أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - الفدرالية في العراق: أزمة فهم أم غياب التطبيق؟














المزيد.....

الفدرالية في العراق: أزمة فهم أم غياب التطبيق؟


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 16:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد النقاش حول الفدرالية في العراق مجرد جدل دستوري أو إداري، بل بات يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة وحدود السلطة فيها، وكيفية إدارة التعدد القومي والمجتمعي. وفي صلب هذا النقاش تبرز مفارقة أساسية: فالعراق يُعرّف دستوريًا كدولة اتحادية، لكنه عمليًا لم يتحول إلى نظام فدرالي متكامل، وهو ما يفسر جانبًا مهمًا من الأزمات السياسية المستمرة.
منذ إقرار الدستور في عام ٢٠٠٥، اعتُمدت الفدرالية كصيغة للحكم بهدف الانتقال من نموذج الدولة المركزية الصارمة إلى نظام يوزّع السلطة بين المركز والأقاليم. غير أن هذا التحول بقي محدودًا في التطبيق، إذ لم يتشكل فعليًا سوى إقليم واحد هو إقليم كوردستان، في حين بقيت بقية المحافظات خاضعة لسلطة الحكومة المركزية في بغداد، ضمن نظام أقرب إلى اللامركزية الإدارية منه إلى الفدرالية الحقيقية.
هذا الواقع أفرز نموذجًا هجينًا لا هو مركزي بالكامل ولا هو اتحادي مكتمل. فالفدرالية، في جوهرها، تقوم على تعدد الأقاليم وتوازنها في الصلاحيات ضمن إطار دستوري واضح، بينما أدى وجود إقليم واحد فقط إلى خلق حالة استثنائية جعلت العلاقة بين المركز والإقليم تُفهم غالبًا كملف سياسي خاص، لا كنموذج مؤسسي قابل للتعميم. وبدل أن تتحول الفدرالية إلى إطار شامل لإدارة الدولة، بقيت تجربة جزئية محاطة بالحذر والشك.
الأهم من ذلك أن أي محاولة لتشكيل أقاليم جديدة في المحافظات الأخرى قوبلت برفض واسع، سواء من قبل النخب الحاكمة أو قطاعات من الرأي العام، حيث تُفسَّر هذه الدعوات في الغالب بوصفها خطوة نحو التقسيم، لا استكمالًا لبناء النظام الاتحادي. وقد ساهمت عدة عوامل في ترسيخ هذا التصور، من بينها الإرث الطويل للدولة المركزية، والخشية من التفكك، إضافة إلى طبيعة الخطابات السياسية التي ربطت أحيانًا بين الفدرالية والانقسام.
كما لعبت النخب السياسية والثقافية دورًا في تعميق هذا الالتباس، إذ لم يترسخ في الخطاب العام فهم دقيق للفدرالية بوصفها آلية لتقاسم السلطة ضمن دولة واحدة. ففي كثير من الأحيان، يجري التعامل مع أي توزيع فعلي للصلاحيات على أنه انتقاص من سيادة الدولة، لا تعبير عنها بصيغة أكثر توازنًا.
ويمكن هنا الاستفادة من المقارنة مع تجارب دولية راسخة، مثل المملكة المتحدة، التي تضم أربع مكونات رئيسية: إنجلترا، وأسكتلندا، وويلز، وأيرلندا الشمالية. ورغم التفاوت الكبير في عدد السكان، حيث تشكل إنجلترا الغالبية الساحقة، إن النظام السياسي هناك يعترف بالتعدد القومي والمؤسسي، ويمنح كل مكوّن مساحة من الحكم الذاتي ضمن إطار الدولة الواحدة. ولا يقتصر الأمر على البنية السياسية، بل يمتد إلى الثقافة العامة، حيث يُراعى استخدام مصطلحات جامعة مثل "بريطاني" بدل اختزال الجميع في هوية واحدة، تفاديًا للمساس بالانتماءات المختلفة. كما أن الاحتفاظ بالهويات القومية، حتى لدى من يعيشون خارج أقاليمهم الأصلية، لا يُنظر إليه بوصفه تهديدًا لوحدة الدولة، بل كجزء طبيعي من تنوعها.
هذا النموذج لا يعني إمكانية نسخه حرفيًا في العراق، لكنه يسلط الضوء على نقطة جوهرية، وهي أن نجاح الأنظمة الاتحادية لا يعتمد فقط على النصوص الدستورية، بل على وجود ثقافة سياسية تعترف بالتعدد وتتعامل معه بوصفه عنصر قوة. وفي المقابل، فإن اختزال الهوية الوطنية في قالب واحد، أو النظر إلى التنوع بعين الريبة، يؤدي غالبًا إلى تعقيد العلاقة بين مكونات الدولة.
في الحالة العراقية، لا يبدو أن هذا الفهم قد ترسخ بعد بشكل كافٍ، وهو ما يفسر استمرار التوتر في قضايا مثل توزيع الصلاحيات، وإدارة الموارد، وتعريف مفهوم السيادة نفسه. كما أن وجود إقليم واحد فقط ضمن بنية يُفترض أنها اتحادية يفاقم هذا الالتباس، إذ لا تتشكل منظومة متكاملة من العلاقات بين أقاليم متعددة، بل تبقى العلاقة محصورة في إطار ثنائي بين المركز والإقليم القائم.
هذا الخلل البنيوي ينعكس أيضًا على آليات إدارة الخلاف، حيث تغيب في كثير من الأحيان مؤسسات فعالة قادرة على حسم النزاعات وفق الدستور، لتُترك القضايا عالقة أو خاضعة للتجاذبات السياسية. ومع ضعف الثقة بين الأطراف، تتحول الفدرالية من إطار لتنظيم العلاقة إلى ساحة للصراع حولها.
في ضوء ذلك، تبدو الفدرالية في العراق مشروعًا غير مكتمل، ليس بسبب خلل في الفكرة نفسها، بل نتيجة لعدم استيعابها وتطبيقها بشكل شامل. فاستمرار التعامل مع الأقاليم بوصفها استثناءً أو تهديدًا، بدل كونها جزءًا من بنية الدولة، سيبقي النظام في حالته الهجينة، ويحدّ من قدرته على تحقيق الاستقرار.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص، بل في بناء فهم مشترك لطبيعة الدولة الاتحادية، يقوم على قبول التعدد، وتقاسم السلطة، وتطوير مؤسسات قادرة على إدارة هذا التوازن. ومن دون ذلك، ستبقى الفدرالية في العراق إطارًا نظريًا أكثر منها واقعًا فعليًا، وتبقى الأزمات المرتبطة بها مفتوحة على احتمالا



