أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - تركيا والقضية الكردية: بين إرث السلاح وآفاق السلام.















المزيد.....

تركيا والقضية الكردية: بين إرث السلاح وآفاق السلام.


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 15:05
المحور: القضية الكردية
    


تشكل القضية الكردية في تركيا واحدة من أعقد القضايا القومية في الشرق الأوسط، إذ تتشابك فيها عناصر التاريخ والهوية والسياسة الداخلية مع توازنات الإقليم. فمنذ تأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال عام١٩٢٣، تبنّت الدولة نموذجًا قوميًّا صارمًا يقوم على بناء أمة متجانسة، وهو ما انعكس في سياسات هدفت إلى صهر مختلف الهويات ضمن هوية تركية واحدة. في هذا السياق، تم إنكار الوجود القومي الكردي لسنوات طويلة، ووصِف الكرد بأنهم "أتراك الجبال"، كما فُرضت قيود على استخدام اللغة الكردية في التعليم والإعلام والحياة العامة. وقد أدت هذه السياسات إلى اندلاع عدد من حركات المقاومة المسلحة في العقود الأولى من عمر الجمهورية، مثل انتفاضات الشيخ سعيد عام ١٩٢٥ وآرارات (١٩٢٨ – ١٩٣٠) ودرسيم في ١٩٣٨ والتي قُمعت جمعاء بعنف قل مثيلە، مما رسّخ فجوة عميقة بين الدولة والمجتمع الكردي لیس في ترکیا فقط بل في کل أجزاء کردستان.
ومع التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها تركيا في النصف الثاني من القرن العشرين، خاصة مع توسع التعليم والهجرة إلى المدن وصعود التيارات اليسارية، بدأ الوعي القومي الكردي يتخذ طابعًا حديثًا ومنظمًا. وفي هذا السياق تأسس حزب العمال الكردستاني في نوفمبر من عام ١٩٧٨ بقيادة عبد الله أوجلان، متأثرًا بالأفكار الماركسية–اللينينية، ورافعًا شعار إقامة دولة كردستان المستقلة الاشتراكية. ومع إطلاقه الكفاح المسلح في ١٥ آب عام ١٩٨٤، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة اتسمت بالعنف المتبادل، حيث أصبح الصراع ليس فقط حول الهوية والحقوق، بل أيضًا حول السيطرة والأمن.
غير أن هذا المشروع لم يبقَ ثابتًا على حاله، إذ شهد تحولًا جذريًا بعد اعتقال أوجلان في ١٥ شباط عام ١٩٩٩، حيث أعاد صياغة خطاب الحزب الأيديولوجي، متخليًا عن مطلب الدولة القومية المستقلة، ومتبنيًا مفاهيم مثل "الأمة الديمقراطية" و"الكونفدرالية الديمقراطية"، التي تقوم على فكرة المجتمعات المحلية والكومونات والإدارة الذاتية غير المركزية. هذا التحول قدّمه الحزب بوصفه تطورًا فكريًا يتجاوز نموذج الدولة القومية، إلا أن كثيرًا من الباحثين يرونه مشروعًا نظريًا أقرب إلى اليوتوبيا السياسية، نظرًا لصعوبة تطبيقه داخل بنى دولية قائمة على السيادة المركزية، فضلًا عن التناقض بين الطابع اللامركزي المعلن للحزب وبنيته التنظيمية الصارمة.
