أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَين المتناقضين














المزيد.....

بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَين المتناقضين


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 18:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في العراق، لا يدور الصراع في جوهره حول الجغرافيا أو توزيع السلطة فحسب، بل حول سؤال أعمق: ما هي الدولة، ولمن تكون، وعلى أي أساس تُبنى شرعيتها؟ بين حلم استقلال كردستان، بوصفه تعبيرًا عن هوية قومية راسخة وتجربة تاريخية مثقلة بالخذلان، وبين الإيمان بوحدة العراق ككيان سيادي وتاريخي لا يقبل التفكك، تتكشف أزمة بنيوية تتجاوز السياسة اليومية إلى مستوى الفلسفة السياسية ذاتها. هذا التناقض لا يمكن فهمه باعتباره مجرد صراع مصالح أو تنافس على الموارد، بل هو صراع بين نموذجين للدولة: نموذج "الدولة-الأمة"الذي يفترض تطابق الحدود السياسية مع هوية قومية واحدة، ونموذج "الدولة التعددية" التي تقبل بتجاور هويات متمايزة داخل إطار سيادي مشترك. المشكلة أن العراق لم يحسم خياره بين هذين النموذجين، بل ظل يتأرجح بينهما، ما أنتج حالة من اللااستقرار المزمن.
بالنسبة للكرد، لا يُختزل مطلب الاستقلال في كونه رد فعل سياسي على ظرف معين، بل هو تعبير عن وعي تاريخي تشكّل عبر قرن من التحولات، حيث لم تنجح الدولة المركزية في بناء ثقة مستدامة معهم. ومن هذا المنظور، يبدو الاستقلال كأفق منطقي لاستعادة السيطرة على المصير. في المقابل، يتمسك جزء كبير من العرب العراقيين بفكرة الوحدة، لا فقط بدافع وطني، بل أيضًا انطلاقًا من تصور راسخ بأن تفكك الدولة يفتح الباب أمام فوضى داخلية وتدخلات خارجية تهدد الجميع.
غير أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في وجود هذين التصورين، بل في طبيعة العلاقة بينهما. فبدل أن تُدار بوصفها علاقة تفاوضية داخل إطار سياسي مرن، تتحول غالبًا إلى علاقة إقصاء متبادل، يغذيها خطاب سياسي يقوم على نفي شرعية الآخر. ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات الأخوة والمواطنة المشتركة، تُمارس سياسات وتُطلق مواقف تعمّق الشكوك وتغذّي الانقسام، بل وتصل أحيانًا إلى مستويات من التصعيد العسكري أو الإعلامي الذي يناقض تمامًا تلك الشعارات.
إن الإصرار على إقصاء الحلم الكردي أو تأجيله لا يؤدي إلى تثبيت وحدة الدولة، بل يكشف عن هشاشتها. فالوحدة التي تحتاج إلى إنكار تطلعات مكوّن أساسي ليست وحدة مستقرة، بل توازن مؤقت قابل للانفجار. وكلما طال أمد هذا الإقصاء، تراكمت عوامل عدم الثقة، وتحول الحلم من مطلب قابل للتفاوض إلى قناعة راسخة يصعب احتواؤها ضمن أي إطار مشترك. بهذا المعنى، لا يصبح الإقصاء مجرد خطأ سياسي، بل خللًا بنيويًا يعمّق الأزمة بدل حلها.
أمام هذا الواقع، لم يعد ممكنًا الاكتفاء بالدعوة إلى "الوحدة" بوصفها حلًا سحريًا، ولا التعويل على "الاستقلال" كخيار يمكن تحقيقه دون كلفة وتعقيد. كلا الحلمين حقيقي، وكلاهما متجذر، وأي محاولة لإلغاء أحدهما لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: أيهما سينتصر؟ بل: كيف يمكن إدارة هذا التناقض دون أن يتحول إلى صراع دائم؟
