أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جبار قادر - مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السياسي















المزيد.....

مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السياسي


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 19:29
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


لم تعد أزمة مجلس النواب العراقي مجرد تعثر في الأداء أو ضعف في الكفاءة، بل تحولت، بعد أكثر من عقدين علی التغییر السیاسي وسقوط نظام البعث في ٩ نیسان ٢٠٠٣، إلى أزمة بنيوية عميقة تمس جوهر دوره في النظام السياسي، وتضع علامة استفهام كبرى على قدرته في أداء وظيفته الأساسية كسلطة تشريعية مستقلة ضمن مبدأ الفصل بين السلطات. فالمؤسسة التي كان يُفترض أن تكون حجر الأساس في بناء دولة القانون، ومنصة لإنتاج التشريعات وضبط توازن السلطة، وجدت نفسها تنزلق تدريجيًا نحو واقع يعكس اختلالًا مزدوجًا في الوظيفة وفي القيادة.
من حيث المبدأ، يشكل البرلمان ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي، بوصفه الجهة التي تشرّع القوانين، وتراقب أداء السلطة التنفيذية، وتضمن عدم تغوّلها. غير أن ما حدث في التجربة العراقية هو العكس تقريبًا؛ إذ تآكل هذا الدور تدريجيًا، حتى بات المجلس، في كثير من الأحيان، جزءًا من منظومة النفوذ التي يُفترض به مراقبتها، لا سلطة موازِنة لها. وهنا لا نتحدث عن خلل جزئي، بل عن انحراف في جوهر فكرة الفصل بين السلطات، حيث لم يعد البرلمان فاعلًا مستقلًا، بل ساحة تتقاطع داخلها إرادات القوى السياسية وتُحسم فيها صراعاتها خارج الأطر الدستورية. هذا الانحراف انعكس بوضوح على الوظيفة التشريعية. فبعد سنوات طويلة، لا تزال قوانين مفصلية تمس بنية الدولة الاتحادية معلّقة، مثل قانون النفط والغاز، وقانون المحكمة الاتحادية، وقانون مجلس الاتحاد، فضلًا عن قوانين عصریة للأحزاب السیاسیة والانتخابات. هذا التعطيل لا يمكن تفسيره فقط بالخلافات، بل يعكس غياب إرادة سياسية حقيقية لبناء دولة مؤسسات، واستبدالها بمنطق إدارة التوازنات.
غير أن الأخطر من ضعف التشريع هو ما آلت إليه طبيعة العمل داخل المجلس نفسه. فقد تحولت الجلسات، في كثير من الأحيان، من فضاء للنقاش العقلاني وصياغة السياسات العامة، إلى ما يشبه سوقًا سياسيًا مفتوحًا للمزايدات والمناكفات، تُستثار فيه العواطف، وتُستحضر الانقسامات الطائفية والقومية، وتُستخدم اللغة التحريضية كأداة لكسب النقاط السياسية، لا كوسيلة لإنتاج حلول. وبدل أن يكون البرلمان مساحة لاحتواء التعدد، أصبح ساحة لإعادة إنتاجه بشكل أكثر حدة وتناقضا، بما يهدد السلم المجتمعي ويقوّض فكرة الدولة الجامعة.
أما الوظيفة الرقابية، فقد فقدت الكثير من معناها، فبدل أن تكون أداة مؤسسية لضبط الأداء الحكومي وفق قواعد واضحة، جرى توظيفها بشكل انتقائي، حيث تُفعّل أحيانًا في سياق الصراع السياسي، وتُعطّل في أحيان أخرى تبعًا لمصالح القوى النافذة. بل إن بعض أدوات الرقابة، مثل جلسات الاستجواب أو الاستماع، تحولت إلى وسائل للضغط والتشهير، لا إلى آليات إصلاح حقيقية، الأمر الذي أفقدها مصداقيتها وجدواها.
