أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نايف عبوش - الشاعر المبدع احمد خلف الشويخي ينعت شياه همومه














المزيد.....

الشاعر المبدع احمد خلف الشويخي ينعت شياه همومه


نايف عبوش

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 01:56
المحور: الادب والفن
    


الشاعر المبدع أحمد خلف الشويخي.. ينعت شياه همومه


لمجرد أن نذكر الراعي، تستحضر الذاكرة، صورة ذلك الرجل الذي يمضي في الفلاة، يتتبع خطى أغنامه، ويسوقها من مرعى إلى مرعى، حريصًا على ألا تتفرق شياهُه، أو تضل طريقها. فالرعي يقوم على اليقظة، والملاحقة، والحفظ، وعلى معرفة مسالك الأرض ،ومواطن الماء، والكلأ.

لكن الشاعر المبدع أبو فرحة أحمد خلف الشويخي يأخذنا في عتابته إلى صورة أخرى للراعي، صورة لا يرعى فيها الراعي الأغنام، بقدر ما يرعى ما أثقل قلبه من هموم، ولا يسوق شياهًا في فضاء الجزيرة، وإنما يسرح بأفكاره، في فضاء داخلي ،لا تحده حدود،إذ يقول :

مثل راعي بجزيرة ونعتلهن
شجي وبهمومي سارح وانعتلهن
شياه الفكر مدن ونعتلهن
ضوامي وروحن گبل العيال..

فهو منذ الشطر الأول، يضعنا أمام مشهد مألوف من حياة الريف، والبادية، راعي في جزيرة يرعى أغنامه ،وينعتلهن. غير أن الصورة لا تلبث أن تنقلب من المشهد الخارجي، إلى المشهد الداخلي،فإذا بالراعي نفسه ،ليس راعي أغنام، وإنما إنسان مثقل بالشجن، يسرح بهمومه واوجاعه،كما يسرح الراعي بأغنامه.

وهنا تكمن براعة الشاعر في بناء المفارقة. فالمفردة الشعبية (ونعتلهن) تتكرر، ولكنها في كل مرة تفتح بابًا جديدًا للمعنى. ففي البداية تبدو مرتبطة بالأغنام، ثم تتحول إلى فعل يمارسه الشاعر مع همومه، وأفكاره، حتى تصبح الهموم نفسها، قطيعًا يسوقه معه أينما ذهب.

أما قوله ,(شياه الفكر مدن ونعتلهن), فهو انتقال بالغ الذكاء، من عالم الرعي الحقيقي, إلى عالم الرعي المجازي. فالفكر هنا يصبح شياهًا، والأفكار المتعبة شياهًا ضوامي، والشاعر هو الراعي ،الذي يحاول جمع اغنامه وسوقها، غير أن هذه الشياه ليست في مرعى خارجي،بل إنها في رأسه، وقلبه، وذاكرته.

ولعل أكثر ما يوجع في هذه العتابة قوله (ضوامي وروحن گبل الغياب).فالعطش هنا ليس عطش الأغنام وحدها، وانما عطش المعنى، وعطش النفس، إلى السكينة، وربما عطش القلب إلى فرجة، تنهي هذا الشرود الطويل. ثم تأتي عبارة (گبل الغياب), لتمنح المشهد بعدًا اجتماعيًا ٫وإنسانيًا ,عميقًا. فالأغنام تعود إلى أهلها، بينما تظل هموم الشاعر بلا مأوى، ولا تجد من يعيدها إلى مكانها, أو يطفئ عطشها.

وهكذا يتحول المشهد البسيط،إلى لوحة إنسانية كثيفة، راعٍي، وأغنام، وجزيرة، وعطش، وعودة إلى الغياب، لكن يقف خلف هذه المفردات الشعبية البسيطة، إنسان يحمل قطيعًا آخر، لا يراه الناس،إنه قطيع الهموم.

