أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية.















المزيد.....

كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية.


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 14:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تتحرك الاستراتيجية الأمريكية في السنوات الأخيرة ضمن منطق متدرج يعكس إعادة ترتيب للأولويات في التفكير الجيوسياسي لواشنطن. يبدأ هذا المنطق بإعادة بناء القوة الداخلية، ثم الانتقال إلى تثبيت النفوذ في المجال الإقليمي القريب، قبل التفرغ لإدارة التنافس الاستراتيجي على مستوى النظام الدولي. ولا يمثل هذا التسلسل مجرد إطار تحليلي نظري، بل يعكس توجهاً متزايداً داخل دوائر صنع القرار الأمريكية يقوم على قناعة أساسية مفادها أن القدرة على المنافسة العالمية، خصوصاً في مواجهة القوى الصاعدة وفي مقدمتها الصين، تتطلب أولاً ترميم القاعدة الاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية وضمان استقرار البيئة الجيوسياسية المحيطة بالولايات المتحدة. في هذا السياق برز شعار “أمريكا أولاً” بوصفه تعبيراً عن هذا التحول في ترتيب الأولويات. فبعيداً عن الجدل السياسي الذي أحاط به، يعكس هذا الشعار توجهاً أوسع داخل النخبة الأمريكية نحو إعادة تعريف العلاقة بين الداخل والخارج في السياسة الأمريكية. فالقوة الدولية، وفق هذا المنظور، لم تعد تُبنى فقط عبر التحالفات العسكرية أو الانتشار العالمي، بل تبدأ أساساً من متانة الاقتصاد الوطني، ومن القدرة على تأمين الاستقلال النسبي في القطاعات الاستراتيجية مثل التكنولوجيا المتقدمة والطاقة وسلاسل الإمداد. ولهذا اتجهت السياسات الأمريكية في السنوات الأخيرة إلى إعادة توطين بعض الصناعات الحيوية، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي في مواجهة التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
غير أن هذا التركيز على إعادة بناء الداخل لا يلغي أحد الثوابت التاريخية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، والمتمثل في أهمية السيطرة على المجال الجيوسياسي القريب. فمنذ بدايات القرن التاسع عشر تشكلت في العقيدة السياسية الأمريكية قناعة مفادها أن أمن الولايات المتحدة ومكانتها الدولية يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على الحفاظ على نفوذها في نصف الكرة الغربي. وقد تجسد هذا التصور بوضوح في ما عُرف بـ مبدأ مونرو، الذي أُعلن عام ١٨٢٣، والذي قام على فكرة أساسية مفادها رفض أي تدخل أو توسع للقوى الأوروبية في شؤون القارة الأمريكية. ورغم أن هذا المبدأ صيغ في سياق تاريخي مختلف، فإنه تحول مع مرور الوقت إلى أحد الأسس الجيوسياسية التي حكمت سلوك الولايات المتحدة في محيطها الإقليمي. ومع تطور القوة الأمريكية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، لم يعد مبدأ مونرو مجرد إعلان سياسي يهدف إلى منع التدخل الأوروبي، بل أصبح إطاراً عملياً لتنظيم النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية. فقد اعتُبرت هذه المنطقة تدريجياً مجالاً حيوياً للولايات المتحدة، وهو ما انعكس في سياسات متعددة هدفت إلى ضمان بقاء التوازنات السياسية والاقتصادية فيها ضمن نطاق النفوذ الأمريكي. ومن هنا ظهرت في الأدبيات السياسية والاستراتيجية عبارة “الحديقة الخلفية” لوصف العلاقة الخاصة التي تربط واشنطن بأمريكا اللاتينية، في إشارة إلى الفضاء الإقليمي الذي ينبغي أن يبقى بعيداً عن نفوذ القوى المنافسة.