في المقابل، لم تكن سياسات الدولة التركية تجاه القضية الكردية ثابتة، بل شهدت بدورها تحولات مهمة. فقد مثّلت مرحلة تورگوت أوزال بداية انفتاح نسبي، حيث أُقرت بعض الخطوات الرمزية للاعتراف بالهوية الكردية، وطرحت أفكار أولية للحل السياسي قبل أن يتوقف هذا المسار بوفاته المفاجئ. ثم جاء عهد سليمان ديميريل ليشهد اعترافًا محدودًا بما سُمّي ب"الواقع الكردي"، لكن دون التخلي عن المقاربة الأمنية، خاصة في ظل تصاعد العنف في التسعينيات. ومع وصول رجب طيب أردوغان إلى السلطة، بدا في البداية أن هناك تحولًا أعمق، حيث أُدخلت إصلاحات مرتبطة بمعايير الاتحاد الأوروبي، شملت توسيع هامش استخدام اللغة الكردية وفتح قنوات إعلامية بها، إلى جانب خطاب سياسي ركّز على "الأخوة الإسلامية" باعتبارها إطارًا جامعًا يتجاوز القومية. غير أن هذا الطرح، الذي سعى إلى استيعاب الكرد ضمن هوية دينية مشتركة دون الإعتراف الصريح بحقوق قومية، لم يكن كافيًا في ظل تنامي الوعي القومي الكردي، ما أدى إلى محدودية تأثيره على المدى الطويل.
بلغت محاولات التسوية ذروتها خلال الفترة بين ٢٠١٣ و٢٠١٥، حين جرت مفاوضات مباشرة مع أوجلان وأُعلن عن وقف لإطلاق النار، ما خلق انطباعًا بأن حلًا تاريخيًا قد يكون ممكنًا. لكن هذه العملية انهارت لاحقًا نتيجة تداخل عدة عوامل، منها الخلافات حول طبيعة الحقوق الکردیة والإدارة الذاتية لمناطقهم، وتداعيات الحرب الداخلیة في سوريا وصعود الكيانات الكردية هناك، إضافة إلى الحسابات السياسية الداخلية في تركيا. ومنذ ذلك الحين، عاد الصراع إلى الواجهة، وإن بصيغ متغيرة.
في السياق الإقليمي الأحدث، خاصة بعد هجمات ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وما تبعها من تحولات دراماتیکیة في موازين القوى، أعادت تركيا قراءة موقعها في المنطقة، بما في ذلك كيفية التعامل مع الملف الكردي. فقد برزت مجددًا أهمية الورقة الكردية في ظل إعادة ترتيب التحالفات، وتصاعد دور الفاعلين غير الدوليين، ما دفع أنقرة إلى محاولة استباق أي تطورات قد تؤدي إلى نشوء كيانات كردية جديدة على حدودها، سواء في سوريا أو العراق أو حتى في إيران في حال تفاقمت التوترات هناك. وفي هذا الإطار، ظهر شعار "تركيا بلا إرهاب" كإعادة صياغة للمقاربة التركية، يجمع بين الأدوات الأمنية والانفتاح المحدود، في حين يقدمه حزب العمال الكردستاني بوصفه امتدادًا لعملية سلام قائمة على "الأخوة" بين الأتراك والكرد، رغم استمرار التباين العميق في تعريف الحل بين الطرفين.
وعند وضع هذه الحالة ضمن سياق مقارن مع تجارب دولية مثل كتالونيا والباسك في إسبانيا، وإيرلندا الشمالية واسكتلندا في بريطانيا، تتضح مجموعة من السمات المشتركة، أبرزها وجود جماعات ذات هوية قومية متميزة تسعى إلى الاعتراف أو الحكم الذاتي، فضلًا عن تاريخ من التوتر مع السلطة المركزية. كما تظهر بعض أوجه التشابه الجزئي، خاصة بين تجربة حزب العمال الكردستاني وتجربة العنف في إقليم الباسك أو في إيرلندا الشمالية، حيث لعبت التنظيمات المسلحة دورًا محوريًا في الصراع. إلا أن الفروق تبقى أكثر عمقًا وحسمًا؛ ففي أوروبا، جرى الاعتراف بالتعدد القومي ضمن أطر دستورية واضحة، وأُتيحت آليات سياسية مثل الحكم الذاتي والاستفتاءات، ما سمح بتحويل الصراع من العنف إلى السياسة. كما أن كثيرًا من الحركات القومية هناك، مثل كتالونيا واسكتلندا، بقيت سلمية في الأساس، بينما شهدت الحالة الكردية استمرار حضور العمل المسلح. ويضاف إلى ذلك أن البيئة الأوروبية تتسم باستقرار سياسي ومؤسساتي، في حين ترتبط القضية الكردية بسياق إقليمي مضطرب يتجاوز حدود دولة واحدة، نظرًا لتوزع الأكراد على عدة دول.
