أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - العراق: سلطة مشتتة، قرار مجزأ وسيادة مهشمة














المزيد.....

العراق: سلطة مشتتة، قرار مجزأ وسيادة مهشمة


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 14:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


یقف العراق اليوم على مفترق طرق هش، فالدولة تبدو قائمة من الناحية الشكلية، لكنها تعاني من خلل بنيوي عميق. السلطة مشتتة بين مؤسسات رسمية وأطر مسلحة موازية، والقرار الوطني مجزأ بين فاعلين متداخلين محليًا وإقليميًا، بينما السيادة نفسها مهشمة أمام هذه التداخلات. في هذا الواقع، لم يعد السؤال هو ما تقوله الحكومة، بل من يمسك فعليًا بزمام الأمور على الأرض ومن يحدد مصير العراق ومستقبل مواطنیە. حين نحاول فهم ما يجري في العراق، ندرك أن المشكلة ليست في الخطاب السياسي، بل في بنية الدولة نفسها. ما يُقال عن السيادة أو حسن الجوار لا يكفي إذا كانت قدرة الدولة على تنفيذ هذه المفاهيم على الأرض محدودة. هنا تظهر العقدة الأساسية، من يملك القرار الأمني النهائي، ومن يتحكم باستخدام القوة داخل البلاد؟
في أي دولة مستقرة، تكون الإجابة واضحة، الدولة وحدها بإشراف مباشر من البرلمان. لكن في الحالة العراقية، هذه القاعدة لا تنطبق بشكل كامل. فإلى جانب الجيش والمؤسسات الأمنية الرسمية، يوجد كيان مسلح كبير هو الحشد الشعبي. هذا الكيان أصبح جزءًا من المنظومة الرسمية من حيث التمويل والاعتراف القانوني، لكنه يحتفظ مع فصائله بهيكل قيادي مستقل ودوائر قرار لا تخضع بالكامل للدولة. هنا يجب تسمية المسألة بوضوح، هذه ليست مجرد ازدواجية تنظيمية، بل هي ازدواجية في مصدر القرار الأمني. وجود سلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، حتى لو كان معترفًا به قانونيًا، يعني أن احتكار الدولة للقوة لم يكتمل، والسيادة تصبح منقوصة عمليًا. واعتبار الحشد الشعبي جزءًا من الدولة لا يحل المشكلة إذا لم يكن خاضعًا بالكامل لها. الدولة لا تُعرّف فقط بضم الكيانات إليها، بل بقدرتها على ضبطها وتوجيهها وفق قرار مركزي واحد. في غياب هذا الضبط الكامل، يتحول الكيان الموازي إلى مصدر قوة مستقل، حتى داخل الإطار الرسمي.
وتزداد خطورة الوضع عندما ترتبط بعض فصائل الحشد بعلاقات وثيقة مع إيران، سواء من حيث الدعم أو التنسيق أو التوجيه. هنا لا يعود الأمر داخليًا فحسب، بل يصبح جزءًا من شبكة إقليمية أوسع. هذا يعني أن جزءًا من القرار الأمني داخل العراق يتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر باعتبارات خارجية، ما يقيد استقلال الدولة ويضعف قدرتها على التحكم الكامل بمسارها.
هذه الحقيقة تفسر الفجوة بين التصريحات الرسمية التي تؤكد على السيادة وبين الوقائع على الأرض. الدولة قد تعلن موقفًا معينًا، لكنها لا تملك دائمًا الأدوات الكاملة لفرضه على جميع الفاعلين داخل حدودها. هنا لا يكون التناقض مجرد خطاب، بل نتيجة محدودة القدرة على السيطرة.
هذا الوضع لا يبقى محصورًا داخل الحدود، بل ينعكس على علاقات العراق مع محيطه الإقليمي. فدول مثل السعودية والأردن والإمارات والكويت وقطر تنظر إلى العراق باعتباره ساحة لا يتطابق فيها القرار الرسمي مع ما يحدث فعليًا. مصدر القلق ليس الخطاب، بل وجود فاعلين مسلحين يهددون الأمن الإقليمي دون أن تكون الدولة قادرة على ضبطهم.