اليوم تعود هذه الفكرة إلى الواجهة في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي. فالتوسع الاقتصادي الصيني في أمريكا اللاتينية، سواء من خلال الاستثمارات في البنية التحتية أو عبر تنامي العلاقات التجارية، بدأ يثير قلقاً متزايداً داخل الولايات المتحدة. كما أن بعض التحركات الروسية والإيرانية المحدودة في المنطقة، رغم طابعها الرمزي أكثر من كونها تحولات استراتيجية عميقة، ساهمت في تعزيز هذا الشعور بأن المجال الإقليمي التقليدي للولايات المتحدة لم يعد محصناً كما كان في السابق. وفي ضوء هذه التحولات تسعى واشنطن إلى إعادة تثبيت نفوذها في المنطقة، ليس فقط عبر الأدوات الاقتصادية، بل أيضاً من خلال الضغوط السياسية والدبلوماسية وإعادة تشكيل التوازنات الداخلية في بعض الدول. ضمن هذا السياق الجيوسياسي الأوسع يبرز ملف كوبا بوصفه حالة خاصة في تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. فهذه الجزيرة الصغيرة في الكاريبي لم تكن في يوم من الأيام مجرد دولة مجاورة للولايات المتحدة، بل تحولت منذ الثورة الكوبية عام ١٩٥٩ إلى رمز سياسي لتحدي النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي. وقد شكل قيام نظام سياسي معارض لواشنطن على مسافة جغرافية قريبة من السواحل الأمريكية حدثاً مفصلياً في تاريخ الجغرافيا السياسية للمنطقة، إذ مثل اختراقاً نادراً لمنطق الهيمنة الإقليمية الذي سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخه منذ القرن التاسع عشر.
ومنذ ذلك الوقت ظل الملف الكوبي يحتفظ بأهمية تتجاوز بكثير حجمه الجغرافي أو الاقتصادي. فبالنسبة لواشنطن، تمثل كوبا في الوقت ذاته تحدياً رمزياً لمبدأ الهيمنة الإقليمية واختباراً مستمراً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة التوازنات السياسية في محيطها القريب. ولهذا لم يكن التعامل الأمريكي مع الجزيرة مجرد قضية ثنائية، بل كان دائماً مرتبطاً بحسابات أوسع تتعلق بمكانة الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية وبطبيعة النظام الإقليمي في نصف الكرة الغربي. في السنوات الأخيرة عاد هذا الملف إلى الواجهة في سياقين متداخلين. الأول يرتبط بالسياسة الداخلية الأمريكية، حيث يشكل الناخبون من أصول كوبية في ولاية فلوريدا كتلة انتخابية مؤثرة في الانتخابات الأمريكية. أما السياق الثاني فهو استراتيجي أوسع، ويتمثل في محاولات الولايات المتحدة إعادة رسم موازين القوى في أمريكا اللاتينية في ظل التنافس الدولي المتصاعد. ولهذا يُنظر إلى كوبا في بعض دوائر صنع القرار الأمريكي ليس فقط كملف ثنائي، بل كرسالة سياسية موجهة إلى كامل المنطقة بشأن حدود التحرك الممكنة داخل المجال الحيوي التقليدي للولايات المتحدة. في هذا الإطار برز اتجاه داخل بعض التيارات السياسية الأمريكية يدعو إلى تشديد الضغوط على النظام الكوبي بهدف إحداث تحول سياسي تدريجي داخل الجزيرة. ويعكس هذا التوجه خطاب شخصيات سياسية بارزة ترى أن سياسة الانفتاح المحدود التي جُربت في فترات سابقة لم تؤد إلى تغيير ملموس في بنية النظام الكوبي. وبحسب هذا التصور، فإن الجمع بين لضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية والتأثير الإعلامي والدعم غير المباشر لقوى المعارضة قد يفتح المجال تدريجياً أمام تحولات داخلية داخل المجتمع الكوبي.
غير أن هذا التوجه لا يقوم على فكرة التدخل المباشر كما كان الحال في بعض مراحل الحرب الباردة، بل يعتمد على مجموعة من الأدوات غير العسكرية التي أصبحت جزءاً من ترسانة النفوذ في السياسة الدولية المعاصرة. وتشمل هذه الأدوات العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والتأثير الإعلامي، إضافة إلى محاولة تشجيع التحولات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمعات المحلية. والهدف النهائي من هذه المقاربة يتمثل في إعادة إدماج كوبا تدريجياً في الفضاء السياسي والاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.
