نايف عبوش
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 20:04
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
أصبحت التكنولوجيا في عالم اليوم شريكا دائما في تفاصيل حياتنا، بعد أن أصبح الهاتف الذكي ذاكرة متنقلة، وباتت الخوارزميات تقترح علينا ما نقرأ، وما نشاهد، وتساوقا مع هذا التحول الكبير يبرز السؤال ،هل ستقودنا رقمنة الحياة تدريجيا إلى رقمنة الدماغ، وبالتالي اضعاف قدرتنا على الإحساس، وتقليص دفء المشاعر الإنسانية؟
ولاريب أن الإنسان قد خُلِق ليعيش بتوازن بين العقل والقلب، وبين المنطق والعاطفة، وبين التفكير والإحساس انطلاقا من قوله تعالى﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾[ التين: 4] ،إلا أن هيمنة العالم الرقمي في عالمنا المعاصر ، والاعتماد المفرط، على السرعة والاختصار، والإستجابة الفورية، جعل العلاقات الإنسانية نفسها تُدار عبر الشاشات، بعد أن تحولت الكلمات الدافئة، إلى رموز تعبيرية، واللقاءات الحية، إلى مكالمات ،وصور، ورسائل عابرة.
ومع أن التكنولوجيا لم تلغ المشاعر، إلا أنها مع ذلك غيّرت أساليب التعبير عنها، فالطفل الذي كان يقضي ساعات من وقته في اللعب مع أقرانه ،أصبح يقضيها أمام شاشة، والأسرة التي كانت تتحاور حول مائدة الطعام،اصبح كل فرد فيها منشغلا بجهازه،ومنغمسا في عالمه الرقمي،حتى طغى الصمت الرقمي، والعزلة الرقمية،على دفء الحوار العائلي.
ولاشك أن اعتماد التطبيقات الذكية قد يمنح العقل سرعة في الوصول إلى المعلومة، لكنه لا يستطيع أن يمنح القلب دفء العاطفة، ولا يعلّم الإنسان الحنان. فهذه القيم لا تُحمَّل من الإنترنت، ولا تُكتسب بضغطة زر، وإنما تنمو بالمخالطة الإنسانية،والتفاعل الوجداني، وتتعمق بالتجارب التي تصنع الشخصية.
ولعل التحدي الحقيقي للتداعيات السلبية للرقمنة، يكمن في تخلي الإنسان عن وظائفه الإنسانية لصالح الآلة، فإذا ما أصبحت الخوارزميات تحدد اختياراتنا، وتوجه اهتماماتنا، وتحدد علاقاتنا، فإننا قد نصل إلى مرحلة ، يصبح فيها العقل أكثر كفاءة، في حين يصبح القلب أقل حضورًا.
ولاريب أن هيمنة الثورة الرقمية في عصرنا الراهن، تقتضي أن نحافظ على إنسانيتنا، فالآلة تستطيع أن تحسب، وتستطيع أن تحلل، وأن تتعلم، لكنها لا تستطيع أن تحب، ولا أن تواسي، ولا أن تشعر بوجع إنسان آخر.
وهكذا فإن رقمنة الدماغ ينبغي أن تبقى وسيلة لتوسيع آفاق المعرفة، وليس وسيلة لتجميد المشاعر، وتبليد الحس ، وبالتالي فانه كلما ازداد التقدم التقني، تعاظمت حاجتنا إلى التمسك بما يميز الانسان عن الآلة، من قلب حي، وضمير يقظ، وحس مرهف، يمنح الحياة معناها الحقيقي.
#نايف_عبوش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