نايف عبوش
الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 15:34
المحور:
قضايا ثقافية
ما إن يسترجع الإنسان فيض الذكريات التي تراكمت في أعماق وجدانه مع تعاقب السنين، حتى يكتشف أن الزمن، على الرغم من قسوته، لم ينتزع منه كل شيء،فلقد مضى الزمن بالأعوام، والأشخاص، والأماكن، لكنه ترك في القلب أرشيفًا حيًّا، تزدحم صفحاته بالوجوه، والأصوات، والمواقف، والتفاصيل الصغيرة التي لا تزال تنبض بالحياة كلما مرَّ طيفها في الخاطر.
ولعل السؤال الذي يتردد في أذهان الكثيرين هو لماذا تسكننا الذكريات، فنعيش معها أكثر مما نعيش حاضرنا، حتى لو كان هذا الحاضر أكثر دفئًا وجمالًا؟
ولعل الجواب يكمن في أن الماضي هو الصفحة الوحيدة التي عجز الزمن عن تغيير كلماتها. فقد رحل أناس أحببناهم، وغابت بيوت كانت تعج بالحياة، وتبدلت الأزقة، وتغيرت الملامح، غير أن الذاكرة احتفظت بكل شيء كما كان يومًا ما، فلم تسمح للغياب أن يمحو ملامحه، ولا للسنين أن تطفئ وهجه.ولذلك نجد أنفسنا نعود إلى تلك الذكريات، كلما أثقلتنا هموم الحاضر، وكأنها الملاذ الذي نستعيد فيه شيئًا من الطمأنينة التي افتقدناها.
والذكريات ليست مجرد أحداث انقضت، بل هي جزء أصيل من تكويننا الإنساني، وصدى العمر ،الذي يرافقنا كلما امتدت بنا الرحلة. ففيها ضحكات الطفولة الصافية، وخطوات الشباب الواثقة، ورفقة الأصدقاء الذين فرقتهم الطرق، وأيام البساطة التي كانت السعادة فيها تنبع من أصغر التفاصيل. فكلما تقدم بنا العمر، ازدادت قيمة تلك اللحظات، لا لأنها كانت أعظم مما نعيشه اليوم، بل لأنها أصبحت بعيدة المنال، ولا سبيل إلى استعادتها إلا عبر الذاكرة.
وحين يخلو الإنسان إلى نفسه، يتفاجأ أن أول الزائرين له هو الأمس ،وليس الحاضر ،حيث تمر أمامه وجوه الأحبة في هدوء، وتتردد في أذنيه كلمات ظن أنها ذابت في صمت السنين، فيشعر وكأن الزمن توقف لحظة، ليمنحه لقاء خاطفا مع كل من أحب، ومع كل مكان ترك فيه قطعة من قلبه. إنها لحظات لن تعيد الماضي، لكنها تمنح الوجدان وهجا جميلاً، وتخفف شيئًا من وطأة الغياب.
#نايف_عبوش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