من هنا، تبدو المقارنة مع إقليم الباسك الأكثر قربًا من الناحية النظرية، حيث انتقل الصراع من العنف إلى العمل السياسي، لكن نجاح هذا النموذج كان مشروطًا بتوافر إرادة متبادلة وإطار دستوري واضح للحل، وهو ما لا يزال محدودًا في الحالة التركية. أما مشاريع مثل "الكونفدرالية الديمقراطية" التي يطرحها حزب العمال الكردستاني، فتبدو، عند مقارنتها بهذه التجارب، أقرب إلى تصور فلسفي بديل للدولة القومية، لكنها تفتقر إلى شروط التطبيق الواقعي في ظل النظام الدولي القائم.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن مستقبل ما يُسمى بعملية السلام سيظل مفتوحًا على عدة احتمالات، تتراوح بين استمرار حالة الجمود، أو تطور تدريجي نحو نموذج شبيه بتجربة الباسك عبر تقليص العنف وتوسيع المشاركة السياسية، أو على العكس تصاعد التوتر في حال نشوء كيانات كردية جديدة في الإقليم، خاصة إذا ارتبط ذلك بتطورات مهمة داخل إيران، الأمر الذي يمثل هاجسًا استراتيجيًا دائمًا لتركيا. وفي جميع الأحوال، فإن جوهر القضية يبقى مرتبطًا بقدرة الدولة التركية على الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجته عبر الاعتراف بالتعددية، وبقدرة الحركة الكردية على بلورة مشروع سياسي واقعي، إذ بدون ذلك ستظل كل المبادرات، مهما اختلفت تسمياتها، تدور في إطار إعادة إنتاج الأزمة أكثر من حلها.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَ ...
- مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السي ...
- الإختراق الإسرائيلي في إيران ولبنان، والميليشيات تضرب في كرد ...
- بوکچين ملهم أوجلان: أفکار أخفقت في مواجهة الواقع
- الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.
- القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة
- إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟
- رضا بهلوي بين خطاب الديمقراطية ومخاوف إعادة إنتاج القمع
- تحالف شرق کردستان: إستعداد مبکر لمرحلة ما بعد التحول الإ ...
- الإسلام السياسي الكردي وقصة المليون دولار
- البدیل المؤجل: مأزق المعارضة السیاسیة في کردس ...
- تقریر اللجنة البرلمانیة الترکیة والقضیة ...
- الکرد في إیران: مئویة المقاومة وآفاق التغی ...
- ٨ شباط١٩٦٣: حین دخل القتلة ب&# ...
- قیادات الکرد: بین النشوة الفارغة والهزیمة ...


المزيد.....




- رئيس المجلس الأوروبي يطالب بتحسين الوضع الإنساني في غزة ونزع ...
- إيران توجه رسالة للأمم المتحدة بشأن التهديدات ضد عراقجي وقال ...
- من هو -فصيل الزلزال-؟ تفاصيل الهجوم على مصنع مسيرات بالتشيك ...
- تحذيرات إسرائيلية: قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لن يحقق ال ...
- خطة -الأسوار البعيدة-.. البرلمان الأوروبي يقر نقل المهاجرين ...
- تحالف حقوقي: الاعتداء على دول الخليج يرتقي لجرائم الحرب
- غارديان: إسرائيل تسعى لشرعنة الانتقام بفرض إعدام الأسرى
- من -الاعتقالات الرقمية- إلى مصادرة الأموال.. إجراءات إيرانية ...
- المشرخ: قرار مجلس حقوق الإنسان خطوة لوقف اعتداءات إيران
- إنشاء -مراكز العودة-.. البرلمان الأوروبي يوافق على إرسال الم ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - تركيا والقضية الكردية: بين إرث السلاح وآفاق السلام.