أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار














المزيد.....

القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 10:54
المحور: القضية الكردية
    


تُعدّ القضية الكردية واحدة من أكثر القضايا القومية تعقيداً وعمقاً في التاريخ السياسي الحديث للشرق الأوسط. فمنذ إعادة رسم خريطة المنطقة عقب اتفاقية سايكس - پيكو ثم تثبيت الحدود الإقليمية بعد معاهدة لوزان، وجد الشعب الكردي نفسه موزعاً بين عدة دول، وفي مقدمتها تركيا وإيران والعراق وسوريا. ومنذ ذلك الحين لم تعد القضیة الكردية مجرد قضية تخص شعباً بعينه، بل غدت أحد العناصر البنيوية التي تؤثر في استقرار المنطقة بأسرها. إن التأمل في مسار هذه الدول خلال القرن الماضي يكشف حقيقة يصعب إنكارها وهي أنە لا يمكن بناء استقرار داخلي راسخ أو سلام سياسي مستدام من دون مقاربة عادلة وجادة للقضية الكردية.
ينتمي الكرد إلى واحدة من أكبر الأمم في العالم التي لم تتح لها فرصة تأسيس كيانها القومي المستقل، إذ يناهز عدد أبنائها أکثر من خمسين مليون إنسان موزعين في جغرافيا تاريخية متصلة تسمی کردستان. غير أن السياسات التي سادت في الدول التي يتوزعون بينها اتجهت، في كثير من الأحيان، إلى إنكار هذه الحقيقة القومية أو التقليل من شأنها. ولم يقتصر الأمر على تقييد اللغة والثقافة، بل تعداه في مراحل مختلفة إلى إنكار الوجود القومي للكرد أو محاولة إذابته في هويات وطنية مصطنعة، الأمر الذي حوّل الأمر من اختلاف سياسي قابل للحل إلى أزمة تاريخية متجذرة في بنية الدولة الحديثة في المنطقة.
ومع تراكم هذه السياسات، نشأت علاقة ملتبسة بين الدولة المركزية والمجتمع الكردي، علاقة يغلب عليها التوتر وفقدان الثقة. وقد لجأت الحكومات في معظم الأحيان إلى المقاربة الأمنية باعتبارها الأداة الأساسية لإدارة هذه العلاقة، فتعزز الحضور العسكري، وتوسعت الأجهزة الأمنية، وأصبحت المناطق الكردية مسرحاً دائماً للتدابير الاستثنائية. غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن القوة قد تؤجل الانفجار لكنها لا تلغي أسبابه. فالقضايا القومية لا تُحسم بالسلاح وحده، لأن الشعوب التي تمتلك وعياً بهويتها وإرادة جماعية للدفاع عنها لا يمكن إخضاعها إلى ما لا نهاية عبر الوسائل القسرية.
وفي غياب أفق سياسي يعالج جذور المشكلة، ظهر خطاب سياسي وإعلامي يقوم على الاتهام والتخوين وتبسيط القضیة الكردية إلى مجرد قضية أمنية أو انعكاس لتدخلات خارجية. غير أن مثل هذا الخطاب، بدلاً من أن يفتح طريقاً للحل، يزيد من عمق القطيعة النفسية والسياسية بين الدولة والمجتمع الكردي. فالواقع أن جوهر القضية لا يكمن في وجود الكرد أو في مطالبتهم بحقوقهم القومية، بل في غياب إطار سياسي عادل يعترف بهذه الحقوق ويؤسس لعلاقة متوازنة بين مكونات الدولة الواحدة.
إن التجربة التاريخية للبشرية تشير بوضوح إلى أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على إنكار الهويات أو محاولة صهرها قسراً، بل على الاعتراف بها وتنظيم التعايش بينها ضمن إطار سياسي عادل. ومن هذا المنطلق فإن الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تنازلاً سياسياً أو ضعفاً من جانب الدولة، بل باعتباره شرطاً ضرورياً لبناء سلام داخلي دائم. فالسياسات التي تكتفي بمنح بعض الحقوق الثقافية المحدودة مع الإبقاء على بنية سياسية تضع الكرد في مرتبة أدنى من المواطنة لا تستطيع أن تنتج استقراراً حقيقياً، لأنها تبقي جذور الأزمة قائمة في عمق النظام السياسي.