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق: سلطة مشتتة، قرار مجزأ وسيادة مهشمة
- قطارات المنفى: الكرد في مسارات الإقتلاع الستالیني
- تركيا والقضية الكردية: بين إرث السلاح وآفاق السلام.
- بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَ ...
- مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السي ...
- الإختراق الإسرائيلي في إيران ولبنان، والميليشيات تضرب في كرد ...
- بوکچين ملهم أوجلان: أفکار أخفقت في مواجهة الواقع
- الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.
- القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة
- إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟
- رضا بهلوي بين خطاب الديمقراطية ومخاوف إعادة إنتاج القمع
- تحالف شرق کردستان: إستعداد مبکر لمرحلة ما بعد التحول الإ ...
- الإسلام السياسي الكردي وقصة المليون دولار
- البدیل المؤجل: مأزق المعارضة السیاسیة في کردس ...
- تقریر اللجنة البرلمانیة الترکیة والقضیة ...


المزيد.....




- شاهد.. مضيفة طيران تُفاجأ بزيارة غير متوقعة على متن رحلتها إ ...
- الأمطار تفاقم الكارثة في نيبال.. ومخاوف من فيضانات جديدة
- إيران تتوعد بمواجهة العقوبات الأمريكية بخيارين متكاملين
- سوريا الجديدة بين أمن إسرائيل وتبعية تركيا.. من يرسم مستقبله ...
- العلاج بالتستوستيرون ..تأثيره على الخصوبة والعقم
- الدفاع الروسية: إسقاط 313 مسيرة أوكرانية غربي البلاد
- طبيب قلب روسي يحدد قراءات ضغط الدم الحرجة التي تتوجب استدعاء ...
- شاهد لحظة تدمير نقطة قيادة مسيرات أوكرانية بقنابل روسية موجه ...
- تصعيد إسرائيلي في جنوب لبنان.. غارات وتوغّل في كفرشوبا (فيدي ...
- أفضل أنواع الأسماك للصحة وإنقاص الوزن


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - الفدرالية في العراق: أزمة فهم أم غياب التطبيق؟