أما داخليًا، فإن وجود كيان مسلح موازٍ، حتى لو كان معترفًا به، يخلق اختلالًا في التوازن بين مكونات المجتمع. حين لا تكون القوة موزعة تحت مظلة واحدة خاضعة للقانون نفسه، يشعر المواطنون بأنهم خارج معادلة الحماية أو التأثير، بينما تشعر أطراف أخرى بامتلاك نفوذ أكبر. هذا ما يفسر تنامي شعور الانقسام، سواء لدى الكرد أو قطاعات من العرب السنة، حيث لا تُرى الدولة كمرجعية محايدة واحدة للجميع.
لقد حاولت الحكومات المتعاقبة في العراق التعامل مع هذه الإشكالية عبر إدارة التوازن، أي الإبقاء على هذا الكيان ضمن الإطار الرسمي دون الدخول في مواجهة معه. هذا الخيار قد يمنع الانفجار على المدى القصير، لكنه يكرّس المشكلة على المدى الطويل، لأنه يبقي مصدر القرار موزعًا بدل أن يكون موحدًا.
في ضوء ذلك، يمكن القول بوضوح إن وجود الحشد الشعبي بصيغته الحالية، ككيان يمتلك السلاح والتأثير ولا يخضع لقرار الدولة، هو أحد أبرز تجليات الخلل البنيوي في الدولة العراقية. فهو يجسد عمليًا فكرة الدولة غير المكتملة، حيث تتقاسم السلطة أكثر من جهة، وتتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع الإقليمية.
وفي النهاية، لا يمكن معالجة هذا الخلل عبر الخطاب أو التبرير، بل فقط عبر حسم مسألة أساسية وهي أن تكون كل أدوات القوة خاضعة لسلطة واحدة منتخبة وتحت وصایة البرلمان بوضوح لا لبس فیە. بدون ذلك، سيبقى العراق في حالة وسطية، حيث لا هو دولة فاشلة بالكامل ولا دولة مكتملة السيادة، بل كيان يتأرجح بين الاثنين، وتبقى أزمته مفتوحة على احتمالات متعددة.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قطارات المنفى: الكرد في مسارات الإقتلاع الستالیني
- تركيا والقضية الكردية: بين إرث السلاح وآفاق السلام.
- بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَ ...
- مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السي ...
- الإختراق الإسرائيلي في إيران ولبنان، والميليشيات تضرب في كرد ...
- بوکچين ملهم أوجلان: أفکار أخفقت في مواجهة الواقع
- الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.
- القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة
- إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟
- رضا بهلوي بين خطاب الديمقراطية ومخاوف إعادة إنتاج القمع
- تحالف شرق کردستان: إستعداد مبکر لمرحلة ما بعد التحول الإ ...
- الإسلام السياسي الكردي وقصة المليون دولار
- البدیل المؤجل: مأزق المعارضة السیاسیة في کردس ...
- تقریر اللجنة البرلمانیة الترکیة والقضیة ...
- الکرد في إیران: مئویة المقاومة وآفاق التغی ...


المزيد.....




- عائلة مزارعين ترفض عرضاً بقيمة 26 مليون دولار من شركة ذكاء ا ...
- الشركة قدرت -ذوق اللص الرفيع-.. اختفاء 12 طنًا من شوكولاتة - ...
- مقاطع منسوبة لـ-احتفالات سورية في ألمانيا باستقبال الشرع-.. ...
- سفن من باكستان والصين والهند تعبر مضيق هرمز بوساطة من إسلام ...
- اختتام المؤتمر الدولي المناهض للفاشية والإمبريالية بالبرازيل ...
- في إيران ولبنان.. الأطفال يدفعون ثمنا باهظا للحرب
- الولايات المتحدة تعلن استئناف سفارتها في فنزويلا عملها بعد س ...
- تضرر مصفاة للنفط في حيفا ومصنعا في جنوب إسرائيل جراء صواريخ ...
- هل تنجح باكستان في مهمة الوساطة -من وراء الكواليس- بين طهران ...
- مظاهرة في تعز اليمنية تندد بهجمات إيران على الخليج والأردن


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - العراق: سلطة مشتتة، قرار مجزأ وسيادة مهشمة