جبار قادر
الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 12:03
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
إنَّ دراسة القضية الكردية في الشرق الأوسط لا يمكن أن تقتصر على تحليل التحولات السياسية أو التوازنات الجيوسياسية فحسب، بل تقتضي أيضاً فحص البنى المعرفية والثقافية التي أسهمت في تشكيل صورة الكرد في وعي المجتمعات التي يعيشون ضمن دولها. وفي هذا السياق يبرز التعليم بوصفه إحدى أهم الأدوات التي استخدمتها الدول الحديثة في المنطقة لإعادة إنتاج سردياتها القومية، إذ لا يُعد التعليم مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، بل هو، كما تشير أدبيات علم الاجتماع السياسي ودراسات بناء الأمة، جهاز مركزي لصياغة الهوية الجماعية وتحديد من يُعترف به بوصفه جزءاً من الأمة ومن يُقصى منها. ومن خلال المناهج المدرسية والخرائط واللغة المستخدمة في الكتب الدراسية، تُبنى تصورات الأجيال عن التاريخ والجغرافيا والآخرين. وبذلك يصبح التعليم، في حالات كثيرة، أداة لإنتاج المعرفة بقدر ما هو أداة لإنتاج النسيان المتعمد.
في هذا الإطار يمكن فهم الدور الذي لعبته الأنظمة التعليمية في الدول التي تقاسمت كردستان بعد الحرب العالمية الأولى. فبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وظهور الدولة القومية الحديثة في الشرق الأوسط، وجدت هذه الدول نفسها أمام حقيقة ديموغرافية وثقافية معقدة تتمثل في وجود أمة كردية واسعة الانتشار جغرافياً ولها لغتها وثقافتها وتاريخها. غير أن المشاريع القومية التي تبنتها هذه الدول قامت في معظمها على تصور أحادي للهوية الوطنية، وهو ما جعل الاعتراف بالتعدد القومي أمراً يُنظر إليه باعتباره تهديداً لوحدة الدولة الناشئة. ومن هنا لم يكن مستغرباً أن يتحول التعليم إلى ساحة أساسية لإعادة صياغة الواقع الاجتماعي بما يتوافق مع السرديات القومية الرسمية.
لقد اتخذ هذا التوجه في بعض الحالات شكل الإنكار الصريح لوجود الكرد كشعب متميز. ففي تركيا الجمهورية، التي قامت على مشروع قومي عدواني يسعى إلى صهر التعدد الإثني في إطار هوية تركية واحدة، جرى تغييب الكرد بصورة كاملة عن المناهج الدراسية. ولم يكن الأمر مجرد غياب عرضي، بل كان جزءاً من سياسة واعية تهدف إلى إعادة تعريف الجغرافيا والهوية معاً. فاسم كردستان، الذي ظل مستخدماً قروناً طويلة في الوثائق التاريخية والخرائط العثمانیة، استُبدل في الكتب المدرسية بمصطلحات مثل “ شرق الأناضول وجنوب شرق الأناضول”، وهي تسمية جغرافية محايدة ظاهرياً لكنها تنطوي على عملية محو رمزي لذاكرة المكان. وهكذا نشأت أجيال كاملة من الطلاب الأتراك وهم يتعلمون تاريخ وطنهم دون أن يرد فيه ذكر شعب يعيش في جزء واسع من بلادهم.
وفي سوريا اتخذ الأمر شكلاً مطابقا لذلك، حيث لم يحظ الكرد بأي حضور في السردية التعليمية الرسمية. وقد استُبدلت تسمية كردستان الغربیة في الخطاب الجغرافي بمصطلحات مثل “الجزيرة وشمال شرق سوریا”، الأمر الذي أدى إلى تغييب الارتباط التاريخي بين الشعب الكردي وأرضه في الوعي العام. والنتيجة أن المواطن الذي يتخرج من المدرسة أو الجامعة قد يكون مطلعاً على تاريخ شعوب حضارات تبعد عنە بآلالاف الأمیال، لكنه لا يعرف شيئاً تقريباً عن شعب يعيش إلى جواره منذ قرون.
