أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - عجاج التكريتي وذاكرة الأنفال المخنوقة















المزيد.....

عجاج التكريتي وذاكرة الأنفال المخنوقة


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 11:46
المحور: القضية الكردية
    


في كردستان أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لم تكن حملات الأنفال التدمیریة مجرد فصلٍ دمويٍّ في تاريخ دولةٍ مضطربة، بل كانت مشروع اقتلاعٍ شامل صيغ بقرارٍ مركزيٍّ واعٍ ونُفِّذ بأيدٍ حوّلت الأوامر إلى جحيمٍ يوميٍّ منظّم. وعلى رأس هذه المنظومة يقف نظام صدام حسين المجرم، غير أن الذاكرة التي تصرّ على الصدق لا تكتفي بذكر الرأس؛ بل تستحضر الوجوه التي أدارت ماكينة الألم على الأرض، الوجوه التي ترجمت القرار إلى ممارسةٍ يوميةٍ قاسية. ومن بين هذه الوجوه يبرز اسم عجاج أحمد حردان التكريتي، لا كتفصيلٍ عابر، بل كعدسةٍ مكبِّرة تُرى من خلالها طبيعة الجريمة حين تنحدر من مستوى السياسة إلى مستوى التنفيذ الوحشيّ المباشر.
بين ٢٣ شباط و٦ أيلول ١٩٨٨، أُزيلت آلاف القرى عن الوجود، واختفى عشرات الآلاف قسرًا خلال حملات الأنفال الثمانیة. وتشير التقديرات إلى أن نحو ١٨٢ ألف كردي قُتلوا خلال تلك الهجمات الوحشیة، وغالبيتهم دُفنوا أحياءً في مقابر جماعية مبعثرة في صحارى العراق. لم يكن ذلك أثرًا جانبيًا لحرب، بل كان مخططًا ممنهجًا يستهدف محو شعبٍ بأكمله. غير أن صورة الأنفال لا تكتمل دون تتبّع مصير من نجوا من القتل المباشر؛ أولئك الذين اقتيدوا إلى المنافي الداخلية، حيث يبدأ شكلٌ آخر من الإبادة، إبادة بطيئة، محسوبة، تُدار بالجوع والعطش، والخوف، والتجريد الكامل من الكرامة الإنسانية.
في هذا السياق، يتحول سجن نگرة "نقرة" السلمان إلى رمزٍ مكثّفٍ لهذه الجريمة. هناك، ووفق شهادات ناجين كُثُر، لم يكن الاحتجاز سوى تسميةٍ مخفّفة لواقعٍ أشد قسوةً وتجريدًا من أي معنى للإنسانية. يُنسب إلى عجاج التكريتي، الذي ارتبط اسمه بإدارة ذلك المكان، نمطٌ متكرر من الممارسات التي تتجاوز حدود التعذيب الجسدي والنفسي الممنهج إلى مستوى الإبادة المقصودة، حرمانٌ متعمّد من الطعام والشراب لأيام، ترك المعتقلين بما فیهم أطفال صغار تحت شمسٍ لاهبة تتجاوز خمسين درجة مئوية حتى الانهيار، ثم تركهم لمصيرهم بلا إسعاف أو أدنى تدخل. وكانت الجثث تغطی بقلیل من التراب من قبل السجناء أو تُرمى في العراء بلا كرامة، في أرضٍ مفتوحةٍ للحيوانات، في مشهدٍ يختزل انهيار كل القيم. ولا تقف الشهادات عند حدود التجويع والإهمال القاتل، بل تتحدث عن إذلالٍ مُمنهجٍ يستهدف تحطيم الإنسان من الداخل، تعذيب الشيوخ وذوي الإعاقات، ومعاملتهم كأعباء يجب سحقها لا كأشخاصٍ يجب حمايتهم. وتبرز اتهاماتٌ جسيمة بانتهاكاتٍ جنسية مروّعة، اعتداءات على نساءٍ وفتياتٍ صغيرات وقعت على مرأى من الآخرين، كوسيلةٍ مقصودة لبثّ الرعب وتفكيك أي تماسكٍ اجتماعيٍّ متبقٍ. هذه ليست روايةً معزولة، بل شبكةٌ متطابقة من الشهادات التي كررها من أُفرج عنهم لاحقًا، في لحظاتٍ نادرة كُسر فيها جدار الصمت الثقيل.
