جبار قادر
الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 20:19
المحور:
القضية الكردية
تقدم تركيا مشروع القانون الخاص بما تسمیها بعملية «تركيا بلا إرهاب» بوصفه خطوة تاريخية على طريق إنهاء صراع دام عقودًا، وفتح صفحة جديدة من الاستقرار والأمن والتماسك الاجتماعي. وقد حمل المشروع عنوانًا لافتًا هو «قانون تعزيز الدعم الوطني والتماسك الاجتماعي»، ووقعته أربعة من الأحزاب الرئيسية في البرلمان التركي، بما فيها حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، إلى جانب حزب العدالة والتنمية (AKP)، وحزب الحركة القومية (MHP)، وحزب الشعب الجمهوري (CHP). لكن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه منذ قراءة النص ليس ما إذا كان المشروع يتحدث عن السلام، بل: أي قضية يريد هذا القانون حلها؟ فالقارئ يبحث عبثًا، في مجمل الأسباب الموجبة والمواد القانونية، عن كلمة "كرد" أو "كردي". ولا یجد تسمية صريحة للقضية التي يفترض أن تكون في قلب العملية السياسية. وحتى الطرف الذي تدور حوله العملية، أي حزب العمال الكردستاني، لا يظهر في النص إلا باعتباره "منظمة إرهابية"، بينما يجري التعامل مع أعضائه في الإطار نفسه الذي تُعامل فيه القضايا الإرهابية والجرائم المرتبطة بها. وهنا تكمن أولى مفارقات المشروع: كيف يمكن لقانون يهدف إلى إنهاء نزاع سياسي وقومي تاريخي عمرە أکثر من قرن أن يتجنب، بصورة شبه كاملة، تسمية القضية التي أنتجت هذا النزاع؟
القضية الكردية في تركيا ليست وليدة حزب العمال الكردستاني، ولا بدأت مع ظهور العمل المسلح في نهاية منتصف ثمانینیات القرن الماضي. إنها قضية أقدم من ذلك بكثير، وترتبط بتاريخ تأسيس الجمهورية التركية نفسها وحتی قبلها، وبكيفية تعريف الدولة لمواطنيها، وبالسياسات التي اتبعتها تجاه الهوية واللغة والثقافة والحقوق السياسية للكرد، وبالإنتفاضات الكردية التي شهدتها الجمهورية خلال عقودها الأولى، وبالصراع الطويل حول الاعتراف بالهوية الكردية ومكانتها في الدولة. أما حزب العمال الكردستاني، فهو أحد مخرجات هذا التاريخ المعقد، وليس مرادفًا للقضية الكردية كلها. لذلك فإن اختزال القضیة والمشكلة في"منظمة إرهابية" ونزع السلاح منها، مهما كانت أهمية ذلك في إنهاء العنف، لا يجيب عن السؤال السياسي الأكبر: ماذا سيحدث للقضية التي جعلت ظهور التنظيم المسلح ممكنًا أصلًا؟
إذا كان المشروع يعتبر أن المشكلة تنتهي بانتهاء الوجود المسلح للمنظمة، فإن ذلك يعني ضمنيًا أن الدولة تنظر إلى جوهر القضية باعتباره قضية أمنية بالدرجة الأولى. أما إذا كان المقصود هو الانتقال من الصراع المسلح إلى حل سياسي دائم، فإن النص، بصيغته الحالية، لا يقدم أیة إجابة واضحة عن مضمون هذا الحل. فالقانون یرکز علی ما تسمیه ترکیا بالعدالة الجنائية أكثر منه قانونًا لحل قضية سياسية
المفارقة الثانية أكثر وضوحًا عند الانتقال من الأسباب الموجبة إلى مواد القانون، فالمواد الاثنتا عشرة لا تتحدث عن إصلاحات دستورية، ولا عن ضمانات جديدة للحقوق القومية والثقافية الکردیة، ولا عن اللغة الکردیة، ولا عن الإدارة المحلية في کردستان الشمالیة، ولا عن المشاركة السياسية، ولا حتی عن المساواة في الاعتراف بالهويات، ولا عن معالجة آثار السياسات السابقة التي ساهمت في تعميق الصراع. وما تقدمه أساسًا هو ترتيبات تتعلق بالتحقيق والمحاكمة وتنفيذ العقوبات.
