أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نايف عبوش - الشاعر المبدع أبو كوثر.. بين عسعسة الليل وفجر طال انتظاره














المزيد.....

الشاعر المبدع أبو كوثر.. بين عسعسة الليل وفجر طال انتظاره


نايف عبوش

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 21:07
المحور: الادب والفن
    


في نظمه الشعر الشعبي، يبرز الشاعر المبدع أبو كوثر بقدرته على التقاط ومضة اللحظة الشعرية،وصياغتها في قالب زهيري ماتع، يزاوج بين عفوية التعبير، وعمق دلالاته.

فالزهيري ليس مجرد أبيات موزونة مقفاة، وإنما هو فضاء رحب، تتجسد فيه قدرة الشاعر على التقاط المفردة، وتوظيفها في أكثر من مجال دلالي، وصولاً إلى خاتمة ،تمنح النص مفاجأته الشعرية. وفي هذا الفن الشعبي العريق، تتجسد براعة الشاعر أبو كوثر بوضوح،حين يتمكن من أن يجعل من المفردة الشعبية مادة شعرية، تستدعي من المتلقي التفكير بأكثر من معنى.

ففي مطلع زهيري جميل له يقول فيه :

ياروحي طيري ومع أسراب الگطا هاجري
ليلچ معسعس ولا شگلو فجر هاجري..

يأخذنا الشاعر إلى فضاء الليل، لا بوصفه زمناً عابراً، وإنما باعتباره حالة نفسية مكتملة. فقوله: (ياروحي طيري), يحمل نداءً وجدانياً داخلياً، تتحرر فيه الروح من وطأة الانتظار، بعد أن ضاقت ذرعاً بما يحيط بها، ولم تعد تجد سبيلاً للخلاص إلا بالتحليق بعيداً.

ثم يأتي قوله: (ومع أسراب الگطا هاجري) ليضيف إلى المشهد بعداً تصويرياً بالغ الجمال. فالگطا، بما يحمله في الذاكرة الشعبية من دلالة على الارتحال، والحركة في أسراب عبر الفضاء المفتوح، يصبح رفيقاً للروح في هجرتها. وهنا لا تعود الهجرة مجرد انتقال مكاني، بل تتحول إلى رحلة وجدانية، تبحث فيها الروح عن فضاء آخر، بعيداً عن هموم الليل الثقيل، وانتظار الفجر.

أما عبارة (ليلچ معسعس) فتستحضر التعبير القرآني البديع في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَس.. والصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، بما يحمله اللفظ من إيحاء بحركة الليل وإقباله أو إدباره. ويستعير الشاعر أبو كوثر هذه اللفظة ليوظفها باقتدار في بناء الحالة الشعورية للنص, فالليل عنده ليس مجرد عتمة، بل ليل متحرك، ثقيل، ممتد، يستولي على الإحساس في وجدانه، ويجعل انتظار الفجر أشبه بانتظار الخلاص.

فالليل المعسعس يصبح عنده معادلاً للوحشة، والهجرة معادلاً للرغبة في الخلاص، والفجر رمزاً للخروج من حالة الانتظار إلى فضاء الأمل.

ولا ريب أن تكرار مفردة (هاجري) له قيمة فنية واضحة٫ إذ تتحول الكلمة من مجرد قافية, إلى دلالة يدور حولها النص. فالهجر هنا قد يحتمل هجر المكان، وهجر الانتظار، وربما هجر حالة وجدانية أثقلت الروح بتداعبات مرهقة. وهذه إحدى خصائص الزهيري الجميلة، إذ إن الكلمة الواحدة لا تستقر على معنى واحد، وإنما تفتح أمام المتلقي أبواباً متعددة للتأويل.

ولعل أجمل ما في هذا النص أن الشاعر أبو كوثر لم يجعل الليل نهاية للمشهد، وإنما جعله سؤالاً مفتوحاً على الفجر. وحين يقول: (ولا شگلو فجر هاجري)، فإن الفجر، حتى وإن غاب، يظل حاضراً في مخيلته. وبالتالي فإن غياب الفجر لا يعني انعدامه، وإنما يعني استمرار الانتظار.

وهنا يتحول النص من وصف الليل, إلى التعبير عن حالة إنسانية أوسع، هي حالة الإنسان الذي يطول به الانتظار، فيتساءل: متى تنتهي العتمة؟ ومتى تأتي اللحظة التي يتنفس فيها الصباح ايذانا بالفرج؟

ولاشك أن إبداع الشاعر الكبير أبو كوثر قد تجسد بقدرته على التقاط المفردة، وتوظيفها باقتدار،بنظم يمنح المفردة المألوفة حياة جديدة، حين يجعل من (الگطا) رفيقاً للروح، ومن (العسعسة) حركة للليل، ومن (الفجر) أملاً وتطلعاً مؤجلاً.



#نايف_عبوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشاعر المبدع احمد خلف الشويخي ينعت شياه همومه
- الانغماس في الفضاء الرقمي.. ضياع واستلاب
- من دفء المجالس إلى عزلة الشاشة الزرقاء
- الفلسفة..رحلة الشك نحو اليقين
- الموروث الشعبي..بين اصالة الذاكرة وتحديات العصرنة
- رقمنة الدماغ...وفقدان الحس المرهف والمشاعر الجياشة
- لماذا تسكننا الذكريات؟
- مخرجات التعليم..وضرورة التناغم مع متطلبات سوق العمل
- التعالق مع المكان في الغناء الريفي
- حين كانت الدراسة رحلة معاناة
- الشاعر المبدع أبو كوثر..حين تهاجر الروح مع أسراب القطا
- تجليات الجمال..بين الحس المرهف والبلادة
- قصص القرآن الكريم..روعة القص وثراء الدروس المستنبطة
- نعمات الطراونة.. سادنة الموروث الشعبي وحارسة الذاكرة الشعبية
- أدبيات الشرار.. ولادة جديدة في فن الزهيري في الحكمة والفخر و ...
- الشاشة الزرقاء.. تطرد شاشة التلفزيون من فضاء المشاهد
- سعدي الأحميد..عارفة الأنساب وحارس الذاكرة االريفية
- العصرنة.. إيجابيات واعدة وتداعيات صاخبة
- انثيال النص الابداعي..لحظة انقداح ومضة البوح
- تاملات في الإنسان ما بعد الذكاء الاصطناعي


المزيد.....




- مصر.. فيلم -محمود التاني- يصل إلى دور السينما في هذا الموعد ...
- على خطى -مايكل-.. فرقة -غرين داي- تروي سيرتها الذاتية في فيل ...
- هل ينقذك الماضي من الحاضر؟ فيلم -إذما- يبحث عن إجابة عمرها 1 ...
- رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية يصف زيارته لروسيا بـ-النا ...
- صدور رواية طوالع يومية في العراق
- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...
- -يُخشى عليها من الاندثار-.. حِرفي عراقي يوثق معالم كركوك الق ...
- مثل العلامة المائية.. سونو تضع بصمتها على موسيقى الذكاء الاص ...
- الفنان المصري طارق الشيخ يعلن انفصاله رسميا عن زوجته بكلمات ...
- بوتين يبعث تحياته إلى الرئيس الكوبي.. وروسيا ضيف شرف معرض ها ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نايف عبوش - الشاعر المبدع أبو كوثر.. بين عسعسة الليل وفجر طال انتظاره