وفي سياق هذا الانحدار، برزت ظاهرة خطيرة تمس جوهر التوازن الوطني، تتمثل في توظيف مسألة الأغلبية السياسية، وبصيغتها الطائفية تحديدًا، كأداة للضغط السياسي، لا كآلية ديمقراطية. إذ شهدت بعض المواقف والخطابات داخل المجلس، بما في ذلك من قبل رئاسته، نزعة واضحة لاستثمار ثقل الأغلبية الشيعية في توجيه الهجوم نحو الکرد وإقليم كردستان، ليس في إطار نقاش دستوري هادئ، بل عبر خطاب تصعيدي يتجاوز حدود الخلاف السياسي المشروع. هذا الخطاب لم يقتصر في كثير من الأحيان على نقد سياسات أو مواقف محددة لأحزاب كردية بعينها، بل اتجه نحو تعميم الاتهامات، والتشكيك بشرعية الإقليم، ومحاولة النيل من صلاحياته الدستورية التي أقرها النظام الاتحادي. بل إن بعض التصريحات اتسمت بلغة التهديد والوعيد، بما يوحي بأن العلاقة بين المركز والإقليم تُدار بمنطق الغلبة لا بمنطق الشراكة الدستورية. والأخطر من ذلك هو الانزلاق نحو خطاب يقترب من شيطنة المكوّن الكردي نفسه، عبر تحميله مسؤوليات سياسية بصيغة جماعية، وهو ما يمثل انحرافًا خطيرًا عن أبسط قواعد العمل البرلماني، ويهدد أسس التعايش الوطني. فالبرلمان، في جوهره، يجب أن يكون مساحة لحماية التعدد، لا منصة لإثارة المخاوف أو تكريس الانقسامات.
في قلب كل ذلك، تبرز أزمة قيادة المجلس، وتحديدًا رئاستە، بوصفها أحد أبرز مفاتيح فهم هذا التدهور. فالموقع الذي يُفترض أن يكون ضامنًا لهيبة المؤسسة، وحارسًا للنظام الداخلي، ومنظمًا لإيقاع العمل البرلماني، شهد خلال الدورات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا، خصوصًا مع وصول شخصيات تفتقر إلى الخلفية السياسية أو القانونية اللازمة لإدارة مؤسسة بهذا التعقيد. هذا التراجع انعكس بشكل مباشر على طبيعة الجلسات، حيث ضعف الانضباط، وتكررت حالات الفوضى، وغابت القدرة على ضبط الخطاب ومنع الانزلاق نحو التحريض أو التجاوز. وعندما تعجز الرئاسة عن فرض القواعد، فإنها تفتح الباب أمام تغوّل الخطاب الشعبوي التحریضي، وتحويل المؤسسة إلى ساحة صراع مفتوح.
ولا يمكن فصل ضعف رئاسة المجلس عن تآكل الاستقلالية، إذ ترسخت قناعة واسعة بأنها أي رئااسة المجلس، بدل أن تكون موقعًا مؤسسيًا مستقلًا، أصبحت خاضعة کلیا لتوازنات وضغوط القوى السياسية، وعاجزة عن مواجهتها. وهذا ما يعمّق الخلل في الفصل بين السلطات، ويحوّل البرلمان إلى أداة ضمن منظومة الحكم، لا سلطة رقابية عليها.
هذا الواقع يرتبط بطبيعة النخب السياسية التي تصدرت المشهد منذ عام ٢٠٠٣، حيث لم تکن الكفاءة والخبرة هي المعيار، بل القدرة على الحشد والانخراط في شبكات النفوذ. ومع غياب التأهيل، تتحول المؤسسات إلى ساحات تجريب، وتُدار الدولة بمنطق المساومات لا بمنطق السياسات. النتيجة هي حلقة مفرغة: أداء ضعيف يقود إلى فقدان الثقة، وفقدان الثقة يعمّق العزوف الشعبي، وهذا العزوف يفتح الباب أمام مزيد من الوجوه غير المؤهلة، التي تعيد إنتاج الأزمة نفسها. وفي ظل غياب المساءلة الحقيقية، يتحول هذا المسار إلى حالة طبيعية، لا إلى خلل يستدعي التصحيح.
إن ما يعكسه مجلس النواب اليوم لم يعد مجرد أزمة مؤسسة، بل أزمة نموذج حكم كامل. فبدل أن يكون منتجًا للقواعد التي تنظّم الصراع السياسي، أصبح ساحة يُدار فيها هذا الصراع خارج تلك القواعد. وبينما كان يُفترض أن يجسد حلم الدولة، انتهى به الأمر إلى أن يكون أحد أبرز تجليات تعثر هذا الحلم.
الإصلاح، إن كان ممكنًا، لا يبدأ من التفاصيل، بل من الاعتراف بجوهر المشكلة. لا يمكن لبرلمان أن يؤدي دوره في الفصل بين السلطات إذا كان خاضعًا لها، ولا يمكن لمؤسسة أن تفرض القانون إذا كانت قيادتها لا تمتلك أدوات فرضه. المطلوب ليس فقط تغيير الأشخاص، بل إعادة تعريف معايير العمل السياسي، وترسيخ مبدأ الكفاءة، واستعادة استقلال القرار البرلماني، وتفعيل المساءلة بشكل حقيقي، وحماية التوازنات الدستورية بين مكونات الدولة بدل استثمارها في الصراع.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى مجلس النواب العراقي عالقًا بين ما كان يُفترض أن يكونه، وما آل إليه فعليًا: من ركيزة لبناء الدولة، إلى مسرح مفتوح للعبث السياسي.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإختراق الإسرائيلي في إيران ولبنان، والميليشيات تضرب في كرد ...
- بوکچين ملهم أوجلان: أفکار أخفقت في مواجهة الواقع
- الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.
- القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة
- إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟
- رضا بهلوي بين خطاب الديمقراطية ومخاوف إعادة إنتاج القمع
- تحالف شرق کردستان: إستعداد مبکر لمرحلة ما بعد التحول الإ ...
- الإسلام السياسي الكردي وقصة المليون دولار
- البدیل المؤجل: مأزق المعارضة السیاسیة في کردس ...
- تقریر اللجنة البرلمانیة الترکیة والقضیة ...
- الکرد في إیران: مئویة المقاومة وآفاق التغی ...
- ٨ شباط١٩٦٣: حین دخل القتلة ب&# ...
- قیادات الکرد: بین النشوة الفارغة والهزیمة ...
- في عصر المتاجرة بالدماء وإستعراض أشباە الإعلامی ...
- هل يمكن تحويل النهوض الشعبي الكردي إلى مشروع سياسي قومي؟


المزيد.....




- ما حكاية -الدقلة السعودية- التي ارتداها كريستيانو رونالدو في ...
- صلاة عيد الفطر في ساحات نيويورك تتحول إلى عرض أزياء مبهر
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب: لبنان تحت النار.. توغّل إسرائيلي ول ...
- إيران تُهدد بزرع ألغام في الخليج بحال استهداف جزرها أو سواحل ...
- قانون -SAVE America-: معركة جديدة حول حق التصويت في الولايات ...
- اشتباكات في تيرانا خلال احتجاج للمعارضة
- الوكالة الدولية للطاقة تحذر من أسوأ أزمة منذ عقود وخسارة 11 ...
- فرنسا: وفاة رئيس الحكومة السابق ليونيل جوسبان عن عمر ناهز 88 ...
- فرنسا: وفاة رئيس الوزراء السابق ليونيل جوسبان عن عمر ناهز 88 ...
- إيران تشن هجوما صاروخيا جديدا وواسعا على شمال ووسط إسرائيل


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جبار قادر - مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السياسي