أما في إيران فقد اتخذ التهميش طابعاً مختلفاً، إذ لم يقم على الإنكار المطلق بقدر ما قام على الاحتواء الثقافي ضمن إطار فارسي أوسع. ففي كثير من الخطابات التعليمية والثقافية جرى تقديم الكرد بوصفهم جزءاً من المجال الحضاري الفارسي، بل واعتبار لغتهم مجرد لهجة من لهجات الفارسية. غير أن هذا الطرح يتجاهل ما تؤكده الدراسات اللغوية الحديثة من أن الكردية لغة قائمة بذاتها ضمن العائلة الإيرانية من اللغات الهندو-أوروبية، ولها تراث أدبي وتاريخي غني. ومع ذلك، فقد ساهمت هذه السردية التعليمية في ترسيخ تصور يرى الكرد جماعات هامشية أو قبلية، لا مجتمعاً قومياً يمتلك تاريخاً وثقافة ومؤسسات اجتماعية معقدة. وحتى عندما اعترفت الدولة الإيرانية إدارياً بوجود محافظة تحمل اسم كردستان، فإن هذه المحافظة لا تمثل سوى جزء صغير من الامتداد الجغرافي الأوسع للمناطق الكردية في غرب البلاد، الأمر الذي يعكس نوعاً من الاختزال الجغرافي والسياسي للوجود الكردي.
وتحمل الحالة العراقية بعداً خاصاً من حيث خلفيتها التاریخیة والقانونية الدولية. فحين تقرر إلحاق ولاية الموصل، التي کانت تضم أکثر مناطق کردستان الجنوبیة، بالدولة العراقية الناشئة في عشرينيات القرن الماضي، جاء ذلك في سياق قرار دولي تضمن تعهدات واضحة تتعلق بحقوق الكرد الثقافية والإدارية. فقد نصت تلك الترتيبات على استخدام اللغة الكردية في التعليم والمحاكم في المناطق الكردية، وعلى أن يكون الموظفون الإداريون في تلك المناطق من الکرد حصرا. غير أن هذه الالتزامات لم تصمد طويلاً أمام التحولات السياسية التي شهدها العراق لاحقاً مع صعود التیار القومي المتعصب. فمع صعود النزعات القومية العربية في الدولة، بدأت تلك الحقوق تتآكل تدريجياً. وتراجع حضور اللغة الكردية في المؤسسات التعليمية والإدارية، وظهرت خطابات آيديولوجية عربیة شاذة تحاول إعادة تفسير الهوية الكردية نفسها، بل وادعاءات ترى في الكرد جماعات ذات أصول عربية ضائعة، أو بما أنهم یتثقفون بالثقافة العربیة الإسلامیة فهم عرب. وهكذا تحولت السياسات التعليمية من وسيلة مفترضة للاعتراف بالتعددية إلى أداة لإعادة صياغة الهوية الوطنية وفق تصور أحادي يستبعد الآخر أو يعيد تعريفه.
إن إحدى النتائج العميقة لهذه السياسات التعليمية تمثلت في إعادة تشكيل الجغرافيا الرمزية للمنطقة. فبدلاً من كردستان، ظهر في الخرائط المدرسية والكتب التعليمية عدد من التسميات البديلة: شمال العراق، جنوب شرق الأناضول، شمال غرب إيران، الجزيرة السورية. ومع مرور الزمن لم يعد هذا التغيير مجرد مسألة لغوية، بل أصبح جزءاً من بنية معرفية كاملة تُنتج تصوراً لعالم يخلو من كردستان ومن الشعب الكردي بوصفه فاعلاً تاريخياً. إن محو الاسم من الخريطة المدرسية هو في جوهره محاولة لمحو الوجود من الذاكرة الجمعية.