ولا تقف آثار استمرار هذه الأزمة عند حدود المجتمع الكردي، بل تمتد لتشمل الدول المعنية بأسرها. فالصراع المستمر يستنزف طاقات هائلة من الموارد الاقتصادية والبشرية، ويحوّل جزءاً كبيراً من قدرات الدولة إلى إدارة التوتر الأمني بدل توجيهها نحو التنمية والازدهار. كما يرسخ حالة من القلق السياسي الدائم، ويجعل الاستقرار الداخلي هشاً وقابلاً للاهتزاز مع كل أزمة جديدة.
ومن منظور أعمق، تبدو القضیة الكردية اليوم اختباراً حقيقياً لمستقبل الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط. فالدولة التي تقوم على حرمان جزء كبير من سكانها من حقوقهم القومية لا تستطيع أن تبني نظاماً ديمقراطياً راسخاً، لأن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات انتخابية أو نصوص دستورية، بل هي قبل كل شيء اعتراف متبادل بالكرامة الإنسانية والحقوق المتساوية بين مكونات المجتمع. ولذلك فإن أي مجتمع يُحرم فيه ربع السكان أو حتى عشرهم من حق المواطنة الكاملة يظل مجتمعاً يعاني خللاً بنيوياً عميقاً، ينعكس بالضرورة على استقراره السياسي وقدرته على التطور.
ولهذا فإن الأمم السائدة في المنطقة من أتراك وعرب وفرس لن تبلغ سلاماً تاريخياً دائماً ما دام الشعب الكردي يعيش خارج دائرة الحقوق الكاملة. ففي ظل هذا الاختلال ستبقى هذه الدول أسيرة هواجسها الأمنية، تتحرك بين الخوف من الانتفاضات الكردية والاستعداد لقمعها، بدلاً من أن تتفرغ لبناء اقتصاد قوي وحياة ثقافية مزدهرة. ومن ثمّ فإن القضية الكردية ليست شأناً يخص الكرد وحدهم، بل هي مسألة تتصل بمصير المنطقة كلها. فإذا أرادت شعوب الشرق الأوسط أن تعيش في سلام حقيقي ومستقبل مستقر، فلا بد من الاعتراف الصريح بعدالة القضية الكردية، وفتح أفق سياسي يضمن الحقوق القومية للشعب الكردي ضمن ترتيبات عادلة تضع حداً لدائرة الصراع، وتؤسس لعهد جديد يقوم على الشراكة والحرية والكرامة المتبادلة بين جميع شعوب المنطقة.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة
- إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟
- رضا بهلوي بين خطاب الديمقراطية ومخاوف إعادة إنتاج القمع
- تحالف شرق کردستان: إستعداد مبکر لمرحلة ما بعد التحول الإ ...
- الإسلام السياسي الكردي وقصة المليون دولار
- البدیل المؤجل: مأزق المعارضة السیاسیة في کردس ...
- تقریر اللجنة البرلمانیة الترکیة والقضیة ...
- الکرد في إیران: مئویة المقاومة وآفاق التغی ...
- ٨ شباط١٩٦٣: حین دخل القتلة ب&# ...
- قیادات الکرد: بین النشوة الفارغة والهزیمة ...
- في عصر المتاجرة بالدماء وإستعراض أشباە الإعلامی ...
- هل يمكن تحويل النهوض الشعبي الكردي إلى مشروع سياسي قومي؟
- برلین والشرع: هل خسرت الغرب المعرکة ضد الإرهاب؟
- من بناء الأمة الی تمزیقها: الإعلام الکردي بین ...
- محاولة لتفسیر قرارات حزب العمال الکردستاني
- ما لم یقلە المتهم نزار الخزرجي في روایت ...
- أردوغان وحکایة إنتهاء مدة صلاحیة معاهدة لوزان!
- کتاب مختلق لمؤلف زائف عن الکرد قبل قرن !


المزيد.....




- خطة إسبانية لتقنين أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين
- جوي بارتون -المشاغب- رهن الاعتقال بسبب حادثة اعتداء
- تصعيد إسرائيلي في غزة: شهداء واستهداف لخيام النازحين وسط خرو ...
- أدولة لبنان في خبر كان ؟؟؟3من5
- هيومن رايتس ووتش تتهم إسرائيل باستخدام غير قانوني للفوسفور ا ...
- مدرسة -دار اليتيم- في صيدا تفتح أبوابها لاستقبال النازحين ال ...
- مكتب إعلام الأسرى: مصابون فلسطينيون باقتحامات إسرائيلية لجمي ...
- الأمم المتحدة: أكثر من مئة ألف نازح جديد في لبنان خلال 24 سا ...
- إصابات بين الأسرى الفلسطينيين إثر حملة قمع متزامنة في سجون ا ...
- إصابات في صفوف الأسرى الفلسطينيين إثر حملة قمع واسعة بسجون ا ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار