أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - في ذكرى حملات الأنفال البعثية ضد الشعب الكردي














المزيد.....

في ذكرى حملات الأنفال البعثية ضد الشعب الكردي


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 14:07
المحور: القضية الكردية
    


في ذكرى حملات الأنفال الدمویة الرهیبة، لا يمكن اختزال ما جرى في توصيفات مضلِّلة من قبيل "عملية عسكرية" أو "حملة أمنية"، كما حاولت دعاية النظام ترویجها آنذاك. فالحقيقة الثابتة أن تلك الحملات كانت جزءًا من مشروع قومي عربي منظّم للإبادة الجماعية، استهدف الكرد على أساس هويتهم القومية، التي اعتبرها النظام جريمة تستوجب المحو. لم يكن الهدف إخضاع منطقة أو إنهاء تمرّد، بل اقتلاع شعب من جذوره، وإلغاء وجوده القومي من الجغرافيا والتاريخ.
لقد تجسّد في الأنفال منطق السلطة حين تتغذّى على الفكر العنصري الفاشي، فتنتقل من القمع إلى الإلغاء. تحوّل الكرد في خطاب النظام من مواطنين إلى "مشكلة" ينبغي التخلص منها، ومن بشر إلى هدف مشروع للإبادة. وفي هذا السياق، لم تكن القرى الكردية مجرد ساحات قتال، بل عوالم كاملة أُريد لها أن تختفي؛ قُصفت، وأُحرقت، وسُويت بالأرض، ونُهبت ممتلكاتها، في إطار قرار واعٍ بمحو كل ما هو كردي.
ومع هذا الانحدار، فقدت مؤسسات الدولة کلها أي معنى قانوني أو أخلاقي، وتحولت إلى أدوات قتل جماعي. لم يعد الجيش جيشًا بالمعنى المتعارف عليه، بل صار أداة تنفيذ لأوامر عمياء، حيث امتزجت الطاعة المطلقة بخطاب الكراهية، وأصبح القتل واجبًا. عشرات الآلاف من المدنيين، من رجال ونساء وأطفال، اعتُقلوا وسِيقوا إلى مصير مظلم انتهى في مقابر جماعية في صحارى العراق، حيث دُفن كثيرون أحياء، في مشهد يجرد الإنسان من كل قيمة. لم يُحرموا فقط من الحياة، بل حتى من حق الموت بكرامة، وكأن وجودهم نفسه كان يجب أن يُمحى بلا أثر.
وجاءت مجزرة حلبجة لتكشف الوجه الكامل لهذه السياسة، حين استُخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين، في جريمة لم تكن استثناءً بل التعبير الأقصى عن نهج قائم بالفعل. لقد أظهرت تلك اللحظة استعداد السلطة لاستخدام كل وسائل الإبادة، وكشفت في الوقت نفسه عن صمت دولي مخزٍ في مراحل كثيرة، صمت ساهم في تعميق المأساة الکردیة وإطالة أمدها.
وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش هذه الجرائم استنادًا إلى الأدلة والشهادات، وأكدت أنها تندرج بوضوح ضمن عملیات الإبادة الجماعية وفق مواثيق الأمم المتحدة. ومع ذلك، لم يمنع هذا الوضوح بعض الأصوات الفاشیة من إنكار الجريمة أو التقليل من شأنها. وهنا لا يتعلق الأمر باختلاف في التقدير، بل بانحدار أخلاقي يصل حدّ التواطؤ. فكل من يبرر الأنفال أو يخفف من وقعها إنما يشارك في إعادة إنتاجها رمزيًا، عبر محو معاناة الضحايا والتشكيك في حقائق موثّقة. التبرير في هذا السياق ليس رأيًا، بل شكل من أشكال العنف المعنوي الذي يوازي الجريمة في قسوته.
إن تمجيد صدام حسين بوصفه"زعيمًا" هو إهانة مباشرة لضحايا الأنفال وحلبجة جمیع الضحایا العراقیین وغیرهم، وتواطؤ أخلاقي مع منظومة القتل وآلة الدمار التي قادها. فالزعامة التي تُبنى على المقابر الجماعية والجرائم المروعة ليست مجدًا، بل وصمة عار، وكل حنين إلى ذلك النظام هو مشاركة، ولو على مستوى الوعي، في استمرار الجريمة. لا يمكن لأي ضمير حي أن يقف على الحياد أمام مأساة دُفن فيها أطفال أحياء، واقتُلعت فيها عائلات بأكملها من الوجود.
ورغم سقوط النظام، فإن العدالة لا تزال ناقصة. فعدد هائل من المقابر الجماعية لم يُفتح بعد، والعديد من العائلات ما زالت تنتظر بقايا أحبائها لتودّعهم كما يليق بالبشر. هذا التأخر لا يُعد مجرد تقصير، بل امتدادًا لأشكال الظلم، إذ يُحرم الضحايا وذووهم من حقهم في الحقيقة والكرامة. إن إغلاق هذا الملف بشكل كامل ليس مسألة إجرائية، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية.
تمرّ السنوات، لكن الأنفال لا تتحول إلى ذكرى بعيدة. إنها جرح مفتوح في الذاكرة الكردية، وشاهد دائم على ما يمكن أن يفعله الاستبداد حين يقترن بالعنصرية. وهي في الوقت نفسه تحذير مستمر، الجريمة التي لا تُدان بوضوح وحزم، تتحول إلى سابقة قابلة للتكرار، والخطاب القومي والمذهبي السائد الآن في العراق یؤکد ذلك.
الرحمة لأرواح الضحايا، واللعنة على نظام البعث الفاشي، وعلى كل من نفّذ أو أمر أو برّر أو صمت. فهذه الجريمة لن تُغتفر، ولن تُنسى، وستبقى شاهدًا حيًا لا يسقط بالتقادم على ضرورة مواجهة الظلم، لا التعايش معه.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اغتيال ليف تروتسكي
- كردستان الحمراء السوفیتیة: بين الحقيقة التاريخية و ...
- هل هناك خوارزمية ثورية تحكم إيران؟
- القضية الكردية وغياب الفهم الصحیح لحقائق التاريخ والجغ ...
- الفدرالية في العراق: أزمة فهم أم غياب التطبيق؟
- العراق: سلطة مشتتة، قرار مجزأ وسيادة مهشمة
- قطارات المنفى: الكرد في مسارات الإقتلاع الستالیني
- تركيا والقضية الكردية: بين إرث السلاح وآفاق السلام.
- بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَ ...
- مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السي ...
- الإختراق الإسرائيلي في إيران ولبنان، والميليشيات تضرب في كرد ...
- بوکچين ملهم أوجلان: أفکار أخفقت في مواجهة الواقع
- الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.
- القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة
- إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟


المزيد.....




- تصعيد في الضفة: حملة اعتقالات واسعة وتنكيل وحشي بعشرات العما ...
- حشد ليوم الأسير.. الاحتلال يشن حملة اعتقالات بالضفة وينكل بع ...
- المفوض الأممي للاجئين: مأساة إنسانية كبيرة يعيشها النازحون ب ...
- مؤتمر برلين للسودان.. حراك دولي بين تحدي الإغاثة وآفاق الحل ...
- حسين شحادي.. مهندس يختار خدمة النازحين
- في محافظتين.. إعدام مدان وانتحار طفل وجريمة تخلّف صدمة!
- اعتقال خلية مستوطنين بتهمة التجسس لصالح إيران وتصنيع عبوات ن ...
- غزة تواجه كارثة بيئية: القوارض تغزو خيام النازحين وإصابات مت ...
- برنامج الأغذية العالمي يدعو إلى تكثيف الجهود من أجل السودان ...
- مليون توقيع أوروبي يطالب بتعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل بسب ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - في ذكرى حملات الأنفال البعثية ضد الشعب الكردي