نايف عبوش
الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 13:55
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
قبل التدوين، وانتشار وسائل التوثيق الحديثة، كان للمجالس الريفية رجالها الذين حملوا على عاتفهم مهمة حفظ الذاكرة الجمعية، وصيانة المرويات من الضياع، فكانوا بمثابة المكتبات المتنقلة التي تحفظ الأنساب، وتروي الوقائع، وتسرد الحكايات، وتوثق العادات والتقاليد المتوارثة جيلاً بعد جيل. وكان من بين أولئك الرجال المعاصرين الذين نذروا ذاكرتهم لخدمة التراث والناس، عارفة الأنساب والموروث الريفي سعدي الأحميد.
لقد امتلك سعدي الأحميد ذاكرة استثنائية،بما حباه الله تعالى من موهبة زاخرة، وخزيناً واسعاً من المعلومات المتعلقة بأنساب العشائر والأسر، وتشعباتها، وصلات القربى بينها، حتى أصبح مرجعاً يلجأ إليه الباحثون ، والراغبون في استيضاح تفاصيل الانتماءات العشائرية ومساراتها التاريخية.
ولم يقتصر حضوره على علم الأنساب فحسب، بل امتد ليشمل الموروث الريفي بكافة أبعاده ومجالاته، من الحكايات الشعبية، والأمثال الدارجة، والهوسات، والزهيريات، والقصص المتوارثة، وصولاً إلى تفاصيل الحياة اليومية في الريف العراقي، بما تحمله من قيم الشهامة والكرم والتكافل الاجتماعي، وهي مفردات شكلت على مدى عقود جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية للمجتمع الريفي العراقي.
وتجدر الاشارة إلى أن العارفة سعدي الأحميد وهو يستحضر المعلومة من الذاكرة ، فإنه يعيد إحياء المشهد بأكمله، فيستحضر الأشخاص والأماكن والوقائع والأزمنة وكأنها تجري أمام السامعين في تلك اللحظة. ولذلك كانت رواياته تحظى بإنصات الحاضرين، الذين كانوا يجدون في حديثه متعة المعرفة ودفء الحنين إلى زمن الريف الجميل.
لقد مثل سعدي الأحميد امتداداً لجيل العوارف والنسابة والرواة الذين حفظوا جانباً مهماً من التراث الشفاهي، في وقت كانت فيه المعرفة تنتقل بالرواية من الصدور إلى الصدور، ومن المجالس إلى المجالس، قبل أن تعرف طريقها إلى الكتب والدراسات والوثائق المكتوبة.
واليوم، ومع تناقص عدد الرواة والعوارف، وغياب الكثير من أصحاب الذاكرة التراثية، تزداد الحاجة إلى توثيق ما بقي من هذا الإرث الثمين، وتدوين ما يحفظه الرجال من مرويات وتجارب وخبرات، قبل أن تغيب برحيل أصحابها، فتخسر الذاكرة الجمعية صفحات مهمة من تاريخها وموروثها غير المكتوب.
وسيظل اسم العارفة سعدي الأحميد حاضراً في وجدان من عرفوه، بوصفه واحداً من أبناء ذلك الجيل الذي كان يرى في حفظ النسب، وصون الموروث، رسالة وواجبا ومسؤولية تجاه المجتمع والأجيال القادمة.
#نايف_عبوش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