إن جمال هذه العتابة لا يكمن في بلاغة توظيف الشعبية فحسب، وإنما في قدرة الشاعر على استثمار البيئة التي يعرفها المتلقي ،وتحويل مفرداتها إلى رموز شعورية. فالجزيرة ليست مجرد مكان للرعي، والراعي ليس مجرد صاحب مهنة الرعي، والشياه ليست مجرد أغنام، إنها جميعًا تتحول إلى مفردات في قاموس النفس لها معانيها.

وإذا كان الراعي التقليدي يخشى أن تتفرق أغنامه، فإن الشاعر، يبدو منشغلًا بأمر آخر ،هو كيف يجمع أفكاره المتناثرة؟ وكيف يضبط قطيع الهموم، الذي لا يهدأ؟ وكيف يجد مرعى آمنًا لفكره، وموردًا يروي عطش روحه؟

وهنا تتجلى خصوصية الشاعر الملهم أحمد خلف الشويخي في التعامل مع نظم العتابة، إذ لا يكتفي بأن يحكي موقفًا، أو يرسم مشهدًا، بل يجعل من المشهد الشعبي مدخلًا إلى التعبير عن تجربة إنسانية أوسع. فهو ينطلق من الجزيرة، ليصل إلى أعماق الإنسان، ومن الأغنام، ليصل إلى الفكر، ومن الرعي ليصل إلى الهموم.

لقد كان الشاعر في الظاهر راعياً ينعت شياهًا، لكنه في الباطن، كان إنسانًا ينعت همومه، يسوقها أمامه، ويحاول أن يضبط تفرقها، وهي لا تكف عن العطش، والشرود.

ولذلك فإن أجمل ما في هذه العتابة، أن الشاعر لم يقل لنا مباشرة(أنا مهموم), وإنما جعلنا نرى همومه وهي تمشي أمامه ,في صورة شياه الفكر.
وهنا، تحديدًا، تكمن شاعرية أحمد خلف الشويخي.



#نايف_عبوش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانغماس في الفضاء الرقمي.. ضياع واستلاب
- من دفء المجالس إلى عزلة الشاشة الزرقاء
- الفلسفة..رحلة الشك نحو اليقين
- الموروث الشعبي..بين اصالة الذاكرة وتحديات العصرنة
- رقمنة الدماغ...وفقدان الحس المرهف والمشاعر الجياشة
- لماذا تسكننا الذكريات؟
- مخرجات التعليم..وضرورة التناغم مع متطلبات سوق العمل
- التعالق مع المكان في الغناء الريفي
- حين كانت الدراسة رحلة معاناة
- الشاعر المبدع أبو كوثر..حين تهاجر الروح مع أسراب القطا
- تجليات الجمال..بين الحس المرهف والبلادة
- قصص القرآن الكريم..روعة القص وثراء الدروس المستنبطة
- نعمات الطراونة.. سادنة الموروث الشعبي وحارسة الذاكرة الشعبية
- أدبيات الشرار.. ولادة جديدة في فن الزهيري في الحكمة والفخر و ...
- الشاشة الزرقاء.. تطرد شاشة التلفزيون من فضاء المشاهد
- سعدي الأحميد..عارفة الأنساب وحارس الذاكرة االريفية
- العصرنة.. إيجابيات واعدة وتداعيات صاخبة
- انثيال النص الابداعي..لحظة انقداح ومضة البوح
- تاملات في الإنسان ما بعد الذكاء الاصطناعي
- النزق والتقريع..ممارسات سلبية ينبغي تجاوزها


المزيد.....




- من نحيب -تموز- إلى كاظم الساهر.. لماذا يبكي الغناء العراقي؟ ...
- المجمع المعماري لمركز معارض عموم روسيا في موسكو يستعد لتقييم ...
- ألكسندر بلوك.. رحيل أنهى حقبة العصر الفضي للأدب الروسي
- لا تتجاوز 15 دقيقة.. أفلام مصرية قصيرة بحكايات لا تُنسى
- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نايف عبوش - الشاعر المبدع احمد خلف الشويخي ينعت شياه همومه