجير / 40
- خطاب الأمل / هارفي ميلك
- معجم فلسفة الدين
- ميشيل فوكو: عن الدين والفلسفة وموت الإله
- السلطة الرعوية والعقل السياسي/ ميشيل فوكو
- سهد التهجير / 39
- سهد التهجير/ 38
- سهد التهجير / 37
- نظرية الجندر
- الفلسفة المعاصرة، حوارات في فلسفة ما بعد الحداثة
- سهد التهجير / 36
- سهد التهجير/ 35
- سهد التهجير/ 34
- سهد التهجير/ 33
- سهد التهجير/ 32
- سهد التهجير / 31
- سهد التهجير / 30


المزيد.....




- شاهد.. حرائق الغابات تُخلّف دمارًا واسعًا في بريتش كولومبيا ...
- مصر.. تشديد الرقابة على المشروعات العقارية لضمان حقوق المشتر ...
- وسط غموض بشأن هويتها.. قتلى إثر استهداف حوثي لسفينة في باب ا ...
- سيارة تصطدم بطائرة خاصة على مدرج مطار ميلانو الإيطالي
- -قصفها حقّق كل أحلامي-.. رئيس سابق للموساد يكشف دخول عملاء إ ...
- -انتهاك صارخ-.. سوريا تندّد باعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيل ...
- ترامب يعلن إفراج روسيا عن جندي أميركي سابق بوساطة شخصية مع ب ...
- البعثة الأممية تدين اشتباكات الزاوية وصرمان وتحذر من استخدام ...
- أزمة داخل البرلمان المصري.. خلاف بين نائبين يفتح ملف الذمم ا ...
- أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يجدد شروط طهران لفت ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام جاسم - الفلسفة التحليلية للسياسة/ ميشيل فوكو