ويُقدَّر عدد الكرد الذين نُفوا إلى نگرة السلمان من الناجين من محرقة الأنفال بنحو ٦ إلى ٨ آلاف شخص، قضوا ما يقارب سبعة أشهر في ما وُصف بحقٍّ بأنه جحيم النگرة، حيث كُتب على بوابة السجن: «أهلاً بكم في جهنم نگرة السلمان». وتشیر التقدیرات الی موت أکثر من ٧٠٠ شخص خلال الأشهر التي قضوها في جهنم النگرة. وقد أُخلي سبيل من بقي منهم بعد ما سُمّي بـ«العفو العام» في ٦ أيلول ١٩٨٨، غير أن عمليات الإفراج لم تبدأ فعليًا إلا بعد ١٩ أيلول، أي بعد نشر القرار في الجريدة الرسمية «الوقائع العراقية». وكانت إحدى آخر الجرائم المنسوبة إلى عجاج التكريتي إجبار السجناء على دفع مبالغ مالية أو تقديم مصوغات النساء مقابل إطلاق سراحهم، في ابتزازٍ فجٍّ يضاف إلى سجل الانتهاكات.
هنا تتجلى وظيفة عجاج التكريتي، واسمه الكامل عجاج أحمد حردان التكريتي، و«العجاج» باللهجة العراقية تعني الغبار والتراب، وكان آنذاك ضابطًا برتبة رائد ومسؤولًا عن سجن أو قلعة نگرة السلمان، وينتمي إلى عشيرة ألبو ناصر، عشيرة صدام حسين. خلق عجاج لیجسد الجریمة والدمویة ويبرز في السرد لا بوصفه القصة كلها، بل بوصفه تجسيدًا حيًا لكيف يتحول الفكر العنصري المعادي للإنسانية إلى سلوكٍ يوميٍّ منظم. فإذا كان القرار السياسي قد رسم الإطار، فإن أمثال عجاج ملؤوا هذا الإطار بتفاصيل الألم: من يُحرم من الماء، من يُترك للشمس، من يُذلّ أمام الآخرين، ومن يُدفع إلى حافة الموت البطيء. من هنا، يصبح الحديث عنه ضرورةً تحليلية لا نزعةً إلى شخصنة الجريمة؛ لأن فهم آليات التنفيذ يكشف كيف تُدار الوحشية كمنهجٍ مستقر، لا كاستثناء عابر.
اليوم، وبعد الأنباء عن اعتقاله في الأول من آب ٢٠٢٥، بحسب إعلان السلطات الأمنية العراقية، واحتمال مثوله أمام القضاء، يُفترض أن تُفتح نافذةٌ حقيقية للمساءلة والعدالة. غير أن هذه اللحظة تصطدم بسؤالٍ أثقل من اسمٍ واحد، كيف تُدار الذاكرة والعدالة في العراق المعاصر؟ لقد حظيت قضايا بزخمٍ قضائيٍّ وإعلاميٍّ واسع، وهو حقٌّ مشروع لضحاياها، غير أن جرائم الأنفال وغیرها منم الجرائم المروعة التي أرتکبت بحق الکرد، بحجمها واتساعها، لم تحضر بالقدر نفسه في الخطاب الرسمي والإعلامي. هذا التفاوت لا يمكن اختزاله إلى مصادفة؛ بل هو مؤشرٌ مقلق على اختلالٍ في المعايير، حيث تُمنح بعض المآسي صوتًا أعلى، فيما تُدفع أخرى إلى الهامش أو تُترك للنسيان البطيء.
الإدانة هنا لا تستهدف مبدأ تغطية أي جريمة، فكل جريمة تستحق أن تُروى كاملة، بل تستهدف الانتقائية التي تُفرغ العدالة من معناها. حين يُختزل ما جرى في كردستان إلى إشاراتٍ عابرة، وحين يُطمس ذكر من نفّذوا فصوله، ومنهم عجاج، فإن الرسالة التي تصل إلى الضحايا قاسية ومهينة وهي أن آلامهم قابلة للتأجيل، وأن حقيقتهم يمكن تليينها أو الالتفاف عليها. هذا ليس حيادًا، بل صمتٌ منحاز يحمل في طياته تواطؤًا أخلاقيًا.
إن توثيق الأنفال بلغةٍ واضحةٍ غير مُلطّفة ليس تصعيدًا لغويًا، بل هو تصحيحٌ أخلاقيٌّ وواجبٌ تاريخي. فالتخفيف في الوصف يفضي غالبًا إلى تخفيفٍ في الإدراك، ومن ثم إلى تخفيفٍ في الإدانة والمساءلة. وإذا كان اعتقال عجاج التكريتي خطوة، فإن قيمتها الحقيقية تُقاس بما يليها من تحقيقات شفافة لا تعرف المحاباة، مساءلة شاملة لا تنتقي، وقضاءٌ يواجه الوقائع بلا مواربة، وتغطية إعلامية تضع هذه الجرائم في موقعها الطبيعي، في صدارة الذاكرة الشعبیة لا على هامشها. لأن ما جرى في كردستان لم يكن حدثًا عابرًا يمكن طيّه أو تجاوزه، بل جرحٌ مفتوح واختبارٌ مستمر، إما أن تُروى القصة كاملة، بأسماء الضحايا والجلادين، وبكل تفاصيلها القاسية غير القابلة للتجميل، أو يظل الجرح ينزف، وتديره الذاكرة بالصمت بدل أن تداويه الحقيقة، وتبقى احتمالات التكرار قائمة ما لم تُستوفَ العدالة كاملة غير منقوصة.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحدث الوثائق السرّية الروسية عن اللحظات الأخيرة لهتلر
- تدوير منصب محافظ كركوك: صفقة تُنتج الشلل الإداري!
- في ذكرى حملات الأنفال البعثية ضد الشعب الكردي
- اغتيال ليف تروتسكي
- كردستان الحمراء السوفیتیة: بين الحقيقة التاريخية و ...
- هل هناك خوارزمية ثورية تحكم إيران؟
- القضية الكردية وغياب الفهم الصحیح لحقائق التاريخ والجغ ...
- الفدرالية في العراق: أزمة فهم أم غياب التطبيق؟
- العراق: سلطة مشتتة، قرار مجزأ وسيادة مهشمة
- قطارات المنفى: الكرد في مسارات الإقتلاع الستالیني
- تركيا والقضية الكردية: بين إرث السلاح وآفاق السلام.
- بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَ ...
- مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السي ...
- الإختراق الإسرائيلي في إيران ولبنان، والميليشيات تضرب في كرد ...
- بوکچين ملهم أوجلان: أفکار أخفقت في مواجهة الواقع
- الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.
- القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...


المزيد.....




- استمرار تدفق أفواج شاحنات المساعدات من معبر رفح البري لإغاثة ...
- الأردن.. مسارات جديدة لدعم العودة الطوعية للاجئين السوريين و ...
- مؤسسات الأسرى الفلسطينية: قانون الكنيست لإنشاء محكمة خاصة لم ...
- اعتقال سوري وتفتيش منازل إثر توغل إسرائيلي بالقنيطرة ودرعا
- الاحتلال يحتجز وكيل الأمين العام للأمم المتحدة في مطار بن غو ...
- حملة اعتقالات واسعة واقتحامات تطال مدرسة ومقاماً دينياً في ا ...
- مندوب سوريا في الأمم المتحدة: إعادة الإعمار شرط أساسي لعودة ...
- تنفيذ حكم الإعدام بحق جاسوس عمل لصالح الموساد الصهيوني
- إيمانويل ماكرون: فرنسا ستقدم إلى الأمم المتحدة إطارًا لمهمة ...
- الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: فرنسا ستقدم إلى الأمم المتحد ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - عجاج التكريتي وذاكرة الأنفال المخنوقة