وقد كان لهذه العملية المعرفية أثر بالغ في تشكيل الوعي العام داخل المجتمعات التي تحكمها هذه الدول. یمکلن القول بأن المثقفين والأكاديميين الذين تلقوا تعليمهم في هذه الأنظمة لم يتعلموا خلال سنوات دراستهم شيئاً يُذكر عن الكرد. ولهذا بقيت القضية الكردية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع قضية غامضة أو بعيدة، إلى أن فرضت التحولات السياسية في العقود الأخيرة حضور الكرد على مسرح الأحداث الإقليمية. وحين ظهر الكرد بقوة في سياق تلك التحولات، سواء عبر حركات سياسية أو عبر أدوار عسكرية وسياسية في صراعات المنطقة، بدا الأمر بالنسبة إلى كثير من المجتمعات المحيطة وكأنه ظاهرة مفاجئة وغير مفهومة. والحقيقة أن المفاجأة لم تكن في ظهور الكرد، بل في الفراغ المعرفي الذي صنعته عقود من التعليم القائم على الإنكار أو التهميش. فقد وجد الرأي العام نفسه أمام واقع لم يكن مستعداً لفهمه: شعب كبير له تاريخ طويل وهوية راسخة وتطلعات سياسية واضحة. وفي مثل هذه اللحظات غالباً ما تلجأ الخطابات القومية السائدة إلى آلية دفاعية معروفة في علم الاجتماع السياسي، وهي تفسير الظواهر غير المفهومة من خلال نظريات المؤامرة. وهكذا بدأت تظهر في الخطابات السياسية والإعلامية موجة من الاتهامات التي تسعى إلى تفسير الحضور الكردي المتزايد بوصفه نتيجة تدخلات خارجية أو مخططات أجنبية. وغالباً ما يُقدَّم الكرد في هذه الخطابات بوصفهم حركة انفصالية تهدد وحدة الدول القائمة، أو أداة تستخدمها قوى دولية لتحقيق مصالحها في المنطقة.
والمثير للانتباه أن هذه الاتهامات تكاد تتكرر بصيغ متطابقة في دول مختلفة، رغم اختلاف لغاتها وسياقاتها السياسية. فسواء قُدِّمت هذه الخطابات باللغة التركية أو العربية أو الفارسية، فإن مضمونها العام يبقى واحداً، الكرد انفصاليون، أو عملاء لقوى خارجية، أو هم أدوات في مشروع دولي لتفكيك المنطقة. إن تشابه هذه السرديات عبر لغات وثقافات مختلفة يكشف أنها ليست تحليلاً واقعياً بقدر ما هي استجابة نفسية وسياسية لصدمة ظهور حقيقة ظل التعليم الرسمي يسعى طويلاً إلى إخفائها.
من منظور الدراسات الحديثة حول القومية وبناء الأمة، يمكن فهم هذه الظاهرة في إطار ما يسميه بعض الباحثين “الهيمنة السردية”، أي قدرة الدولة على فرض رواية معينة للتاريخ والهوية عبر مؤسساتها التعليمية والثقافية. غير أن هذه الهيمنة تظل هشة عندما تتعارض الرواية الرسمية مع الواقع الاجتماعي. وعندما يظهر هذا التناقض إلى السطح، كما حدث في الحالة الكردية، فإن الخطاب القومي يجد نفسه أمام تحدٍ معرفي عميق، فيلجأ أحياناً إلى تبسيط الظاهرة أو شيطنتها بدلاً من مراجعة السردية الأصلية.
إن التجربة الكردية في هذا السياق تكشف بوضوح أن الصراع لم يكن فقط صراعاً على الأرض أو السلطة، بل كان أيضاً صراعاً على المعرفة والاعتراف. فحين يُحذف شعب كامل من الكتب المدرسية لعقود طويلة، وحين يُعاد تعريف لغته بوصفها لهجة، وتُستبدل أسماء أرضه بتسميات إدارية، فإن ذلك لا يؤدي إلى اختفائه، بل يؤدي فقط إلى خلق فجوة معرفية عميقة بينه وبين المجتمعات المحيطة به.
ولهذا فإن أحد الشروط الأساسية لأي فهم أكثر واقعية للقضية الكردية في المستقبل يتمثل في مراجعة نقدية للسرديات التعليمية التي تشكلت خلال القرن الماضي. فالتعليم الذي يقوم على إنكار التعدد القومي أو تهميشه لا يمكن أن ينتج سوى مزيد من سوء الفهم والصراع. أما التعليم الذي يعترف بتعقيد التاريخ وتنوع المجتمعات، فإنه يفتح الباب أمام فهم أكثر توازناً للعلاقات بين الشعوب.
ومن هنا تبدو القضية الكردية مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن بها للمعرفة الرسمية أن تصبح جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل. فالمشكلة لم تكن في أن الكرد ظهروا فجأة على مسرح التاريخ، بل في أن التعليم الرسمي حاول طويلاً أن يقنع المجتمعات بأنهم غير موجودين أصلاً. وعندما يتناقض الواقع مع ما تعلمته الأجيال في مدارسها، فإن الصدمة تكون حتمية، كما يكون الطريق إلى الفهم الحقيقي أطول وأكثر تعقيداً.
#جبار_قادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