المادة الثالثة تتحدث عن تأجيل التحقيقات والمحاكمات لخمس أو عشر سنوات، والمادة السادسة عن تأجيل تنفيذ العقوبات للمدانين، فيما تسمح المادة الخامسة بإغلاق الملفات نهائيًا إذا انقضت فترة التأجيل من دون ارتكاب "جريمة إرهابية". أما المادة الرابعة فتتناول مراجعة الاعتقال والرقابة القضائية والقضايا الموجودة في مراحل الاستئناف والتمييز. هذه أحكام مهمة من الناحية القانونية، لكنها لا تشكل في حد ذاتها مشروعًا لحل قضية سياسية وقومية تاريخية متأزمة.
فالعفو المشروط أو تأجيل العقوبة قد يساعد في إنهاء مرحلة من الصراع، لكنه لا يحل بالضرورة أسباب الصراع. ويمكن للقانون أن يفرج عن السجين، ويؤجل الحكم، ويغلق الملف القضائي، لكنه لا يستطيع بمجرد هذه الإجراءات أن يحسم سؤال الهوية والحقوق والمساواة والمشاركة السياسية. المفارقة الأكبر: المنظمة «إرهابية» حتى في قانون يفترض أنه يفتح طريق السلام، وهنا يبدو التناقض أكثر حدة في العلاقة مع حزب العمال الكردستاني. فالمشروع يفترض أولًا أن المنظمة ستنهي وجودها الفعلي وتسلم أسلحتها وذخائرها، ثم يرتب نتائج قانونية على ذلك. لكنه، في الوقت نفسه، يحافظ على التوصيف القانوني القائم للمنظمة بوصفها "إرهابية"، ويضع أعضاءها والمتهمين بالانتماء إليها أو مساعدتها أو الترويج لها داخل منظومة القانون الجنائي ذاتها. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كانت الدولة تريد الانتقال من الحرب إلى السلام، فهل تستطيع أن تفعل ذلك من خلال قانون لا يزال يرى الطرف المقابل، في جميع مراحله، من زاوية القانون الجنائي وحده؟
من الطبيعي أن تحافظ الدولة على مسؤوليتها عن الجرائم الخطيرة، ولا سيما جرائم القتل، وأن تميز بين المسؤوليات الفردية. لكن الانتقال من النزاع المسلح إلى السلام يتطلب عادةً أكثر من مجرد إعادة ترتيب العقوبات؛ فهو يحتاج أيضًا إلى إطار سياسي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والطرف الذي كان في مواجهة معها، وإلى ضمانات تجعل التخلي عن السلاح جزءًا من تسوية سياسية لا مجرد تسوية جنائية.
"الأخوة" في العنوان وغياب القضية في النص، ربما تكون اللغة المستخدمة في المشروع هي أكثر ما يستحق التوقف عنده. فالنص مليء بتعابير مثل "التكاتف الاجتماعي"، و"الأخوة"، و"المواطنة المشتركة"، و"المستقبل المشترك"، و"الوحدة الوطنية"، و"السلام الاجتماعي"، و"دولة القانون"، و"تركيا بلا إرهاب"...الخ. وكلها تعبيرات إيجابية من حيث المبدأ، لكن المشكلة أن اللغة الإنشائية لا يمكن أن تحل محل الحقوق والضمانات القانونية والسياسية. فحين تقول الدولة إن هدفها هو "تعزيز الأخوة"، يبقى السؤال: ما مضمون هذه الأخوة في القانون؟ وعندما تتحدث عن "المواطنة المشتركة"، هل تعني مساواة كاملة في الحقوق الثقافية والسياسية واللغوية؟ وعندما تتحدث عن "الديمقراطية"، ما الإصلاحات الديمقراطية التي ستجعل حل القضية مستدامًا؟
لا تكفي الإجابة بأن الدولة ستعيش في "قرن جديد" وأن مستقبلها سيكون أكثر أمنًا وديمقراطية. فهذه عبارات سياسية عامة يمكن أن ترد في خطاب حكومي أو بيان سياسي، لكنها لا تتحول إلى ضمانات ما لم تجد ترجمتها في مواد قانونية واضحة وقابلة للتطبيق.
ما الذي يعرضه القانون فعليًا؟
إذا جُرّد المشروع من لغته السياسية والإنشائية ونُظر إلى مواده العملية، يمكن تلخيص عرضه الأساسي في الآتي: إنهاء الوجود المسلح للمنظمة، تسليم الأسلحة، تأجيل بعض التحقيقات والمحاكمات، تأجيل بعض العقوبات، مراجعة بعض إجراءات الاعتقال والرقابة القضائية، وإغلاق الملفات في حال عدم ارتكاب جرائم جديدة خلال فترات محددة. هذه الإجراءات قد تكون ضرورية في أي عملية لإنهاء نزاع مسلح، لكنها تظل الشق الجنائي والأمني من عملية السلام، وليست عملية السلام بكاملها. فالسلام المستدام لا يقوم فقط على سؤال: ماذا نفعل بالمسلحين؟. بل يقوم أيضًا على سؤال آخر أكثر صعوبة، ماذا نفعل بالأسباب السياسية والتاريخية التي جعلت الصراع يستمر كل هذه العقود؟. وهذا السؤال لا نجد له جوابًا واضحًا في المشروع.