مع ذلك لا يمكن فهم هذا المسار بمعزل عن التحولات الأوسع في بنية النظام الدولي. فالتحدي الاستراتيجي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم يتمثل في صعود الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية وجيوسياسية قادرة على توسيع نفوذها في مناطق مختلفة من العالم. ولهذا أصبحت العديد من السياسات الأمريكية الإقليمية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بإدارة هذا التنافس طويل الأمد. ومن هذه الزاوية فإن إعادة تثبيت النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية لا تُعد مجرد مسألة إقليمية، بل تمثل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى الحد من توسع النفوذ الصيني في المناطق القريبة من الولايات المتحدة.
بناءً على ذلك يمكن فهم الاستراتيجية الأمريكية الراهنة باعتبارها عملية إعادة ترتيب متعددة المستويات تبدأ بإعادة بناء القوة الداخلية، ثم الانتقال إلى تثبيت المجال الإقليمي القريب، قبل التفرغ لإدارة المنافسة الكبرى على مستوى النظام الدولي. وفي هذا السياق قد تبدو بعض الملفات محدودة الأهمية من حيث الحجم الجغرافي أو الاقتصادي، لكنها تكتسب أهمية خاصة داخل هذا البناء الاستراتيجي الأوسع. ومن بين هذه الملفات تبقى كوبا، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي ورمزيتها الجيوسياسية، إحدى النقاط التي تعكس بوضوح التداخل بين الجغرافيا السياسية الإقليمية والتحولات الكبرى في النظام الدولي.
وقد تشهد الأشهر التي تسبق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي تطورات لافتة في الملف الكوبي، إذا ما تزامنت الضغوط الدولية المتزايدة مع هشاشة داخلية متنامية في الجزيرة، الأمر الذي قد يدفع باتجاه تغيير سياسي لا يأتي عبر مسار إصلاحي تدريجي، بل تحت تأثير ضغوط خارجية قاسية قد تفرض تحولات جذرية في بنية النظام.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة
- إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟
- رضا بهلوي بين خطاب الديمقراطية ومخاوف إعادة إنتاج القمع
- تحالف شرق کردستان: إستعداد مبکر لمرحلة ما بعد التحول الإ ...
- الإسلام السياسي الكردي وقصة المليون دولار
- البدیل المؤجل: مأزق المعارضة السیاسیة في کردس ...
- تقریر اللجنة البرلمانیة الترکیة والقضیة ...
- الکرد في إیران: مئویة المقاومة وآفاق التغی ...
- ٨ شباط١٩٦٣: حین دخل القتلة ب&# ...
- قیادات الکرد: بین النشوة الفارغة والهزیمة ...
- في عصر المتاجرة بالدماء وإستعراض أشباە الإعلامی ...
- هل يمكن تحويل النهوض الشعبي الكردي إلى مشروع سياسي قومي؟
- برلین والشرع: هل خسرت الغرب المعرکة ضد الإرهاب؟
- من بناء الأمة الی تمزیقها: الإعلام الکردي بین ...
- محاولة لتفسیر قرارات حزب العمال الکردستاني
- ما لم یقلە المتهم نزار الخزرجي في روایت ...
- أردوغان وحکایة إنتهاء مدة صلاحیة معاهدة لوزان!
- کتاب مختلق لمؤلف زائف عن الکرد قبل قرن !
- زهیر عبدالملك: حیاتە ونتاجە الفکري و ...


المزيد.....




- حريق هائل يلتهم مبنى تاريخيًا في اسكتلندا
- مكتب أبوظبي الإعلامي: التعامل مع حادثتين أسفرتا عن إصابتين ن ...
- السعودية تجدد إدانتها لاعتداءات إيران: نحتفظ بحقنا الكامل في ...
- أكبرها الفرس: ما القوميات التي تشكل الدولة الإيرانية؟
- -بلطجي محب للحروب-.. صحيفة الغارديان تهاجم وزير الحرب بيت هي ...
- تقييمات أولية ترجّح مسؤولية أمريكية عن قصف مدرسة ابتدائية لل ...
- واشنطن: لن نقصف منشآت البنية التحتية للطاقة في إيران
- الحرب في الشرق الأوسط: أوكرانيا ترسل خبراء ومسيّرات اعتراضية ...
- تصاعد الهجمات الإيرانية على كردستان العراق وهذه أبرز أهدافها ...
- مع إيران ولبنان ضدّ العدوان، مع الشعوب والأوطان ضدّ الهيمنة ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية.