أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء















المزيد.....

الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 17:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الدول التي تحتكر فيها الدولة السلاح، تُدار الخلافات عبر السياسة والمؤسسات. أما حين يتوزع السلاح خارج إطار الدولة، فإن السياسة تتحول تدريجياً إلى ساحة تعبئة وصراع دائم. وفي مثل هذه البيئات لا يصبح السلاح مجرد أداة أمنية، بل يتحول إلى عامل سياسي يحتاج باستمرار إلى مبررات لبقائه. ومن هنا تنشأ ظاهرة يمكن وصفها بـ«صناعة الأعداء»، أي إنتاج خصوم جدد كلما تراجع العدو الحقيقي.
منذ عام ٢٠٠٣، شهد العراق صعود عدد كبير من الجماعات المسلحة التي ظهرت في البداية تحت شعارات مقاومة الاحتلال أو حماية المكوّن الاجتماعي. وفي ظل الفوضى الأمنية وصعود تنظيمات إرهابية مرتبطة بالبعث والقاعدة، ومن ثم تنظيم داعش، اكتسبت هذه الفصائل شرعية واضحة باعتبارها جزءاً من معركة الدفاع عن الدولة والمجتمع. لكن مع تراجع خطر تلك التنظيمات عسكرياً، برزت معضلة جديدة، وهي: كيف يمكن تبرير استمرار السلاح والنفوذ العسكري خارج إطار الدولة؟ في هذه اللحظة تحديداً بدأ يتبلور نمط سياسي قائم على توسيع دائرة الخصوم، بحيث لا يقتصر «العدو» على الجماعات الإرهابية والمتطرفة، بل يشمل قوى سياسية داخلية، أو حركات احتجاجية، أو حتى مكونات قومية واجتماعية كاملة.
إن وجود عدو واضح يمنح أي قوة مسلحة مبرراً للبقاء، أما في غياب هذا العدو فإن الحاجة السياسية والإعلامية قد تدفع إلى إعادة تعريفه. وهكذا تحوّل الخطاب لدى الميليشيات من مواجهة تنظيمات متطرفة إلى خطاب أكثر اتساعاً يضع طيفاً واسعاً من الخصوم في خانة التهديد. وقد انعكس هذا التحول على الساحة الداخلية العراقية، حيث أصبحت بعض القوى السياسية أو الحركات المدنية أو الأصوات الناقدة هدفاً لحملات التخوين والتشكيك. ومع مرور الوقت، لم يعد الصراع مقتصراً على منافسة سياسية طبيعية داخل النظام الديمقراطي، بل أصبح يُقدَّم أحياناً بوصفه معركة وجودية بين معسكرات متصارعة، الأمر الذي عمّق حالة الاستقطاب داخل المجتمع وأضعف الثقة بين مكوناته المختلفة.
ولم يقتصر هذا الخطاب على الداخل العراقي، بل اكتسب بعداً طائفياً وإقليمياً واضحاً؛ فقد جرى تصوير عدد من الصراعات في المنطقة بوصفها امتداداً لمواجهة مذهبية أوسع، الأمر الذي انعكس في الخطاب السياسي والإعلامي للفصائل المسلحة. وفي هذا السياق، وُضعت دول عربية عدة في موقع الخصم السياسي والإعلامي، وغالباً ما صيغت هذه الخصومة بلغة تعبئة طائفية أسهمت في توسيع الفجوة بين العراق وتلك الدول. إن مثل هذا الخطاب لا يقتصر أثره على المجال الإعلامي، بل ينعكس أيضاً على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، إذ إن الدول التي تُصوَّر باستمرار بوصفها خصماً أو تهديداً تصبح أقل استعداداً للتعاون السياسي أو الاقتصادي، وهو ما يضعف موقع العراق الإقليمي ويقلل من فرصه في بناء علاقات متوازنة مع محيطه.
وزاد من تعقيد المشهد انخراط بعض الميليشيات العراقية في صراعات إقليمية خارج حدود البلاد، فقد شاركت عدة فصائل في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد الدموي، مقدمة تدخلها بوصفه جزءاً من معركة إقليمية أوسع. هذا الانخراط جعل العراق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، طرفاً في صراعات إقليمية معقدة، ورسّخ صورة مفادها أن بعض القوى المسلحة في البلاد تتحرك ضمن شبكة أوسع من التحالفات الطائفية الإقليمية. كما ظهرت خلال السنوات الأخيرة اتهامات متكررة بمشاركة بعض هذه الجماعات في قمع الاحتجاجات الشعبية داخل إيران. وبغض النظر عن حجم هذا الدور الفعلي، فإن مجرد ارتباط اسم العراق بمثل هذه الملفات يضعه في موقع حساس داخل معادلات الصراع الإقليمي.
وفي داخل العراق، كان إقليم كردستان أحد أبرز أهداف خطاب «صناعة الأعداء». فبدلاً من التعامل مع الخلافات بين بغداد وأربيل باعتبارها نزاعات سياسية ودستورية يمكن معالجتها عبر الحوار والمؤسسات، جرى تصوير الإقليم في خطاب الفصائل الشيعية والسنية على حد سواء على أنه مشروع انفصالي دائم يهدد وحدة البلاد. وقد بلغ هذا الخطاب ذروته خلال الاستفتاء في إقليم كردستان عام ٢٠١٧، حين تحوّل الجدل السياسي والقانوني حول الاستفتاء إلى لحظة تعبئة قومية وطائفية واسعة رافقها خطاب مليء بالكراهية والتحريض وإهانة المشاعر والرموز الكردية.
وتجسد هذا التصعيد بوضوح في الحملة على المناطق الكردستانية خارج إقليم كردستان، وخصوصاً في أحداث طوزخورماتو وكركوك في خريف ذلك العام، عندما دخلت القوات العراقية مدعومة بفصائل من الحشد الشعبي بقيادة قاسم سليماني إلى المدينة والمناطق المتنازع عليها. ورغم أن العملية قُدِّمت رسمياً بوصفها استعادةً لسلطة الدولة أو "عملیة فرض القانون"، فإن الخطاب السياسي الذي رافقها ساهم في ترسيخ صورة الكرد كخصم داخلي دائم، بدلاً من التعامل مع الخلاف باعتباره نزاعاً سياسياً داخل دولة واحدة. غير أن هذه السردية تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الكرد ليسوا طرفاً خارج الدولة العراقية، بل أحد مكوناتها الرئيسية. وإن تحويل الخلاف السياسي مع إقليم كردستان إلى صراع وجودي لا يهدد فقط العلاقة بين بغداد وأربيل، بل يهدد أيضاً فكرة الشراكة الوطنية التي قام عليها النظام السياسي بعد عام ٢٠٠٣. كما يسهم هذا الخطاب في تعميق الانقسامات القومية والطائفية داخل المجتمع، ويقضي على أي فرصة حقيقية لبناء هوية وطنية جامعة.
وتلعب المنظومات الإعلامية المرتبطة بالفصائل المسلحة دوراً مهماً في ترسيخ هذا المناخ؛ فخطاب التخوين والتشكيك يُستخدم بصورة واسعة لتصوير أي نقد أو اختلاف سياسي على أنه مؤامرة تستهدف الوطن أو المذهب. وبهذه الطريقة تتحول الساحة العامة إلى فضاء استقطاب حاد، يتراجع فيه النقاش العقلاني ويزداد فيه منطق التخندق.
إن أخطر ما في ظاهرة «صناعة الأعداء» هو الكلفة التي تفرضها على الدولة والمجتمع. فاستمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة يقوّض مبدأ سيادة القانون، ويضعف المؤسسات الرسمية، ويجعل القرار السياسي عرضة لتوازنات القوة بدلاً من القواعد الدستورية. كما أن توسيع دائرة الخصوم، داخلياً وخارجياً، يضع العراق أمام شبكة متزايدة من الأزمات: توتر مع مكونات داخلية مثل إقليم كردستان والسنة، وعلاقات مضطربة مع دول عربية مهمة، وانخراط غير مباشر في صراعات إقليمية معقدة. وكلما اتسعت هذه الدائرة ازدادت كلفة الصراع على الدولة العراقية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
إن بناء دولة مستقرة في العراق يتطلب قبل كل شيء إعادة تعريف العلاقة بين السلاح والسياسة. فاحتكار الدولة للسلاح ليس مجرد مسألة أمنية، بل شرط أساسي لقيام نظام سياسي قائم على القانون والمؤسسات. كما أن استقرار العراق يعتمد على خطاب وطني جديد يعترف بالتعددية القومية والمذهبية في البلاد، ويعيد تعريف الاختلاف السياسي باعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة الديمقراطية لا تهديداً وجودياً.
فالدول لا تُبنى عبر توسيع قائمة الأعداء، بل عبر تقليصها. والعراق، الذي أنهكته سنوات طويلة من الصراعات والحروب، لا يحتاج اليوم إلى خصوم جدد بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين مكوناته الداخلية، وإعادة صياغة علاقاته الإقليمية على أساس المصالح المشتركة لا منطق المحاور والصراعات. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل يستطيع العراق أن يتحول من ساحة لصناعة الأعداء إلى دولة قادرة على صناعة الاستقرار؟