الإجابة تقتضي تحولًا جوهريًا في شكل النظام السياسي نفسه. فالعراق بحاجة إلى نموذج سياسي جديد، لا يقوم على إنكار التعدد أو محاولة صهره قسرًا، بل على الاعتراف به وتنظيمه ضمن عقد سياسي مرن وواضح. نظام قادر على استيعاب فكرة أن هناك من يرى مستقبله خارج الدولة، ومن يرى مستقبله داخلها، دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى مبرر للإقصاء أو العنف. هذا يعني التفكير بجدية في صيغ متقدمة من الفيدرالية الحقيقية، أو حتى نماذج أقرب إلى الكونفدرالية، حيث تُعاد صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس الشراكة لا الهيمنة والتبعیة. كما يتطلب بناء مفهوم جديد للمواطنة، لا يُجبر الأفراد على الاختيار بين هوياتهم، بل يتيح لهم الانتماء إلى الدولة دون التخلي عن تطلعاتهم القومية.
إن التعايش بين حلم استقلال كردستان ووحدة العراق لا يعني التوفيق النهائي بينهما، بل إنشاء إطار يسمح لهما بالوجود دون أن يتحول أحدهما إلى أداة لإلغاء الآخر. إنه انتقال من منطق الحسم إلى منطق الإدارة، ومن البحث عن انتصار نهائي إلى القبول بتوازن مستمر. فالدول الأكثر استقرارًا ليست تلك التي تخلو من الاختلافات، بل تلك التي تنجح في إدارتها ضمن نظام سياسي عادل ومرن. والعراق، إذا أراد أن يتجاوز أزماته المتكررة، عليه أن ينتقل من إنكار التناقض إلى هندسته، ومن الصراع عليه إلى التعايش معه.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السي ...
- الإختراق الإسرائيلي في إيران ولبنان، والميليشيات تضرب في كرد ...
- بوکچين ملهم أوجلان: أفکار أخفقت في مواجهة الواقع
- الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.
- القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة
- إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟
- رضا بهلوي بين خطاب الديمقراطية ومخاوف إعادة إنتاج القمع
- تحالف شرق کردستان: إستعداد مبکر لمرحلة ما بعد التحول الإ ...
- الإسلام السياسي الكردي وقصة المليون دولار
- البدیل المؤجل: مأزق المعارضة السیاسیة في کردس ...
- تقریر اللجنة البرلمانیة الترکیة والقضیة ...
- الکرد في إیران: مئویة المقاومة وآفاق التغی ...
- ٨ شباط١٩٦٣: حین دخل القتلة ب&# ...
- قیادات الکرد: بین النشوة الفارغة والهزیمة ...
- في عصر المتاجرة بالدماء وإستعراض أشباە الإعلامی ...


المزيد.....




- مصدر إيراني يكشف لـCNN عن -تواصل- مع أمريكا وشروط طهران لإنه ...
- رسائل صارمة من دول الخليج بشأن الصراع مع إيران.. هل نفد صبره ...
- بين دول الخليج وإيران وأمريكا وإسرائيل.. ماذا يريد كل طرف؟
- هل تحدث انفراجة؟ إليكم ما نعلمه عن -المحادثات- بين أمريكا وإ ...
- صيدلانية متفانية وصانعة محتوى أعادها الحنين إلى الوطن.. قصص ...
- عشرات الفلسطينيين مهددون بالتهجير بعد أوامر هدم إسرائيلية في ...
- روبيو ينضم إلى مجموعة السبع في فرنسا لبحث الحرب على إيران
- مقتل مغربي في البحرين كان يعمل متعاقدا مع الجيش الإماراتي
- لبنان: إسرائيل تعلن إقامة -منطقة أمنية- حتى نهر الليطاني
- الحرب في الشرق الأوسط: هل يكون خط أنابيب النفط -شرق-غرب- الس ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَين المتناقضين