نحن هنا أمام منطق "نحن نحل المشكلة دون أن نسميها"، أخطر ما في المشروع ربما هو هذه المعادلة، الدولة مستعدة لاتخاذ خطوات قانونية واسعة تجاه المتهمين والمحكومين، ومستعدة لتأجيل العقوبات وإغلاق الملفات في ظروف معينة، لكنها لا تسمي القضية التي يفترض أن تكون أساس هذه العملية، أي أنها محاولة لحل القضية دون الاعتراف بتعريفها.
وهنا تظهر حدود "النموذج التركي" الذي يتحدث عنه المشروع. فإذا كان النموذج التركي يعني إيجاد صيغة خاصة تراعي خصوصية البلاد، فهذا أمر مفهوم. لكن خصوصية النموذج لا ينبغي أن تعني تجاهل طبيعة المشكلة. فالقضية الكردية لا تختفي بمجرد الامتناع عن استخدام كلمة "كردي". وإذا لم ترد الكلمة في القانون، فإن الواقع الذي أنتج القضية لن يختفي معها.
مع ذلك، سيكون من الخطأ الحكم على المشروع باعتباره عديم القيمة بالكامل. فإنهاء العنف، وتسليم السلاح، وتوفير آليات قانونية للانتقال من العمل المسلح إلى الحياة المدنية، ومراجعة بعض الإجراءات القضائية، كلها خطوات يمكن أن تكون مهمة إذا جاءت ضمن عملية سياسية أوسع، ولكن قيمة القانون الحقيقية ستتوقف على ما سيأتي بعده. والمشروع نفسه يترك الباب مفتوحًا لذلك عندما يتحدث عن إمكانية إدخال تعديلات إضافية على القوانين أو إصدار قوانين جديدة وفق تطورات العملية واحتياجاتها. وهذه ربما تكون أهم نقطة فيه، أن القانون الحالي يمكن أن يكون خطوة أولى، لكنه لا يستطيع أن يكون الحل بأكمله. فالانتقال من الحرب إلى السلام يحتاج إلى بناء الثقة، والثقة تحتاج إلى ضمانات. والضمانات تحتاج إلى نصوص واضحة، لا إلى تعابير عامة. السؤال الذي لا يستطيع القانون الهروب منه هو أنە بعد أكثر من قرن على تأسيس الدولة التركية، وبعد عقود طويلة من الصراع المسلح، لا يمكن لقضية بهذا التعقيد أن تُختزل في مجموعة من الإجراءات المتعلقة بالسجون والمحاكم والأسلحة. السؤال الحقيقي ليس فقط هل سيسلم حزب العمال الكردستاني سلاحه؟، بل، ماذا ستقدم الدولة التركية في المقابل لضمان انتهاء الكفاح المسلح وحتی ذلك لن يعني انتهاء المطالبة بالحقوق السياسية والثقافية والقومية للكرد؟
وإذا كان الجواب هو "المواطنة المشتركة" و"الأخوة" و"التماسك الوطني"، فينبغي أن تتحول هذه المفاهيم إلى حقوق ملموسة وضمانات دستورية وقانونية وسياسية. أما إذا بقي القانون يتحدث عن "الإرهاب" و"الأمن" و"الجريمة" و"العقوبة" ويتجنب تسمية القضية الكردية، فإن ما يجري قد يكون ترتيبًا قانونيًا لإنهاء مرحلة من الصراع المسلح، لا حلًا نهائيًا للقضية الكردية.
إن السلام لا يبدأ فقط عندما يصمت السلاح، بل عندما يصبح من الممكن معالجة الأسباب السياسية للقضية التي دفعت الناس لحمل السلاح، ولهذا فإن نجاح هذا المشروع لن يقاس بعدد الملفات التي ستؤجل، ولا بعدد المحكومين الذين ستتغير أوضاعهم القانونية، ولا بكمية الأسلحة التي ستُسلّم، بل سيُقاس بسؤال أبسط وأعمق وهو: هل ستنتقل تركيا من إدارة القضية الكردية أمنيًا إلى حلها سياسيًا؟
إذا لم يحدث هذا الانتقال، فقد تنجح الدولة في إنهاء منظمة مسلحة، لكنها لن تكون بالضرورة قد حلت القضیة التي تعتبر المنظمة أحد تعبيراتها.
#جبار_قادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