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.
- القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة
- إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟
- رضا بهلوي بين خطاب الديمقراطية ومخاوف إعادة إنتاج القمع
- تحالف شرق کردستان: إستعداد مبکر لمرحلة ما بعد التحول الإ ...
- الإسلام السياسي الكردي وقصة المليون دولار
- البدیل المؤجل: مأزق المعارضة السیاسیة في کردس ...
- تقریر اللجنة البرلمانیة الترکیة والقضیة ...
- الکرد في إیران: مئویة المقاومة وآفاق التغی ...
- ٨ شباط١٩٦٣: حین دخل القتلة ب&# ...
- قیادات الکرد: بین النشوة الفارغة والهزیمة ...
- في عصر المتاجرة بالدماء وإستعراض أشباە الإعلامی ...
- هل يمكن تحويل النهوض الشعبي الكردي إلى مشروع سياسي قومي؟
- برلین والشرع: هل خسرت الغرب المعرکة ضد الإرهاب؟
- من بناء الأمة الی تمزیقها: الإعلام الکردي بین ...
- محاولة لتفسیر قرارات حزب العمال الکردستاني


المزيد.....




- ما صحة فيديو -إصابة صاروخ إيراني مُجنّح لبارجة حربية-؟
- ما قصة الجزر المتنازع عليها بين إيران والإمارات لأكثر منذ نص ...
- هل يُساعد ترامب مزارعي زيمبابوي البيض في الحصول على 3.5 مليا ...
- تراجع رهانات إسرائيل على إسقاط النظام في إيران.. ومؤشرات على ...
- -سجيل- الإيراني يدخل المعركة.. ماذا نعرف عن الصاروخ الذي يصع ...
- طهران تتهم واشنطن بتطوير مسيّرة شبيهة بـ-شاهد- لضرب دول عربي ...
- تقرير صحفي: محمد الفايد كان من زبائن جيفري إبستين
- المؤتمر التمهيدي لمناهضة الفاشية في بيلوتاس يجمع مئات المشار ...
- ردود الفعل حول طلب ترامب إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز
- تضرر 56 متحفا وموقعا تاريخيا جراء القصف على إيران


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء