جبار قادر
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 21:25
المحور:
القضية الكردية
شهدت القضية الكردية خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة جعلتها تنتقل من إطار الحلم السياسي إلى مستوى التجارب الواقعية للحكم والإدارة الذاتية في بعض أجزاء كردستان. وإذا كانت انتفاضة عام ١٩٩١ في كردستان الجنوبیة قد مثلت لحظة تاريخية مفصلية في هذا المسار، فإن ما يجري اليوم في المنطقة يثير تساؤلات جدية حول إمكانية ظهور تحولات مشابهة في أماكن أخرى من كردستان، وبخاصة في كردستان الشرقية ضمن إيران. غير أن المقارنة بين اللحظتين التاريخيتين لا يمكن أن تقوم على التشابه الظاهري للأحداث فقط، بل يجب أن تنطلق من تحليل السياقات السياسية والإقليمية، وكذلك من فهم التحول الذي طرأ على الفكر السياسي الكردي وعلى موقع الکرد في المعادلات الإقليمية.
عندما اندلعت الانتفاضة الكردية عام ١٩٩١ كان النظام العراقي قد خرج لتوه من حرب مدمرة مع تحالف دولي واسع بعد غزوه الكويت. وأدت الهزيمة العسكرية، إلى جانب العقوبات الاقتصادية القاسية والعزلة الدولية، إلى إضعاف الدولة العراقية إلى درجة كبيرة. وفي هذا السياق وجد١لکرد فرصة للإنتفاض ضد النظام البعثي الفاشي، رغم أن تلك الانتفاضة تعرضت لقمع شديد أدى إلى موجة نزوح جماعي هزت الرأي العام العالمي. لكن تلك الكارثة الإنسانية نفسها فتحت الباب أمام تدخل دولي أدى إلى إقامة منطقة آمنة في جزء من کردستان العراق، ومن ثم نشوء تجربة سياسية كردية تطورت لاحقًا إلى مؤسسات إدارة ذاتیة من پرلمان وحكومة إقليمية. ومع سقوط نظام صدام حسین عام ٢٠٠٣ تم تثبيت هذا الواقع في الدستور العراقي عبر الاعتراف بالفدرالية. إن ما يجعل هذه التجربة ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى کرد إيران اليوم ليس مجرد تفاصيلها التاريخية، بل الفكرة التي كرستها، وهي أن التحولات الكبرى في وضع الکرد غالبًا ما ارتبطت بلحظات تغير عميق في موازين القوى الإقليمية والدولية. فالقضية الكردية طوال القرن العشرين لم تكن مجرد قضية حقوق ثقافية أو لغوية، بل كانت مرتبطة بطبيعة الدولة في المنطقة وبالتوازنات الدولية التي تحكمها.
في الحالة الإيرانية الراهنة تظهر بعض العناصر التي تدفع إلى التفكير في احتمال حدوث تحولات سياسية مهمة خلال السنوات القادمة. فإيران تعيش منذ سنوات تحت وطأة عقوبات اقتصادية شديدة أدت إلى تدهور واضح في الاقتصاد الإيراني، كما تواجه عزلة سياسية نسبية في عدد من الساحات الدولية. وإذا أضيف إلى ذلك الضغط العسكري الحالي والتوترات الإقليمية الناجمة عنها، فإن هذه العوامل مجتمعة ستؤدي إلى إنهاك تدريجي للدولة الإيرانية، وهو عامل لعب دورًا مهمًا في إضعاف الأنظمة الأخرى في العراق وسوریا وغیرها في مراحل سابقة. ومع ذلك فإن الوضع الإيراني لا يمكن اختزاله في مقارنة بسيطة مع العراق في التسعينيات. فإيران دولة أكبر من حيث المساحة والسكان، وتمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية أكثر تماسكًا، كما أنها بنت خلال العقود الماضية شبكة نفوذ إقليمية واسعة. لذلك فإن أي تحول سياسي داخلها سيكون بالضرورة أكثر تعقيدًا وتدرجًا مما حدث في العراق. لكن التعقيد لا يعني الاستحالة، بل يعني أن مسار التغيير قد يأخذ أشكالًا مختلفة.
في هذا السياق يبرز عنصر مهم يتعلق بطبيعة المطالب الكردية نفسها. فمعظم الحركات السياسية الرئیسیة لکرد إيران لا تطرح في برامجها السياسية مشروع الإستقلال عن إیران، بل تتحدث بشكل أساسي عن إقامة نظام فدرالي ديمقراطي داخل إيران يضمن حقوق جميع القوميات. هذا الطرح لا يقتصر على الکرد وحدهم، بل يشمل أيضًا الآذريين والبلوج والعرب والترکمان وغيرهم من المكونات القومية في إیران. بمعنى آخر، فإن الفكرة المطروحة ليست تقسيم إيران، بل إعادة تنظيمها على أساس يضمن مشاركة أوسع للأمم والأقاليم في السلطة. غير أن هذا الطرح السياسي لم يجد حتى الآن أي استجابة من قبل الدولة الإيرانية والأوساط الحاکمة وحتی المعارضة الإیرانیة إلا في إطار محدود، كما لا يجد أي استجابة من الدول الأخرى التي تتقاسم السيطرة على كردستان. فالتجربة التاريخية للکرد مع هذه الدول تشير إلى أن الحكومات المتعاقبة لم تتعامل مع القضية الكردية باعتبارها قضية قومیة وسياسية تحتاج إلى حل عادل، بل باعتبارها مشكلة أمنية ينبغي السيطرة عليها بالقوة. وقد تراوحت السياسات المتبعة بين القمع العسكري والاعتقالات الواسعة والتضييق الثقافي وحالة الطوارئ، وفي بعض المراحل وصلت إلى حد الإبادة الجماعية كما حدث في حملات الأنفال وحلبجة وغیرها من حالات معروفة في تاريخ المنطقة.
هذه التجربة الطويلة من القمع دفعت قطاعات واسعة من الکرد إلى فقدان الثقة بإمكانية أن تبادر الأنظمة القائمة إلى إيجاد حل عادل للقضية الكردية من داخلها. ولذلك لم يعد مستغربًا أن يتطلع الکرد إلى التحولات الإقليمية والدولية بوصفها فرصًا محتملة لفتح الطريق أمام تغيير سياسي. وفي هذا السياق تظهر مسألة التدخل الخارجي بوصفها عنصرًا حاضرًا في النقاش السياسي الكردي، ليس بوصفه هدفًا بحد ذاته، بل باعتباره عاملًا قد يخلق ظروفًا تسمح بإعادة طرح القضية الكردية على أسس جديدة. غير أن الأنظمة في الدول التي تتقاسم السیطرة علی کردستان غالبًا ما تلجأ إلى تفسير هذا التطلع على أنه دليل على “العمالة للخارج”، دون أن تتوقف لحظة لمراجعة السياسات التي أدت إلى هذه النتيجة. فحين تُغلق كل الأبواب أمام الحلول السياسية الداخلية، وحين تتحول المطالب القومية إلى ملفات أمنية بحتة، يصبح من الطبيعي أن تبحث الحركات السياسية عن دعم خارجي يوازن قوة الدولة المركزية. إن فهم هذه النقطة ضروري لتحليل المستقبل المحتمل لكردستان الشرقية. فالقضية هنا ليست مجرد صراع بين حركة قومية ودولة مركزية، بل هي نتيجة تراكم تاريخي طويل من السياسات التي فشلت في بناء علاقة متوازنة بين الدولة ومكوناتها القومية المختلفة.
وفي الوقت نفسه شهدت كردستان الشرقية خلال السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا في مجال الحركات الاجتماعية والثقافية والبيئية، وهو تطور يميز هذه المنطقة عن أجزاء أخرى من كردستان. فقد ظهرت شبكات واسعة من النشطاء والمبادرات المدنية التي تعمل في مجالات حماية البيئة، والدفاع عن الموارد الطبيعية، وإحياء اللغة والثقافة الكردية، وتنظيم النشاط الثقافي والاجتماعي في المدن والبلدات الكردية. وقد لعبت هذه الحركات دورًا مهمًا في رفع مستوى الوعي المجتمعي وتعزيز الروابط بين مختلف فئات المجتمع، كما أسهمت في تكوين فضاء مدني نشط رغم القيود السياسية المفروضة. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأنه يشير إلى أن المجتمع الكردي في كردستان الشرقية لم يعد يعتمد فقط على الأحزاب السياسية التقليدية، بل بدأ يشهد نشوء مجتمع مدني متنوع قادر على التأثير في المجال العام. وفي كثير من الأحيان أصبحت القضايا البيئية والثقافية مدخلًا للتعبير عن مطالب أوسع تتعلق بالهوية والحقوق والمشاركة السياسية.
كما أن الجاليات الكردية في أوروبا وأمريكا الشمالية أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في الدفاع عن حقوق الکرد في المحافل الدولية، سواء من خلال العمل السياسي أو الإعلامي أو الحقوقي. وقد ساهم ذلك في نقل القضية الكردية من إطارها المحلي الضيق إلى فضاء دولي أوسع.
هذه التطورات مجتمعة تعني أن أي تحول سياسي كبير في إيران لن يحدث في فراغ، بل في سياق إقليمي يتسم بوجود تجارب كردية قائمة وبشبكات سياسية وثقافية عابرة للحدود. ولذلك فإن الکرد في إيران اليوم يملكون رصيدًا من الخبرة والتنظيم يجعلهم أكثر استعدادًا للتعامل مع أي فرصة تاريخية قد تفتح أمامهم.
لكن هذا لا يعني أن الطريق نحو نظام فدرالي في إيران سيكون سهلًا أو قريبًا بالضرورة. فهناك عوامل عديدة قد تعيق هذا المسار، من بينها مقاومة النخب المركزية لأي تغيير في بنية السلطة، والمخاوف الإقليمية من انتقال نموذج الفدرالية إلى داخل حدود دول أخرى، إضافة إلى التعقيدات الداخلية في المشهد السياسي الإيراني نفسه.
ومع ذلك فإن التاريخ السياسي للمنطقة يبين أن التحولات الكبرى غالبًا ما تأتي نتيجة تفاعل مجموعة من الأزمات الداخلية والضغوط الخارجية. وإذا استمرت الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تواجهها إيران في التفاقم، فقد يفتح ذلك الباب أمام نقاش واسع حول شكل الدولة ومستقبلها. في مثل هذا السياق قد تظهر الفدرالية بوصفها أحد الحلول الممكنة لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، ليس فقط في كردستان الشرقية بل في مناطق أخرى من إيران أيضًا. وإذا حدث ذلك فإن التجارب الكردية القائمة في العراق وسوريا قد تلعب دورًا مهمًا في تشكيل التصورات المستقبلية للحكم المحلي.
إن السؤال الحقيقي الذي سيواجه إيران في تلك اللحظة لن يكون فقط كيف تتعامل مع المطالب الكردية، بل كيف تعيد صياغة عقدها السياسي الداخلي بطريقة تسمح بإدارة التنوع القومي والثقافي داخلها دون اللجوء إلى القمع المستمر. فالتاريخ الحديث للمنطقة يثبت أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع حل القضايا القومية، بل قد تؤدي في كثير من الأحيان إلى تعميقها.
ومن هنا يمكن القول إن مستقبل كردستان الشرقية لن يتحدد فقط بميزان القوة بين الدولة والحركات الكردية، بل أيضًا بمدى قدرة إيران نفسها على التحول من نموذج الدولة المركزية الصلبة إلى نموذج سياسي أكثر مرونة وتعددية. وإذا لم يحدث مثل هذا التحول من داخل النظام، فإن الضغوط الداخلية والخارجية قد تفرضه في لحظة ما من خارج إرادته. وفي كل الأحوال، فإن الکرد الذين انتقلوا خلال العقود الأخيرة من مرحلة المتالبة بالحكم الذاتي والفدرالیة إلى مرحلة التجارب الواقعية للحكم، لن يكونوا مجرد متفرجين على التحولات المقبلة في المنطقة، بل سيكونون أحد الفاعلين الرئيسيين في تشكيلها.
#جبار_قادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